سياسة النعام
طه حسين
مجلة المصور
٣٠ سبتمبر ١٩٤٦
يتحدث الغربيون عنَّا — هنا وفي بلادهم — بكثيرٍ جدًّا مما نكره … أفندعهم يقولون عنَّا ما يشاءون؟ أم نمنعهم من زيارة بلادنا ونبث حول المقيمين منهم فيها العيون والأرصاد؟ أم نعاقب صحفهم وكتبهم إذا تحدثت عنَّا بغير ما نحب، فنمنعها من دخول بلادنا؟!
هي هذه التي يُملِيها علينا الغرور؛ فقد استقرت في نفوسنا أشياء، كثير منها حق وكثير منها باطل. وليس المهم أن بعضها واقع يسجِّله التاريخ، وأن بعضها الآخر وَهْمٌ نخترعه نحن لأنفسنا اختراعًا، وإنما المهم هو أن هذه الأشياء المختلطة قد خدعتنا عن أنفسنا وألهتنا عن حقائق أمرنا؛ فتناسينا الباطل حتى محوناه محوًا، وغلونا في الحق حتى جعلناه أو كدنا نجعله باطلًا، وأقررنا في نفوسنا أننا قوم قد بلغنا الغاية وانتهينا من طلب الرقي إلى آخر الشوط، فما ينبغي أن يظن الناس بنا غير ذلك، ولا أن يتحدثوا عنَّا بغير ذلك!
وقد يكون من حقنا، أو من الحق علينا، أن نلاحظ في حياتنا هذا العيب أو ذاك، وأن ننقده نقدًا رقيقًا أو رفيقًا، ولكن لا ينبغي لأحدٍ غيرنا أن يدخل في أمرنا بما لا نحب، سواءٌ أكان هذا الذي لا نحبه حقًّا أم باطلًا، وسواء أكان مستقًى بالفعل من حياتنا الواقعة أو مضافًا إلينا عن اختراع وتكلُّف ورغبة في الغض منا والإساءة إلينا.
فليس من شك مثلًا في أن المجد المصري القديم في كثير من عصور التاريخ عظيم، ولا يرقى إليه الشك، ولا يتعرَّض لإنكار أو مِرَاء. ولكن ليس من شك في أن مجد القدماء شيء وخمول المحدثين شيءٌ آخر، وفي أن ما يرقى به القدماء من المصريين في عصورهم المختلفة إلى مراتب الأمم الممتازة شيءٌ وما يهبط به المحدثون من المصريين شيءٌ آخر، وفي أن تفوق القدماء وما أُتيح لهم من نباهة الشأن لا يغير من ضعف المحدثين وما كتب عليهم من خمول المنزلة … هذا هو الحق البيِّن الذي لا ينبغي أن نختلف فيه. ولكنا قد صغنا لأنفسنا من مجدنا القديم حلية رائعة، وضعناها على صدورنا، وخيِّل إلينا أول الأمر — ثم استقر في نفوسنا آخر الأمر — أن جمال هذه الحلية سيُخفي — بل يجب أن يُخفي — على الناس ما في حياتنا الحاضرة الواقعة من أعراض الضعف والقصور.
ثم قررنا فيما بيننا وبين أنفسنا أن الذين يتحدثون عن مصر الخالدة الماجدة التي أقامت هذه الآثار الباقية على الزمن، والتي مدَّت سلطانها في الجنوب إلى أعماق السودان وفي الشرق إلى نهر الفرات وفي الغرب إلى أعماق أفريقيا الشمالية، والتي عبرت بسلطانها البحر الأحمر حتى نشرته على أقطار كثيرة من جزيرة العرب، وعبرت بسلطانها البحر الأبيض حتى أقرَّته في كثير من الجزر، وكادت تقره في بلاد اليونان نفسها؛ قررنا أن هؤلاء هم المنصفون؛ لأنهم يقررون الحق الذي نراه بأعيننا ماثلًا على الأراضي المصرية، والذي نستطيع أن نقرأه في كتب التاريخ حين تصور أيام الفراعنة والبطالمة والفاطميين والأيوبيين والمماليك! قررنا أنهم منصفون؛ لأنهم يقولون لنا ما نحب أن نسمع. فإذا تحدثوا عما أصابنا من المحن في تلك العصور، وعما انتهى إليه أمرنا في العصر الحديث من خمول وذهول ومن خمود وركود، فهم الظالمون؛ لأنهم يذكرون ما يؤذينا ويعيبنا، ويتركون ما يرضينا ويرفع من قدرنا، وما ينبغي أن يُعاب المصريون وهم ورثة الفراعنة والبطالمة وخلفاء الفاطميين والأيوبيين والمماليك!
وقد استقرَّ في أنفسنا أيضًا أن بلادنا غنية كلَّ الغنى ثرية كلَّ الثراء. فالذين يتحدثون عنَّا بمظاهر الغنى والثروة، ويصفون ما ننفق من مال في هذه السبيل أو تلك من سبل الإنفاق منصفون؛ لأنهم يقولون الحق الذي لا شك فيه؛ فأرضنا من أخصب الأرض، وثروتنا من أضخم الثروة، ودولتنا أغنى دول الشرق، وتوشك أن تكون أغنى من دول كثيرة في الغرب، وأفرادنا وجماعاتنا وحكومتنا ينفقون عن سعة فيما شاء الله من وجوه الإنفاق. وهذا كله يدل على أننا قوم أسخياء، لا نحب البخل ولا نطمئنُّ إليه، ولا نرضى بهذه الحياة الضيقة التي يخضع لها الفقراء طوعًا أو كرهًا. ونحن من أجل ذلك نرفع رءوسنا، ونشمخ بأنوفنا، ونثني أعطافنا، حين نقرأ ما يُكتب في الصحف الأوروبية أيضًا عن الترف المصري والبذخ المصري والكرم المصري؛ لأن هذا كله يلائم ما نحب ويجانب ما نكره …
ولكن إذا تحدث الناس عن بؤس البائس وجوع الجائع وجهل الجاهل ومرض المريض، وإذا صور الناس ما تشقى به الكثرة الضخمة في مصر من الحرمان ومن التعرض للآفات المهلكة التي يستتبعها الحرمان، إذا ذكر الذاكرون هذه المدن والقرى التي لا تثبت للنيل إذا تجاوز حدوده، والتي قد لا تثبت للمطر إن كان غزيرًا، إذا قال القائلون إن القارئين الكاتبين في مصر لم يبلغوا العشرين في المائة، وإن الطاعمين الكاسين في مصر لا يبلغون الخمسين في المائة، وإن المستمتعين بثمرات مصر من الأغنياء وأوساط الناس والنزلاء الأجانب لا يبلغون العشرين أو الثلاثين في المائة؛ إذا قيل هذا أو بعض هذا، كان الذين يقولونه ظالمين متجنِّين، يدخلون فيما لا يعنيهم، ويَعرضون لما لا ينبغي أن يعرضوا له من شئون مصر الداخلية التي لا ينبغي أن يخوض فيها إلَّا المصريون!
وكذلك نرضى كل الرضا إذا قال الناس عنَّا ما نحب أن يُقال، ونسخط كلَّ السخط إذا قال الناس عنَّا ما نكره أن يُقال. وهذه هي المنزلة التي ينبغي أن نرتفع عنها ونرى الإقامة فيها خزيًا وعارًا … فما ينبغي أن نسوس أمورنا سياسةَ النعامة التي تكره أن ترى الصائد، يخيل إليها أنها إن غضَّت عينها عنه فسيغض عينه عنها! ذلك أن الأجانب من الأوروبيين وغير الأوروبيين يظهرون من أمرنا على ما نحبُّ كما يظهرون من أمرنا على ما نكره. لم نستطع أن نخفي عليهم آثارنا الماثلة وثراءنا العريض، ولم نستطع — ولن نستطيع — أن نُخفي عنهم ما نشقى به من هذه الآفات الكثيرة التي لا ينبغي أن يشقى بها بلد كريم في هذا العصر الحديث … وإذا أُتيح للأوروبيين أن يروا من أمرنا ما يسرُّ وما يسوء، فلن نستطيع أن نمنعهم من أن يتحدَّثُوا بما رأوا، ومن أن يُذِيعوا من أمرنا ما يعلمون، سواء رضينا عن ذلك وابتهجنا له أو ضقنا به وكنَّا له كارهين!
والشيء الذي ليس فيه شك والذي أشرت إليه في غير هذا الحديث أن الأوروبيين يتحدثون عنَّا في هذه الأيام في بلادهم بكثيرٍ جدًّا مما نكره وقليل جدًّا مما نحب … ويجب أن نكون منصفين، فهم يتحدثون عنَّا بمثل ما نتحدث نحن عن أنفسنا؛ لأنهم يرون ما نرى ويلاحظون ما نلاحظ. والفرق بينهم وبيننا أننا نشقى بما نرى ونلاحظ، وأنهم يقفون من ذلك موقف المتفرجين، وقد يقفون منه أحيانًا موقف المشفقين!
وليس من سبيل إلى أن نمنع الأوروبيين من رؤية ما نرى وملاحظة ما نلاحظ إلَّا أن نمنعهم من زيارة مصر والإقامة فيها، والتنقل بين مدنها وقراها، والاتصال بالأغنياء والفقراء من أهلها؛ أي أن نقطع الصلة قطعًا تامًّا بيننا وبين العالم الخارجي، وأن نبث حول النزلاء الأجانب — إذا لم يكن بُدٌّ من وجود النزلاء الأجانب — أرصادًا كثيرين يُظْهِرونهم على ما نحب أن يظهروا عليه، ويخفون عليهم ما لا نحب أن يعرفوا من أمرنا! ولست أدري أممكن هذا أم غير ممكن، ولست أدري أتستطيع حكومة مصرية أن تُقْدِم عليه أو لا تستطيع! ولست أدري كم تتحمل ميزانيتنا من الجهد لتنفق على هؤلاء الأرصاد! ولكننا إن فعلنا ذلك وبلغنا فيه من النجاح ما نريد؛ عرَّضنا سمعتنا لخطر أعظم ألفَ مرة ومرة من هذا الخطر الذي نَضِيق به الآن … ويكفي أن نتصور ما يُشاع ويُذاع بالحق أو بالباطل عمَّا يجري وراء الستار الحديدي الذي يُقال إن روسيا قد ألقته بينها وبين العالم الخارجي، حتى لا يعرف العالم من أمرها إلَّا ما تريد هي أن يعرف، لا ما ينبغي له أن يعرف …!
يكفي أن نتصور هذا لنستيقن أن من غير الممكن ومن غير المستحسن أن نلقي بيننا وبين العالم الخارجي ستارًا صفيقًا أو رقيقًا.
فهذه الأستار لا تُغنِي في حقيقة الأمر شيئًا. ونحن بالطبع لا نستطيع أن نرهق الأوروبيين من أمرهم عسرًا، ولا أن نلزمهم في بلادهم — بل في بلادنا — ألَّا يتحدثوا عنَّا إلَّا بما نحب. وإذن فأمامنا سبيلان يخيَّل إلينا أن ليس لهما ثالثة … السبيل الأولى أن ندعهم يقولون ما يشاءون، وأن نَقبل منهم ما يسرنا ونُعرِض عما يسوءنا، السبيل الثانية أن نعاقب صحفهم وكتبهم إذا تحدثت عنَّا بغير ما نحب، فنمنعها من دخول الأرض المصرية كما تعودت حكوماتنا المختلفة أن تفعل بين حين وحين. وقد يكون من الخير أن نلاحظ أن منع هذه الصحف والكتب سلاح ذو حدين، قد يؤذي الأوروبيين ولكنه يؤذي المصريين؛ لأنه يمنعهم من القراءة، ومن قراءة ما يكرهون بنوع خاص، ولست أعرف شيئًا أنجعَ في تربية الأمم وتقويم سيرتها من أن تسمع ما تكره بين حين وحين … وهذا هو الذي يخيِّل إليَّ أن هناك سبيلًا ثالثة قد يكون من الخير أن نسلكها، وهي أن نصلح من أمرنا، ونظهر الجد في هذا الإصلاح، ونأخذ أمرنا فيه بالحزم والعزم لا بالدعاية والمزاح.
هنالك يتحدث الأجانب عنَّا أحسن الحديث؛ فنجد في حديثهم هذا تشجيعًا على المضي في الإصلاح. وقد يتحدثون عنَّا أحيانًا بما نكره؛ فينفعنا هذا الحديث؛ لأننا نستعين به على تقويم المُعْوَجِّ من أمرنا. هذه فيما أعلم سياسة الرجال؛ فمتى يعتمد المصريون على الله ويستقبلون سياسة الرجال هذه معرضين عن سياسة النَّعَام؟!
Tag: Deception
-
خداع
حديث المساء: خداع
طه حسين
كوكب الشرق
٢٦ فبراير ١٩٣٤
أَمَّا أن المصريين ضيقون بهذا العهد السعيد الذي ينعمون بخيراته وبركاته منذ أربعة أعوام،
فذلك شيء لا شك فيه، ولَعَلَّ أشدهم ضيقًا بهذا العهد وأحرصهم على أن يزول، هم الذين أحدثوه
أنفسهم، بعد أنْ بلوا ما بلوا من ثمراته، وجنوا ما جنوا من حسناته، ولعل صدقي باشا نفسه أشدهم
الآن كرهًا لهذا العهد وتبرُّمًا به وحِرْصًا على أن يزول بعد أن أسَّس ما أسَّس، وشيَّد ما
شيَّد، ثم نظر فإذا هو ينبذ نبذًا ويطرح إطراحًا، وينتهي إلى حال سيئة رديئة لم يكن في مثلها
يومًا من الأيام.
ولعلَّ الرَّجل الطيب نفسه ليس أقل من صدقي باشا زهدًا في هذا العهد، وتبرمًا بما يحمله من
الأثقال، وتمنيًا للخَلَاصِ من أوزاره وللظفر بِحُسْنِ العاقبة بعد هذه المخاطرة التي أقْدَمَ
عليها يوم تولَّى الحكم، فلم يصنع شيئًا بينما حمَّل نفسه من المتاعب والتبعات ما كان
مُسْتَرِيحًا منه قبل أن يُدفَع إلى ما دُفِع إليه.
وليسَتْ أحاديثُ الناس قليلة عن قلق الرَّجل الطيب في مكانه وزُهْدِهِ في منصبه، وحِرْصِهِ
على أن يخرج منه لا له ولا عليه، فإجماعُ المصريين على كُرْه هذا العهد والرَّغبة في انقضائه
على أي حال من الأحوال واضحٌ لا غُموض فيه، وإذا لم يكن بدٌّ من أن تستثني أحدًا من هذا
الإجماع، فقد تستطيعُ أن تستثني أشخاصًا معدودين يستمتِعُون بِمَا يكفل لهم هذا العهد من قوة
وبأس وسُلطان لم يكونوا ليحلموا بها في غيره من العهود، وقد تستطيع أن تستثني معهم أفرادًا
آخَرين يكرهون هذا العهد فيما بينهم وبين أنفسهم، ثم يُحِبُّونه إذا تناولوا أقلامهم
وتَجَرَّدُوا للكتابة والتحرير في بعض الصحف؛ لأَنَّهُم مضطرون إلى أن يعيشوا، وللعيش أثقال
وتكاليف.
ولعلك إذا فرغت من هذا الاستثناء ثم أردتَ أَنْ تتبيَّن مَصْدَر زهد المصريين في هذا العهد
السعيد، انتهيت إلى عِلَّةٍ واحدةٍ هي أنَّ المصريين قوم بطرون، لا يرضون عن شيء، ولا يطمئنون
إلى شيء، ولا يُحْسِنُون شكر النعمة، ولا يُحِبُّون الاعتراف بالجميل، فهم قد سئموا — وما أسرع
ما سئموا — هذه الحياة الحلوة التي فتح لهم صدقي باشا أبوابها وأذاقهم لذاتها، وسئموا — وما
أسرع ما سئموا — حلاوةَ هذا العيش اللذيذ الذي ترخص فيه الدماء والنفوس، وتهون فيه الحرمات
والكرامات، ويطغى فيه الفقر حتى على الذين لم يكن يستطيع أن يفكِّر فيهم، ويفسد فيه الحكم حتى
يُصبِح فساده موضوع السمر ولَهْو الحديث، وتسوء فيه الأخلاق حتى تهون الضمائر على أصحابها، وإذا
هي تعرض للبيع، وإذا هي تباع بأبخس الأثمان، ولعلها تباع بالابتسامة الحلوة، والوعد الكاذب،
والأمل الخدَّاع.
سئم المصريون هذا كله، وكان من حقهم أن يُحِبُّوه، ويسألوا الله المزيد منه، لولا أَنَّهم
مفطورون على كفر النعمة وجحود الجميل، وعلى هذا الغرور الذي يخيِّل إليهم أنهم كغيرهم من الناس
يستطيعون أنْ يَطْمَعُوا في العَدْلِ، ويَطْمَحُوا إلى الخير، ويحرصوا على الإنصاف، ويسموا إلى
أن تُسَاسَ أُمورهم كما تُسَاس أُمور الأُمَمِ الأخرى في ظِلِّ الحرية والنظام والقانون،
ويَرْتَفِعُوا إلى أن تقوم سياستهم على التسوية بين الأغنياء والفقراء، وبين الأقوياء والضعفاء،
وبين الحاكمين والمحكومين، ولكن ماذا تصنع وقد خلق الله المصريين مغرورين يرون أنهم كغيرهم من
الناس، يستطيعون أن يكرهوا الشر وينفروا منه، وأن يحبوا الخير ويرغبوا فيه.
خُلِقوا كذلك فضاقوا بهذا العهد ضيقًا لم يتفقوا على شيء كما اتفقوا عليه، وصبروا مع ذلك على
هذا العهد صبرًا لم ينجحوا في شيء كما نَجَحُوا فيه، وثبتوا لفتنة هذا العهد ثباتًا يستطيعون أن
يفاخروا به، وأن يزعموا أن أممًا قليلة جدًّا في هذا العصر الحديث تستطيع أن تزاحمهم
فيه.
خُلِقوا كذلك فأنكروا وصبروا وثبتوا وقاوموا، واضطروا ظالميهم إلى الإخفاق والإِفْلَاس،
أكرهوهم على أنْ يَعْتَرِفوا بأنَّهم لا بُدَّ لهم من تغيير السياسة والعدول عمَّا مضوا
فيه.
كل هذا حَقٌّ لا يقبل الشك، ولا يحتمل النزاع، كان بعضُ الناس يُنْكِرُه وأصبح الناس جميعًا
يُؤمنون به. كان الإنجليز ينكرونه فأصبحوا أسرع إلى إعلانه من المصريين وأرغب في تغييره من
المصريين، ولكن هذا شيء وما يظنه الإنجليز أو ما يُظهِر الإنجليز أنهم يظنونه شيء آخَر،
فالمصريون لا يُريدون أن يَخْرُجوا من شَرٍّ لِيَقَعُوا في شَرٍّ آخَر، وَلَا أَنْ يبرءوا من
خِزْي ليتورطوا في خِزْي أشد منه نكرًا.
المصريون لا يريدون أن يخرجوا من هذا العهد الذي يظلمهم فيه الإنجليز وهم يتكلفون الحياد، إلى
عهد آخَر يظلمهم فيه الإنجليز جهرةً، ويذلهم فيه الإنجليز عنوةً، ويتحدَّث فيه الإنجليز إلى
أنفسهم وإلى الناس بأنهم لا يظلمون المصريين إلا برضا منهم وطاعة، وعن إقرار منهم وقبول.
والمصريون يعرفون حَقَّ المعرفة أنَّ ما يعرضه عليهم الإنجليز في مقالة التيمس وغير مقالة
التيمس إنما هو الذل بأبشع مظاهره، والظلم في أقبح صوره وأشكاله، فليسَ أَقْبَح ولا أشنع ولا
أبعد عن الكرامة من هذه الحياة التي يَنْزِلُ أصحابها عن حقهم في أن يكونوا رِجَالًا يرعون
أنفسهم فيخطئوا ويُصيبوا، ليكونوا قطعانًا يرعاها غيرها من السادة الأجانب، فيكفلوا لها الماء
والمرعى، ويضمنوا لها ظاهرًا من العدل والمساواة.
هذا هو الذي يُرِيدُه الإنجليز، وهذا هو الذي يعرضونه على المصريين إن كان ما نشرته التيمس
يوم الجمعة مصوِّرًا لرأي فريق منهم غير الرجل الذي كتب هذا المقال، والإنجليز عندنا أذكى وأمهر
وأعرف بالحياة والأحياء، وأبصر بمصر والمصريين من أن يُصَدِّقوا فيما بينهم وبين أنفسهم أنَّ
المصريين يرضون منهم هذا التدخل الذي يروجون به ويرغبون فيه، والإنجليز عندنا أذكى وأمهر من أن
يضلِّلوا أنفسهم إلى هذا الحد، ولكن الإنجليز قوم أقوياء، وهم إذا استجمعت لهم القوة لا يحفلون
بأحد ولا يحفلون بشيء، ولا يتحرَّجون من أن يتكلَّفوا خداع أنفسهم وخداع الناس، ومن أن يتخذوا
ذلك وسيلةً إلى تحقيق ما يُرِيدون. وهم الآن يتكلَّفون خداع أنفسهم ويتكلَّفون خداع الناس،
ويُخَيِّلون إلى أَنْفُسهم وإلى الناس — ويضحكون فيما بينهم وبين ضمائرهم — أَنَّهُم سيَقُومون
من مصر مقام المنصِف المنقِذ الذي يكشف الضر ويرفع الشر، ويُحَقِّقُ العدل والإنصاف والمساواة،
فمن الحق علينا نحن أَلَّا نقصر في أن نبيِّن للإنجليز وللناس ولأنفسنا أننا نفهم خداعهم حق
الفهم، ولا تفوتنا منه صغيرة مهما تكن، وإننا نعلم حق العلم أنهم هم الذين أقاموا هذا العهد
الذي نشكوا منه ونضيق به، أقاموه بيد صدقي باشا، وأنصار صدقي باشا، وأشباه صدقي باشا، وأقاموه
تأديبًا لنا؛ لأننا لم ننزل في المفاوضات عند ما كانوا يريدون، ولم نقبل في المفاوضات ما كانوا
يعرضون، أقاموه وجَدُّوا في إقامته وأفعموه بكل ما ذقنا فيه من الآلام والآثام، وظَنُّوا أَنَّ
الدرس سيكون قاسيًا، وأنَّه لِذلك سَيَكُون نافعًا رادعًا، وأننا إذا اكتوينا بنار الظلم فسنجنح
إلى السلم وسنتواضع فيما نطلب، وسنرضى منهم ما يتفضلون به علينا من راحة الأذلاء، الذين لا حظ
لهم من كرامة ولا عزة، ولا أمل لهم في حرية واستقلال.
وقد رأى الإنجليز — وهم محنقون — أن تأديبهم لم يؤدِّب أحدًا، وأن دروسهم لم تنفع أحدًا، وأن
قسوتهم لم تردع أحدًا، وأن نار الظلم إن آذتنا فإنها لم تُذِبْ نفوسًا ولم تُضعِفها، وإنما
زادتها قوةً إلى قوة، وصبرًا إلى صبر، وثباتًا إلى ثبات. رأوا هذا ورأوا أنهم عاجزون عن
خِدَاعِنَا؛ فاضطروا إلى ما يضطر إليه القوي اليائس من خداع أنفسهم، فهم الآن يخدعون أنفسهم،
وهم الآن يقولون لأنفسهم ما لا يقوله لهم أحد، ويطلبون من أنفسهم ما لا يطلبه إليهم أحد،
ويخيِّلون إلى أنفسهم أننا لاجِئُون إليهم، لائذون بهم، ننتظر منهم الإغاثة والعون. كلا، لسنا
لاجئين إليهم ولا لائذين بهم، وما ينبغي لنا ذلك، وما ينبغي لهم أن ينتظروا منَّا إلا ما ينتظره
الخصم القوي من الخصم القوي، لهم البأس والبطش، لهم العدد والعدة، لهم الجند والسلاح، لهم
الأساطيل التي تملأ البحر، والطيارات التي تملأ الجو، ولكن لنا نحن الصبر والثبات والاستمساك
بالحق. وما دام الإنجليز عاجزين عن إفنائنا، ومحونا من الأرض محوًا، فإنهم سيجدون منا دائمًا
خصمًا قويًّا عنيدًا يصيبه الظلم، وينزل به العذاب، وتلمُّ به الكوارث والأحداث، فلا يزيده ذلك
إلا عزةً وإباءً واستمساكًا بالحق، وعنادًا في الخصومة.
والإنجليز قوم مُجَرِّبُون، وهم قد جرَّبوا مُصَارعة الشعوب، وهم قد جرَّبوا أخذ الأمم بالعسف
والظلم، وهم قد علموا من هذه التجربة، أنَّ الشُّعوب الحية لا تصرع ولا يصرفها الظلم عمَّا تريد
من الحرية والاستقلال.
فَلْيخدع الإنجليز أنفسهم ما شاءوا، وَلْيضلل الإنجليز أنفسهم ما أحبُّوا، فلن يغني عنهم ذلك
شيئًا، ولن يُعْفِيهم ذلك من أن يَرَوا مصر قائمة أمامهم تُطالِبهم بالحق، وتنازِعهم فيه، وتلقى
ظلمهم بشر ما يذيب الظلم والظالمين، وهو الإصرار على الحق والامتناع على الضيم. والإنجليز أحرار
في أن يختصروا الطريق أو يُطِيلوها، فهم إن أرادوا لأنفسهم الرَّاحة والعافية اعترفوا بالشعب
المصري وتحدَّثوا إليه، واتفقوا معه، ونزلوا له عن حقه، وهُمْ إن أرادوا أن يُطِيلوا الطَّريق
سَلَكُوا ما سَلَكُوا منذ أقاموا عهد صدقي باشا، فغيَّروا عهدًا بعهد، وبدَّلوا شكلًا بشكل،
وتراءوا للناس في مظاهر مختلفة، وتحدَّثوا إليهم بأحاديث مختلفة، وخرجوا من إخفاق ليدخلوا في
إخفاق، وانتهوا بعد الجهد والعناء، وبعد اقتراف الآثام واجتراح السيئات، إلى ما يستطيعون أن
ينتهوا إليه اليوم، وإلى ما كانوا يستطيعون أن ينتهوا إليه أمس، من الاتفاق الشريف مع الشعب
الذي لن يرضى إلا أن يكون شريفًا. -
عوجاء
عوجاء
نعم عوجاء، شديدة العوج، ملتوية شديدة الالتواء هذه الطريق التي تعلن فيها إلى الناس أنك ستسلكها إلى الخير والإحسان، وإلى البر والمعروف، حتى إذا مضيت فيها تقطع الآماد والأشواط، وتنهب الأرض نهبًا، تبيّن للناس أنك لا تسلكها إلى الخير والإحسان، ولا إلى البر والمعروف، وإنما تسلكها إلى الإذاعة عن نفسك ونشر الدعوة لما تحب أن يظن الناس بك ويرون فيك، والتخييل إلى الناس أنك رفيق بهم على حين أنك رفيق بنفسك، حريص على منفعتهم على حين أنك حريص على منفعة نفسك، جادّ في خدمتهم على حين أنك جادّ في أن تخدعهم عن نفسك وتلهيهم عمّا كان يجب أن ينهضوا به من السعي إلى الخير والاجتهاد في الإصلاح، تُخيّل إليهم أنك ستقوم بذلك عنهم وستكفيهم مؤنته ومشقة الجد فيه والسعي إليه، فإذا صدّقوك واطمأنّوا إليك وأولوك ما تطلب من ثقة ومنحوك ما تريد من تأييد، أعرضت عنهم وعن آمالهم، ولم تصنع لهم شيئًا، كأنك لم تعدهم بشيء وكأنك لم تعاهدهم على شيء.
نعم، عوجاء شديدة الاعوجاج، ملتوية شديدة الالتواء هذه الطريقة التي يسلكها بعض الناس، يعلنون أنهم يبتغون بسلوكها وجه الله، فإذا هم يمضون إلى ما لا يلائم رضا الله ولا رضا الناس، وإنما يلائم أغراضًا غير واضحة، وأعراضًا غير بيّنة، وأهواء أقل ما توصف به أنها لا تليق بكرام الناس.
وما أكثر ما يسلك الناس هذه الطرق المعوجة، وما أكثر ما يمضي الناس في هذه السبل الملتوية إذا فسدت أمور الحياة العامة واضطرب رأي الناس فيها وتقديرهم لها وحكمهم عليها. هنالك يظهر المنتفعون والمنتهزون للفرص، وهنالك يظهر العابثون واللاعبون بالعقول. وهنالك تصبح المنافع العامة خدعة من الخدع، وتعلّة من التعلات، ووسيلة إلى تحقيق المآرب الخاصة، وسببًا إلى قضاء الحاجات. وهنالك يكثر الفساد، ويزداد انتشارًا، وتعظم الأثرة وتشتد سيطرتها على القلوب والنفوس. وهنالك يضعف تقدير الناس للمنفعة العامة وتفكيرهم فيها ورعايتهم لحرمتها. وهنالك يصبح الناس فرديين، لا يعني كل واحد منهم إلا بنفسه، يدفع عنها ما يستطيع دفعه من الشر، ويجر إليها ما يستطيع جره من الخير. وهنالك يضعف الروح الوطني وتنحل قوة التضامن، ويصبح الناس وقد لهوا عن قوميتهم، وشُغلوا عن وحدتهم، وأصبح كل طامع قادرًا على أن يذلهم فيمعن في إذلالهم، ويستغلهم فيغرق في استغلالهم، ويسخرهم لما يريد دون أن يخشى رقيبًا ولا حسيبًا.
هذه ظاهرة من ظواهر الحياة العامة في كل بلد من البلاد يُصاب بمثل هذه الأزمات السياسية والخلقية والاقتصادية التي تشقى مصر بها في هذه الأيام. وإنك لقادر على أن تشهد هذه الظاهرة وتحققها، وتأسف أو لا تأسف حين تشهدها وتحققها في كثير من أنحاء الحياة المصرية. فما أعظم الفرق بين ما يقول كثير من الناس وما يعملون، وما أبعد الأمد بين ما يظهر كثير من الناس وما يضمرون. كل الناس إذا تحدثت إليهم محبّ لمصر، عطوف عليها، رؤوف بها، مؤثر لها على نفسه. فإذا بلوت أعمال الناس فكثير منهم من يحب نفسه ويعطف عليها، ويرأف بها ويؤثرها على كل شيء، ويؤثرها على مصر قبل أن يؤثرها على أي شيء. ولولا انتشار هذا النوع من النفاق في حياتنا الاجتماعية، ولولا انتشار هذا النوع من الفرق بين ما يقول كثير من الناس وما يعملون، لما شقيت مصر بهذه الحال السيئة التي شقيت بها منذ أعوام.
وكم نحب أن يبرأ فريق من المصريين، فريق بعينه، من حب هذه الطرق الملتوية العوجاء، لأنها لا تلائم طبيعة مركزه، ولا تلائم ما يريد الناس أن يروا فيه وأن ينتظروا منه. كم نحب أن تكون طريق علماء الدين أبرأ الطرق من الاعوجاج، وأبعد الطرق عن الالتواء، وأقرب الطرق إلى الصدق والإخلاص والنصح لله وللمسلمين، والملاءمة بين ما يسرّون وما يعلنون، وبين ما يعملون وما يقولون. هؤلاء علماء الدين قد سكتوا وسكنوا، وأطالوا السكوت والسكون، فأنكر الناس عليهم ذلك. ثم قالوا ونشطوا وأكثروا القول وأمعنوا في النشاط، فحمد الناس لهم ذلك، ولكن سكوتهم وسكونهم كانا يضران ويجلبان على الناس شرًّا كثيرًا. فكان من حق الناس أن ينكروا ويلوموا، وكان من حق الناس أن ينتظروا من قول هؤلاء الشيوخ ونشاطهم خيرًا كثيرًا. فماذا أفاد الناس من قول الشيوخ حين قالوا، ومن نشاط الشيوخ حين نشطوا؟ لقد مضى شهر ونصف شهر منذ نهضت هيئة كبار العلماء تدعو إلى سبيل الله، وتذود عن دين الله، وفي هذا الشهر الذي مضى وفي نصف الشهر الذي تبعه اجتمع الشيوخ واجتمعوا، وقال الشيوخ وقالوا، وعمل الشيوخ وعملوا. ثم يتساءل المسلمون اليوم عن نتيجة هذا كله، فيذكرون قول أبي العلاء حين أنشد لبعض شعراء الغرب الإسلامي، وسئل عن رأيه فيما سمع فقال: كأني أسمع رحى تطحن قرونًا، أي أنه كان يسمع جعجعة ولا يرى طحنًا.
وكذلك يسمع المسلمون كلامًا كثيرًا من شيوخ الأزهر، ويرى المسلمون نشاطًا عظيمًا من شيوخ الأزهر، ولكنهم لا يظفرون من هذا الكلام الكثير، ومن هذا النشاط العظيم بشيء يسير.
لقد علمت هيئة كبار العلماء أن المسلمين يفزعون إليها ويلحون في الفزع لتجدّ في إنقاذ هذه المرأة المسلمة التي تسمى نظلة غنيم، والتي ما تزال لغير المسلمين عليها سبيل، والتي لا تستطيع أحكام الله أن تنفذ فيها، ولا أن تردها إلى أهلها، ولا أن تصرف عنها المكروه، لأن حكمًا من أحكام المجلس الملي الإنجيلي يقوم دون أحكام القضاء الإسلامي فيعترض سبيلها ويحول بينها وبين النفاذ. تعلم هيئة كبار العلماء هذا كله وتسمعه في كل يوم وتقرؤه في كل يوم، وهي تجتمع وتجتمع. فنحب أن نعلم ماذا فعلت لتنفذ أحكام الإسلام في بلد من بلاد الإسلام، مع أن هذه الأحكام لا تناقض الدستور، ولا تخالف القانون، ولا تعرض مصر لخطر من الأخطار. نحب أن نعلم أي سعي سعت هيئة كبار العلماء عند الوزارة لتنفذ هذه الأحكام، ولترعى هذه الحرمات، وماذا أنتج هذا السعي عند الوزارة، وبماذا لقيته؟ أبالقبول أم بالاعتراض؟ فإن تكن الأولى فما بال هذه الفتاة المسلمة لم ترد إلى أهلها المسلمين؟ وإن تكن الثانية فما بال هيئة كبار العلماء لم تنكر ولم تحتج ولم تعلن إلى المسلمين عجزها عن حماية الإسلام، وبراءة ذمتها من هذا العبء الذي نهضت به وهي لا تقدر عليه؟ والأمر أشد خطرًا من أن يكتفى فيه بكلام يقال وصمت يطول. فلابد من أن يعلم المسلمون إلى أي حد كانت الوزارة جادة فيما وعدت به من حماية الإسلام، وإلى أي حد كانت هيئة كبار العلماء جادة فيما أخذت نفسها به من الذود عن الإسلام.
زعموا أن مفاوضات تجري بين الوزارة ودار المندوب السامي في إصدار قانون ينظم مراقبة التبشير والمبشرين. وقد طلبنا إلى الوزارة أن تقول في ذلك فلم تسمع لنا ولم تحفل بما طلبنا. فنحب أن نعلم: أيراد أن يظل أمر هذه الفتاة المسلمة الأسيرة معلقًا موقوفًا حتى يصدر هذا القانون؟ ولعل بين مواده ونصوصه ما يجعلها خالصة للمبشرين. أم يراد أن يفصل في أمر هذه الفتاة بما يرضي الله والقانون والدستور قبل أن يصدر هذا التشريع الجديد؟ سؤال ينتظر جوابًا، وينتظر جوابًا صريحًا سريعًا من هيئة كبار العلماء ومن لجنتها التنفيذية بوجه خاص، ومن صاحبَي الفضيلة شيخ الأزهر ومفتي الديار المصرية بوجه أخص. فقد كثر الكلام في هذا الموضوع وطال الصمت. وقد اشتد الإلحاح في هذا الموضوع، وطال الإعراض، وآن للناس أن يعرفوا: أهم من أمر التبشير والمبشرين في جد أم في هزل؟
هناك طريقان: إحداهما واضحة مستقيمة، وهي السعي الصريح في إنفاذ أحكام الإسلام، أو الإعلان الصريح للعجز عن ذلك.
والأخرى عوجاء ملتوية، وهي المماطلة والمراوغة والإعراض والإغضاء، وإكثار القول وإقلال العمل. وواضح أننا نحرص أشد الحرص، ونتمنى ما وسعنا التمني، أن تسلك وزارتنا وشيوخنا تلك الطريق المستقيمة، لأننا نكبر وزارتنا وشيوخنا عن التورط في كل طريق ملتوية عوجاء.
كوكب الشرق في ٨-٨-١٩٣٣ -
تلهية
تلهية
تحدثت زميلتنا «السياسة» الغراء صباح اليوم إلى قرائها بحديث إن صح ما فيه كان فضيحة لا كالفضائح، ونكرًا لا كغيره من النكر الذي تعود الناس أن يشهدوه في هذه الأيام.
تحدثت السياسة بأن وزير الداخلية القيسي باشا عبث بمجلس النواب وبالأمة المصرية كلها حين زعم للنائب الذي سأله مساء الأربعاء في أمر المبشرين أن الحكومة تريد أن ترصد سبعين ألفًا من الجنيهات لإنشاء ملاجئ ومدارس تؤوي إليها الفقراء والبائسين من أبناء المسلمين وبناتهم لتجعلهم في مأمن من عدوان المبشرين على دينهم وأخلاقهم وأعراضهم.
تحدثت السياسة بأن وزير الداخلية القيسي باشا قد عبث بمجلس النواب وبالمسلمين جميعًا من أهل مصر حين قص عليهم هذه القصة لأن الحكومة لم تفكر في إرصاد هذا المال لعلاج التبشير ولا لحماية أبناء المسلمين وبناتهم من المبشرين، وإنما أرصدته لتنفيذ قانون آخر أقره البرلمان، ولم يكن بينه وبين التبشير والمبشرين صلة، وهو القانون الذي يقضي بمنع التسول. وإذن فقد قال وزير الداخلية القيسي باشا ـ إن صح ما جاء بالسياسة ـ للنواب وللمسلمين غير الحق. وإذن فقد ظفر وزير الداخلية القيسي باشا بثناء النواب وشكر الشاكرين له من المسلمين، لأنه قال لهم غير الحق، وخيل لهم ما لم يقع، وصور لهم ما لم يكن، وأنبأهم بأن الحكومة تفكر فيما لم تفكر فيه.
وإذن فقد تعمد وزير الداخلية القيسي باشا ـ إن صح ما جاء بالسياسة ـ أن يلهي الناس عن المبشرين، فحاول ذلك وسلك إليه طريقًا لا ندري أين يقع من فضائل الإسلام ومكارم الأخلاق، لا سيما الأخلاق التي تلائم كرامة الوزراء ومناصب الدولة الكبرى، وإذن فقد كان الأمر كله تلهية، وتلهية بغير حق.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد ولكن الوزراء جميعًا أقروا زميلهم بالسكوت عما قال ووافقوه على ما زعم فشاركوه في تبعاته الخلقية والدينية، فهم جميعًا قالوا لمجلس النواب وللمسلمين ـ إن صح زعم السياسة ـ غير الحق. وهم جميعًا حاولوا صرف الناس عن المبشرين وأعمالهم بهذا النبأ الذي لا يصور الحق، ولا يقف الأمر عند هذا الحد، فإن للوزارة صحفًا تؤيدها وتدعو لها، وتثني عليها، وقد استغلت هذه الصحف موقف وزير الداخلية فأذاعته وبشرت به، وغلت وما زالت تغلو في حمده والثناء عليه. وإذن فهذه الصحف تشارك الوزراء في إذاعة غير الحق، والتلهية بغير حق، وصرف الناس عن المبشرين بهذه الأنباء التي لا تلائم الحق.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، فقد زعمت صحيفة الشعب أن هذا المقدار كان كبيرًا، ولكن حضرة صاحب الجلالة الملك لم يرض به، بل أمر فرفع إلى السبعين ألفًا. وإذن فقد استباحت صحيفة الشعب لنفسها ـ إن صح ما تحدثت به السياسة ـ أن تتحدث عن حضرة صاحب الجلالة الملك بغير حق. واستباحت صحيفة الشعب لنفسها ـ إن صح ما تحدثت به السياسة ـ أن تموه على الناس، وتدعو للوزارة باسم جلالة الملك، ومقام جلالة الملك أرفع وأعلى وأكرم على المصريين جميعًا من أن يتخذ وسيلة إلى الدعاية، ولا سيما حين لا تعتمد هذه الدعاية على الحق. فإن من الهين على الناس أن يعد الوزراء ويخلفوا، ومن الهين على الناس أن يقول الوزراء ثم لا يدققوا في القول، ولكن الشيء الذي لا ينبغي ولا ينبغي أن يؤذن به أو يصر عليه أن تذاع الوعود باسم حضرة صاحب الجلالة الملك، ثم يتبين الناس أنها لم تكن حقًا، وأنها لم تصدر عن جلالة الملك، وإنما اخترعت اختراعًا، واتخذت وسيلة للدعاية السياسية من جهة، ولصرف الناس عن المبشرين من جهة أخرى.
كوكب الشرق في ٢٠ – ٦ – ١٩٣٣