هفوة …
طه حسين
جريدة صوت الأمة
٣٠ أكتوبر ١٩٤٦
لم يكن ليتورط فيها صدقي باشا لولا أنه رجل قد تقدَّمت به السن، وألحَّت عليه العلة، وأثقلته الهموم، وطال انتظاره لهذا اليوم العظيم الذي يُحدِث فيه حدثًا خطيرًا في السياسة المصرية، ويلعب فيه دورًا ذا بال كما يقول أصحاب التمثيل. فصدقي باشا يداعب الأمل منذ أكثر من ربع قرن بأن يكون له في السياسة المصرية موقف يشبه موقف جماعة من أصدقائه وأترابه ومعاصريه.
وهو يبذل في سبيل هذا جهودًا لا تعرف كللًا ولا مللًا ولا فتورًا، ويتجشم في سبيل هذا أهوالًا ثقالًا عرَّضته لكثير من المحن.
والمصريون جميعًا يذكرون مواقفه في باريس حين كان الوفد المصري يحاول الاتصال بمؤتمر الصلح، ومواقفه في لندرا حين كان عدلي باشا يفاوض في لندرا، ومواقفه في القاهرة حين كان ثروت باشا يعمل لتصريح ٢٨ فبراير.
والمصريون يذكرون هذه المحاولات اليائسة التي حاولها حين كان رئيسًا للوزارة؛ ليتصل بوزير الخارجية البريطانية، فلما لم يستطع أن يلقاه في لندرا احتال حتى لقيه في جنيف، ثم لم يظفر منه بشيء.
هي إذن شهوة في نفسه وشهوة طبيعية، فما ينبغي أن يكون حظه أقلَّ من حظ المصريين الذين فاوضوا في القاهرة، أو في غير القاهرة من مدن الأرض.
وربما كانت هذه الشهوة الحادة الملحة هي التي دفعت صدقي باشا إلى أن يسرع إلى الحكم، حتى إذا تراءى له الحكم لم يتردد رعاية لصحته، ولم يتردد رعاية لتاريخه القديم، ولم يتردد رعاية لرأي الناس فيه، ولم يتردد لإشفاق الناس منه، وشكهم في كل ما يعمل أو يقول، لم يتردد لشيء من هذا كله؛ لأن الفرصة التي انتظرها وسعى إليها — بل جد في السعي إليها أكثر من ربع قرن — قد سنحت، فقال لنفسه: ما ينبغي أن تفلت الفرصة، فقد أُتيح لصدقي باشا كما أُتيح لعدلي، وثروت، وسعد، ومحمد، ومحمود، والنحاس أن يكون رئيسًا لهيئة تفاوض الإنجليز.
وكان صدقي باشا خليقًا أن يكتفي من الفوز الشخصي بهذا القدر، وأن يفاوض الإنجليز في القاهرة والإسكندرية، كما فاوضهم غيره من المصريين. فإن أُتيح له أن يكسب للمصريين حقوقهم، فقد أُتيح له الفوز كله، وإن حيل بينه وبين هذه الحقوق قطع المفاوضات، واكتفى بأنه لم يتخلَّف عن غيره من السياسيين المعاصرين.
وكان صدقي باشا خليقًا أن يقول لنفسه: إن أقطع المفاوضات فقد قطعها من هو خير مني، قطعها عدلي وسعد وثروت، وإن أنجح في المفاوضات فقد نجح فيها من هو خير مني، نجح فيها النحاس بعد أن قطعها مرة، ثم استأنفها مرة أخرى فأُتيح له النجاح.
ولكن صدقي باشا لا يعرف القصد ولا يحب القناعة، ولا يستطيع أن يضبط نفسه، ولا أن يرد إرادته إلى شيء من المهل والأناة، وإنما هو جامح مندفع يستجيب لشهوته، ويركب رأسه في كل ما يحاول من الأمر؛ يعنف ويسمي العنف حزمًا، ويندفع ويسمي الاندفاع شجاعة، ويمكر ويسمِّي المكر مهارة ودهاءً.
وهو من أجل ذلك لم يكد يرأس هيئة المفاوضات، حتى خُيِّل إليه أن كل شيء قد يُسِّر له، وأن الفوز قد كُتب له. وإذا هو يصبح المفاوض الأول (ولنلاحظ مسرعين أن أحدًا من الذين سبقوه إلى رئاسة المفاوضات لم يخلع على نفسه هذا الوصف)، ثم إذا هو يستأثر من دون أصحابه بهذه المفاوضات؛ حتى أحرج صدورهم وأرهقهم من أمرهم عسرًا. ثم إذا هو يشكو بأصحابه المصريين بمفاوضة الإنجليز؛ حتى يضطر فريقًا من المفاوضين إلى أن يشكُّوا فيه كل الشك، ويرتابوا به كل الريب، ويضطره إلى مواقف يملؤها الحرج، ويخرجوا بالمفاوضات من السر إلى الجهر، ومن الخفاء إلى الإعلان، يستعينون عليه بالرأي العام بعد أن أعيتهم فيه الحيل، وبعد أن حجزوا عن مسايرته في طرقه الملتوية التي كان يؤثر أن يسير فيها.
وإذا مفاوضوه الإنجليز أنفسهم يعلنون هذا الشك وهذه الريبة في البيان الذي أصدروه قبل أن يعودوا إلى وطنهم، فيقول قائلهم: إننا علمنا من أمر المفاوضات ومن آراء المفاوضين شيئًا أو أشياء غير ما سجلته لنا المذكرات المكتوبة التي قدمت إلينا. ومعنى هذا باللفظ الصريح — وهو المعنى الذي ردده مكرم باشا وغير مكرم باشا — أن صدقي باشا كان يقول للمصريين من زملائه شيئًا وللإنجليز من مفاوضيه شيئًا آخر. كان يصطنع ما يسميه مهارة ودهاءً فيمكر بأولئك وهؤلاء.
ثم لم يكتفِ بهذا كله، وإنما أبى إلا أن يبلغ بالبطولة أقصى غاياتها وأبعد آمادها، ويُبيِّن للمصريين أن زملاءه هؤلاء المفاوضين هم الذين قد حالوا بينه وبين التوفيق لكثرة ما كانوا يجادلون ويمارون، وأن المفاوضين الإنجليز أنفسهم هم الذين حالوا بين المفاوضات وبين النجاح؛ لأنهم لم يكونوا يملكون السلطان الكافي، وأنه هو صدقي باشا يستطيع أن يطير إلى لندرا، وأن يلقى المستر بيفن، وما هي إلا أن يقضي معه ساعة أو ساعات حتى يطويه طيًّا، ويلويه ليًّا، ويضعه في جيبه في غير جهد ولا مشقة، ثم يحتفظ به سجينًا في جيبه لا يخلي بينه وبين الهواء الطلق إلا أن يسلم له بكل ما تريد مصر. هنالك وهنالك ليس غير يرد إليه حريته، ويخلِّي بينه وبين الذهاب إلى نيويورك.
ولم يحفل صدقي باشا بالنذير ولا بالتحذير، ولم يسمع صدقي باشا للنصح ولا للإرشاد، وإنما طار إلى لندرا ولقي المستر بيفن، وعاد إلى مصر متحديًا خصومه، مُبشِّرًا أصدقائه بأنه قد أنجز الوعد، ووفَّى بالعهد، وأتى بالسودان حلالًا سائغًا، لا أقول لمصر كما قال، وإنما أقول لأهل وادي النيل كما ينبغي أن يقول المصريون والسودانيون جميعًا.
ولعل القارئ يذكر أني قلت منذ يومين اثنين إني أراهن من شاء بما شاء على أن صدقي باشا لم يأتِ من لندرا بشيء ذي غَنَاء. ولم يراهني أحد؛ لأن المصريين جميعًا فيما يظهر يعرفون من صدقي باشا مثل ما أعرف، وينتظرون منه مثل ما كنت أنتظر، ويصدقونه بمقدار ما أصدق. قال لهم إنه جاء بالسودان حلالًا سائغًا، فلم يؤمن له أحد؛ لأنهم تعوَّدوا منذ أعوام وأعوام ألا يؤمنوا له إذا قال.
وما هو إلا أن ينقضي يوم الأحد، ويأتي يوم الاثنين حتى يقف رئيس الوزارة البريطانية في مجلس العموم البريطاني يهدئ من روع الإنجليز الذين خافوا فيما يظهر أن يكون صدقي باشا قد قال الحق، وأن يكون السودان قد أفلت منهم، ويهدئ المصريين الذين ظن بهم السذاجة والغفلة، وخُيِّل إلى نفسه أنهم قد اطمأنوا إلى تصريح صدقي باشا، فأراد أن يجنِّبهم خيبة الأمل، وأن يحول بينهم وبين النكسة التي تعقب الثقة حين يظهر أنها كانت ثقة غير ذات موضوع كما يقول أستاذنا الجليل لطفي باشا السيد.
وقف رئيس الوزارة البريطانية، فكذَّب ما أذاع صدقي باشا من تصريح، ورد إلى الإنجليز أمنهم، وثبَّت في قلوب المصريين خوفهم، وعرف أولئك وهؤلاء أن صدقي باشا قد طار وطار وعاد صفر اليدين. لم يكسب شيئًا لوطنه، وإنما عرَّض صحته لشر عظيم، نرجو أن يكشف الله عنه غمرته؛ ليعود صدقي باشا قويًّا نشيطًا معافًى قادرًا على أن يداعب بمهارته ودهائه المصريين والإنجليز جميعًا.
كل هذه أشياء قد أَلِفَها المصريون من صدقي باشا. فهم لا ينكرون منها شيئًا، ولعلهم أن ينكروا ما يناقضها إن استطاع صدقي باشا أن يأتي بما يناقضها.
ولكن الشيء الذي يخجل له المصريون حقًّا هو أن صدقي باشا في هذه المرة قد أسرف على نفسه وعلى مواطنيه حين أسرع إلى إذاعة تصريحه قبل أن يحين الوقت لإذاعة هذا التصريح. فليس من شك في أن الإنجليز قد قالوا له: سنقبل أن تذكر سيادة التاج المصري على السودان. ولكنهم قد قالوا له من غير شك أشياء أخرى، فكان صدقي باشا خليقًا أن يضبط نفسه ويحزم أمره، ويستعين على قضاء حاجته بالكتمان، ويلتزم الصمت حتى يواجه زملاءه المفاوضين بما حمل إليهم من بلاد الإنجليز، فإن أقرُّوه أعلنه إلى الناس، وإن رفضوه رأى رأيه فقطع المفاوضات أو ألغى هذه الهيئة المشاكسة، وفرضها دكتاتورية تُمْضِي الأمر كما يريد هو لا كما يريد المفاوضون.
كان الحق على صدقي باشا أن يسلك هذه الطريق إيثارًا للعافية أولًا، ورعاية لكرامة زملائه المفاوضين ثانيًا، واحتفاظًا بالتقاليد السياسية بعد كل شيء. ولكن شهوة الفوز ملكت على الرجل أمره، فلم يحفل بزملائه الوزراء، ولم يحفل بزملائه من المفاوضين المصريين، ولم يحفل بالتقاليد السياسية، بل لم يحفل بالحق نفسه، وإنما قال شيئًا وطوى أشياء، وكان أمره كأمر الذي يتلو: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ ) … ثم يقف ولا يمضي بالآية الكريمة إلى آخرها، فيوهم الناس أن الله ينهاهم عن الصلاة، فقد قال الإنجليز لصدقي باشا فيما يظهر أنهم لم يروا بأسًا بأن تذكر سيادة التاج المصري على السودان، ولكن بشرط أن تبقى أمور السودان كلها كما هي الآن، لا ينالها تغيير قليل أو كثير، وأن يسجل المصريون على أنفسهم الاعتراف بحق السودانيين في أن يعلنوا استقلالهم متى أرادوا.
وواضح جدًّا أن صدقي باشا لم يكن يستطيع أن يذيع هذا كله؛ لأن هذا كله لا يسجل فوزًا، وإنما يسجل إخفاقًا، وإخفاقًا بشعًا شنيعًا.
وشر ما في هذا كله هو أن صدقي باشا لم يَسِرْ سيرة الرجل السياسي حين يفاوض دولة أجنبية، وحين يتَّفِق مع هذه الدولة على الاحتفاظ بسرية المفاوضات. ولذلك اضطر رئيس الوزارة البريطانية إلى أن يكذِّبه من جهة، ويلومه من جهة أخرى في مجلس العموم البريطاني، فعرَّض نفسه لهذه الإهانة القاسية، وعرَّض حكومته لنفس هذه الإهانة، ولم يُعرِّض مصر لشيء؛ لأن مصر ليست منه في شيء، ولأن الإنجليز يعلمون حقَّ العلم أنه لم يتحدث إليهم بلسان مصر، ولم يفاوضهم باسم مصر، وأن مصر تبرأ إليهم وإلى العالم كله من كل ما قال لهم ومن كل ما سمع منهم.
فهذه الهفوة التي تورَّط فيها صدقي باشا تثير في نفوسنا الاستحياء لصدقي باشا نفسه، كما تثير في قلوبنا الإشفاق على صدقي باشا. فصدقي باشا أبرع وأشد لباقة من أن يتورط في هذه الهفوة لولا أنه كما قلت في أول هذا الحديث رجل قد تقدمت به السن، وألحَّت عليه العلة، وأثقلته الهموم، واستأثرت به شهوة الفوز.
ولكن ما عسى أن يكون الموقف بعد أن انتهت الظروف بصدقي باشا إلى هذا الحرج. أمن الممكن، أمن المعقول، أمن المباح أن نلقي أعنَّة الحكم لمن لا يستطيع أن يملك أعنَّة نفسه؟ وأن تسند مصائر مصر إلى رجل قد تقدمت به السن، وألحت عليه العلة، وأثقلته الهموم؟
وإذا كان صدقي باشا لا يشفق على نفسه من تجشم الهول واحتمال الألم والتعرض للخطر، وإذا كان صدقي باشا لا يشفق على وطنه من سياسة العجز هذه التي تدفعه إليها سنه وعلته وهمومه الثقال، فقد يجب أن نشفق نحن على مصالحنا، وأن نتوسَّل إلى حضرة صاحب الجلالة أن يولِّي أمور الحكم في مصر رجلًا لم تتقدَّم به السن ولم تلحَّ عليه العلة ولم تثقله الهموم، وأن نتوسَّل إلى حضرة صاحب الجلالة الملك في أن يُعفِيَ صدقي باشا من الحكم رحمةً له، وإشفاقًا عليه، وضنًّا به على الخطر.
وقد يكون من الحق علينا أن نطلب إلى زملاء صدقي باشا من المفاوضين المصريين أن يُجنِّبوا مصر سياسة العجز والهفوات، وأن يريحوا صدقي باشا من هذا العناء الثقيل الخطر، وسبيلهم إلى ذلك واضحة ميسرة، فسيجمعهم صدقي باشا يوم السبت في بعض الروايات، ويوم الخميس في بعضها الآخر، وسيعرض عليهم ما حمله من بلاد الإنجليز، وهذا الذي حمله من بلاد الإنجليز مخالف للحد الأدنى الذي قررت كثرتهم أنها تستطيع قبوله، وهو مخالف أشدَّ المخالفة لما تستطيع مصر أن تقبله.
وإذن فالنصح للوطن، والنصح لصدقي باشا يقضي برفض ما جاء به صدقي باشا من بلاد الإنجليز، هنالك تقطع المفاوضات، وهنالك تستأنف مصر جهادها، ويفرغ صدقي باشا لصحته، ويُجنَّب المصريون هذا العناء العظيم البغيض.
وما أشك في أن المفاوضين المصريين سيستمعون لهذا الدعاء، فينقذون وطنهم من هذا الخطر، وينقذون صدقي باشا من نفسه أيضًا …
Tag: diplomatic failure
-
هفوة …