Tag: decolonization

  • الاستعمار …

    الاستعمار
    طه حسين
    جريدة الجمهورية
    ٦ أغسطس ١٩٦٠

    كيف عرف أهل الكونغو … حقوقهم؟
    كان أرسطاطاليس يرى أن الرق ظاهرة طبيعية لا تستقيم حياة الناس بدونها، وكان يرى أن الطبيعة قد قسَّمت الناس إلى قسمين؛ أحدهما يأمر والآخر يطيع. وكان رأي أرسطاطاليس هذا ملائمًا كل الملاءمة لعصره وبيئته، ثم جاءت الحضارة الحديثة بعد كثير من الثورات وبعد ألوان كثيرة من التطور أيضًا، فاحتملت الرق وقتًا ما ثم أنكرته أشد الإنكار وضاقت به أعظم الضيق، ورأته مخالفًا أشد المخالفة لما ينبغي للإنسان من الكرامة والاستمتاع بحقه في الحرية التي تجعله مالكًا لأمره كله، وتعصمه من أن يُباع ويُشترى كما تُباع السلع وتُشترى.

    وظن المصرِّفون لأمور الأمم الحديثة ذات الحضارة الراقية الممتازة التي لم تعرف الإنسانية مثلها في عصر من العصور، أنهم بذلك قد حققوا أصلًا من أصول الحضارة بأدق معنى هذه الكلمة وأوسعه وأعمقه؛ وهو تحقيق المساواة بين الناس، ولم ينسوا إلا شيئًا واحدًا وهو أنهم قد ألغوا بيع الأفراد وشراءهم، ولكنهم لم يلغوا الرق في نفسه ولم يحققوا المساواة بحال من الأحوال؛ ذلك لأنهم ألغوا استرقاق الأفراد وألغوا أسواق الرقيق التي يُباع فيها الأفراد ويُشترون، ولكنهم ابتكروا شيئًا آخر أشنع شناعة وأبشع بشاعة من استرقاق الأفراد وهو استرقاق الأمم والأوطان.

    فليس الاستعمار في حقيقة الأمر إلا نوعًا بشعًا منكرًا من أنواع الاسترقاق، يُتيح للأمة القوية الماهرة أن تملك أوطان الأمم الضعيفة الغافلة بكل ما فيها وبكل من فيها. تملك الأرض وتستأثر بما فيها من الخيرات، وتتخذ أهل هذه الأرض وسيلة من وسائل الاستغلال، وتعامل هذه الأرض ومن فيها معاملة ليست أقل نكرًا من معاملة الأحرار للأرقاء في عصر أرسطاطاليس، بل قبل هذا العصر وبعده. وذلك أن الأرقاء كانوا يجدون الوسائل إلى تحرير أنفسهم؛ يشترون أنفسهم من سادتهم بالمال القليل أو الكثير، وربما احتال الرقيق في إرضاء سيده حتى يؤثره بالكرامة ويمن عليه بالحرية، وربما فرضت الديانات أو القوانين تحرير الرقيق في بعض الظروف.

    أما الاستعمار فليس من هذا كله في شيء، إنما هو رق لا فكاك منه إلا بالعنف العنيف والثورات الجامحة، والذي نشهده في هذا العصر إنما هو الصراع بين المستعمرين ومستعمراتهم، يريد المستعمرون أن يستمسكوا بالسيطرة على مستعمراتهم إلى آخر الدهر إن أُتيح لهم ذلك، ولكن ذلك لا يُتاح لهم لأن الإنسان يرقى من يوم إلى يوم، ولأن هذا الرقي ليس مقصورًا على جنس ممتاز من الناس وإنما هو ميسر للناس جميعًا، وميسر لهم بفضل الحضارة الحديثة نفسها التي ابتكرت الاستعمار وأتاحت لقلة من الناس يعيشون في جزء ضئيل من الأرض أن يملكوا أكثر الأرض وأكثر الناس. فالحضارة الحديثة قد أشاعت التعليم وابتكرت الصحافة واخترعت ألوان المواصلات على اختلافها، وحببت إلى المستعمرين أن ينقلوا كثيرًا من مبتكرات الحضارة إلى مستعمراتهم؛ ليحسنوا استغلالها ويأخذوا منها أكثر مما يمكن أن تعطيهم. فهم يرسلون من أبنائهم من يقوم على استغلال الأرض وأهلها، وهم يُعلِّمون أهل هذه الأرض حظوظًا ضئيلة من العلم تهيئهم للعمل فيما يُسَخَّرون له من ضروب الاستغلال. وبإرادة المستعمرين أحيانًا وبغير إرادتهم غالبًا تتصل المستعمرات بالعالم الخارجي وتشعر بالفرق بينها وبين سادتها، ويشعر أهلها بأنفسهم قليلًا قليلًا، ويظفرون بحظوظ مختلفة من المعرفة تشعرهم بأن لهم بعض الحقوق وبأن عليهم بعض الواجبات، وبأن الحقوق التي لهم منتزعة منهم غصبًا وظلمًا، وبأن الواجبات التي عليهم لا ينبغي أن تؤدى للمستعمرين، وإنما ينبغي أن تؤدى لإخوانهم ومواطنيهم الذين يشاركونهم في الشقاء والذل، ويعيشون مثلهم عيشة البؤس والهوان. ويشيع هذا الشعور بالحقوق المغصوبة وبالواجبات التي ينبغي أن يؤديها الناس لأنفسهم ولمواطنيهم، ويبدأ الضيق بالاستعمار، ثم لا يلبث أن يقوى وينتشر وتضطرم ناره في القلوب، ثم تتجاوز القلوب إلى الألسنة، ثم تتجاوز الألسنة إلى الحياة الظاهرة وإلى الصلة بينهم وبين سادتهم المستعمرين، ثم ينتهي الأمر إلى الثورة بهؤلاء السادة؛ ويبدأ في سبيل استرداد الحقوق المغصوبة، وأولها الحق في أن يكون الإنسان حرًّا سيدًا لنفسه وسيدًا في وطنه. ولا نعرف مستعمرة تحررت إلا على كُره من مستعمريها، ولا ينبغي أن يخدعنا ما نرى من تحرر بعض المستعمرات الفرنسية في القارة الأفريقية في غير حرب ولا صراع منذ قامت الجمهورية الفرنسية الخامسة، فلو قد استطاعت فرنسا أن تقول لا لكل هذه المستعمرات التي تطلب استقلالها لما ترددت في قولها، ولو قد استطاعت أن تُكره مستعمراتها هذه على الخضوع والإذعان بالقوة لما ترددت في إكراهها؛ ولكنها حاولت الإكراه في الهند الصينية فأُكرهت هي على أن تعترف بالاستقلال لدول الهند الصينية، وحاولت أن تُكره المغرب الأقصى وتونس فأُكرهت هي على أن تعترف لهما بالاستقلال راغمة، وهي الآن تنفق ما تنفق من الجهد وترسل من ترسل من الجند وتبذل ما تبذل من المال لتكره الجزائر على الإذعان، وليس من شك في أن الجزائر ستُكرهها على أن تعترف لها بالاستقلال في وقت يقصر أو يطول.

    فهي أعجز إذن من أن تفرض الإذعان على مستعمراتها بالقوة، وليس لها إلا أن تجيب هذه المستعمرات إلى ما تريد، وتحتال مع ذلك ما وسعتها الحيلة في أن تستبقي لنفسها بعض الامتياز والنفوذ في مستعمراتها بعد أن تتحرر. وكذلك صنعت بلجيكا في مستعمراتها الأفريقية: أخضعتها لسلطانها قريبًا من قرن، وحكمتها حكمًا لا لين فيه ولا رفق، وأذلتها إذلالًا لم تعرفه مستعمرة من المستعمرات. لم تُعلِّم من أهلها أحدًا ولم تهيئ من أهلها أحدًا لعمل ذي بال؛ وإنما اتخذت الأرض وأهلها رقيقًا كأشنع ما يكون الرق وعبيدًا كأبشع ما يكون الاستعباد. كانت تستأثر بالخير كله في هذه المستعمرة، تسيطر عليها بالقوة العسكرية، وتُرسل أبناءها المستعمرين ليستغلوا الأرض وأهلها في ظل هذا السلطان العسكري الشنيع، فكان الرقيق من أهلها يعملون في استثمار الأرض مقرَّنين في السلاسل والأغلال.

    وكانت ثمرات هذه المستعمرة خالصة لها من دون هؤلاء العمال البائسين، وكانت القاعدة التي أقامت عليها سيرتها في هذه المستعمرة يسيرة جدًّا تُختصر في كلمات قليلة لإعاء (هكذا في الأصل (ولعلها الإذعان).) حيث لا علم. ومعنى ذلك أنها كانت تعتمد على الجهل المطلق في مستعمرتها لتسخر أهل هذه المستعمرة لكل ما تريد من عسير الأمر ويسيره، ولو استطاعت أن تمنع المبشرين من دخول المستعمرة لنشر الدين المسيحي لفعلت، ولكن أنَّى لها ذلك وهي دولة مسيحية تكره أن يُعرف عنها أنها تحارب نشر الدين في مستعمراتها. ولكنها نظمت سيرة هؤلاء المبشرين في المستعمرة فلم تُتح لهم إلا أن يُعلِّموا قلة ضئيلة من الناس، وكيف السبيل إلى نشر الدين بغير تعليم، وقد فرضت عليهم أن يعلِّموا هذه القلة أول ما يعلمونها الطاعة والإذعان لسادتهم البلجيكيين، ومعاشرة أهل الكونغو لسادتهم من جهة وللمبشرين من جهة ثانية. وهذا التعليم القليل الذي أتاحه المبشرون لبعضهم على ضآلته وعلى ما كان يمازجه من وجوب الطاعة والإذعان للسادة؛ كل هذا أحدث آثاره على مر السنين، وإذا أهل الكونغو يعرفون أنفسهم ويشعرون بأن لهم حقوقًا مضيعة وبأن عليهم لأنفسهم ولمواطنيهم واجبات ينبغي أن تُؤدى، وكذلك ينشأ البغض في نفوسهم لسادتهم، ثم يستحيل البغض إلى ضيق بهؤلاء السادة، ثم يستحيل الضيق إلى ثورة بهم. وتحاول بلجيكا ما استطاعت إخماد هذه الثورة، ولكن الثورة أشد منها قوة وأعظم منها بأسًا، وإذا هي مضطرة إلى أن تسلك سبيل غيرها من الأمم الأوروبية، فتعترف باستقلال مستعمراتها، بعد أن تستوثق لنفسها من الامتياز وتستوثق بأبنائها من استغلال الأرض وأهلها؛ كما كانت الحال قبل الاعتراف بالاستقلال، وهي مطمئنة إلى أن الأمور ستستقيم لها؛ لأنها أمسكت أهل المستعمرة في جهل مطلق ولم تهيئهم لحكم أنفسهم ولا لاستغلال أرضهم ولا لحفظ النظام في بلادهم. وما رأيك في أنها أنشأت جيشًا من أهل الكونغو ولكنها لم تُعلِّم واحدًا منهم؛ ليستطيع في يوم من الأيام أن يكون ضابطًا في هذا الجيش. وما رأيك في أن الذين علمهم المبشرون من أهل الكونغو قلة يمكن إحصاؤها بل يمكن إحصاؤها في العدد اليسير. وكذلك اطمأنت بلجيكا إلى أنها ستعبث بمستعمراتها بعد الاستقلال كما كانت تعبث قبل الاستقلال، وخيلت إلى نفسها أنها متى اعترفت لمستعمرتها بهذه الكلمة الحلوة التي شاع حبها في أقطار الأرض وهي كلمة الاستقلال، ستخدعهم عن كل شيء، ستعطيهم كلمة ترضي غرورهم وكبرياءهم، وتستأثر هي بكل ما كانت تستأثر به من قبل. ولكن أهل المستعمرة لم يُخدعوا، وإنما أخذوا الاستقلال مأخذ الجد، وأرادوا أن يكونوا سادة في وطنهم، وأن يكونوا أحرارًا باللفظ والمعنى لا باللفظ وحده، وكما كانت تظن بلجيكا. وهنا ظهرت المشكلة وكانت الخطوب التي يعرفها القراء مما تنشر لهم بالصحف في كل يوم.

    ورأينا لأول مرة في تاريخ تحرر الأمم من الاستعمار هيئة الأمم المتحدة مضطرة إلى أن تدخل بين بلجيكا ومستعمرتها السابقة؛ لأن هيئة الأمم نفسها نظرت إلى استقلال الكونغو على أنه جد لا لعب، وما دام الكونغو قد استقل فليس لبلجيكا فيه مكان، فضلًا عن أن يكون لها فيه امتياز، وفضلًا عن أن تستأثر من خيراته بكل ما تحب وتتخذ أهله رقيقًا كالأحرار أو أحرارًا كالرقيق.

    وليس غريبًا أن يظهر في الكونغو أعوان الاستعمار كما لم يظهروا في مستعمرة متحررة أخرى، فما دام أهله لم يتعلموا وما دامت القلة التي تعلمت منهم قد تعلمت الطاعة قبل كل شيء، فطبيعي أن يكون بين هذه القلة من يرون الطاعة للمستعمرين واجبة لا سبيل إلى الإهمال في أدائها، هو أن هيئة الأمم المتحدة تنهض في الكونغو بأعباء لم تنهض بمثلها من قبل، فهي لا تكفل استقلال الكونغو وإخراج البلجيكيين منه فحسب؛ بل يُطلب إليها أن تُعِين الكونغو إعانة فنية على حكم نفسه والمحافظة على النظام من جهة أخرى واستثمار بلاده من جهة ثالثة. وسنرى كيف تنهض هيئة الأمم بهذه الأعباء.

  • ثورتنا هنا … وفي كل مكان

    ثورتنا هنا … وفي كل مكان

    طه حسين

    جريدة الجمهورية

    ٢٣ يوليو ١٩٦٠

    هذا هو العيد الذي نحتفل فيه بالثورة التي شبَّت في الثالث والعشرين من شهر يوليو، وما زالت قائمة ماضية في تحقيق الأغراض السياسية والاجتماعية التي شبَّت من أجلها.

    أهو عيد الجمهورية العربية المتحدة وحدها، أم هو عيد لأمم أخرى كثيرة غيرها؟ أهو عيد نحتفل به نحن وتجاملنا فيه بعض الأمم فترسل وفودها لتشهد معنا الاحتفال به، حتى إذا انقضى عادت الوفود إلى أوطانها وقد أدَّت واجب المجاملة لوطن صديق؟ أو هو عيد تشترك فيه هذه الوفود أو أكثر؛ لأن آثار الثورة التي نحتفل بها فيه ليست مقصورة على هذين القطرين اللذين تتألف منهما هذه الجمهورية العربية المتحدة، بل تتجاوزهما إلى أقطار أخرى كثيرة في القارة الأفريقية وفي القارة الآسيوية نفسها أيضًا؟

    أما أنا فأعتقد أنه عيد يشمل أممًا كثيرة في القارتين؛ لأن ثورتنا كانت مقدِّمة لاستقلال شعوب مختلفة كانت خاضعة لسلطان الاستعمار الخارجي، ولسلطان الاستبداد الداخلي أحيانًا. ولست أحب التنبُّؤ بما يكون في المستقبل، ولكني مع ذلك قد تنبَّأت حين شبَّت ثورتنا بأنها ستُحدث في الشرق مثل ما أحدثته الثورة الفرنسية الكبرى في الغرب. ولعلِّي حين كتبت هذا الكلام في الأهرام كنت أمليه مدفوعًا بالأمل العريض الذي أثارته الثورة في نفسي، وبالحب العميق لهذه الحرية التي لم أكن أحبها لوطني وحده، وإنما كنت أحبُّها وأتمنَّاها لأوطان كثيرة أخرى كانت قد حرمتها منذ عهود بعيدة جدًّا.

    وأعترف بأني لا أقرأ في هذه الأيام نبأً من هذه الأنباء التي تُذاع في أقطار الأرض معلنةً تحرر الشعوب من الاستعمار والاستبداد والظلم، إلا ذكرت ثورتنا وتحدثت إلى نفسي بأن تحرر هذه الشعوب واستقلالها واستمتاعها بالحرية والكرامة والعزة، كل ذلك إنما هو أثر من آثار ثورتنا هذه؛ فقد كنت موقنًا حين كتبت ما كتبت في الأهرام أن لنا جيرانًا في آسيا وفي القارة الأفريقية، وأن أنباء ثورتنا ستصل هؤلاء الجيران، وأنهم سيعلمون كثيرًا من نتائجها، وسيفرحون لنا، وسيغبطوننا، وسيتمنَّون لأنفسهم مثل ما أُتيح لنا من الثورة أو شيئًا قريبًا مما أُتيح لنا …

    كنت أذكر تونس والغرب الأقصى، وكنت أذكر العراق، وكنت أذكر المستعمرات الفرنسية في القارة الأفريقية. وكنت أُقدِّر أن إخراج الملك المستبد من مصر، وأن الإصلاح الاجتماعي الذي بُدئ به في مصر، وأن جلاء الجنود البريطانيين عن أرض مصر الذي ستجدُّ فيه الثورة حتى نبلغه؛ كنت أذكر أن هذا كله سيقع من قلوب جيراننا القريبين منا والبعيدين عنا مواقع الماء من ذي الغلة الصَّادي … كما كان القدماء يقولون. ثم لم ألبث أن رأيت الثورة تشبُّ في غير موطن من هذه المواطن، من هذه المواطن القريبة والبعيدة. ولم ألبث أن رأيت بعضها يبلغ ما كان يريد بعد جهاد العنف حينًا ولا يبلغ العنف حينًا آخر.

    فهذه الأوطان في شمال أفريقيا تجاهد أعنف الجهاد وأقساه، وتصلَى نار العدوان والطغيان والإثم، وتنتهي إلى أن تبلغ الغاية التي أرادت أن تبلغها، فتستقل تونس، ويستقل المغرب الأقصى بعد خطوب، وتوشك الجزائر أن تبلغ ما تريد من الاستقلال، على رغم ما تُمعن فيه فرنسا من المداورة والمناورة، وعلى رغم ما تُمعن فيه فرنسا أيضًا من ألوان الظلم والبغي ومن ضروب القمع وتعذيب الأبرياء.

    وها نحن أولاء نرى في هذه الأيام تتابُع الأنباء التي تحدثنا باستقلال المستعمرات الفرنسية، بعد أن ورَّطت فرنسا نفسها في تلك الشركة التي زعمت أنها ستنشئها بينها وبين مستعمراتها؛ فتتقي بذلك الثورة في تلك المستعمرات، تعطيها القليل وتستأثر من دونها بالكثير، تُخيل إليها أنها حرة في حياتها الداخلية وأن حياتها الاقتصادية والعسكرية والسياسية شركة بينها وبين فرنسا. ولقد غلا رئيس الجمهورية الفرنسية في يوم من الأيام فأعلن إلى هذه المستعمرات أنها حرة في أن تقبل هذه الشركة، فتشرف بالتعاون في فرنسا الكبرى أو ترفض هذه الشركة فتشقى باستقلالها؛ لأنها لا تملك الوسائل التي تتيح لها حماية هذا الاستقلال. أعلن ذلك رئيس الجمهورية الفرنسية مطمئنًّا إلى أن المستعمرات ستحرص أشد الحرص على أن تقبل الشركة وتعيش مستقلة استقلالًا داخليًّا، وتشرف بالمشاركة فيما عدا ذلك من الشئون. ولكن بعض هذه المستعمرات آثرت الاستقلال فورًا، فاضطرت فرنسا إلى أن تعترف لها بهذا الاستقلال، وقبلت كثرة المستعمرات هذه الشركة أولًا، ثم لم تلبث إلا عامًا وبعض عام حتى طلبت استقلالها كاملًا موفورًا.

    وبعضها الآخر طلب هذا الاستقلال، واحتفظ لنفسه بالحرية الكاملة، بعد أن يتم له استقلاله في أن يُحالف فرنسا أو يحالف غيرها من الدول. ونظرت فرنسا ذات يوم فإذا مستعمَرَاتها في القارة الأفريقية تطلب الاستقلال جميعًا، وتطلب العضوية في هيئة الأمم المتحدة. ونظرت فرنسا ذات يوم فإذا هي لا تستطيع أن ترفض لهذه المستعمرات طلبًا؛ لأن رئيس الجمهورية لم يكتف بإعلان ما أعلن من حق المستعمرات في أن تنفصل عن فرنسا أو تشترك معها، وإنما سجل ذلك في الدستور الفرنسي، فلم يبقَ لفرنسا وسيلة تتيح لها رفض ما تطلبه هذه المستعمرات من الاستقلال التام مع الحلف أو دون الحلف، ولن يأتي الخريف المقبل إلا وقد تم استقلال المستعمرات الفرنسية كلها في القارة الأفريقية، لا يُستثنى من ذلك إلا الجزائر؛ لأن الفرنسيين يرون — وما أسخف ما يرون! — أن الجزائر ليست مستعمرة، وإنما هي جزء من الوطن الفرنسي. ومع ذلك فقد اضطرت فرنسا إلى أن تُعلن — على لسان رئيس الجمهورية — أن للجزائر الحق الكامل في تقرير مصيرها، والثورة في الجزائر هي التي اضطرت فرنسا إلى ذلك، وأرغمتها عليه إرغامًا. وحسبك أن تلاحظ أن الجيش الفرنسي — على قوته وبأسه واستعانته بما يمده به حلفاء فرنسا — قد أنفق ست سنوات دون أن يسحق هذه الثورة أو يفلَّ حدها.

    ثم لم تكتفِ فرنسا بما أعلن رئيس جمهوريتها من حق الجزائر في تقرير مصيرها؛ وإنما دعت زعماء الثورة إلى المفاوضة، وبدأت هذه المفاوضات بالفعل، وهي الآن تتعثر. ولكن الأمر منتهٍ من غير شك إلى استقلال الجزائر سلمًا أو حربًا، وكذلك تفقد فرنسا كل مستعمراتها في هذه القارة الأفريقية، ويضطر كاتب فرنسي إلى أن يسجل في إحدى الصحف الفرنسية الكبرى أن رئيس الجمهورية القائم قد نهض بالرياسة ليقضي على الإمبراطورية، ويرد فرنسا دولة من الطبقة الثانية. ولا يقف الأمر عند فرنسا وحدها، فبريطانيا نفسها تتخلى عن بعض مستعمراتها في هذه القارة الأفريقية طوعًا أو كرهًا، وبلجيكا تعلن استقلال الكونجو البلجيكي بعد خطوب شداد. وللكونجو البلجيكي قصة لم تنته بعد، يظهر القراء على أنبائها في الصحف كل يوم، ولكنه قد أصبح على كل حالة دولة مستقلة، وسيصبح عضوًا في هيئة الأمم المتحدة في شهر سبتمبر المقبل، بعد أن أوصى مجلس الأمن بقبوله.

    وكذلك تتغيَّر الصورة الجغرافية لهذه القارة، ويتعلَّم طلاب المدارس الثانوية شيئًا جديدًا في جغرافيا القارة الأفريقية … يتعلم هؤلاء الطلاب شيئًا لم يتعلمه إخوانهم الذين سبقوهم في هذا العام، وهو أن القارة الأفريقية قد تحرر أكثرها ونشأت فيها دول لم تكن موجودة أثناء هذه السنة الدراسية، وستكون موجودة عاملة في الحياة الإنسانية أثناء العام الدراسي المقبل.

    وحين نحتفل بعيد الثورة في هذا العام، سنضطر إلى أن نذكر أن ثورتنا كانت مقدمة لهذه الحرية التي أوشكت أن تظلل القارة الأفريقية كلها.

    والأمر ليس مقصورًا على هذا الذي كان في القارة الأفريقية، ولكن هناك أوطانًا أخرى في آسيا قد تأثَّرت بهذه الثورة، سواء اعترفت بهذا التأثر أم لم تعترف، فثورة العراق أثر من آثار الثورة المصرية، وإن كره الزعيم الأوحد والقاضي الفذ. ويُخيل إليَّ أن هناك شبهًا ما بين ثورة الجيش المصري منذ أعوام وثورة الجيش التركي في هذه الأيام، وما أشك في أن الترك يكرهون أشد الكره الاعتراف بأن لثورتنا في ثورتهم أثرًا، ولكن الشيء المحقق هو أن هذا التشابه قائم، سواء كرهه الترك أو أحبوه.

    ومن يدري، أتقف آثار ثورتنا في العالم الخارجي عند هذا الحد، أم تمضي في تأثيرها حتى لا يصبح في الأرض أثر من آثار الاستعمار كما عرفه الناس من أعوام؟ ولست أزعم أن الاستعمار قد انقضى بجميع صوره وأشكاله، فالناس جميعًا يعلمون أن التحالف مع الدول الكبرى لون من ألوان الاستعمار وشكل من أشكاله. ولكن أول الغيث قطرة ثم ينهمر، فمن حق كل مواطن في الجمهورية العربية المتحدة أن يشعر بشيء من الرضا العميق الذي يستأثر بالقلب والضمير، حين يذكر أن ثورة وطنه لم تكن مقصورة عليه، وإنما كانت مقدمة لزوال شكل بغيض من أشكال الاستعمار عن أوطان قريبة وبعيدة، ولم تكن مصر في يوم من الأيام أثرة ولا منطوية على نفسها، وإنما كان هذان القطران دائمًا مؤثرين للخير، يحبانه لأهلهما ويُشِيعانه في الأوطان الأخرى ما وجدا إلى إشاعته سبيلًا، وهما الآن يؤديان واجبهما التاريخي حين يؤثران الخير ويشيعانه في الأوطان الأخرى.

    وإذا كان خير الناس أنفعهم للناس، فخير الأوطان أنفعها للأوطان الأخرى.

  • خدعة

    خدعة

    طه حسين

    جريدة الجمهورية

    ١٧ مارس ١٩٥٨

    هذه الأحلاف التي يقيمها الغرب: حلف الأطلنطي، وحلف بغداد، وحلف جنوب شرقيِّ آسيا، ثم الحلف الرابع المقترح في غرب البحر الأبيض المتوسط؛ ما مصيرها؟ وهذه الخدعة التي تسوِّقها فرنسا، أو تُساق إليها فرنسا بغية ضم المغرب وتونس ومن بعدهما الجزائر إلى ذلك الحلف الرابع، هل ستنطلي على شعب المغرب وعلى شعب تونس؟ وهل ستصد الجزائريين عن هذا الاستقلال الذي يجاهدون في سبيله منذ سنين؟ ويقظة الشعوب العربية، وقوة الجمهورية المتحدة، هل سترتد وتنحسر وتنام أمام ما يريده لها الغرب من تطويق بالأحلاف؟

    هذه الأسئلة يجيب عليها عميد الأدب العربي، الدكتور طه حسين، في هذا المقال الذي يلخص عنوانه تلك الإجابة.

    ولكنها واضحة كل الوضوح، لا تخفى إلا على الأغبياء والمحمقين، وإخواننا العرب في شمال أفريقيا ليسوا من الغباء ولا من الحمق في شيء؛ فلن تخفى عليهم هذه الخدعة، ولن تخفى عليهم أسرارها ولا دخائلها.

    وإنما الغباء والحمق نصيب الذين ابتكروا هذا اللون من الخداع في فرنسا وأمريكا، أو في أمريكا وفرنسا، لا أدري.

    فهذا الحلف في غرب البحر الأبيض المتوسط ليس أذكى ولا أنضى من حلف بغداد، وإنما هو عبث من العبث؛ تُنفق فيه الأموال، تُشترى فيه الضمائر، وينتهي آخر الأمر إلى غير شيء.

    هؤلاء الذين فكَّرُوا فأطالوا التفكير، وقدَّروا فأمعنوا في التقدير، ثم تكشَّف تفكيرهم وتقديرهم عن هذا السخف الذي يسمونه حلف البحر الأبيض المتوسط الغربي، أشبه شيء بالجبل الطويل في السماء، العريض في الفضاء، الذي يروع منظره ويبهر مظهره، الذي يتمخض من حين إلى حين، فلا يلد في كل مرة إلا فأرًا، والذي يتمخض فَيَلِدُ فأرًا ولا يَلِدُ معه شيئًا آخر، والذي قضي عليه أن يتمخض.

    فهذه الدول الغربية قد أبرمت من قبلُ حلف الأطلنطي، وملَئوا الدنيا ضجيجًا وعجيجًا بعد إبرام هذا الحلف، الذي ضموا إليه كبار الدول وصغارها، ولكنه لم يُغنِ عنهم شيئًا.

    لم يخيفوا خصمهم، ولم يرهبوه، ولم يضطروه إلى أن يغير من سياسته شيئًا، ولم يستطيعوا إلى أن يخلصوا منه جزءًا ضئيلًا أو كبيرًا من الأرض التي يحتلُّها، ثم لم يحمهم من الخوف ولم يذُد عنهم الهلع.

    فالأوروبيون الغربيون قلِقون، لا يعرف الاطمئنان إلى قلوبهم سبيلًا، يخشون في كل يوم — بل في كل ساعة — أن تشب الحرب، وأن يكونوا أول ضحاياها. والأمريكيون على ما يملكون من قوة قلِقون، لا يجد الاطمئنان إلى قلوبهم سبيلًا، يخشون أن تشب الحرب وأن تدور عليهم الدائرة؛ لأنهم لا يثقون ولا يمكن أن يثقوا بتفوُّقهم في القوة والبأس على خصمهم ذاك العنيد، بل هم لا يثقون ولا يستطيعون أن يثقوا بأنهم يساوون خصمهم ذاك في البأس والقوة والاستعداد.

    ثم أبرموا بعد ذلك حلفًا آخر في الجنوب الشرقي أو الشرق الجنوبي لآسيا — لا أدري — فلم يُغن عنهم شيئًا أيضًا، لم يُذهب عنهم الخوف، ولم يذُد عنهم القلق. وهم يذهبون ويجيئون، ثم يجيئون ويذهبون، ليجتمعوا في مقر ذلك الحلف، وليتفرقوا دون أن يصلوا باجتماعهم وتفرُّقهم إلى شيء.

    ثم عقدوا حلفًا ثالثًا في بغداد؛ فوُلِدَ ميتًا، أو وُلِدَ حيًّا، ثم لم يلبث أن مات. وهم كذلك يذهبون ويجيئون، ويجيئون ويذهبون، إلى حيث يدبرون أمر هذا الحلف الفقيد.

    وهم الآن يحاولون أن يعقدوا حلفًا رابعًا، في غرب البحر الأبيض المتوسط، تشترك فيه كبار الدول وصغارها في هذه الناحية من أنحاء الأرض، ولن يغني عنهم حلفهم الرابع شيئًا، كما لم تُغنِ عنهم أحلافهم الأخرى شيئًا.

    يريدون بحلفهم هذا الأخير أن يخدعوا مراكش وتونس عن استقلالهما، وأن يمكنوا لأنفسهم في أرضهما، وأن يُنسوهما الجزائر، وما يُراق فيها من دماء، وما يُنتهك فيها من حرمات، وما يُهدر فيها من حقوق الإنسان.

    ويريدون بحلفهم هذا — أو يخيلون إلى أنفسهم — تطويق الجمهورية العربية المتحدة، وأخذها بين حلفين: حلف في الشرق سُمي حلف بغداد، وحلف في الغرب لا أدري ماذا يسمونه. وسيولد هذا الحلف ميتًا، أو حيًّا لا يلبث أن يموت؛ لسبب بسيط وهو أنهم إن أُتيح لهم هذا الحلف فلن يحالفوا الشعوب، وإنما يحالفون أفرادًا، لا تلبث الشعوب أن تخذلهم وتنصرف عنهم إلى غير رجعة، لتمضي في جهادها حتى تبلغ غايتها التي ليس من بلوغها بُدٌّ، وهو الاستقلال الكامل الصحيح.

    والمراكشيون والتونسيون أذكى وأنفذ بصيرة، وأقوى ذاكرة، وأحرص على الشرف من أن ينسوا الجزائر، وما يصب عليها من الهول في كل لحظة من لحظات الليل والنهار. وهم أذكى قلوبًا من أن يخلصوا من الاستعمار الفرنسي أمس ليُسلموا إليه أنفسهم اليوم أو غدٍ وهم صاغرون، وهذه الجمهورية العربية المتحدة التي يريدون أن يطوقوها لن تحفل بهذا التطويق إن كان؛ لأنه تطويق لا يُغني عن أصحابه شيئًا، ولا يَثْبُتُ للخطوب، ولا يستطيع أن يصرفها عمَّا تسمو إليه، وما تجد فيه من تحقيق العزة العربية في مستقبل الأيام كما كانت فيما مضى من الأيام. هي خدعة إذن، ولكنها واضحة كل الوضوح، لن تخفى على أحد، ولن تضر أحدًا، ولن تؤذي أحدًا إلا الذين يحاولونها؛ لأنهم يتعلقون بالأوهام، ويمنون أنفسهم أماني لا سبيل إلى تحقيقها.

    فالشعوب إذا استيقظت لا يمكن أن تردها الأحلاف إلى النوم، والاستعمار إذا مات لا يمكن أن ترد إليه الحياة.

    وقد استيقظت الشعوب العربية، فلا سبيل إلى أن تنام، وآية ذلك أن حلف بغداد لم يسلط النوم على الشعب العراقي، كما أن ذلك الحلف الآسيوي لم يسلط النوم على تلك الشعوب التي اشتركت حكوماتها فيه، إنما هي صور متحركة ليس وراءها شيء تعلل الذين يحركونها، ثم لا تجر عليهم نفعًا ولا ترد عنهم مكروهًا. ولو قد عقلوا واستبصروا للاءموا بين حياتهم وبين الحياة الجديدة التي تحياها الشعوب، التي خضعت لهم حينًا ثم أفاقت واستكملت قوتها وتمردت على سادتها القدماء.

    وأغرب ما في هذا الحلف الغربي أن فرنسا تريد أن تعقده دون أن تنزل عمَّا تزعم لنفسها من حق في الجزائر؛ فهي تُحْفِظُ أهل المغرب وأهل تونس حين تستمسك بوهمها الجزائري، وتزعم أن الجزائر جزء من فرنسا، تُحْفِظُهُمْ وتملأ قلوبهم غيظًا وغلًّا.

    تسفك دماء إخوانهم في الليل والنهار بمنظر ومسمع منهم، وتريد أن تُمكن لنفسها ولحلفائها في أرضهم وتدعوهم مع ذلك إلى الحلف، وتغريهم به وترغِّبهم فيه، تخدع نفسها وتخدع حلفاءها أو يخدعها حلفاؤها، ولكن الشيء الذي ليس فيه شك أنها لن تخدع مراكشيًّا واحدًا ولا تونسيًّا واحدًا، ولن تصد الجزائريين عن هذا الاستقلال الذي يجاهدون في سبيله منذ سنين.

    بل ليس من شك في أن الحكومة الفرنسية التي تدعو إلى هذا الحلف أو تقبل الدعوة إليه لا تخدع شعبها نفسه؛ فشعبها — مهما تكن ظروفه — يعلم حق العلم ويؤمن أقوى الإيمان، بأن شمال أفريقيا قد فارقه إلى غير رجعة، وبأنه لم يعُد ذلك الشعب القوي العزيز، الذي يستطيع أن يقهر غيره من الشعوب، وإنما هو قد أصبح شعبًا لا يريد إلا أن يعيش، وأن ينتهز فرص الحياة، ويستمتع بطيباتها في دعة وأمن، لا يحارب أحدًا ولا يحاربه أحد، أصبح الشعب الذي يذكر بقول الشاعر القديم:

    دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي

    وهو طاعم كاسٍ حقًّا، وهو فوق ذلك لاعب لاهٍ مُغْرِقٌ في اللهو واللعب، لا يريد ولا يتمنى إلا أن تُخلي حكومته بينه وبين ما هو فيه من الاستمتاع.

    حكومة فرنسا إذن لا تخدع إلا نفسها، وهي تحاول محاولة اليائس الذي تقطعت به أسباب الرجاء، وحلفاؤها يريدون ويحاولون أن يريحوها من بعض ما تجِد في شمال أفريقيا؛ ليفرغوا هم لخصمهم ذاك العنيد من جهة أخرى، ولكنهم لا يجدون الشجاعة على أن يواجهوها بالحقائق ويصدروها عن الغرور، ويطلبوا إليها في حزم أن تدع شمال أفريقيا لأهله، يدبرون أمرهم فيه كما يريدون لا كما يريد لهم الفرنسيون.

    وسيُخفق الحلفاء في هذه المحاولة كما أخفقت فرنسا في محاولات أخرى كثيرة، ولا بد من أن يأتي يوم قريب أو بعيد يعلم فيه عشَّاق الأحلاف والتطويق أنهم إنما يبذلون ما يبذلون من الجهود، وينفقون ما ينفقون من الأموال، ويقدرون ويفكرون، في غير طائل؛ لأن التاريخ أقوى منهم، ولأن يقَظة الشعوب اليقِظة التي تأبى أن تعيش أقوى وأنفذ من حيلهم. وسيعلمون حق العلم بأن الخير لهم، إنما هو أن يجاروا التاريخ، ويسلكوا معه الطريق التي يسلكها، ويعترفوا بالحقائق مهما تكن مُرَّةً، ويلائموا بين مصالحهم ومصالح الشعوب اليقِظة التي تأبى أن تعيش إلا كريمة، يُظِلُّهَا الاستقلال.

    وصدق الله حين قال في تصوير المنافقين: ( يُخَادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ).

  • الناصريزم

    الناصريزم
    طه حسين
    جريدة الجمهورية
    ١٠ أغسطس ١٩٥٧

    هذه كلمة شائعة في غرب أوروبا وفي شمال أمريكا، ويكثر استعمالها في فرنسا خاصة، وعسى أن تكون هي التي ابتكرتها.

    ففي الفرنسيين بقية من ذكاء، وفي لغتهم فضل من مرونة، وهم من أجل ذلك أبرع الناس في ابتكار الألفاظ، يسبق إلى ذهن كاتب من كُتَّابهم أو عالم من علمائهم أو رجل من رجال السياسة فيهم، فما أسرع ما يلتمس اللفظ الذي يؤدِّي به هذا المعنى، فإن لم يجده في اللغة التي تنطق بها الألسنة وتجري بها الأقلام ولا في المعاجم، ابتكر له من عند نفسه لفظًا يؤدِّي به ما يريد، وقَبِل الناس منه لفظه هذا في غير مشقة ولا مقاومة.

    ولا أعرف أمة معاصرة تناظر الفرنسيين في تطويع لغتها لما تريد، إلا الأمة العربية التي ابتكرت ألوفًا من الألفاظ حين كانت حضارتها مزدهرة، وحين عرضت لها معانٍ كثيرة لم يكن للعرب بها عهدٌ من قبلُ. وما زال المثقفون الممتازون من العرب يبتكرون الألفاظ حين يحتاجون إليها، ولا يجدونها في أحاديث الناس ولا في بطون الكتب.

    ومعنى هذه الكلمة التي ابتكرها الفرنسيون — في أكبر الظن — وأخذتها عنهم الأمم الغربية في أوروبا وأمريكا، وهو كل ما يدعو إليه ويجد في تحقيقه رئيس الجمهورية المصرية، بشرط أن يسبغ الفرنسيون وأضرابهم على هذا الذي يدعو إليه رئيس الجمهورية لونًا يرونه في أعينهم وقلوبهم قاتمًا ويراه الشرقيون مشرقًا زاهيًا.

    دلائل اللفظ اليسير
    فمقاومة الاستعمار في مصر، ودعوة الأمم المغلوبة إلى مقاومته، والثبات أمام الأمم القوية الظالمة، ورفض ما تحاوله من التدخُّل السافر أو المنقب، واسترداد الحق من الغاصب له مهما يكن قويًّا غنيًّا، ورفض الانقياد لما يريده الأقوياء ويجمعون به بين حين وحين من ترهيب بالقوة والبأس والمقاطعة الاقتصادية، أو إغراء بالمال وما يشبه المال من كل ما تستجيب له النفوس الضعيفة والقلوب التي برِئت من الإيمان بالوطن والثقة بالنفس والاعتداد بالكرامة والاستمساك بحق الإنسان في الحياة الحرة المبرَّأة من كل خضوع أو خنوع.

    كل هذا يدل عليه الفرنسيون وأضرابهم بهذا اللفظ اليسير القريب الواضح، وهو «ناصريزم». واللفظ كما ترى قد أُخِذَ من اسم رئيس الجمهورية، وأضيفت إليه هذه الحروف الأخيرة التي تُصطنع للدلالة على المذاهب والنظر والعقائد في العلوم والديانات والفلسفة. وكل هذا الذي يدعو إليه ويجدُّ في تحقيقه رئيس الجمهورية المصرية بغيضٌ بالطبع إلى الغرب الأوروبي والأمريكي؛ لأنه مقاومة لما في طبيعة الغرب للطموح دائمًا إلى الاستطالة والاستعلاء وبسط السلطان والاستئثار بالخير. وما دامت هذه الدعوة إلى التحرُّر بغيضة، فكل استجابة لها بغيضة أيضًا، وكل انتشار لها خطر يجب على الغرب أن يقاومه ويجِدَّ في محوه من الأرض ما استطاع إلى ذلك سبيلًا.

    كلمة أخرى
    ولكن هناك كلمة أخرى لم يجدها الغرب بعدُ؛ لأنه لم يشعر إلى الآن بأنه مريض وبأن مرضه هذا جديد لم يُعرف من قبلُ ولم يدرسه الأطباء النفسيون، ولم يدرسه أصحاب التحليل النفسي الفردي أو الاجتماعي، وهذا اللفظ هو «الناصريت».

    والذين يعرفون اللغات الأوروبية، يعرفون بالطبع أن هذه الحروف التي أُضيفت الآن إلى اسم رئيس الجمهورية، تدل عند الأطباء على أسماء الأدواء والعلل التي تصيب بعض أعضاء الجسم.

    ونفوس الغربيين وساستهم خاصة مصابة بداء في هذه الأيام يأتيهم من رئيس الجمهورية المصرية، وهو بالطبع لم يُصِبْ أعضاءهم الظاهرة، وإنما أصاب أعضاءهم وملَكاتهم الباطنة؛ ففي قلوبهم مرضٌ هو بُغْضُ جمال عبد الناصر، وفي عقولهم مرضٌ هو اتهام جمال عبد الناصر بكل شَرٍّ يأتيهم من الأمم التي خضعت لسلطانهم حينًا ثم أخذت تثور به وتتمرد عليه في هذه الأيام.

    فرئيس الجمهورية المصرية هو مصدر ما أصاب الإمبراطورية الفرنسية وما لا يزال يصيبهم إلى الآن، وهو مصدر ما أصاب الإنجليز في بعض مستعمراتهم البعيدة وما لا يزال يصيبهم في قبرص وفي عمان وفي البحرين وفي مواضع أخرى من الأرض كان الاستعمار البريطاني فيه مستقرًّا ثم أصبح قلقًا مضطربًا. وكل ما يحدث في العالم العربي الشرقي والغربي إنما يدور حول رئيس الجمهورية المصرية وما يصدر عنه أو يوجَّه إليه. فإذا انحرف الأردن عن الغرب، فتخلَّص من المعاهدة البريطانية، وحرر جيشه من قيادة الإنجليز؛ فمصدر هذا رئيس الجمهورية المصرية. وإذا تشددت تونس أو مراكش في الانتصار للجزائر، أو غضبت تونس أو مراكش لاختطاف الزعماء الجزائريين؛ فمصدر هذا رئيس الجمهورية المصرية. وإذا استمسك لبنان بما بينه وبين فرنسا وأمريكا من صلة؛ فهذا موجه إلى رئيس الجمهورية المصرية، يُراد به غيظه والكيد له والتأليب عليه. وإذا مال الأردن إلى أمريكا وتأثَّر بإغرائها وقَبِل مالها وأفسد من أجل ذلك حياته الخاصة، فشرد بعض المواطنين وحبس بعضهم الآخر، وأقال حكم الشعب الأردني؛ فهذا موجَّه إلى رئيس الجمهورية المصرية، يُراد به إساءته وإثارته وإشعاره بأنه ليس مسيطرًا على الأمم العربية كلها. وإذا حاول العراق في هذه الأيام تيسير الأمر بينه وبين مصر، فلم يُفسِد الإذاعة المصرية ولم يقاومها؛ فهذا كيدٌ من رئيس الجمهورية المصرية للبريطانيين والأمريكيين.

    الكارثة الكبرى
    ولا يحسب القارئ أني أغلو أو أتكثر، وإنما هي حقائق التفكير الغربي في فرنسا وبريطانيا وأمريكا، كما تُصوِّره الصحف والمجلات وبعض الكتب التي تصدر في هذه البلاد.

    والكارثة الكبرى عند الغربيين — وعليهم أيضًا — هي أن هذه الدعوة التي يدعو بها رئيس الجمهورية المصرية قد تجاوزت العالم العربي شرقه وغربه، واستجابت لها أمم أخرى في مؤتمر باندونج، وأصبحت لها كتلة تدعو بها في هيئة الأمم المتحدة، وهي كتلة الأمم الآسيوية الأفريقية.

    ومعنى هذا كله أن رئيس الجمهورية المصرية قد أصبح علة تُنَغِّصُ على ساسة الغرب حياتهم أيقاظًا وأحلامهم نيامًا، وأشد أمم الغرب تأثُّرًا بهذه العلة هي الأمة الفرنسية التي أصاب ساستها وكثيرًا من كُتَّابها وأدبائها شيءٌ يشبه الحُمَّى. ولهذه الحُمى الناصرية في فرنسا أوقات تشتد فيها حتى تتجاوز الأربعين وأوقات أخرى تخِف فيها، ولكن حرارتها لا تصل إلى الطور الطبيعي في يوم من الأيام؛ فأعياد الثورة المصرية قد رفعت درجة الحرارة الناصرية في فرنسا إلى أقصاها، حتى أخرجت بعض الكُتَّاب الفرنسيين من أعضاء المجمع اللغوي عن أطوارهم، وانتهت بهم إلى شيء من الهذيان، كان أروع مظاهره في مقال نشرته جريدة الفيجارو للكاتب الفرنسي المعروف فرنسوا بونسيه، وهو رجل عُرِفَ بحدة الذكاء ونفوذ البصيرة وسعة الثقافة وعمقها.

    الحمى الهاذية
    كان سفيرًا لفرنسا في برلين أيام هتلر، وحين كان يهيئ للحرب العالمية الأخيرة. وما أعرف أحدًا برع في تصوير هتلر أثناء هدوئه وأثناء غضبه وأثناء ثورته كما برع فيه هذا الكاتب. وما أعرف أحدًا نصح لحكومته أحسن النصح وأخلصه كما فعل هذا الكاتب حين كان هتلر يتهيَّأ للحرب. ولكن هذا الكاتب اشترى — فيما يظهر — طائفة لا بأس بها من أسهم الشركة القديمة للقناة، وكانت هذه الأسهم — فيما يظهر أيضًا — تعود عليه في كل عام بمال كثير، فصدمه تأميم القناة في العام الماضي صدمة أذهلته، ولم يبرأ من ذهوله بعدُ.

    وقد كتب في الأسبوع الماضي مقالًا نُشر في الفيجارو، وأشهد أنه مقال رائع حقًّا يصور الحمى الهاذية أروع الصورة وأبغضها إلى النفوس. ولست أدري أَقَرَأَ المصريون هذا المقال أم لم يقرأه، ولكني أؤكد أني لو كنت رئيسًا للتحرير في إحدى الصحف المصرية لترجمت هذا المقال؛ ليعرف المصريون كيف ترتفع حمى الناصرية في فرنسا حتى تبلغ بأصحابها أقصى حدود الخطرفة والهذيان.

    بلاء التحرر
    وهذه الحمى التي تأتي الفرنسيين من رئيس الجمهورية المصرية، لم تكد تهدأ حتى أخذت تصعد في هذه الأيام؛ ذلك أن هيئة الأمم المتحدة ستجتمع في الشهر المقبل، وأن الكتلة الآسيوية الأفريقية ستثير فيها مشكلة الجزائر، وأن أمريكا لا تُخفي ضيقها بعجز الفرنسيين عن حل هذه المشكلة. ومصدر هذا كله بالطبع رئيس الجمهورية المصرية؛ فهو المسئول الوحيد عند الفرنسيين — وعند غيرهم من أمم الغرب أيضًا — عن هذا البلاء العظيم الذي يُسمَّى التحرر، ويريد أن يرد إلى الأمم المغلوبة حقها الكامل في أن تحيا كما تشاء هي لا كما يشاء الأقوياء الأغنياء.

    وهذه الكتلة الآسيوية الأفريقية قوية — فيما يظهر — وفيها كثير من المكر وكثير من الدهاء، فليس غريبًا أن يضع الفرنسيون أيديهم على صدورهم إشفاقًا من أن تنتصر هذه الكتلة في هيئة الأمم المتحدة؛ فتظفر بحكم الجزائر أو بحكمٍ على فرنسا، وهذه هي الكارثة التي لا يرى الفرنسيون كارثة أعظم منها خطرًا.

    الداء ذو وجهين
    وكذلك أصبح اسم رئيس الجمهورية يدل على مذهب بغيض في الغرب، ويدل في الوقت نفسه على علة مُفسِدة لتفكير الغرب وحكمه على كثير من الأشياء. والغربيون لا يشكُّون في أن رئيس الجمهورية المصرية يحاول أن ينشئ إمبراطورية عظيمة تجمع الأمة العربية كلها تحت لواء واحد. والفرنسيون لا يشكُّون في أن تأييد مصر للجزائر لا يُراد به وجه الله ولا وجه الجزائر؛ وإنما يُراد به وجه الإمبراطورية المصرية، ويُراد به أن تستأثر مصر بالجزائر من دون فرنسا. وما أعرف أن الهذيان يصل بالناس إلى مثل هذا الحد، ولكن هذا الذي نراه الآن في الغرب والذي لا يحققه المصريون؛ لأنهم لا يقرءون الصحف الأجنبية، ولأن صحفهم العربية لا تصوره لهم كما ينبغي، بل لعلها لا تعرفه؛ لأنها مشغولة عنه بأحداث العالم العربي.

    أقول: إن هذا الداء الذي أصاب التفكير الغربي، والذي نراه في الصحف والمجلات والكتب شيءٌ ذو وجهين؛ أحدهما يَسُرُّ ويغر، والآخر يحزن ويسوء؛ فقد يسرُّ المصريين — وقد يَغرُّهم أيضًا — أن يعلموا أن الغرب مشغول بهم مبغض لهم مشفق منهم. ولكن حياة الأمم لا تقوم على السرور والغرور، وإنما تقوم على تقدير الأشياء كما ينبغي أن تُقَدَّرَ، وعلى العلم بحقائقها والانتفاع بما ينفع منها والاحتياط لما يكون منها ضارًّا أو معرضًا للخطر. وليس يضر مصر ولا يسوءُها أن تبغضها هذه الحكومة أو تلك من حكومات الغرب؛ فإن الحكومات تذهب وتجيء. وإنما الشر كل الشر والخطر كل الخطر هو أن يشيع بغض مصر والتنكُّر لها والاحتياط منها في أعماق الشعوب الغربية من كان منها مخاصمًا لنا ومن كان منها متحفظًا معنا.

    يجب مقاومة السخف
    فليس لمصر مصلحة مطلقًا في أن تفهمها الشعوب على غير حقيقتها وتظن بها الظنون. والمصريون قد يضحكون حين يُذكر لهم إنشاء هذه الإمبراطورية العربية الضخمة؛ يضحكون من هذا لأنه سُخف في نفسه، ولأن مصر التي بذلت ما بذلت من الجهد لتحقيق استقلال السودان ليست هي التي تحلم بإنشاء الإمبراطوريات في هذا الوقت الذي تنهار فيه إمبراطوريات عظمى. ولكن الواقع هو أن كثيرين جدًّا من أهل الغرب مؤمنون بهذه السخافة؛ فقد أفسدت السياسة تفكيرهم، فلم يُفَرِّقُوا بين الممكن وغير الممكن، وليس لنا بُدٌّ من أن نقاوم هذا السخف الشائع بنفس القوة وبنفس الحزم اللذين نقاوم بهما الاستعمار. وكم أحب أن تهتم لهذا الأمر وزارة الخارجية من ناحية، وإدارة الاستعلامات من ناحية ثانية، والصحافة والإذاعة من ناحية ثالثة. ولا بد من أن نصل إلى إشعار الشعوب الغربية بأن ساستها يُضلِّلونها ويكذبون عليها، وبأن مصر لا تطمع في شيء قريب من حدودها أو بعيد عنها، ولا تريد إلا أن تعيش عزيزة كريمة على نفسها وعلى الناس، وأن تعيش الأمم من حولها عيشة قوامها العزة والكرامة؛ فمصر لم تؤثِر نفسها بخير قط، وهي إذ طالبت بأن ترد الحقوق إلى أهلها في الجزائر وغيرها، فإنما تحب لإخوانها من الناس ما تحب لنفسها، مستجيبة بذلك لما فُطرت عليه من الإيثار ولما يدعو إليه القرآن والإنجيل.

  • قرار

    قرار
    طه حسين
    جريدة الجمهورية
    ٦ يناير ١٩٥٧

    كانت نفوسنا تطمع فيه وقلوبنا تطمح إليه وضمائرنا تؤمن به، وربما جرت به ألسنتنا بين حين وحين، حين نخلو إلى الصديق الأمين، وكنا قد سمعنا اللَّه عز وجل يقول: ( فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ).
    وكنا نعلم أن قول الله حق وأن وعده حق، ولكنا كنا نرقب ما ستعمل الحكومة وما ستقول، وكنا نستبطئ نشاطها إلى العمل وإطلاق لسانها بالقول حتى كان أول العام الجديد، فرأيناها تعمل وتقول ورضينا عما عملت وما قالت. وما أكثر ما كرهنا أشد الكره عدوان البريطانيين والفرنسيين على مصر، وضاقت به نفوسنا وقلوبنا، ولكن اليأس لم يجد إلينا سبيلًا، فثبتنا للخطب، وانتصرنا على المحنة، وانتظرنا أن يجد المعتدون عقابهم على هذا الاعتداء، وأن يلقوه منا نحن بعد أن لقوه من الظروف والأحداث.
    وقد لقي البريطانيون بعض العقاب بهذا القرار الذي أصدره رئيس الجمهورية أول العام، وجعله أقوَم هدية يستقبل بها المصريون هذه الدورة الجديدة من دورات الزمان. وأقول إنه بعض العقاب، وإن كان أمضَّه وأقساه وأبلغه في نفوس البريطانيين أثرًا؛ لأني ما زلت أرجو أن يقدِّر العالم المتحضر هذا العدوان وما نشأ عنه من نقض العهود وإهدار العقود، ومن سفك الدماء وإزهاق النفوس وتدمير المرافق وصب الهول على الوادعين الآمنين.
    ما زلت أرجو أن يقدِّر العالم المتحضر هذا كله ويعاقب عليه الذين اقترفوه، وأنا مع ذلك لا أتحدث الآن عن هذا العدوان البغيض وآثاره المنكرة، وإنما أتحدث عن هذا القرار الذي أصدرته مصر بإلغاء الاتفاق الذي كان قائمًا بيننا وبين البريطانيين، والذي نقضه البريطانيون أنفسهم يوم أرادوا مصر بالمكر والكيد، فحاق بهم مكرهم ورُد عليهم كيدهم. وصدق اللَّه وما زال صادقًا حين أنبأنا بأن المكر السيئ لا يحيق إلا بأهله.
    وكأن أهوال العدوان وعناية الحكومة والشعب بإصلاح آثاره، وهذه الأحداث الكثيرة التي تحدث في أقطار الأرض والتي تُتوقع في الزمن القريب أو الزمن البعيد، والأنباء الكثيرة المتباينة التي نسمعها ونقرأها مصبحين وممسين؛ كأن هذا كله لم يتح للمصريين أن يفرغوا لإلغاء الاتفاق المصري البريطاني ليتدبروا خطره العظيم، ولو قد فرغوا له وقدروا خطره لفرحوا به وابتهجوا له أكثر مما فعلوا.
    فهم يستقبلون عامهم الجديد هذا وقد رُدَّ عليهم استقلالهم كاملًا صافي الجوهر نقي الصفحة لا غبار عليه، مسلمًا لا شية فيه. وهو يُرد إليهم على هذا النحو لأول مرة في تاريخهم الحديث منذ اعتدى عليهم الترك العثمانيون في أوائل القرن السادس عشر. وهو يرد عليهم في ظروف كريمة حقًّا، فهم لا يتلقونه منحة من أحد، وإنما يكسبونه بأيديهم، وأموره لا تُدبر بعقول أجنبية كما كانت تُدبر أيام المماليك أو أيام غيرهم من الدول المستقلة التي اتخذت القاهرة عاصمة لها، وإنما تدبر أموره عقول مصرية خالصة، ويقوم عليه سلطان مصري خالص جاء من صميم مصر ولم يأتِ من وراء البحر ولا من وراء الصحراء.
    وقد كنا مستقلين قبل العدوان لا شك في ذلك، ولكن استقلالنا لم يكن يخلو من شائبة؛ فهذا الاتفاق الذي كان بيننا وبين البريطانيين كان يثير الشك في بعض النفوس، ويغري الحيرة ببعض العقول، ويعرِّض سلامة الوطن المصري لبعض الخطر إذا اضطرت بريطانيا إلى الاشتراك في الحرب للدفاع عن بعض الدول الشرقية والتي لا يعنيها أمرنا من قريب ولا من بعيد، والتي لا تكره أن تمكر بنا وتكيد لنا وتعين علينا.
    كان يكفي مثلًا أن يتعرض الترك لبعض ما يكرهون، وأن يخف حلفاؤها البريطانيون لنصرها؛ فتتعرض للاحتلال البريطاني القصير أو الطويل من جديد. فقد حطَّ عنا هذا العبء، وأُلقي عنا هذا الإصر، وأصبحنا أحرارًا حرية كاملة نقية كما كانت نفوسنا تتمنى دائمًا.
    وأصبحت مشكلات البريطانيين والترك لا تعنينا إلا كما يعنينا غيرها من المشكلات التي تُثار في العالم القريب والبعيد، نُسالم من نُسالم أحرارًا، ونخاصم من نخاصم أحرارًا، ونؤثر الحيدة أحرارًا لا معقب على إرادتنا في بلادنا ولا خوف على استقلالنا في أرضنا إلا بمقدار ما يفرضه التضامن الإنساني بين الدول الحرة المستقلة. وكنا ننكر الأحلاف مع شرق أوروبا أو غربها ومع إحدى الكتلتين المختصمتين؛ نرى هذه الأحلاف وسيلة إلى التدخل في شئوننا وبقية من بقايا الاستعمار الأجنبي. وكان بعض المتورطين في هذه الأحلاف يخادعون أنفسهم ويخادعون بعض الناس، ويقولون لأنفسهم ولهؤلاء الناس: إن مصر تعارض الأحلاف، وهي مرتبطة بالاتفاق مع البريطانيين، متورطة في شيء إن لم يكن حلفًا فهو يشبه الحلف شبهًا قويًّا أو ضعيفًا.
    فقد محونا من نفوسهم ومن نفوس عملائهم هذا الوهم، وقطعنا عليهم هذه الحجة، وأزلنا عنهم هذه الشبهة، وأصبحنا أحرارًا بأوسع ما تحتمل كلمة الحرية من المعاني في هذا العصر الحديث، وأصبحنا نستطيع أن ننكر الأحلاف ونعارضها دون أن نتيح لقائل مقالًا. وكان بعض المخادعين يخيلون إلى نفوسهم وإلى بعض الناس أن الفنيين البريطانيين الذين كانوا يقومون على شئون القاعدة العسكرية في القناة، ما زالوا ظلًّا للاحتلال البريطاني البغيض وأنهم كانوا عسكريين يتخذون ثياب المدنيين.
    فقد زال هذا الظل، ومضى أولئك الفنيون مع المعتدين، وذهبت القاعدة العسكرية، وأصبحت شمس مصر تشرق على القناة وما حولها، فلا تغمر إلا أرضًا مصرية قد طَهُرت من الاحتلال ومن ظلال الاحتلال. وعادت مصر كلها حرة مبرأة الحرية من كل شائبة، كعهدها أيام الفراعنة القدماء لأول مرة منذ انقضى عهد الفراعنة القدماء.

  • قبرص وحمق السياسة الإنجليزية

    قبرص وحمق السياسة الإنجليزية

    طه حسين

    جريدة الجمهورية

    ١١ مارس ١٩٥٦

    يصفها بذلك الإنجليز أنفسهم فيما نقلت إلينا رسائل البرق، وفي الحق أن من أعسر العسر أن تجد للسياسة البريطانية في قبرص وصفًا أصدق ولا أدق من أنها سياسة حمقاء، تُسرع بقبرص إلى الفوز بما تريد، وتُسرع بالبريطانيين إلى الخذلان الذي فُرض عليهم فرضًا، والذي تعرفه عقولهم وتؤمن به قلوبهم. ولكنهم يكابرون ويأبون أن يعترفوا به أو يذعنوا لحكمه؛ لأنهم لا يجدون الشجاعة في هذه المرة على احتمال الهزيمة التي ليس منها بد، والاعتراف بأن عصر الاستعمار واستعباد الشعوب قد انقضى ولن يعود.

    إنهم يستأنفون في هذه الأيام سياسة النفي بعد أن جربوها، فلم تغن عنهم شيئًا ولم يجنوا منها إلا الهزيمة والخذلان.

    لقد نفوا طائفة من زعماء المصريين في أعقاب الحرب العالمية الأولى، ثم اضطرتهم الظروف اضطرارًا إلى إطلاقهم وتركهم أحرارًا يتبوَّءون من الأرض حيث يشاءون، ويعودون إلى وطنهم حين يريدون. ثم فاوضتهم وحاولت أن تصل معهم إلى بعض أغراضها، فلم تبلغ منهم شيئًا. ثم نفت منهم قومًا آخرين إلى صخرة نائية في المحيط، ثم اضطرت إلى أن تطلقهم صاغرة وتردهم إلى وطنهم مخذولة لم يغن عنها نفي أولئك ولا هؤلاء شيئًا، ولم يمنعها من أن تذعن آخر الأمر لما لم يكن بُد من الإذعان له، فتعترف بأطراف من الاستقلال ثم تضطر آخر الأمر اضطرارًا إلى الجلاء والاعتراف لمصر باستقلالها كاملًا موفورًا.

    وهي قد جربت النفي في غير مصر، كما جربت القتل والتعذيب والسجن؛ فلم تنتفع بشيء من ذلك نفعًا قليلًا أو كثيرًا، ولم تستطع أن تُكره الشعوب على ما أرادت لها من الذلة والخنوع، وإنما أكرهتها الشعوب على أن ترفع عنها بطشها وتكف عنها بأسها وتصرف عنها كيدها، ثم تحاول بعد ذلك أن تترضى الشعوب وتبتغي الوسائل إلى مودتها بعد أن صبَّت عليها العذاب والكيد ألوانًا. وهي الآن تعود سيرتها الأولى مع هذه الجزيرة اليونانية، فتمكر وتكيد وتعذب وتسجن، وتلجأ آخر الأمر إلى نفي الزعماء.

    تخدع بذلك نفسها أكثر مما تخدع أهل قبرص؛ لأنهم يرون ويفهمون أن طموح الشعوب إلى الحرية والاستقلال والكرامة أقوى من كل قوة، وأمضى من كل سلاح وأنفذ من كل كيد، وأعظم من كل سلطان.

    والبريطانيون يرون ويسمعون أن حليفتهم وجارتهم فرنسا قد نفت سلطان مراكش وطائفة من زعمائها، وصبَّت العذاب على أحرار المراكشيين، ثم اضطرت آخر الأمر إلى أن تنزل عند إرادة الشعب المراكشي، فتفاوض السلطان في منفاه ثم ترده إلى وطنه كريمًا موفورًا، ثم تفاوضه وتفاوض حكومته وترد إليه وإلى الشعب المراكشي الاستقلال والكرامة، لم يغنِ عنها النفي والعذاب شيئًا.

    وهم يرون ويسمعون قصة جارتهم وحليفتهم في تونس كما رأوا وسمعوا قصتها في الهند الصينية، ولكنهم لا يعتبرون بشيء من هذا كله، وإنما يستأنفون المضي في الطريق التي مضوا فيها من قبل ومضت فيها حليفتهم وجارتهم، ثم ارتدوا وارتد حلفاؤهم وجيرانهم خاسئين. وإذا كتب اللَّه الخذلان على قوم أغراهم بالحمق وزيَّن لهم ركوب شهواتهم وصرفهم عن الانتفاع بتجاربهم وتجارب الظالمين من قبلهم ومن حولهم، فتورطوا في الخطأ بعد الخطأ، وأضافوا الأغلاط إلى الأغلاط، وأنفقوا الأموال والرجال في غير طائل، وكسبوا لأنفسهم خزي الهزيمة وسوء السمعة وسقوط الهيبة، وأصبحوا عبرة ونكالًا لمن يريد أن يعتبر ويتعظ، وأضحكوا منهم أولئك الذين أرادوا أن ينزلوا بهم الخسف ويسوموهم سوء العذاب.

    والبريطانيون لا يجنون بما يصنعون في قبرص على السياسة البريطانية وحدها ولا على المكانة البريطانية وحدها، وإنما يجنون على أصدقائهم وحلفائهم جميعًا. فقبرص جزيرة يونانية منذ عرفها التاريخ، وأهلها يونانيون إلى اليوم وإلى غد، وكل إساءة إليها إساءة إلى الشعب اليوناني كله. والدولة اليونانية حليفة لبريطانيا العظمى تشاركها في حلف الأطلنطي، فهي إذن تجني على دولة صديقة حليفة مشاركة لها في هذا الحلف الذي تشترك فيه دول أخرى لا تستطيع بريطانيا أن تستغني عن ودها وعونها.

    فإذا أخرجت اليونان واضطرتهم إلى ترك هذا الحلف أساءت بذلك إلى سياسة هذا العالم الغريب الذي يسمي نفسه باسم ليس أقل منه غرابة، وهو العالم الحر؛ أساءت إلى الولايات المتحدة الأمريكية وإلى فرنسا وإلى الدول الأخرى المشاركة في حلف الأطلنطي، وقلبت سياسة الديمقراطية الغربية في هذا القطر من أقطار أوروبا رأسًا على عقب، وفتحت بيدها لخصوم الغرب بابًا لم يكن هؤلاء الخصوم يحلمون بأنه سيُفتح لهم دون أن يبذلوا في فتحه جهدًا أو يلقوا فيه كيدًا.

    والدولة اليونانية عضو في حلف آخر تعتمد عليه الديمقراطية الغربية كل الاعتماد، وهو حلف البلقان … فإذا أحرجتها بريطانيا العظمى بسياستها هذه الحمقاء في قبرص، فقد تضطرها إلى الخروج من هذا الحلف، وينهار بذلك هذا البناء الذي اعتمد عليه الغربيون، وظنوا أنه سور يحول بينهم وبين خصومهم من الشيوعيين، وكانت النتيجة الظاهرة لهذا كله أن بريطانيا العظمى قد أضاعت على السياسة الغربية قطرين خطيرين من أقطار الأرض؛ هذا القطر الذي تقوم فيه الدولة اليونانية من جهة، وقطر العالم العربي بحلفها السخيف الأحمق في بغداد.

    وكذلك تثقل الحساب الذي يجب أن تؤديه بريطانيا العظمى أمام حلفائها أولًا وأمام شعبها ومصالحها ثانيًا، وليس لذلك كله سبب إلا أن هذه الدولة البريطانية التي عُرفت قديمًا بالكياسة وأصالة الرأي، قد ركبت رأسها، ولم تستجب إلا للعناد الذي لا يؤذيها وحدها، وإنما يؤذي معها حلفاءها جميعًا.

    وبريطانيا العظمى تعلم حق العلم أن ضم قبرص إلى وطنها اليوناني لم يكن ليضرها شيئًا، فالدولة اليونانية حليفتها، وما كانت لتمانع في أن تستمر القواعد البريطانية في قبرص ما دامت هذه القواعد ضرورة من ضرورات الدفاع الغربي. والأمريكيون لهم قواعد كثيرة في بلاد مستقلة ليست مستعمرة لهم، وإنما هي حليفة تشاركهم في السياسة والمصالح المختلفة، وتحتاج إلى ما يحتاجون إليه من الدفاع عن نظامها الاجتماعي ومصالحها المختلفة.

    فللأسطول الأمريكي قواعده في الثغور الأوروبية، وللسلاح الجوي قواعده في أرض أوروبا، وما نعرف أن لأمريكا في أوروبا مستعمرات أو شيئًا يشبه المستعمرات.

    كيف غفلت بريطانيا العظمى عن هذه الأوليات التي لا يغفل عنها أيسر الناس حظًّا من التفكير المستقيم في الأشياء.

    مهما يكن من شيء، فإن من المحقق أن نفي الزعماء القبرصيين إن دل على شيء، فإنما يدل على أن السياسة البريطانية قد فقدت في هذه الأيام أخص ما كانت تمتاز به من الفطنة وحسن النظر في عواقب الأمور، وإن نفي هؤلاء الزعماء بشير ينبغي أن يستقبله أهل قبرص، وسيستقبلونه بهذا الرضى المُر الذي تعرفه الشعوب المظلومة حين يشتد عليها اليأس وتعظم بها المحنة، والذي يملأ النفوس ثقة والقلوب أملًا ويزيد العزائم مضاء ونفوذًا، والمقاومة شدة وثباتًا، وينتهي غدًا أو بعد غد برجوع المنفيين إلى وطنهم كرامًا موفورين قد مُلئت أيديهم ببشائر الفوز.

    وأنا مطمئن كل الاطمئنان إلى أن هؤلاء الزعماء المنفيين سيعودون في يوم قريب كما عاد سلطان مراكش، وسيعودون ومعهم ما يريده أهل قبرص من تحقيق الآمال وإرضاء الكرامة اليونانية التي غالبت الخطوب والأحداث قرونًا طوالًا، وعرفت آخر الأمر كيف تقهرها وتنتصر عليها.

  • إرادة شعب

    إرادة شعب
    طه حسين
    جريدة الجمهورية
    ٥ مارس ١٩٥٦

    في أقلَّ من أسبوع عرف العالم أن شعبينِ عربيينِ مسلمينِ قد استطاعا أن يفرضا إرادتهما على دولتين عظيمتين من أقوى دول الأرض قوة، وأشدها بأسًا وأبعدها صوتًا وأوسعها سلطانًا.

    فرض الشعب المراكشي إرادته على فرنسا، فاضطرها اضطرارًا إلى أن تعترف باستقلاله وسيادته، وأكرهها إكراهًا على أن تُفاوض السلطان الذي أنزلته عن عرشه منذ عامين، ونفته إلى جزيرة نائية في أقصى المحيط، وقدَّرت أنها ستجعله نكالًا للثائرين بها والمتمردين عليها. فلم يُغن عنها مكانها الرفيع وصوتها البعيد وبأسها الشديد وسلطانها الواسع شيئًا، وإنما مضى الشعب المراكشي في ثورته وأضاف عنفًا إلى عنف، حتى اضطرها بما بذل من جهد وما احتمل من عناء وما أنفق من أموال ودماء، إلى أن تترضى السلطان المخلوع المنفي وترسل إليه في جزيرته النائية قائدًا من كبار قوادها؛ يتلطف له ويترفق به ويعرض عليه السِّلم والموادعة إلى حين، ثم الرجوع إلى وطنه وعرشه موفورًا منصورًا، ثم المفاوضة للانتهاء إلى ما يرضيه ويرضي وطنه وشعبه، وينقذ ما يمكن إنقاذه من سمعتها ومصالحها في تلك البلاد.

    وهي الآن تُعلن إليه أن وطنه قد أصبح مستقلًّا يستمتع بسيادته ويدبر أمره بنفسه، ثم جعلت تفاوض حكومته في حماية مصالحها ما وجدت إلى حمايتها سبيلًا، أرادت أن يكون خلع السلطان ونفيه نكالًا للثائرين بها والمتمردين عليها، فلم يصنع شيئًا، وكان خلع السلطان ونفيه نكالًا لها هي، ودرسًا قاسيًا عرفت كيف تنتفع به في تونس وكيف تنتفع به في مراكش، وستعرف غدًا أو بعد غد من غير شك كيف تنتفع به في الجزائر أيضًا؛ ذلك أن خلع السلطان ونفيه والبطش بالشعب المراكشي لم يُخِفْ أحدًا في شمال أفريقيا كله، بل نشر فيها الثورة وأضاف إلى لهيبها لهبًا، فثار التونسيون حتى ظفروا ببعض استقلالهم، وهم يفاوضون الآن ليضيفوا ظفرًا إلى ظفر، ويوسعوا هذا الاستقلال الذي نزلت لهم فرنسا عنه منذ حين، ويجعلوه استقلالًا محققًا لا كلامًا يُقال. وثار المراكشيون حتى استردوا سلطانهم وانتزعوا استقلالهم انتزاعًا، وثار الجزائريون وما أرى أن ثورتهم ستهدأ حتى تعرف لهم فرنسا ما تُنكر من حقهم، وترد عليهم ما تستأثر به من مصالحهم، وتمحو من نفسها هذه الأسطورة السخيفة التي عللت نفسها بها قرنًا وبعض قرن، حين زعمت أن الجزائر جزء من الوطن الفرنسي، زعمت ذلك لنفسها وأبت أن تعرف لأهل الجزائر حقوق الفرنسيين، فجعلت الجزائر أرضًا فرنسية يعمل فيها الملايين من الرقيق؛ ليخدموا سادتهم من الفرنسيين، وهى الآن تتعلم في مشقة أي مشقة وجهد أي جهد وتضحية بالمال والرجال، أن الجزائريين كانوا أحرارًا وهم يريدون أن يستردوا حريتهم وأن يملكوا بلادهم، ويدبروا أمرهم كما يريدون هم لا كما يريد غيرهم من الطارئين.

    وكذلك تجاهد الشعوب العربية المسلمة في سبيل حريتها واستقلالها، فيظفر بعضها ويجدُّ بعضها الآخر حتى يبلغ من الظفر ما ينبغي له؛ ليعود حرًّا كريمًا كما كان في ماضيه حرًّا كريمًا. ولن تستطع فرنسا مهما تبذل من جهد، ومهما تنفق من مال، ومهما ترسل إلى الجزائر من جند؛ أن تصرف الجزائريين عما يطالبون به من الحياة الحرة الكريمة.

    لن تستطيع فرنسا أن ترجع بتونس ومراكش إلى وراء، ولن تهدأ الجزائر حتى يظفر أهلها بمثل ما ظفر به التونسيون والمراكشيون.

    تلك طبيعة الأشياء، وهذا منطق التاريخ، ولن تجني فرنسا من إبطائها في الاعتراف بالحق ومكابرتها فيما لا ينبغي أن تكابر فيه، لن تجني من هذا إلا التضحية بالمال والرجال في غير طائل، ومع ذلك فقد ينبغي أن تعرف لفرنسا أنها انتفعت بما أُلقي عليها من دروس قاسية، ولم تلح في المقاومة التي لا تجدي في تونس ومراكش. وكل ما نتمناه لها صادقين ناصحين هو أن تثوب إلى الرشد والقصد بالقياس إلى الجزائر كما ثَابَتْ إليهما بالقياس إلى جارتيها في الشرق والغرب.

    وفي الشرق الأدنى عرف شعب صغير في عدده وصغير في قوته المادية وصغير في قطر الأرض التي يسكنها، وهو شعب الأردن، أن يفرض إرادته على دولة طالما فرضت إرادتها على الشعوب، وطالما سخرت أقطارًا كثيرة في الأرض لمآربها وأهوائها، وطالما لعبت بالعروش والتيجان، وطالما استعلت على العالم كله بتسلطها على البحار وتحكمها في الأقطار. وهي الآن تتلقى من هذا الشعب الأردني الصغير الكبير درسًا ستذهل له أول الأمر، ثم تتدبره وتروى فيه بعد أن ينجلي عنها الذهول، وتؤمن آخر الأمر — إن لم تكن قد آمنت بعدُ — بأن إرادة الشعوب حين تعرف حقها وتشعر بكرامتها، فوق كل بأس، وفوق كل ثراء، وفوق كل طغيان يعتمد على البأس والثراء.

    أرادت بريطانيا العظمى أن تُكره الشعب الأردني على أن ينضم إلى حلفها في بغداد؛ فعلَّمها الشعب الأردني أنه بلغ من الإيمان بنفسه وحقه ما يمكِّنه من أن يقول لها: لا، وأرادت أن تجعل من جيش الأردن أداة طيعة مسخَّرة لأهوائها ومآربها تفرض عليه قائدًا داهية من أبنائها؛ فعلَّمها الشعب الأردني بعد أن آمن بنفسه وحقه أنه يستطيع أن يقول لها لا، وأن يرد عليها قائدها الداهية في ساعات قليلة من نهار.

    وقد قلت منذ أكثر من ثلاثة أعوام حين شبَّت ثورتنا، أنها ستؤثر في شعوب الشرق العربي نفس الآثار التي أثرتها الثورة الفرنسية في شعوب أوروبا منذ أكثر من قرن ونصف قرن، وهذه الحوادث تثبت في وضوح وجلاء أني لم أكن متكثرًا ولا مخطئًا في التقدير. وانظر إن شئت إلى الشعوب التي أثارت بالمستعمرين وانتصرت عليهم وظفرت بالحق كله أو بعضه منذ نشرتُ ذلك المقال في الأهرام حين شبَّت ثورتنا.

    انظر إلى السودان كيف كان حين شبَّت الثورة المصرية وكيف هو الآن، وانظر إلى تونس ومراكش كيف كانا منذ ثلاثة أعوام وكيف هما الآن، وانظر إلى الجزائر كيف كانت تتجرع العذاب والذل وكيف تثور الآن لتخلص من العذاب وتبرأ من الذل وتستأنف غدًا أو بعد غد حياة حرة كريمة قوامها العزة والإباء، وانظر آخر الأمر إلى الأردن كيف استطاع أن يفرض إرادته على الإنجليز مرتين في أقل من ثلاثة أشهر، ولم ينته جهاد الشعوب العربية في سبيل استقلالها وكرامتها؛ ولكنه سيزداد قوة وإيذاء حتى تبلغ هذه الشعوب من آمالها ما تريد، إنها تنظر إلى مصر فتسلك الطريق التي تسلكها مصر جادة غير لاعبة؛ لأنها ترى في مصر جدًّا لا لعبًا. وما ينبغي أن نخدع أنفسنا عن الحقائق ولا أن نغرها عن منطق التاريخ، فحلف بغداد الذي يدبر للاحتياط من روسيا السوفيتية — فيما يُقال — لم يفكر فيه نوري السعيد والذين أوحوا به إلى نوري السعيد، إلا للاحتياط من مصر أولًا، ومن عدوى ثورتها ثانيًا، ومن تأثيرها في الشعوب المستضعفة، ومن إذاعتها فكرة المقاومة للمستعمرين من جهة، وسعيها في رفق وتصميم إلى تحقيق العدل الاجتماعي من جهة أخرى.

    بالضبط كما ائتلف الحلف المقدس لمقاومة الثورة الفرنسية وما نشأ عنها من الأحداث، ولكن الحلف المقدس لم يُغن عن أصحابه شيئًا؛ فقد حققت فرنسا ثورتها وأذاعت الديمقراطية في أوروبا، وكانت الكلمة الأخيرة للحرية والإخاء والمساواة، ولن يغني حلف بغداد عن أصحابه شيئًا؛ فستتم مصر ثورتها، وستمضي الشعوب العربية ومن بينها الشعب العراقي نفسه في أثرها، وستكون الكلمة الأخيرة للقضاء على الاستعمار وتحقيق المساواة بين الشعوب من جهة، وبين الأفراد داخل الشعوب من جهة أخرى.

    بهذا كله قد أذن الله عز وجل حين قال بعد أن ذكر طغيان فرعون، (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ).

  • مثل …!

    مثل …!

    طه حسين

    جريدة الجمهورية

    ٧ سبتمبر ١٩٥٥

    كانت الدار آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدًا من كل مكان، وكان أهلها ينفقون حياتهم وادعين لا يؤذون أحدًا ولا يؤذيهم أحد، وإن شجَر بينهم شيء من الخلاف الهادئ أو العنيف من حين إلى حين. وكانوا يختلفون ويأتلفون فلا يدخل الناس في اختلافهم أو ائتلافهم؛ لأن شيئًا من ذلك لم يكن يعني أحدًا غيرهم، ولكنَّ رزقهم هذا الذي كان يأتيهم رغدًا من كل مكان أثار في نفوس بعض الناس من الحسد والطمع ما تثيره السعة عادة في نفوس الطامعين الجشعين الذين يحبون أن يؤثروا أنفسهم بكل شيء وألا يتركوا لغيرهم شيئًا. وفي ذات يوم شجر الخلاف بين أهل الدار واشتد بأسهم بينهم، ولم يعلموا أكان لهذا الخلاف مصدر من هذه المصادر التي تُحْفِظُ الإخوة على الإخوة، أم كان له مصدر خارجي جاء من بعض هؤلاء الطامعين الجشِعين الذين ملأ قلوبهم الحسد والأثرة، فأغرَوْا بعضهم ببعض وحرَّضوا بعضهم على بعض، ثم أقبلوا عليهم باسمين يُظْهِرُونَ لهم المَوَدَّةَ ويُضْمِرُونَ المكر بهم والكيد لهم.

    وما زالوا يرفقون بهم ويتكلفون الإصلاح بينهم، حتى اطمأنُّوا إليهم ووثقوا بهم وحكَّموهم فيما شجر بينهم من خلاف. وما هي إلا أن أقبلوا عليهم فرِحين مستبشرين، وزيَّنوا لهم الاطمئنانَ إليهم والاعتماد عليهم، وأعطَوْهم المواثيق والعهود؛ لِيَكُفَّنَّ بأس بعضهم عن بعض، ولِيَكْفُلَنَّ لهم الدعة والسعة، ولِيَرُدَّنَّ عنهم عدوان المعتدين وغارة المُغِيرين. والحر يخدع أحيانًا فينخدع، وكذلك انخدع أهل الدار لهؤلاء الماكرين بهم الكائدين لهم. وجرت الأمور يسيرة هيِّنة أعوامًا، ثم لم يلبث يُسْرُها أن استحال إلى عسر، ولم يلبث لِينُها أن استحال إلى شدة، ولم يلبث الشر أن صرَّح عمَّا فيه من النُّكر وبيَّن عمَّا كان يُخفِي من المكر والكيد. ونظر الأحرار المنخدعون فإذا حُماتهم لم يريدوا إلا أن يتخذوهم رقيقًا، يُسخِّرونهم لمنافعهم ويستذلُّونهم لإرضاء أهوائهم وشهواتهم. وقد نَدِمَ المنخدعون بعد أن فات وقت الندم وسبق السيف العزل كما يقول المثل القديم، وهَمُّوا يستردوا أنفسهم ويستعيدوا حريتهم ويبسطوا أيديهم على ما يملكون في الدار ومن حول الدار، فلم يجدوا إلى شيء من ذلك سبيلًا، وإنما وجدوا حُماتهم قد استأثروا بهم من دون أنفسهم، واستأثروا بأرضهم وغَلَّاتها ومرافقها من دونهم، واضطروهم إلى الجوع بعد الشبع وإلى الذلة بعد العزة وإلى أن يصبحوا خَدَمًا بعد أن كانوا سادة. ثم لم يكتفوا بذلك، وإنما أسرفوا عليهم في الاستذلال والاستغلال، ودخلوا بينهم وبين أَخَصِّ شئونهم، فجعلوا يُغَيِّرُونَ ما ألِفوا من نظام وما توارثوا من سُنَنٍ، لا يؤامرونهم في ذلك ولا يشاورونهم فيه. ثم أجلَبوا عليهم بخيلهم ورَجْلِهم، فاحتلوا ما كانوا يملكون حول دارهم، ثم احتلوا الدار نفسها وآثروا أنفسهم بخير ما فيها من الغرفات والحجرات والمرافق. ثم لم يكتفوا بذلك، وإنما حكَّموهم حكمًا مباشرًا في اليسير من أمرهم والخطير. ثم لم يَرْعَوْا فيهم إلًّا ولا ذمة، وإنما نقضوا مَنْ أعطوهم من موثق وعهد في غير تحفُّظ ولا تحرُّج ولا احتياط، وجعلوا ينزعون رؤساءهم يغيِّرون منهم ويبدِّلون حسب ما تمليه عليهم منافعهم لا منافع أهل الدار. ثم تجاوزوا في الطغيان والعدوان كل حَدٍّ وخلعوا العذار، ولم يبقَ لشيء ولا لأحد وقار، وإنما خَلُّوا بين طائفة من شرارهم وبين هؤلاء البائسين، فاتخذوهم تجارة ومكسبًا يبيعونهم كما كان يُباع الرقيق فيما مضى من الزمان.

    وما زالوا في هذا البغي واليائسون يَصبِرُونَ ويُصابِرُونَ، ويَذكرون ماضيهم ويُذكِّرون به، ويَذكرون المواثيق التي أعطيت لهم ويُذكِّرون بها، فلا يجدي عليهم ذلك شيئًا، وإنما يُغري بهم سادتهم وحُماتهم فيضيفون نُكرًا إلى نكر وتنكيلًا إلى تنكيل.

    ولكل شيء حد، وللصبر غاية ينتهي إليها، وكرام الناس قد يُسامون الضيم فيصبرون عليه ولكن إلى حين. فإذا بلغ الصبر أقصاه خرج الصابرون عن أطوارهم، وثاروا للكرامة المفقودة والحرية المغصوبة والمنافع المضيعة والحرمات المستباحة والأعراض المهدَرة والدماء المُرَاقة والنفوس المزهقة.

    فدعا الحُماة بالويل والثبور وعظائم الأمور، واتهموا هؤلاء المظلومين المهضومين بالجحود والعقوق وكفر النعمة، وبالتعصب المنكر والبُغض الذي لا يُبقي على شيء، ثم أذاعوا بهذا كله حتى ملَئُوا به أقطار الأرض في الشرق والغرب. ولكن بعض أقطار الأرض قد ذاق أهلها مثل ما ذاق أولئك المظلومون المهضومون من ألوان العسف والخسف ومن ضروب الذل والهوان؛ فهم يَرِقُّونَ لكل مظلوم ويعطفون على كل مهضوم، وهم ينكرون الظلم على كل ظالم ويبغضون العدوان من كل معتدٍ. يجدون ذلك في أعماق نفوسهم ودخائل قلوبهم، ويرونه حقًّا عليهم، ولو استطاعوا لفعلوا أكثر من الرقة والعطف والإشفاق، وإن كَرِهَ البُغاة وسخط الطُّغاة، فقد ينبغي أن يكون لدعاء المظلومين صدًى في بعض النفوس، وأن يكون للعدل أنصار ولو بالألسنة والقلوب في هذا العالم الذي ملأه الجور وأفسد أقوياءه الطمعُ والجشعُ والبطرُ والغرورُ.

    ***

    هذا بالضبط هو الذي حدث في شمال أفريقيا وفي مراكش خاصة، وهذا بالضبط هو الذي يغيظ الفرنسيين ويملأ صدورهم حفيظة ومُوجِدَةً على الذين يطلبون بحقوقهم ويثورون في سبيلها أولًا وعلى الذين يَرِقُّونَ لهم ويعطفون عليهم ثانيًا.

    واللهُ يشهد ما وصفتُ سيرة الفرنسيين في مراكش إلا ببعض ما قرأت وما أقرأ في كثير من الصحف الفرنسية، وبأقلام كثير من كبار الكتاب والعلماء الفرنسيين؛ فأنا لم أذهب إلى مراكش ولا إلى أي قُطر من أقطار أفريقيا الشمالية، وأنا أتحفَّظ دائمًا حين أسمع شكاة الشاكين وتوجُّع المظلومين، وأخشى ألا تبرأ شكاتهم ولا يبرأ توجُّعُهم من بعض المبالغة. ولكني أقرأ في الصحف الفرنسية اليومية والأسبوعية أكثر جدًّا مما ذكرتُ؛ فالفرنسيون أنفسهم يعترفون بأنهم نقضوا عهد الحماية وحكموا المراكشيين حكمًا مباشرًا، ويعترفون بأن طائفة من مستعمريهم قد استأثروا بكل ثمرات الأرض من دون المراكشيين، واستقرُّوا لا على أنهم ضيف على أهل البلاد بل على أنهم سادة يأمرون وينهَوْن ويزرعون الأرض ويستخرجون ما فيها من كل ما يعود على صناعتهم وتجارتهم بالربح والثراء.

    والفرنسيون يتهمون فريقًا منهم بأنهم يبيعون بعض المراكشيين رجالًا ونساء، كما تُباع السلع وكما كان الرقيق يُباع فيما مضى من الأيام. ويكفي أن يقرأ الناس صحيفة الأوبسترفاتور والإكسبريس وصحيفة الموند؛ ليجدوا من هذا كله أشنع وأبشع ممَّا ذكرتُ. فلست متجنيًا عليهم إذن، وإنما يتجنى عليهم كُتَّابُهُم وعلماؤهم إن كان في هذه السيئات من التجني. والكُتَّابُ والعلماء الفرنسيون الذين يسجلون على وطنهم هذا الظلم الذي يستخذي منه كل رجل حُرٍّ في هذا العصر، يمضون ما يكتبون بأسمائهم صريحة، ويحتملون تبعات ما يُسجِّلون على وطنهم من الآثام، ويتعرضون للمحاكمة إن كانوا كاذبين أو متكلِّفين. ولست أعلم أن أحدًا منهم قُدِّم إلى القضاء، ولست أعلم أن صحيفة من الصحف التي تنشر هذه المظالم تعرَّضت لِلَوْمٍ أو تأنيب. ولا ينبغي أن يُقال إن حرية الصحافة مطلَقة لا يستطيع أحد أن يعتدي عليها؛ فحرية الصحافة لا تُبيح للناس أن يكذبوا على أوطانهم ولا أن يتهموها زورًا باقتراف الآثام والتورُّط في المُخْزِيَات. وما أكثر ما تُصادَر بعض الصحف في فرنسا ويُحاكم أصحابُها وكُتَّابُهَا لأمور أقل من هذا خطرًا وأهون منه شأنًا. وأغرب من هذا أن بعض كُتَّابِ الصحف الفرنسية يُصَرِّحُونَ ببعض الأسماء وبعض الهيئات المالية والتجارية والسياسية التي تقترف هذه الآثام، ثم لا يتعرضون رغم هذا كله حتى للمحاكمة المدنية، كأنهم واثقون بكل ما يقولون، وهم من أجل ذلك لا يخشون محاكمة ولا يرهبون بأسًا.

    ***

    وإذن فليغضب الفرنسيون على أنفسهم قبل أن يغضبوا على غيرهم، ولْيَلُومُوا أدباءهم وعلماءهم وساستهم قبل أن يلوموا المصريين أو السوريين أو غيرهم من أهل الشرق والغرب؛ فالفرنسيون يستطيعون أن يطلبوا من مواطنيهم ما يشاءون، ولكنهم لا يستطيعون أن يطلبوا مِنَّا السكوت على ما لا يسكت عنه أبناؤهم. وهم يقولون فينا بالحق وبالباطل، بل وهم يقولون بالباطل أكثر ممَّا يقولون بالحق ما يسوءنا متكذِّبين متكلِّفين، فلا أقل من أن يقبلوا مِنَّا أن نقول فيهم أيسر ما يقول بعض أبنائهم.

    والمهم هو أن الشر انتهى إلى أقصاه بين الفرنسيين وبين إخواننا في شمال أفريقيا. وقد اعترف الفرنسيون بظلمهم فهموا بشيء من الإنصاف قليل في تونس، وهم يحاولون أن يعترفوا بظلمهم في الجزائر ومراكش، فلا يجدون الشجاعة إلى الآن على هذا الاعتراف، ولكن الأحداث ستمنحهم هذه الشجاعة في يوم قريب:

    أما غدا زعموا أو لا فبعد غد

    ومن يدري لعل هذا الحديث لا يصل إلى مصر إلا وقد سجَّل الفرنسيون على أنفسهم أنهم كانوا ظالمين في مراكش، وكانوا مُسْرِفِينَ في الظلم على أنفسهم وعلى المراكشيين، وعلى حق الإنسان الذي أعلنته ثورتهم منذ قرن ونصف قرن.

    فعزْلُ السلطان القائم أو اضطرارُه إلى الاعتزال، وإقامة مجلس للوصاية على العرش المراكشي، وتأليف حكومة تُمثل كل النزعات السياسية في مراكش، والأخذ في مفاوضة هذه الحكومة؛ كل ذلك إذا قرره الفرنسيون — وسيقررونه ما في ذلك شك ولعلهم أن يقرروه اليوم — اعترافٌ بأنهم كانوا ظالمين، وبأنهم قد أخذوا يثوبون إلى أنفسهم ويجنحون إلى شيء من العدل والإنصاف ورَدِّ بعض الحق إلى أهله. وإذن فما غضبهم علينا وما إنذارهم لنا؟! ولا ينبغي أن يستغرب القارئ كلمة الإنذار هذه، فإني أقرأ في بعض الصحف الفرنسية — وفي صحيفة الفيجارو خاصة — سخطًا على مصر وسوريا والعراق، دعوة صريحة للحكومة الفرنسية أن تأخذ هذه البلاد وغيرها باحترام فرنسا، وهي قادرة على أن تفرض على هذه البلاد وغيرها احترام فرنسا. وأعترف أني لم أكَد أقرأ هذا الكلام في صحيفة الفيجارو حتى أغرقت في الضحك وقلت كما يقول الناس عندنا حين يسخرون: العفو.

  • ولو …

    ولو …

    طه حسين

    جريدة الجمهورية

    ١ أكتوبر ١٩٥٤

    كان مما يضحك حقًّا موقف ذلك النائب في الجمعية الوطنية الفرنسية منذ أسابيع حين طالب رئيس الوزراء مسيو منديس فرانس بالاحتجاج على الحكومة المصرية؛ لأن إذاعتنا تؤيد المجاهدين في سبيل الاستقلال من التونسيين والمراكشيين، وحين طالب بإنذار مصر بأنها إذا لم تكُف عن هذه الإذاعة فسينشأ في الإذاعة الفرنسية قسم خاص، يُسمى قسم مصر الحرة ويقاوم حكومة الثورة في مصر.

    كان مضحكًا حقًّا موقف ذلك النائب؛ لأنه إن دل على شيء فإنما يدل على سذاجة تشبه سذاجة الأطفال، أو يصور غضبًا يُخرج الناس عن أطوارهم ويُطلق ألسنتهم بالسخيف من القول ويردهم أطفالًا، وإن كانوا شيوخًا أو كهولًا، فلسنا نعرف نحن وليس الفرنسيون أنفسهم يعرفون أن شيئًا خارج مصر يمكن أن يُسمى مصر الحرة؛ وإنما الشيء الذي نعرفه نحن ويعرفه الفرنسيون وغيرهم من شعوب الأرض، أن مصر الحرة إنما توجد في وطنها المقسوم لها وداخل حدودها الطبيعية وهى حرة بطبعها؛ لأنها قاومت الطغيان الملكي الداخلي حتى ظفرت به وانتصرت عليه وقاومت الاحتلال الأجنبي حتى مهَّدت لخروج جنوده من مصر في أقرب وقت ممكن.

    فمصر الحرة تلك التي أراد ذلك النائب أن يدعو لها في الإذاعة المصرية وأن يغيظ بها حكومة الثورة، لا توجد إلا في خياله وفي خيال رئيس الوزراء منديس فرانس الذي استجاب له فيما يظهر.

    كان ذلك الكلام مضحكًا، ولكنه كان محزنًا أيضًا؛ لأنه يثير في النفوس ذكريات قريبة العهد جدًّا لم ينسها الفرنسيون وإن نسيها المصريون؛ لأن المصريين يحسنون وينسون إحسانهم، يصدرون في هذا الإحسان عن طبيعتهم الكريمة الخيرة، ويعلمون أنهم يؤدون به واجبًا إنسانيًّا، وهم من أجل ذلك لا يعتمدون به على أحد ولا ينتظرون عليه من أحد جزاءً ولا شكورًا.

    فقد كان يوجد منذ عهد قريب جدًّا شيء يُقال له فرنسا الحرة، وكانت مصر في مقدمة البلاد التي آوت فرنسا الحرة تلك، ومنحتها من العون والتأييد ومن العناية والرعاية ما مكَّن لها في الأرض، وأتاح لها أن تكون حقيقة واقعة بعد أن كانت كلامًا يُقال.

    في ذلك الوقت كان الجيش الفرنسي منهارًا أمام الجيش الألماني، وكان الوطن الفرنسي محتلًّا، تفعل به جنود هتلر أشنع الأفاعيل، وكان الشعب الفرنسي منقسمًا قسمين؛ أحدهما مشرَّد في أقطار الأرض يرفض الهزيمة ويأبى الإذعان، والآخر مستقر في أرض الوطن مستسلم للأقدار، يُضمر فريق منه البغض للمحتلين ويتهيأ للمقاومة، ويُظهر فريق منه حب المحتلين ومسالمتهم وتمكينهم من التنكيل بالأحرار من الفرنسيين.

    في ذلك الوقت كانت مصر تأوي فريقًا من الفرنسيين المدنيين المستقرين فيها واللاجئين إليها، وفريقًا آخر من الفرنسيين العسكريين الفارين إليها من جيش فرنسا في سوريا ولبنان. وفي ذلك الوقت كانت مصر تشمل هؤلاء الفرنسيين جميعًا بحبها لهم وعطفها عليهم، وتيسير العسير من أمرهم، وتُسخر إذاعتها لرفع صوتهم الخافت الضئيل ونشره في أقطار الأرض. والفرنسيون لا ينسون من غير شك أن أول تنظيم لجيشهم المقاوم إنما كان في أرضها حين ألفت قلوبهم المنهزمة أول فرقة شاركت الحلفاء في حرب ألمانيا وإيطاليا.

    في ذلك الوقت كانت حكومة مصر كريمة لا تبخل بالمعونة على شعب كريم أصابته المحنة وعبثت به الخطوب، وكان شعب مصر كريمًا يجود بالمال والجهد وبالحب والعطف لشعب صديق؛ ألمَّت به الكارثة واضطرته إلى أن يطلب معونة الأصدقاء. في ذلك الوقت لم تبخل مصر على صديقتها فرنسا البائسة بمال بذلته سخية به، ولا بجهد أنفقته غير مترددة في إنفاقه، وفي ذلك الوقت أقبل رئيس فرنسا الحرة الجنرال دي جول فتلقته مصر حفية به، مكرمة له، وأتاحت له أن يتحدث إلى مواطنيه من الإذاعة المصرية يدعوهم إلى المقاومة ويحرضهم على أن يثوروا بالمحتلين.

    كان هذا كله أثناء الحرب العالمية الثانية حين خفَت صوت فرنسا وحين سخَّرت إذاعتها لخدمة المحتلين، وحين كان صوت فرنسا الحرة يرتفع من مدينتين اثنتين إحداهما لندرة والأخرى القاهرة.

    كانت فرنسا الحرة حقيقة واقعة أتيح لها بفضل المعونة التي شاركت مصر فيها أن تنظم المقاومة وأن تصبح شيئًا مذكورًا بعد أن لم تكن شيئًا ذا بال، وأن تشارك في النصر بعد أن انفردت فرنسا بالهزيمة في أول الحرب، وكان طبيعيًّا أن تنسى مصر ما قدَّمت من خير وما أسدت من جميل؛ لأن مصر لا تبيع المعروف ولا تأخذ له ثمنًا، وكان طبيعيًّا أيضًا أن تذكر فرنسا هذا المعروف ولا تنساه ولا تجزي مصر به عقوقًا وجحودًا ونكرانًا.

    والشيء الذي أحققه ولا أشك فيه، هو أن الشعب الفرنسي يذكر لمصر هذا المعروف ويحفظ لها هذا الجميل، ويُقدِّر ما قدمت إليه من يد أثناء المحنة، ولكن الشعب الفرنسي شيء، والحكومات الفرنسية على اختلافها شيء آخر.

    وقد لاحظت منذ وضعت الحرب العالمية أوزارها أن في فرنسا ظاهرة خطيرة، هي إخلال التوازن فيها بين الشعب والدولة؛ فالشعب الفرنسي لا يكاد يعرف الدولة الفرنسية والحكومة، لا يكاد يؤمن لهما، وإنما هو يحيى حياته مستسلمًا للظروف التي تحيط به غير حافل بالحكومة ولا آبه للبرلمان، يرى أن شعبًا مثله لا بد من أن يكون له برلمان فينتخب النواب والشيوخ حين يدعو إلى انتخابهم، ولا بد من أن تكون له حكومة فيعرف الحكومة حين تؤلَّف له. ولكنه يمضي بعد ذلك في سبيله غير حافل بالنواب والشيوخ الذين انتخبهم، ولا آبه للوزراء الذين يديرون أموره العامة. وهو يخضع لسلطان الدولة كارهًا لهذا الخضوع، ولو استطاع لأعلن الثورة والعصيان، فمن الظلم للشعب الفرنسي أن تحمل عليه كثرة الآثام التي تقترفها حكوماته المختلفة في أقطار الأرض على تباعدها. لقد كان الشعب الفرنسي يكره الحرب في الهند الصينية أشد الكره؛ لأنها كانت تزهق نفوس أبنائه وتسفك دماءهم وتُضيع عليه أمواله في غير نفع، وما زال يقاوم هذه الحرب حتى ظفر بوقفها. وما أشك في أن الشعب الفرنسي يكره السياسة التي تصطنعها حكوماته في شمال أفريقيا؛ لأنها تكلفه أثقالًا لا يحب أن يحتملها، لا أستثني من ذلك إلا المستعمرين الذين يقيمون في شمال أفريقيا، ورجال المال الذين يستغلون أموالهم في استذلال الأفريقيين، وأولئك وهؤلاء قلة ضئيلة بالقياس إلى الشعب الفرنسي المغلوب على أمره.

    ولست أقول هذا عن الظن، وإنما أقوله عن العلم اليقين، فاقرأ الصحف الفرنسية إن شئت؛ فسترى صحف المال والاستعمار تؤيد الحكومة في عبثها، وسترى صحف الشعب على اختلاف أحزابه تناهض الحكومة في هذا العبث. وقد خُدع الشعب الفرنسي برئيس وزارته القائم منديس فرنس حين أمره يمضي الهدنة في الهند الصينية ويريد أن يخرج من مشكلات أفريقيا الشمالية، ولكنه لم يلبث أن رأى تسلط المستعمرين والماليين على السياسة الخارجية الفرنسية، فأدركه كثير من خيبة الأمل، وقال القائلون: حكومة كغيرها من الحكومات تخرج من مشكلة لتتورط في مشكلة أخرى.

    وقد تحدثتُ في غير هذا المقال بما كان من تفاؤل بعض الصحف الفرنسية حين حلَّت مصر مشكلاتها مع الإنجليز، ومن انتظار هذه الصحف أن يكون ذلك مقدمة لحل المشكلات في تونس ومراكش. ولكن هذا التفاؤل لم يدُم، وإنما مضى مسرعًا وترك مكانه لتشاؤم بغيض؛ لأن المستعمرين ورجال المال والأعمال كانوا أقوى قوة وأعظم نفوذًا من الشعب الفرنسي العامل الكادح، الذي يشقى بالحرب ولا ينعم بالسلم إلا قليلًا.

    وفي نفس رئيس الوزارة الفرنسية القائم منديس فرانس عقدة عسيرة الحل؛ فهو إسرائيلي، وهو من أجل ذلك لا يستطيع أن يجحد إسرائيل، وهو من أجل ذلك دعا رئيس الجيش الإسرائيلي إلى زيارة فرنسا، وهو من أجل ذلك يدعو رئيس الحكومة الإسرائيلية لزيارة فرنسا فيما يُقال. وللإسرائيليين في فرنسا وفي بيئات المال والأعمال خاصة نفوذ بعيد المدى. ولكن الذي نعلمه أن الشعب الفرنسي شعب مسيحي كاثوليكي، وأن فرنسا ترى نفسها ابنة الكنيسة الكبرى، وأن الشعب الفرنسي يغالب سخطه على النفوذ الإسرائيلي هذا مغالبة شديدة، ويوشك أن يعجز عن هذه المغالبة، وأن كثيرًا من أعلام المسيحيين الفرنسيين من كتابهم وعلمائهم وأساتذتهم ينكرون السياسة الفرنسية في شمال أفريقيا، ويجاهرون بهذا الإنكار ولا يستخفون به.

    ومن أجل ذلك لا أحفل ولا أحب أن يحفل أحد بهذا السخف الذي يتورط فيه رئيس الوزارة الفرنسية حين يبدي ما يبدي من التقرب إلى إسرائيل، فهذا التقرب لا يخيف أحدًا ولا ينبغي أن يثير في نفوس المصريين والعرب عامة إلا الهزء والسخرية. وسياسة فرنسا الخارجية ليست إليها وحدها ولا سيما في الشرق الأدنى، وإنما هي إليها وإلى حلفائها من الإنجليز والأمريكيين.

    ولن تستطيع فرنسا أن تعطي إسرائيل من الأسلحة إلا ما يأذن به حلفاؤها، وما ينبغي أن ننسى أن أسلحة فرنسا إنما تأتيها من أمريكا أو تُصنع بالمال الأمريكي في فرنسا نفسها.

    فهذا الخداع الذي يعمد إليه رئيس الوزارة الفرنسية لا يخدع أحدًا؛ لأننا نعرف ما تستطيع فرنسا أن تصنع لإسرائيل وما لا تستطيع أن تصنع.

    والخير كل الخير للحكومة الفرنسية القائمة أن ترتفع بنفسها عن هذا السخف الذي يُضحك ولا يخيف، فتقربها إلى إسرائيل لا يُقوي إسرائيل؛ لأن فرنسا نفسها محتاجة إلى القوة، وتَقرُّب إسرائيل إلى فرنسا لا يُقوي فرنسا؛ لأن إسرائيل نفسها محتاجة إلى القوة أيضًا، وتَهجُّم الإذاعة الفرنسية على مصر لا يخيف مصر؛ لأن فرنسا لن تضر مصر شيئًا.

    والخير كل الخير أن يثوب رئيس الوزارة الفرنسية إلى نفسه وأن يقدر عاقبة أمره؛ فهو أذكى وأحصف من أن يجهل أن لفرنسا مصالح كثيرة خطيرة في مصر، وأن إصراراه على سياسته هذه الحمقاء قد يُعرِّض هذه المصالح الكثيرة الخطيرة لما لا يحب الفرنسيون أن تتعرض له.

    لن تكف مصر إذن عن تأييد التونسيين والمراكشيين في مطالبتهم بالاستقلال، بل لن تكف مصر عن تأييد الجزائريين في مطالبتهم بالاستقلال، وإن زعمت فرنسا أن الجزائر جزء من الوطن الفرنسي؛ لأن مصر لا تؤمن بحق الفتح، ولأن أهل الجزائر ليسوا من فرنسا وليست فرنسا منهم في شيء.

    ومصر مؤمنة بأن الاستعمار مهما تكن صوره آثم لا يقره إلا الظالمون، وبأنه خزي لا يليق بالحضارة والإنسانية الحديثة، وهي من أجل ذلك ستقاومه وستؤيد مقاوميه في كل مكان، لا يردها عن ذلك شيء، حتى حنين رئيس الوزارة الفرنسية إلى إسرائيل وتقربه من إسرائيل وإطلاقه ألسنة السوء في مصر.

    فإن المكر السيئ لا يحيق إلا بأهله، والحق منتصر وإن كره المبطلون.

  • فرنسا … والإسلام

    فرنسا … والإسلام

    طه حسين

    جريدة الجمهورية

    ٢٤ أغسطس ١٩٥٤

    لم تكد فرنسا تَفرغ من مأساتها المنكرة في الهند الصينية، حتى أخذت تواجه مأساة أخرى أقل منها نُكرًا في شمال أفريقيا. والغريب أنها تواجه هذه المأساة الأفريقية بنفس المراوغة والمداورة اللتين واجهت بهما مأساتها في الشرق الأقصى. فهي تقوم لتحجم، وتعزم لتتردد، وتقدم الصلح بإحدى يديها والحرب بيدها الأخرى.

    وهي في أثناء هذا التردد والاضطراب تسفك دماء أبنائها ودماء الأبرياء من غير أبنائها، وتنفق في سَرَفٍ خلاصة أموالها وخلاصة أموال غيرها من الأمريكيين، ويشغلها الحرص على منافعها القريبة عن التفكير في منافعها البعيدة، فضلًا عن التفكير في الحق والعدل والإنصاف. ومع ذلك، فما أكثر ما قدم إليها وإلى غيرها من الأمم المستعمرة من النذر فلم تحفل بها، ولم تأبه لها غيرها من المستعمرين!

    وأخص ما يمتاز به الظلم أنه قصير النظر، لا يفكر في العواقب ولا يحفل إلا بالمنافع القريبة العاجلة والساعة التي هو فيها، لا ينتفع بالمواعظ التي سبقته ولا يفكر في النُّذُر التي تدعوه إلى الاحتياط، ولا ينظر إلى غدٍ أو بعد غدٍ؛ ذلك شأن الظلم حين يقع من بعض المواطنين على بعض، وهو شأن الظلم حين يقع من المواطنين على غيرهم من الأمم والشعوب.

    وإذا استقصيت أمر المستبدين في أوطانهم والظالمين لمواطنيهم، رأيتهم جميعًا مُمْعِنِينَ في الحُمق مُغْرِقِينَ في الغفلة، يأتيهم النُّذُر من بين أيديهم فلا ينظرون إليها ولا يسمعون لها، لا يعتبرون بما حاقَ بالظالمين من قبلهم ولا بما يحيق بالظالمين من حولهم، حتى تأخذهم القارعة وتدور عليهم الدائرة ويصبح أمرهم كله عليهم وبالًا ولغيرهم نكالًا.

    وكذلك شأن الشعوب حين يستعلي بعضها على بعض، وحين يظلم بعضها بعضًا. لا تنتفع الشعوب الظالمة المستعلية بما حاق بغيرها من شعوب أخرى ظلمت الناس، واستعلت في الأرض، وكانت عاقبة أمرها وبالًا ونكرًا. بل لا تنتفع بالتجارب التي خضعت هي لها في تاريخها الطويل أو القصير. وإنما تركب رأسها وتستجيب للغرور والكبرياء، وتفتنها منافعها العاجلة حتى تتورط فيما لا بد من أن تتورط فيه، فتندم حين لا يُغني عنها الندم قليلًا ولا كثيرًا.

    والفرنسيون قد جرَّبوا الظلم والاستبداد في بلادهم، حين ظلمهم ملوكهم وأشرافهم فيما مضى من تاريخهم، ورأوا مَصَارِعَ الظالمين من حولهم، وذاقوا ظلم الأجنبي حين احتل وطنهم فملأه فسادًا وشرًّا.

    وهم أقرأ الناس للتاريخ، وأفقه الناس لحقائقه، وأقدر الناس على استخراج عِبَرِهِ ومواعظه. ولكنهم لا ينتفعون بشيء من ذلك في سيرتهم حين يستعمرون، وإنما يملك الغرور عليهم سياستهم، فيتورطون في الخطأ بعد الخطأ، ويقترفون الآثام في أثر الآثام.

    كأنما تغريهم أغلاطهم بارتكاب أغلاط أخرى أشد منها نُكرًا.

    رأوا ما أصابهم في الهند الصينية حين استعلوا واستكبروا وأَبَوْا أن يسمعوا الثائرين، لا يريدون إلا العافية وإقامة الأمر بينهم وبين فرنسا على شيء من الحق والعدل والإنصاف. ثم انتهى أمرهم إلى هذه الكارثة المنكرة التي ألمَّت بهم منذ أسابيع حين طلبوا الهدنة إلى الذين لم يسمعوا لهم ولم يحفلوا بهم منذ أعوام قليلة. وهم يسيرون هذه السيرة نفسها في شمال أفريقيا، تأتيهم النُّذُر من عقلائهم وتأتيهم النذر من خارج بلادهم، ويرون مصارع الشعوب المستعمِرة من حولهم ويرون انتصار الشعوب المغلوبة من حولهم أيضًا. فتأخذهم العزة بالإثم وتشغلهم الكبرياء عن الانتفاع بالعبرة والموعظة، وتصرفهم المنافع القريبة العاجلة عن التفكير حتى في الأوليات التي لا ينبغي أن تكون موضع خلاف أو نزاع.

    هم يذكرون كيف أُخرجوا من سوريا ولبنان، وهم يرون كيف دارت عليهم الدائرة في الشرق الأقصى، وهم يرون كيف اضطرت بريطانيا العظمى — وهي أقوى منهم قوة وأكثر منهم مالًا وأوسع منهم سلطانًا — إلى أن تستجيب للهند والباكستان ودول أخرى كانت خاضعة بها مُذْعِنَةً لسلطانها، فعرفت لها الحق ونزلت لها عن استقلالها طوعًا أو كرهًا. ولكن الفرنسيين على ذلك كله لا يحفلون بشيء ولا ينتفعون بما يرون من المواعظ والعبر.

    ويمضون في مأساتهم هذه المنكرة في شمال أفريقيا، غير مقدرين للعاقبة ولا حافلين بالنتائج، يكررون في شمال أفريقيا خطأهم في سوريا ولبنان، وخطأهم في الهند الصينية؛ تغريهم الكوارث بالكوارث، وتدفعهم الخطوب إلى الخطوب، يقرءون في صحفهم كل يوم أن دماءهم ودماء غيرهم تُسفك في شمال أفريقيا كما سُفكت في غيرها من المواطن. فيعيدون سيرتهم القديمة ويُلِحُّونَ في إقرار النظام وإخضاع الثائرين به والخارجين عليه، والاحتفاظ بسمعة فرنسا في العالم وهيبتها أمام الشعوب يرددون نفس الألفاظ ونفس المعاني ونفس الأوهام التي طالما ردَّدُوها بالقياس إلى سوريا ولبنان وبالقياس إلى الهند الصينية، ولا يخطر على بالهم أنهم سيلقون في شمال أفريقيا مثل ما لقوا في تلك الأقطار، وأن استجابتهم للغرور واعتدادهم بالقوة واعتزازهم بالأوهام، كل ذلك لن يُغني عنهم شيئًا غدًا كما أنه لم يغنِ عنهم شيئًا في أمس القريب ولا في أمس البعيد.

    والفرنسيون يُكثِرُون الكلام عن الصلة بينهم وبين الإسلام، وعن الصلة بينهم وبين المسلمين، كما أكثروا الكلام من قبلُ عن أنهم حماة المسيحية في الشرق الأقصى، وكما أكثروا وما زالوا يُكثِرون الكلام عن أنهم دعاة الحضارة وحماتها في أقطار كثيرة من الأرض، يُغرون أنفسهم بهذا الكلام الذي لا يدل على شيء.

    فهم قد حلوا عن الشرق الأدنى فلم تتعرض المسيحية بعد جلائهم لخطر قليل أو كثير، وهم يُجلون عن الهند الصينية ولن تتعرض الحضارة في الهند الصينية بعد جلائهم لخطر قليل أو كثير.

    وهم يُسرِفون على أنفسهم وعلى الناس حين لا يفرقون بين بلاد لها سابقتها في الحضارة ولها سابقتها في العزة والمجد — كشمال إفريقيا — وبين بلاد أخرى لا حَظَّ لها من حضارة، ولم تعرف العزة والمجد؛ لأنها لم تخرج بعدُ أو لم تكد تخرج من طور الإنسانية الأولى التي تجهل كل شيء، أو تكاد تجهل كل شيء.

    ومحنة الفرنسيين في شمال أفريقيا تأتي من أنهم حين غَزَوْا تلك البلاد في غفلة من أهلها عن أنفسهم وعن حقهم، لم يقدروا أن تلك الغفلة كانت موقوتة، وأنها زائلة عن أصحابها في يوم قريب أو بعيد، فلم يكتفوا بالتسلُّط السياسي وإنما هاجر كثير منهم إلى تلك البلاد أفواجًا في إثر أفواج، فاستقروا في أرضها واستأثروا بخير ما فيها، وكوَّنوا لأنفسهم ولمواطنيهم ثراء ضخمًا وجاهًا عريضًا. وهم الآن حائرون قد اختلط عليهم كل شيء. تَنَبَّهَ الأفريقيون إلى حقهم فطالبوا به، وذكروا سابقتهم في المجد والحضارة فأرادوا إحياءها، ورأوا أرضهم وثروتهم في أيدي هؤلاء الطارئين فأرادوا أن يقوم الأمر بينهم وبين هؤلاء الطارئين على الحق والعدل والإنصاف، وألا يكونوا غرباء في بلادهم، وألا يستأثر الطارئون من دونهم بالخير كله.

    فأمر الفرنسيين مختلط، ليس من اليسير عليهم أن ينزلوا عمَّا في أيديهم كله أو بعضه، وليس من اليسير عليهم أن يحتفظوا بما في أيديهم كله أو بعضه، تدعوهم المنفعة العاجلة وتدعوهم الكبرياء إلى أن يفرضوا أنفسهم فرضًا. ولا عليهم في سبيل ذلك أن تُسفك الدماء وتُزهَق النفوس وتُقتَرف الآثام، وتدعوهم الضرورة المُلجِئَة وظروف الحياة الحديثة وتنبُّه الشعوب إلى حقوقها، وإيذان الاستعمار القديم بالزوال، إلى أن يردوا إلى هذه البلاد من حقها كله أو بعضه؛ فهم مضطربون بين أمرين أحلاهما مُر وأيسرهما عسير: استعمار لا سبيل إليه ولا أمل فيه، وجلاء يشق على النفوس ويُضحَّى معه بكثير من المنافع المادية، وبكثير من الغرور الذي لا تطيب به النفوس إلا في مشقة وعناء.

    وكذلك تشقى فرنسا بالصلة بينها وبين هذا الجزء من العالم الإسلامي، ويشقى هذا الجزء من العالم الإسلامي بالصلة بينه وبين فرنسا، ولا سبيل إلى أن تخلُص فرنسا من هذا الشقاء الذي تنشره في وطنها وتنشره خارج وطنها، إلا بشيء من حمل النفس على ما تكره والتضحية عن رِضًى بما لا سبيل إلى الاحتفاظ به وإقامة الأمر بينها وبين هذا الجزء من العالم الإسلامي، بل بينها وبين العالم الإسلامي كله، على المودة والصداقة والتعاون، لا على البُغض والعداء والخصام الذي لا يُغني عنها شيئًا، والذي هو مُنْتَهٍ من غير شك إلى أن يضيِّع كل شيء.