دكتاتورية
طه حسين
جريدة البلاغ
١٨ يونيو ١٩٤٥
نريد أن نعتقد أن رئيس الوزراء ليس راضيًا، ولا يمكن أن يرضى عن هذه التصرفات الخطيرة التي تضاف إلى بعض زملائه، والتي تحقق النيابة في بعضها مع الصحف.
فإن لنا في رئيس الوزراء رأيًا لم تغيره الحوادث بعد، ونرجو ألَّا تغيره، وهو أنه يكره أشدَّ الكره ما يَشِين نزاهة الحكم قليلًا أو كثيرًا.
ونريد أن نعتقد أن رئيس الوزراء يعلم حق العلم أن بعض هذه المسائل التي تحقق فيها النيابة إذا نسبت إلى موظف كبير أو صغير؛ كان وقف هذا الموظف عن العمل حتى يتم التحقيق أول ما يجب على الوزير المسئول أن يعمله. فإذا نُسبت هذه المسائل إلى الوزير نفسه فليس وقف الوزراء عن أعمالهم ممكنًا؛ لأنه يعطل السلطان العام، وليس استمرار الوزير في عمله معقولًا؛ لأنه يعرض سمعة الحكم للخطر، ويعرض التحقيق نفسه للخطر أيضًا. وإذن فلا سبيل إلى الاحتفاظ بسمعة الحكم من جهة وتحقيق العدالة من جهة أخرى إلَّا أن يستقيل الوزير أو يُقال.
نريد أن نعتقد أن رئيس الوزراء يعلم هذا كله حقَّ العلم، ويؤمن به فيما بينه وبين نفسه، وفيما بينه وبين الله أشدَّ الإيمان.
ولكن نرى رئيس الوزراء يصرح للصحفيين بأن الأمور تجري في طريقها المألوفة، وأن الوزارة متضامنة منسجمة. وإذن فلا مَحِيدَ عن إحدى اثنتين: إمَّا أن يكون رئيس الوزراء قد تغيَّر تغيُّرًا كاملًا وغيَّر آراءه في سمعة الحكم وتحقيق العدل، وهذا بعيد كل البعد. فالنقراشي باشا مبرَّأ والحمد لله من هذه المرونة الخطرة، ومن الاستعداد لهذا القول المريب. وإمَّا أن يكون عاجزًا عن إجراء الأمور كما يجب أن تُجرى، وإخراج الذين تحوم حولهم الشكوك من وزارته عجزًا مؤقتًا أو متصلًا، وهذا هو الذي نميل إليه. وإذن فهناك ظروف قاهرة تعلق سلطة رئيس الوزراء وتمنعه من أن يؤلف وزارته كما يجب أن تكون.
والناس جميعًا يعلمون أن مجلس النوَّاب القائم قد اتخذ قرارًا بمنع الصحف والنوَّاب أنفسهم من الخوض العلني في التقرير الذي يُعرض الآن على لجنة التحقيق في أعمال الوزارة الوفدية السابقة. والناس جميعًا يعلمون أن هذا القرار الذي اتخذه مجلس النوَّاب قد احترمته صحف المعارضة والصحف المستقلة، واحترمه نوَّاب الأحزاب المؤتلفة والنوَّاب المستقلون، ورفض احترامه فريق بعينه هو فريق الكتلة. فلم يحترمه رئيس هذا الحزب الذي طبع التقرير وأخذ يذيعه باليمين وبالشمال في مصر وفي خارج مصر. ولم تحترمه صحيفة الكتلة التي أخذت تتحدث عنه أحاديث مفصلة، وتنشر منه أجزاءً مطولة. ولم يصنع مجلس النواب شيئًا ليفرض على رئيس الكتلة وزملائه وصحيفته احترام هذا القرار.
فإمَّا أن يكون مجلس النواب راضيًا عن هذا التصرف، وإذن فلم يكن في حاجة إلى أن يتخذ ذلك القرار. وإذن من الحق عليه أن يعلن ذلك ليستطيع الناس أن يخوضوا في هذا الحديث كما يخوض فيه فريق الكتلة، وليستطيع المعارضون أن يردُّوا على ما ينشر في صحيفة الكتلة ردًّا صريحًا حرًّا، سواءٌ استقامت لذلك أمور التحقيق أم لم تستقم. وإمَّا أن يكون مجلس النواب عاجزًا عن أن يردَّ رئيس الكتلة وزملاءه وصحيفته إلى الحدود الدستورية الصحيحة؛ وإذن فالسلطة التشريعية معلقة في بعض اختصاصاتها بالقياس إلى بعض المصريين، كما أن سلطة رئيس الوزراء معلقة في بعض اختصاصاتها بالقياس إلى بعض الوزراء.
والناس جميعًا يعلمون أن النيابة قد أصدرت أمرها في الشهر الماضي بمنع الخوض في شئون التحقيق الذي أجرته لجنة وزارية يرأسها رئيس الكتلة، والذي يُعرض الآن على مجلس النواب. وقد احترمت الصحف المعارضة والصحف المستقلة أمرَ النيابة الذي يجب احترامه بحكم القانون، وأبتْ صحيفة الكتلة أن تحترم هذا الأمر، فخاضت فيه كما شاء لها الهوى.
وإذن فإذا كانت النيابة راضية عن تصرف الكتلة، فيجب إذن أن تُبيح هذا التصرف نفسه للصحف الأخرى. ولا نفهم أن تكون النيابة عاجزة عن أخذ الكتلة باحترام القانون والخضوع لما يخضع له المصريون من النظام؛ لأن هذا معناه أن السلطة القضائية معلقة في بعض اختصاصاتها بالقياس إلى بعض المصريين. وإذا علقت اختصاصات السلطة التنفيذية واختصاصات السلطة التشريعية واختصاصات السلطة القضائية كلها أو بعضها في بلدٍ من البلاد؛ فإن لهذا التعليق اسمًا معروفًا مشهورًا لا تحبه الديمقراطية ولا ترضاه، وقد حاربته دول الحلفاء ومنها مصر حتى سحقته سحقًا ومحقته محقًا، وهذا الاسم هو الدكتاتورية.
فأحكام الدستور والقوانين العامة تعلنها الأحكام العرفية أحيانًا، ويقوم الحاكم العسكري العام على تنفيذ هذه الأحكام، ولكننا رأينا أن سلطة الحاكم العسكري نفسه معلقة، فهو لا يستطيع أن يتخلَّص من بعض زملائه، وهو لا يستطيع أن يحمل زملاءه وبعض صحفهم على احترام القانون. وإذن فالدستور والقوانين العامة معلقة في مصر مرتين: معلقة بالأحكام العرفية، وهذا تعليق شرعي نبغضه، ونود أن نخلص منه، ولكنه تعليق شرعي على كل حال، ومعلقة بهذه الظروف التي تهدر السلطات الثلاث في بعض اختصاصاتها بالقياس إلى بعض المصريين. فما عسى أن تكون هذه الظروف الخفية التي أنشأت في مصر نظامًا دكتاتوريًّا يعيش جنبًا لجنب مع النظام الديموقراطي الشرعي ويتحيَّف هذا النظام شيئًا فشيئًا، ويأكله قليلًا قليلًا من يومٍ إلى يومٍ؟ ومن عسى أن يكون هذا الدكتاتور الذي فرضته هذه الظروف الخفية على مصر، ففرض هو إرادته على الذين يمثلون السلطات الثلاث؟
يقول الناس إن هذه الظروف الخفية ليست إلَّا الائتلاف الذي تقوم عليه الوزارة؛ لأن استمتاع رئيس الوزراء بحقه الدستوري الكامل الذي يمكنه من أن يُخرِج من وزارته من تحوم حوله الريب والشكوك؛ هذا الاستمتاع يعرِّض الائتلاف الوزاري للتصدع، وإذا تصدَّع الائتلاف انهارت الأمور القائمة كلها انهيارًا. فمصر إذن مخيَّرة بين أن تصبر على تعليق السلطات الثلاث وعصيان أمر مجلس النواب جهرة، وعصيان أمر النيابة جهرة، وضياع الشعور باحترام السلطات والقانون ليبقى لهذا الائتلاف ويستطيع الوزراء أن يحكموا والنواب أن يشرِّعوا، وبين أن تأبى هذا الصبر وتحرص على الدستور والقانون واحترام النظام، فيتصدع الائتلاف وتسقط الوزارة وينحل مجلس النوَّاب.
مصر مخيَّرة بين هاتين الخصلتين، ومن المحقق أنها تختار الخصلة الثانية لو أن لرأيها وزنًا، ولكن رأيها نفسه معلق في هذه الأيام كما أن السلطات الثلاث معلقة في هذه الأيام أيضًا.
فإلى أن يتيح الله لمصر ذلك اليوم الذي تصبح فيه كلمتها هي العليا، يمكن أن نظنَّ أن نقترح على رئيس الوزراء رأيًا أقلَّ ما يوصف به أن يستر هذا الإخلال الخطير بالنظام الديموقراطي في مصر، ويجعل لمصر حكومة ذات رأسٍ واحدٍ لا ذات رأسين. وهذا الرأي بسيطٌ جدًّا، يطالب به السعديون أنفسهم، وهو أن يسترد رئيس الوزراء حقَّه في تأليف وزارته كما يجب أن تكون، وفي أن يبسط سلطان القانون والدستور على المصريين جميعًا من غير تفريق، وفي أن يمكَّن مجلس النوَّاب من أن تكون قراراته محترمة. وكل هذا لا يكلف رئيس الوزراء إلَّا أن يكون كعهد الناس به، رجلًا جازمًا حازمًا صارمًا، لا يخشى في سبيل رأيه لوم اللائمين، ولا يصطنع في تنفيذ هذا الرأي مرونةً ولا لينًا.
إن له الكثرة في مجلس النواب، فليستقل حزبه بالحكم إذن ليعرف كيف يحمل التبعات، وكيف يواجه المصاعب، وكيف ينفذ من المشكلات، وليحتمل أوزاره دون أن يحتمل معها أوزارًا أخرى. وإذا لم يكن بد من الائتلاف، فليأتلف مع المسالمين الذين لا يجهلون قدر أنفسهم، ولا يطمحون إلى التسلط ولا يطمعون في غير الحكم، والخير له أن ينفرد حزبه بالحكم؛ فإن لرئيس الوزراء وزملائه السعديين مزاجًا خاصًّا ينفر من الائتلاف وينفر منه الائتلاف.
ومن الحق أن أخذ رئيس الوزراء بهذا الرأي سيفتح عليه أبوابًا خطيرة من المداورات والمناورات والمشاغبات لا حدَّ لها، فسيعارضه حزب الكتلة لا معارضة الصديق، فليس لحزب الكتلة صديق، وستضاف هذه المعارضة المعادية إلى المعارضة الشعبية القاسية التي يصلى نارها رئيس الوزراء الآن. ولكن رئيس الوزراء يعلم حق العلم أن النهوض بأعباء الحكم ليس رياضة جميلة ولا نزهة مرهفة على النفس، وإنما هو جهد وجهاد وصبر واحتمال، وأخذ للنفس بما لا تحب، وإجشام لها على ما تكره.
ورئيس الوزراء يوافقنا على أن كل شيء يهون إلَّا أن تكون سلطته معلنة، فيحمل التبعة ولا يتمتع بما يلائمها من الحرية. وعلى أن كل شيء يحتمل إلَّا أن تُعصى قرارات مجلس النوَّاب أو مكتبه جهرة وإعلانًا. وعلى أن كل شيء يُطاق إلَّا أن تخالف أوامر النيابة ولا تُطاع قرارات السلطة القضائية.
فليتوكل رئيس الوزراء على الله، وليحزم أمره، وليؤلف وزارة حزم وعزم وجد، وليجمع السلطان الدستوري كله في يده، وليجنِّب نفسه ووطنه هذا الوضع الذي يخيِّل إلى الناس أن في مصر حكومة ظاهرة وأخرى مستخفية، وأن في مصر نظامًا ديمقراطيًّا من ورائه نظام دكتاتوري خفي، وأن للحكم في مصر رأسين: رأسًا يظهر باسمًا حينًا وعابسًا حينًا، ورأسًا آخر تظهر آثاره في القول والعمل.
ليعتمد رئيس الوزراء على الله، وليجتهد في ألَّا يتغير رأي الناس فيه؛ فقد كان اسمه دائمًا إذا ذُكِر فهم الناس منه جدًّا لا يعرف العَبَثَ، وصراحةً لا تعرف المزاح، واستقامةً لا تحبُّ الالتواء.
Tag: democratic crisis
-
دكتاتورية
-
أزمة الديمقراطية
أزمة الديمقراطية
طه حسين
جريدة البلاغ
٢٤ مايو ١٩٤٥
لم تتعقَّد شئون السياسة العالمية منذ تَمَّ تسليم ألمانيا كما تعقَّدت في هذه الأيام الأخيرة؛ فقد كانت الخصومات الدولية الكبرى وحدها تشغل الرأي العالمي العام، أما الآن فقد أضيفت إلى هذه الخصومات الدولية خصومات أخرى حزبية في السياسة الداخلية لبعض الدول الكبرى.
ولما كانت هذه الخصومات الداخلية بعيدة الأثر في السياسة الدولية نفسها، فقد اشتدَّت العناية بها، وكثر التأويل لها والاختلاف فيما يستنتج من نتائج، بحيث أصبحت السياسة الخارجية نفسها تأتي في المرتبة الثانية بعد هذه المشكلات السياسية الداخلية. وأعظم هذه المشكلات الداخلية خطرًا، مشكلة بريطانيا العظمى بالطبع؛ فلبريطانيا العظمى مركزها الممتاز في العالم كله، ولها العلاقات المعقدة بالدول الكبيرة والصغيرة وبممتلكاتها المستقلة وإمبراطوريتها الواسعة؛ فليس من الغريب أن تُعْنَى هذه الدول كلها بكل ما يحدث في بريطانيا العظمى، وبكل ما يمكن أن يكون له أثر في سياستها الخارجية وفي مسلكها نحو المستعمرات.
ومصدر هذه الخصومة الداخلية في بريطانيا العظمى طبيعي لا غرابة فيه؛ فقد حكمت بريطانيا أثناء الحرب حكمًا ائتلافيًّا يقوم على اتفاق الأحزاب التي تتباين مناهجها وبرامجها. وكان رئيس الوزراء مستر تشرشل يعتقد أن هذا الحكم الائتلافي سيستمر حتى تضع الحرب أوزارها في الشرق والغرب. ولكن الحوادث دلَّت منذ وقت غير قصير على أن هذا الائتلاف قد أَخَذَ يتصدَّع، وعلى أن الاختلاف في شئون السياسة الخارجية نفسها بين الأحزاب أعظم من أن تثبت له الوزارة الائتلافية.
ويكفي أن نذكر حوادث اليونان التي لم يبعد العهد بها بعد؛ لنتبيَّن أن الأحزاب المؤتلفة في بريطانيا العظمى لم تكن تنظر إليها نظرة واحدة، وقد كان المحافظون ينظرون إليها نظرة الرضا عن السياسة الإنجليزية في تدبيرها وتسييرها، وكان العمال ينظرون إليها نظرة السخط، وكان الأحرار ينظرون إليها نظرة قلقة مترددة. ولم ننسَ بعدُ تلك المناورات البرلمانية التي لجأ إليها العمال أثناء أزمة اليونان؛ ليحتفظوا بحريتهم في الرأي وإنكارهم لسياسة الحكومة من جهة، وليحتفظوا بالائتلاف من جهة أخرى حتى يتم الانتصار في أوروبا وتُلْقِي ألمانيا السلاح.
وقد طلب مستر تشرشل الثقة غير مرة إلى مجلس العموم بشأن سياسته في اليونان فظفر بها، ولكنه ظفر بها غير كاملة: ظفر بثقة تشبه أن تكون شكلية؛ لأن عددًا ضخمًا من النواب يوشك أن يبلغ نصف المجلس — أو أن يزيد عليه — لم يشهد التصويت؛ فظفر رئيس الوزراء بالثقة من كثرة الحاضرين، واستطاع أن يقول رسميًّا إنه مؤيد بثقة المجلس، ولكنه استطاع أن يعلم أن تأييد المجلس له ليس قويًّا ولا عميقًا ولا صالحًا للاعتماد عليه.
وكان ما حدث في مؤتمر القرم مظهرًا آخر من مظاهر التصدع في هذا الائتلاف؛ فقد سخط العمال والأحرار، وأيَّدهم الرأي العام البريطاني على إمضاء الأمر في شئون بولندا وهي نائية، ودلت الحوادث بعد ذلك على أن الساخطين لم يخطئوا؛ فهذه بولندا لا تزال في موقفها المعقد، وهي لا تشارك في الشئون العالمية، ولا تشهد مؤتمر سان فرانسيسكو؛ لأن الروسيين يرون في شأنها رأيًا، ويرى الإنجليز والأمريكيون في شأنها رأيًا آخر، وتضيع هي بين أولئك وهؤلاء.
والواقع أن شئون السياسة الخارجية البريطانية مضت مستقيمة مرضية للعمال والمحافظين والأحرار أثناء المحنة حين كانت ألمانيا قوة تُخَاف ويُخْشَى خطرها، وحين كان الحلفاء في حاجة شديدة إلى تأييد القويِّ والضعيف في جميع أقطار الأرض، فلما انهزمت ألمانيا في إيطاليا وفرنسا، وأخذ الحلفاء يغزونها في أرضها، واستيقن الحلفاء أنهم منتصرون؛ تغير اتجاه السياسة الخارجية البريطانية شيئًا ما، وأخذ يسترد قليلًا لونَه القديم الذي كان يعتمد على انتهاز الفرص، وتقوية سلطان الإمبراطورية، وإظهار البأس البريطاني، وإشعار الأقوياء والضعفاء بأن للسلطان البريطاني قوَّة لا تحب الضعف وشدة لا تحب اللين.
وظهرت آثار هذا كله في أزمة اليونان، كما ظهر شيء من ذلك في الشرق الأدنى؛ فقد نسيت وعود كانت مبذولة، وظهرت ميول كانت حريصة على أن تستخفي، ولم يلبث هذا كله أن اصطدم بحرص الدول الأخرى العظيمة على ما تحب أن يكون لها من نفوذ وسلطان، ومنذ ذلك الوقت أحسَّ العمال أن المحافظين قد جعلوا يعودون إلى سياستهم التقليدية، فصبروا على مضض صامتين، ثم جمجموا وغمغموا منكرين، ثم جهروا بالخلاف، وصرَّحوا بالإنكار، وعرضوا الائتلاف للخطر.
فإذا أضفت إلى هذا أن السياسة الداخلية في بريطانيا العظمى قد سلكت نفس السبيل التي سلكتها السياسة الخارجية؛ لم تنكر مسلك العمال، فقد مضى المحافظون مع حلفائهم العمال في الحرب إلى أبعد مدًى، ودعاهم ذلك إلى أن يبسطوا سلطان الدولة على كل شيء، ويبسطوه في قوة لا تعرف هوادة ولا تراخيًا، حتى كان كثير من الناس يتحدثون بأن بريطانيا العظمى تسعى إلى الاشتراكية سعيًا سريعًا. ولكن الأستاذ بيفردج لم يكد يعلن تقريره المشهور، حتى أحسَّ المحافظون أن هناك خطرًا يحسن الاحتياط له والاستعداد لمقاومته، وإذا تقرير الأستاذ بيفردج يؤجل إلى حين، وإذا الحديث يستأنف من حق الأفراد والهيئات في أن يمكنوا شخصياتهم من العمل والابتكار والإنتاج.
وإذن فقد جعل المحافظون يستردون شيئًا عن حريتهم، ويعودون إلى سياستهم التقليدية التي تُؤْثِر التطور البطيء، فضلًا عن الثورة في كل ما يتصل بالنظم الاجتماعية والاقتصادية، وليس العمال غافلين ولا ذاهلين؛ فهم قد لاحظوا هذا التغير في سياسة المحافظين في السياسة الداخلية كما لاحظوه في السياسة الخارجية، وهم قد احتملوا الائتلاف كارهين منذ وقت طويل، حتى إذا انتهت الحرب في أوروبا قرروا أن يستردُّوا حريتهم، واستردوها بالفعل، ولكنهم ضحوا في سبيل هذه الحرية بشيء غير قليل مما كانوا يعتمدون عليه ليظفروا بالفوز في الانتخاب؛ فقد كانوا يريدون أن يخوضوا معركة انتخابية طويلة هادئة يدعون فيها لآرائهم بعد أن تطمئنَّ القلوب في الصدور، ويُفِيق الشعب البريطاني من نشوة النصر، ويستطيع أن يحكم على الأشياء في هدوء وأناة، ويعود كثير من الجنود المحاربين إلى أرض الوطن، فيسمعوا من الناس ويقولوا لهم، ويقضي الشعب في مصيره عن روية وبصيرة.
ولكن مستر تشرشل لم يمهلهم، ولم يُتِحْ لهم هذه المعركة الهادئة الطويلة، وإنما خيَّرهم بين الائتلاف إلى أن تستسلم اليابان، والانتخاب في أوائل يوليو المقبل؛ فقبلوا التحدي كارهين، ووصفوا خطة المستر تشرشل بأنها خطة مخجلة، وحملوه تبعتها، وبدءوا دعوتهم الانتخابية منذ يوم الثلاثاء.
والعالم ينتظر نتيجة هذه المعركة التي تدور الآن بين هذه الأحزاب الثلاثة، وينتظر ما سيكون لهذه المعركة من أثر في السياسة الخارجية، وفي الصلات بين بريطانيا العظمى وبين الدول الكبرى من جهة وبينها وبين الدول الصغيرة من جهة أخرى. وأيسر ما ينبغي أن يقال للمصريين خاصة وللشرق العربي عامة هو أن الشعوب المستقلة الكريمة يجب أن تعتمد على نفسها قبل كل شيء، وألا تعتمد على تحول سياسي يحدث هنا أو هناك، ويجب في الوقت نفسه ألا تهمل هذا التحول السياسي، وأن تحسب له حسابه، وتستعد للانتفاع به إن كان نافعًا، والاحتياط له إن كان مخيفًا.
على أن الأزمة الديمقراطية الداخلية ليست مقصورة على بريطانيا العظمى وحدها؛ فقد يظهر أن في فرنسا شيئًا يشبه أن يكون أزمة ديمقراطية، فقد دلت الانتخابات البلدية على أن فرنسا تتجه اتجاهًا شديدًا نحو اليسار، وكل شيء يدل على أن في الشعب الفرنسي شيئًا غير قليل من القلق حين ينظر إلى مستقبله القريب وإلى تنظيم أمره الداخلي. وقد خطب ليون بلوم رئيس الحزب الاشتراكي خطبته الأخيرة، فدلَّ على أن الأمور لا تجري في فرنسا على نحو يدعو إلى الرضا والاطمئنان. وأخص ما يلفت النظر في خطبة ليون بلوم قوله: «إن أداء خدمة الوطن مهما تعظم لا يُكسِب صاحبه حقًّا في البلاد الديمقراطية، وإنما يكسبه الحق في البلاد الدكتاتورية؛ لأن أداء الخدمة إلى الوطن الديمقراطي واجب على المواطنين جميعًا تقتضيه طبيعة الأشياء.»
وواضح ما في هذا الكلام من التعريض، وقوله كذلك: إن فرنسا يجب أن تصل إلى عظمتها من طريق الاتحاد بين المواطنين، والتعاون على تحقيق العدالة الاجتماعية في الحياة الداخلية، وعلى تحقيق العدالة الاجتماعية بين الدول؛ فلا يظلم القوي الضعيف، ولا يستأثر صاحب البأس بالأمر دون من لا حظَّ له من قوة أو بأس. وهذا البرنامج على إيجازه إن صور شيئًا فإنما يصور المثل الأعلى للعدل الداخلي والخارجي جميعًا، ولكن المثل الأعلى شيء والحياة الواقعة شيء آخر.
فأنت ترى أن مشكلات السياسة الداخلية قد كادت تسيطر في هذه الأيام على مشكلات السياسة الخارجية، ولست أدري أمخطئ أنا أم مصيب؟ ولكن أشعر بأن بعض المشكلات الأوروبية الحادة قد أخذت تتخفَّف من حدتها شيئًا ما؛ فمشكلة تريستا توشك أن تنتهي إلى حلٍّ يُرْضِي الحلفاء من جهة واليوغوسلافيين من جهة أخرى، وما أظن أن الأيام القليلة المقبلة ستنقضي دون أن يعلن أن الاتفاق تام موقوت بين أولئك وهؤلاء.
وكانت هناك مشكلة الحكم في ألمانيا، وكانت موسكو ساخطة أشدَّ السخط لبقاء حكومة ألمانية برياسة الأميرال دونتز، فقد حلت هذه المشكلة بإلغاء هذه الحكومة واعتقال أعضائها جميعًا. أما المشكلة البولندية فمرجأة إلى أن تستأنف فيها المفاوضات، فهل تُسْتَأنَفُ هذه المفاوضات مع الحكومة البريطانية المؤقتة التي يؤلِّفها المستر تشرشل الآن؟ أم هل تستأنف مع الحكومة التي ستنتجها الانتخابات؟ والشيء الواضح هو أن بولندا لن تشارك في مؤتمر سان فرانسيسكو، ولكن الشيء الواضح أيضًا هو أن مؤتمر سان فرانسيسكو قد أصبح شيئًا في المرتبة الثانية أو الثالثة، وفقد كثيرًا جدًّا من خطورته، ولن تفقد بولندا شيئًا كثيرًا لأنها لم تشترك فيه. ومن يدري لعلها سترضى في يوم من الأيام عن هذه الظروف القاسية التي حالت بينها وبين الاشتراك فيه؟