Tag: Distraction

  • تلهية

    تلهية
    تحدثت زميلتنا «السياسة» الغراء صباح اليوم إلى قرائها بحديث إن صح ما فيه كان فضيحة لا كالفضائح، ونكرًا لا كغيره من النكر الذي تعود الناس أن يشهدوه في هذه الأيام.
    تحدثت السياسة بأن وزير الداخلية القيسي باشا عبث بمجلس النواب وبالأمة المصرية كلها حين زعم للنائب الذي سأله مساء الأربعاء في أمر المبشرين أن الحكومة تريد أن ترصد سبعين ألفًا من الجنيهات لإنشاء ملاجئ ومدارس تؤوي إليها الفقراء والبائسين من أبناء المسلمين وبناتهم لتجعلهم في مأمن من عدوان المبشرين على دينهم وأخلاقهم وأعراضهم.
    تحدثت السياسة بأن وزير الداخلية القيسي باشا قد عبث بمجلس النواب وبالمسلمين جميعًا من أهل مصر حين قص عليهم هذه القصة لأن الحكومة لم تفكر في إرصاد هذا المال لعلاج التبشير ولا لحماية أبناء المسلمين وبناتهم من المبشرين، وإنما أرصدته لتنفيذ قانون آخر أقره البرلمان، ولم يكن بينه وبين التبشير والمبشرين صلة، وهو القانون الذي يقضي بمنع التسول. وإذن فقد قال وزير الداخلية القيسي باشا ـ إن صح ما جاء بالسياسة ـ للنواب وللمسلمين غير الحق. وإذن فقد ظفر وزير الداخلية القيسي باشا بثناء النواب وشكر الشاكرين له من المسلمين، لأنه قال لهم غير الحق، وخيل لهم ما لم يقع، وصور لهم ما لم يكن، وأنبأهم بأن الحكومة تفكر فيما لم تفكر فيه.
    وإذن فقد تعمد وزير الداخلية القيسي باشا ـ إن صح ما جاء بالسياسة ـ أن يلهي الناس عن المبشرين، فحاول ذلك وسلك إليه طريقًا لا ندري أين يقع من فضائل الإسلام ومكارم الأخلاق، لا سيما الأخلاق التي تلائم كرامة الوزراء ومناصب الدولة الكبرى، وإذن فقد كان الأمر كله تلهية، وتلهية بغير حق.
    ولم يقف الأمر عند هذا الحد ولكن الوزراء جميعًا أقروا زميلهم بالسكوت عما قال ووافقوه على ما زعم فشاركوه في تبعاته الخلقية والدينية، فهم جميعًا قالوا لمجلس النواب وللمسلمين ـ إن صح زعم السياسة ـ غير الحق. وهم جميعًا حاولوا صرف الناس عن المبشرين وأعمالهم بهذا النبأ الذي لا يصور الحق، ولا يقف الأمر عند هذا الحد، فإن للوزارة صحفًا تؤيدها وتدعو لها، وتثني عليها، وقد استغلت هذه الصحف موقف وزير الداخلية فأذاعته وبشرت به، وغلت وما زالت تغلو في حمده والثناء عليه. وإذن فهذه الصحف تشارك الوزراء في إذاعة غير الحق، والتلهية بغير حق، وصرف الناس عن المبشرين بهذه الأنباء التي لا تلائم الحق.
    ولا يقف الأمر عند هذا الحد، فقد زعمت صحيفة الشعب أن هذا المقدار كان كبيرًا، ولكن حضرة صاحب الجلالة الملك لم يرض به، بل أمر فرفع إلى السبعين ألفًا. وإذن فقد استباحت صحيفة الشعب لنفسها ـ إن صح ما تحدثت به السياسة ـ أن تتحدث عن حضرة صاحب الجلالة الملك بغير حق. واستباحت صحيفة الشعب لنفسها ـ إن صح ما تحدثت به السياسة ـ أن تموه على الناس، وتدعو للوزارة باسم جلالة الملك، ومقام جلالة الملك أرفع وأعلى وأكرم على المصريين جميعًا من أن يتخذ وسيلة إلى الدعاية، ولا سيما حين لا تعتمد هذه الدعاية على الحق. فإن من الهين على الناس أن يعد الوزراء ويخلفوا، ومن الهين على الناس أن يقول الوزراء ثم لا يدققوا في القول، ولكن الشيء الذي لا ينبغي ولا ينبغي أن يؤذن به أو يصر عليه أن تذاع الوعود باسم حضرة صاحب الجلالة الملك، ثم يتبين الناس أنها لم تكن حقًا، وأنها لم تصدر عن جلالة الملك، وإنما اخترعت اختراعًا، واتخذت وسيلة للدعاية السياسية من جهة، ولصرف الناس عن المبشرين من جهة أخرى.
    كوكب الشرق في ٢٠ – ٦ – ١٩٣٣