Tag: Doubt

  • صوم

    صوم
    من المحقق أن القضاء لم يرد حين قضى بالسجن على توفيق دياب أن يقضى عليه بالمرض ولا بالتعرض للمرض. ومن المحقق أنه لم يرد أن يقضى عليه بالعذاب ولا بالتعرض للعذاب. ومن المحقق أنه أراد إرساله إلى السجن ليستقر فيه أشهرا ثم يخرج منه فيستأنف الحياة مع الأحياء، لا ليبقى فيه ريثما تسوء معاملته فتشرف به على المرض، ثم تسلمه إلى اليأس، ثم تضطره إلى الصوم، ثم تنتهي به إلى حيث يعلم الله، وإلى حيث يعلم الناس من أمر المريض المضنى إذا ألح في الصوم وامتنع عن الطعام والشراب.
    من المحقق أن القضاء لم يرد من هذا شيئا، وما ينبغي أن يريد شيئا من هذا، ومن المحقق أن مصلحة السجون لم تنشأ لتعرض الأصحاء للمرض، ولا لتدفع بالمرضى إلى السقم المهلك والآلام التي تفتك بالحياة، ومع ذلك فقد أسلم إلى مصلحة السجون رجل مريض، ليس مرضه غامضا ولا مجهولا، وليس مرضه من هذه الأمراض التي يكون فيها الشك، ويختلف في تصويرها وتقديرها الأطباء. وإنما هو مرض معروف قد سجل الأطباء آراءهم فيه، ورفعت هذه الآراء إلى مصلحة السجون، ولم يسجلها أطباء مغمورون، وإنما سجلها جماعة معروفون، منهم أستاذ في المعهد الرسمي للطب في مصر، فيجب أن تسمع كلمته وأن تقدر. ومع هذا كله يقال إن مصلحة السجون لم تحفل بمرض المريض، ولا بآراء الأطباء حتى اضطرت إلى ذلك اضطرارا حين رأت من حال السجين نفسه ما يلزمها أن تختصه ببعض العناية.
    ويقال إن مصلحة السجون لم ترد أن تمضي في هذه العناية بسجينها المريض، لأنها رأت حاله تحسن بعض الشيء، ورأته يأخذ بحظ من الشفاء، فردته إلى حال المسجونين العاديين، وهي تعلم من قرار الأطباء أنه عائد من غير شك إلى مرضه الحاد المضنى بعد أيام قليلة.
    فهل تريد مصلحة السجون أن نفهم أنها تجد لذة في أن يألم المسجونون وتجد من تكميل العقاب أن تدور بهم بين الصحة والمرض، وبين الراحة والألم، تتركهم حتى يصيبهم المرض المحتوم، أو يشتد عليهم المرض الذي لا يفارقهم، وهنالك تعنى بهم شيئا، وتتفضل عليهم بقليل من العلاج حتى إذا حسنت حالهم قليلا، ردتهم إلى ما يسيئها ويفسدها، وتنقلت بهم على هذا النحو، تعالجهم ليمرضوا، وتمرضهم ليصحوا، تخرجهم من النار لتعيدهم إليها، وتدخلهم فيها لتخرجهم منها.
    ما لهذا أنشئت مصلحة السجون، ولا لهذا أنشئت السجون، وما بهذا يمكن أن ترضى حكومة تقدر لنفسها شيئا من الكرامة وتطمع لنفسها في شيء من الاحترام، أم هل تريد مصلحة السجون أن نفهم أنها تعامل ضيوفها معاملة آلية صرفة، لا فهم فيها ولا فقه، ولا تدبر فيها لشيء، وإنما هو تطبيق ميكانيكي للنظام، فلان حسن الحال بعض الشيء، فيجب أن يصلى نار المعاملة العادية حتى إذا ساءت حاله كانت العناية به، فهي لا تعنى بالسجين إلا حين ترى نفسها مضطرة إلى هذه العناية! ما هكذا ينبغي أن تشرف الإدارات على مصالح الناس، وما هكذا ينبغي أن يفهم النظام وتنفذ أصوله وقواعده.
    رجل قال الطب إنه لا يستطيع أن يبرأ من الألم، أو لا يستطيع أن يخف عنه الألم إلا إذا عاش عيشة خاصة رسمها له الأطباء وبينوا حدودها بيانا مفصلا واضحا. فمن الحق على مصلحة السجون أن تذعن لرأي الأطباء وأن تنفذ ما قرروا في غير تردد ولا تلكؤ، إلا أن تكون مصلحة السجون حريصة على أن يلقى الناس عندها ألوان العذاب ويتعرضوا عندها لخطر الموت!
    هذا كله ولم نذكر أن توفيق دياب لم يقتل ولم يقطع طريقا ولم يسرق ولم ينقب على قوم آمنين، ولم يقترف إثما من هذه الآثام المنكرة التي يعاقب عليها القانون وحده، وإنما تعاقب عليها الأخلاق، ويعاقب عليها العرف، وتبقى آثارها السيئة ملازمة لصاحبها ما عاش، وملازمة لاسمه بعد أن يموت. لم يقترف توفيق دياب شيئا من هذه الآثام، وإنما أتى شيئا يختلف تقديره باختلاف الظروف، وباختلاف البيئات، وينكره القانون الآن في مصر، ولعله لا ينكره غدا، ولعله ليكن ينكره على هذا النحو من قبل. ولعله لا ينكره بحال من الأحوال في كثير من البلاد الأخرى، ولعله أن يكون مصدر شرف لصاحبه في بعض البيئات وفي بعض الظروف وفي بعض العهود. فليس من الحق ولا من العدل ولا من الرعاية لحرية الرأي أن يعامل هذا الرجل معاملة هؤلاء المجرمين الذين يفسدون في الأرض، والذين يلزمهم إثم الجريمة أحياء وأمواتا.
    لم نذكر هذا لأننا قد ذكرناه وألححنا فيه، وذكره غيرنا وألح فيه، فلم يسمع له أحد ولم يحفل به أحد، حتى استيئسنا من أن الحكومة ستقبله أو تؤمن له، فلم نطمع إلا في أن يعامل الرجل معاملة سجين مريض قد يخف عنه الألم إذا ظفر من العناية بما ينبغي له، ولكن مرضه لا يزول. وآية ذلك أنه كان حرا طليقا قادرا على أن يحيط نفسه بألوان العناية والعلاج كلها، معتمدا في هذه العناية على خير الأطباء، فظل ست سنين لا يفارقه المرض، ولكنه يخف عنه حينا، ويثقل عليه أحيانا. أفتأبى مصلحة السجون على المريض أن تعامله معاملة المرضى؟
    يقولون إن حال توفيق دياب قد حسنت بعض الشيء فيجب أن يُسوَّى بينه وبين غيره من السجناء تنفيذا للنظام، ولكن التسوية بينه وبين غيره من السجناء شيء لا سبيل إليه، لأنه لم يُشفَ من مرضه، فهو مريض، والسجناء أصحاء، وإنما تستطيع مصلحة السجون أن تسوي بينه وبين غيره يوم تسوي الطبيعة بينه وبينهم، فترد عليه صحته كاملة، ويسجل أطباؤه أن هذا المرض قد فارقه وانجلى عنه، وأنه قد شُفيَ الشفاء التام. فأما قبل هذا فإن مصلحة السجون تأثم حين تضطر المريض السقيم إلى ما يشق احتماله على الأصحاء.
    زعموا أن بعض النواب تقدم إلى مجلسه باقتراح يصلح نظام السجون، ويفرق بين جرائم الرأي والنشر، وبين غيرها من جرائم العدوان على الحقوق والأنفس والأموال، وزعموا أن قد كان في النواب عطف على هذا الاقتراح وميل إلى قبوله والعمل به، ولكن هذا الاقتراح الذي قدم في نشاط إلى المجلس لم يكد يستقر فيه حتى أصابه جمود وخمود، وشيء يشبه الموت، فلم يذكره أحد، ولم يفكر فيه أحد، وأكبر الظن أننا لم نخطئ حين قدرنا منذ قدم هذا الاقتراح أن المجلس لن يحفل به إلا ريثما يهمله، وما هي إلا أن يقيم بعض النواب أنفسهم أوضح الأدلة على أنهم لم يكونوا جادين حين تلقوا هذا الاقتراح!
    نعم وقف بعض النواب منذ أيام يستعدي على الصحف، ويلومها لأنها تطالب بأن يعامل المسجونون في الرأي كما يعامل أمثالهم في البلاد المتحضرة، ويرى أن هذا من الصحف تشجيع للإثم، وتحريض على التورط فيه. وقد فهمنا عن النائب ما أراد وعلمنا أن القوم لا يريدون بخصومهم خيرا ولا إنصافا، ولا يتحرجون في أن يصموا أنفسهم في ذلك بتجنب الحضارة والإغراق فيما تتنزه عنه البلاد الراقية حقا.
    ليس لنا إذن أمل في النواب، والنواب مشغولون عن السجون ومن في السجون بما هم فيه من شؤون، والنواب مطمئنون فقد أذن الله لأوليائهم وأنصارهم من الكتاب ألا يقدموا للقضاء، ولا أن يدخلوا السجون، ولا أن يتعرضوا لمكروه ما دام الأمر إليهم، وما دام الحكم إلى وزارتهم القائمة والنواب حراص على أن يذوق خصومهم من ألوان الشدة والضيق، وصنوف العذاب والنكال، لعل ذلك أن يصدهم عن المعارضة ويصرفهم عن النقد، فكل شيء يدعو النواب إلى أن يهملوا هذا الاقتراح وينسوه حتى تنقضي هذه الدورة!
    وزعموا أن الصحف كرهت أن يعامل الصحفيون كما يعامل توفيق دياب، فأنكرت واحتجت، واجتمعت وكررت الاجتماع، ولجت في الإنكار والاحتجاج، وانتهى بها كل هذا إلى فوز عظيم، ونجاح رائع، فأنشأت لنفسها ناديا تجتمع فيه مع الضحى، وتجتمع فيه مع الأصيل، وتجتمع فيه تحت جنح الليل، وهي في أثناء هذا الاجتماع المتكرر لا تلعب ولا تلهو، ولا تهمل ولا تقصر، ولا تتحدث إلا عن سجينها المريض، وعما يلقى وتلقى معه من مرارة إهانة وعما يحتمل وتحتمل معه من ألم ومضض، ولكنها لا تتحدث إلا إلى نفسها، ولا تسمع إلا نفسها، ولا تسعى إلا في ناديها. ومهما يكن من شيء فلم ترفع عنها إهانة، ولم ترد إليها كرامة، ولم ترع لها حرمة، ولم يزل عنها ضيم. وهي مع ذلك راضية مطمئنة، لأنها تجتمع وتسعى، وتتحدث. وهل تملك إلا الاجتماع، والسعي والحديث؟!
    وكذلك تعرض مصلحة السجون عن الواجب، وكذلك يعرض النواب عن الواجب، وكذلك تعرض الصحافة عن الواجب. أما توفيق دياب فيثقل عليه المرض حتى يضنيه، فإذا ردت إليه العناية اليسيرة بعض صحته، أعيد إلى شر ما كان فيه، فينظر فإذا هو بين إهانة لازمة لا ترفع عنه، إهانة السجن في الرأي يلقى جزاء المجرمين العاديين، وبين مرض لازم لا تخف آلامه إلا ريثما تعود ثقيلة منهكة، وبين يأس يتراءى له من بعيد، ثم يدنو منه شيئا فشيئا، ويقرب منه قليلا قليلا حتى يتصل به ويملأ عليه عزلته ووحشته ووحدته إذا أشرق النهار، وهل يشرق النهار إلا في شحوب؟ وإذا أظلم الليل، وهل ظلمة الليل عليه إلا اتصال لظلمة النهار؟ يتلفت فلا يرى إلا مرضا ويأسا، ويفكر فلا يجد إلا مرضا ويأسا، وإذن فماله لا يخلص من المرض، وما له لا يخلص من اليأس، وما له لا يضع حدا لهذه الآلام التي يأبى الناس أو يعجزون أن يضعوا لها حدا.
    ما له لا يقصر الأمد بينه وبين الراحة الكبرى والهدوء الشامل الذي لا يعرف مرضا ولا صحة، والذي لا يعرف يأسا ولا أملا، والذي لا يحتاج صاحبه إلى رحمة الناس ولا إلى عدل الناس، ولا إلى مروءة الناس، وإنما يحتاج إلى رحمة الله وحده، وإلى عدل الله وحده، وإلى رأفة الله وحده.
    ما له لا يقطع أسباب الحياة هذه التي يجد الناس فيها ظلما وجورا، والتي يجد الناس فيها قسوة وغلظة، والتي يجد الناس فيها نزولا حتى عن الكرامة، وتفريطا حتى في الحرمات؟ ما له لا يدع الطعام والشراب، ولا يقبل على الصوم المتصل لعله أن يخلص من كل هذا المكروه.
    وكذلك تحدث الناس أن توفيق دياب قد بدأ صومه هذا الخطر منذ أمس، وتساءل الناس عن هذا النبأ، فأكد لهم، وسأل الناس الحكومة عن هذا النبأ فآثرت صمتا هائلا مخيفا! وتسامع النواب بهذا النبأ فلم يقولوا عنه شيئا! وتسامعت الصحف بهذا النبأ فأذاعته وأشاعته، وتداعت للاجتماع بعد أن يكون توفيق دياب قد صام ثلاثة أيام، ووقع هذا النبأ في بيت توفيق فجزعت قلوب، وذهلت نفوس، وانهمرت دموع. وأقبل اليأس على هذا البيت الذي كان يملأه الأمل منذ أسابيع فأقام فيه ضيفا ثقيلا!
    نعم وحل اليأس قلوبا ما كان ينبغي أن يصل إليها، وغشى اليأس بالحزن وجوها ما كان ينبغي أن يظهر فيها إلا البشر والابتسام للحياة.
    اللهم اشهد أن هذا السجين البائس وأبناءه الصغار وأصدقاءه لا ينكرون القضاء، ولا يمارون فيه، ولا يترددون في الإذعان له عن رضى وطمأنينة، ولكنهم يريدون العدل الذي لا شك فيه ولا مراء، العدل الذي يأبى أن يعامل المريض معاملة الصحيح، وأن يعامل السجين في الرأي معاملة السجين في قطع الطريق.
    كوكب الشرق ٢٦ – ٥ – ١٩٣٣

  • مشغول

    مشغول

    طبعاً، وأيُّ إنسان أكثر شغلاً في هذه الأيام من صاحب الفضيلة مولانا الأكبر شيخ الجامع الأزهر؟ فبين يديه أعمال ثقال تنوء بالجمال والجبال فضلاً عن الرجال. وهذه الأعمال منها ما هو معروف، ومنها ما هو مجهول. وليس من حق الناس جميعاً، ولا من طاقتهم أن يعرفوا ما يشغل به مولانا وأمثاله، وإنما يُتاح لهم شيء وتخفى عليهم أشياء. فهم يعلمون مثلاً أن مولانا مشغول بأمر هذا الشيخ المفتش الذي يتهمه بعض الناس بأنه سرق من أموال الدولة، ويقول فيه بعض الناس إنه لم يسرق وإنما كذب. ومولانا مشغول بتحقيق الأمر وإنفاذ حكم الله في الشيخ إن كان سرق، وإجراء حكم الله على الشيخ إن كان كذب. والناس يعلمون أن مولانا مشغول بأمر هذا الرجل الذي يزعم أنه شهد الدروس أعواماً عدة، حتى إذا أدى الامتحان وأصبح من العلماء كشف الله لمولانا حجب الغيب، فتبين له أن العالم الجديد قد خدع الرقباء وغش الأرصاد، وخيَّل إليهم أنه حضر مع أنه لم يحضر، وأنه اختلف إلى الدروس مع أنه لم يختلف إليها. فرفع الشيخ أمره إلى المجلس الأعلى، وألغى امتحانه، واستردّ إجازته. فلما كان في ليلة من الليالي هتف به هاتف في النوم بشيء من العتب واللوم، وقال له: لقد تعجلتَ في أمر هذا المسكين، وأسرفتَ عليه بهذا العقاب، فمن الذي يستطيع أن يجزم بأنه حضر أو بأنه لم يحضر؟ وأنت تعلم حق العلم أن لبعض الصوفية كرامات تمكنهم من أن يحضروا ويسمعوا ويعلموا ويقولوا، ثم لا يراهم أحد ولا يشعر بهم أحد. فجائز أن يكون الشيخ قد حضر بروحه لا بجسمه. وأنت تعلم حق العلم أن من الناس من يُرزقون شيئاً من الكرامة يتيح لهم أن يحضروا أمكنة مختلفة، ويسمعوا دروساً متباعدة، ويشتركوا في أعمال متباينة، ويخطبوا في اجتماعات متعددة في وقت واحد، وشخصهم قائم مكانه لم يبرحه ولم يتجاوزه، والناس يرونه ويطيفون به ويتحدثون إليه. فجائز أن يكون هذا العالم الجديد المظلوم قد حضر الدروس في الأزهر، وصلى في المسجد الأقصى، وصلى في المسجد الحرام، وصلى في المسجد النبوي، وصلى في المسجد الأموي، وزار بغداد وإرم ذات العماد! وهو جالس في مكتبه في وزارة الحقانية، لم يغب عنه، ولم يفتقده أصحابه لحظة أو بعض لحظة. ولأمر ما قيل يجب أن تُحمل حال المسلم على الصلاح فلا يُكذّب حتى يقوم البرهان القاطع على كذبه، وأين السبيل إلى إقامة البرهان القاطع على كذبه؟ وأين السبيل إلى إقامة البرهان على أن هذا الشيخ لم يكن من أصحاب الأبدال؟ قال الراوي: فأفاق الشيخ حائراً مضطرباً بعض الشيء، لا يدري بما يقضي في أمر هذا الشيخ: أيمضي في حرمانه من شهادة العالمية أخذاً بظواهر الأمور؟ أم يسعى في ردها عليه أخذاً بحديث أهل الباطن؟ فلما كان من الليلة المقبلة جاءه هاتفان يسعيان، أحدهما من يمين والآخر من شمال، أحدهما قصير عريض المنكبين، والآخر طويل ضيق ما بين الكتفين، أحدهما من مراكش، والآخر من اليمن، وكلاهما شهد أمام الشيخ، وكلاهما أكد للشيخ أنه رأى هذا العالم الجديد يختلف إلى الدروس في الأزهر، وأنه كان يختلف معه إلى هذه الدروس. فالتفت الشيخ إلى صاحب اليمين فسأله: ما اسمك ومَن تكون؟ قال الهاتف في لهجة مغربية: أنا عراف بن نظاف، رجل من أهل مكناس، ولدتُ في القرن السابع، ونشأتُ على حب العلم، وما زلتُ أختلف إلى دروسه في جميع أقطار الأرض، فنفع في قلبي كل هذه الدروس على اختلاف لغاتها ومصادرها. قال الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم! ألإنسٌّ أنت أم جنيّ؟ قال الهاتف: ومتى رأيتَ الناس يعمرون كل هذه القرون، ويأتون من الأمر مثل ما آتي؟ إنما أنا رجل من جن مكناس. وهمَّ الشيخ أن يلتفت إلى صاحب الشمال فابتدره الرجل قائلاً: كُفيتَ السؤال عني يا مولانا، أنا جني من أهل الأحقاف، هاجرتُ إلى اليمن حين افتتحها الأيوبيون، والتقيتُ في بعض أسفاري هذا الشيخ عن يمينك فاصطحبنا واشتركنا في طلب العلم. فلما رأينا ظلم هذا العالم الجديد أشفقنا عليك وعليه فجئنا نردك إلى الحق، ونهديك إلى الصواب. وأفاق الشيخ حائراً مضطرباً في أمر هذه الهواتف: أيصدقها ويرد إلى الشيخ شهادته؟ أم يكذبها فيمسك الشيخ فيما هو فيه من حرمان؟ والشيخ في هذا كله تهتف به الهواتف إن كان الليل، وتعتريه الهموم إن كان النهار. وفي أثناء ذلك ترسل السياسة إلى الشيخ مندوباً ليتحدث إليه عن المبشرين. أفٍّ للسياسة! وأين الشيخ من المبشرين؟ ومَن ذا الذي زعم للسياسة أن الشيخ فارغ البال ليتحدث عن التبشير والمبشرين؟ إنما يتحدث عن التبشير والمبشرين رجل فارغ البال، هادئ الحال كالأستاذ المراغي، لا تهتف به هواتف الليل ولا تعتلجه هموم النهار. هذا الرجل هو الذي يستطيع أن ينكر التبشير وأن ينصح للحكومة والأمة بالإعراض عن المبشرين والضرب على أيديهم. ولو أن الأستاذ المراغي مشغول بالدفاع عمن يُتهم بالسرقة أو الكذب أو بهما جميعاً، ولو أن الأستاذ المراغي مشغول بهتاف الهواتف وطواف الطوائف، لردّ مندوب “السياسة” خائباً كما رده مولانا الأكبر أمس. فأما والأستاذ المراغي فارغ البال فليتحدث. والحديث عن المبشرين فرض كفاية إذا قام به المراغي سقط عن الظواهري. وقد تحدث المراغي أول أمس فسكت الظواهري أمس، ولكن “السياسة” قليلة العلم بأحكام الفقه، فهي تعتقد أن على كل عالم من علماء الدين أن يتحدث عن المبشرين. والحديث عن المبشرين لا يخلو من ضرر، ولا سيما حين يكون المتحدث من أهل المناصب الكبرى؛ فهو قد يغلو فيستقيل أو يُقال، وقد يقصر فتسوء به الظنون. لذلك لا يُفرض الحديث عن المبشرين إلا على علماء الدين الذين لا يخافون على منصب ولا يشفقون على مرتب ولا يتعرضون لإقالة أو لاستقالة. ستقول: ولكن الأستاذ المراغي كان للأزهر، ولو قد سُئل في أمر المبشرين يومئذ لما تلكأ ولا اعتذر، ولا خاف إقالة ولا استقالة، وسيكون الأستاذ المراغي شيخاً للأزهر. سُيسأل يومئذ عن المبشرين وغير المبشرين، وسيجيب يومئذ بكلمة الحق، لا يخاف على منصب ولا يشفق على مرتب. وأنا أوافقك على هذا كله، لا أشك فيه ولا أرتاب، ولكني أبين لك السبب ليزول العجب. فالشيخ المراغي لا يعرف الخوف لأنه لم يتعود أن يلقى الهواتف من أهل مراكش وأهل اليمن. وإن شئتَ الوضوح فقل إنه ليس من أهل الباطن، وهو لهذا لا يخاف. ولو قد كُشفت له الأسرار، وانجلت عنه الحجب، وعرف ما يضمره الدهر لأصحاب الشجاعة والصراحة، لأشفق كما يشفق غيره، ولخاف كما خاف غيره، ولقال لمندوب “السياسة” حين ذهب إليه: إليكِ عني فإني مشغول!!
    طه حسين
    كوكب الشرق ١٤ – ٦ – ١٩٣٣