المثل الدنيا
طه حسين
النداء
١٣ يناير ١٩٤٨
يقال: إن الأمم المتحضرة ترى في ارتفاع قامة الإنسان إلى السماء بدلًا من انحنائها إلى الأرض، رمزًا لما ينبغي لنفسه المثقفة الممتازة من التصعيد في أجواء الرقي التماسًا للمثل العليا. ويقال كذلك: إن النفس الإنسانية التي تعنى بصغائر الأمور ودنياتها ليست خليقة بالإنسان الذي خلق للكمال أو للجد في سبيل الكمال، وإنما هي خليقة بالحيوان الذي انحنى جسمه إلى الأرض، وفُرِض عليه أن يعيش مستجيبًا لغرائزه، لا يتجاوزها ولا يتخطى أغراضها اليسيرة المنحطَّة، التي لا تتجاوز حاجات الجسم إلا قليلًا وفي أحيان قليلة.
يقال هذا، ويقال كلام كثير مثل هذا، ويتعلل كثير من الذين يعنون بالتربية والتهذيب بهذا الكلام الكثير الذي يقال، فلا يكاد الصبي يعقل الأشياء والناس حتى يُسَلَّط عليه وابل لا ينقطع ولا يخفُّ من النصائح والمواعظ والعبر والأمثال والحكم، كلها يدعوه إلى أن يرفع رأسه ولا يخفضه، وإلى أن ينظر ببصره في السماء لا إلى الأرض، وبألا ينظر ببصره في الأرض إلا ليستخرج من هذا النظر فيها علمًا أو معرفةً أو ثقافة ترده إلى السماء عزيزًا أبيًّا؛ لأنه خلق لينظر في السماء، ثم ليسعى إليها، ثم ليصعد فيها، ثم ليعيش هناك في الملأ الأعلى، سعيدًا مغتبطًا ممتازًا مترفعًا عن الصغائر، متنزهًا عن الدنيات، تاركًا تراب الأرض للحيوان الذي خلق منه ليعود إليه.
وقد خُلِق جسم الإنسان من تراب الأرض، وهو عائد إليه ما في ذلك شك، ولكن جسم الإنسان ليس إلا أداة لنفسه وعقله وقلبه وروحه؛ فإن الإنسان نفس أولًا وجسم يخدم النفس بعد ذلك؛ يخدمها لتبلو ما في هذه الأرض وتعلم علمها، حتى إذا قضت من هذا كله وطرًا؛ طرحت هذا الجسم إلى أصله وارتقت إلى حيزها الأعلى، فأقامت فيه مستمتعة بما علمت قبل أن تهبط إلى الأرض، وبما استكشفت حين أقامت في الأرض؛ فهي على كل حال سماوية لا أرضية، وهي على كل حال قد خُلِقَت للتسامي لا للتداني، وللتعالي لا للتسافل، وللارتفاع لا للانخفاض.
وما يزال الصبي يسمع هذا الكلام وأمثاله، حتى إذا بلغ الشباب كان قد استقر في ضميره أنه كائن ممتاز، خلق ليسود الخليقة، ويتسلط على العالم، ويقضي في الدنيا كما يشاء هو لا كما تشاء هي، وظواهر الأشياء تثبت في نفسه هذا الغرور، وتزين في قلبه هذه الكبرياء، وتملؤه بنفسه إعجابًا وعنها رضًا ولها حبًّا؛ فهو يسخِّر المادة والقوة لأغراضه ومنافعه، وهو يستخدم الحيوان لحاجاته ومآربه، وهو يستغل ضعاف الناس أنفسهم ليرضي لذَّاته وشهواته ومطامعه ومطامحه، وهو من أجل هذا كله مؤمن بنفسه واثق بتفوقها مستيقن بأنه قد اسْتُخْلِفَ على الأرض استخلافًا.
ولست أدري أيستقيم هذا التفكير ويصدق هذا الكلام بالقياس إلى هذا الجيل الذي نعايشه من المصريين، أم لا يستقيم ولا يصدق؟! وإنما هو لغو من اللغو، وكلام من الكلام، وفضل من سخف الأحاديث، فقامات المصريين مرتفعة في الجو كقامات غيرهم من الناس، وعيونهم تستطيع أن تنظر إلى السماء وأن تنظر إلى الأرض، ونفوسهم تستطيع أن تصعد في أجواء الرقي لتلتمس المثل العليا، ولكن البائسين لا يجدون الوسيلة إلى شيء من ذلك، تشغلهم حياة أجسامهم عن حياة نفوسهم، وتصرفهم منافعهم القريبة عن منافعهم البعيدة، وتستغرق المثل الدنيا جهودهم كلها؛ فلا يجدون ما ينفقون في سبيل المثل العليا من هذه الجهود. والأمر يسيرٌ كل اليسر، لا يحتاج فهمه وتقريره إلى تعمُّق ولا استقصاء.
فطبيعة المعلم هي أن يشغل بالعلم عن غيره من الأشياء، وأن يشغل بالعلم ليرفع نفسه به، وليرفع تلاميذه معه إلى الآفاق العليا، وليتيح للناس بهذا أن يرتقوا أولًا، وأن يستغلوا الطبيعة في سبيل هذا الارتقاء ثانيًا. وطبيعة المتعلم هي أن ينظر إلى معلمه مرتفعًا بين هذا كله، فلا يستمتع به ويتمسك بأسبابه ليترقَّى كما يترقَّى أستاذه، وليصعد معه في آفاقه العليا، ولينعم معه بهذا الخير الذي نسميه معرفةً وفنًّا وأدبًا.
ولكن أين المعلمون والمتعلمون من هذا كله في مصر؟! أحق أن العلم يشغلهم عن كل شيء؟! أم الحق كل الحق أن المعلم يفكر في طعامه وشرابه وكسائه وفي طعام أسرته وشرابها وكسائها، أكثر مما يفكر في العلم والتعليم؟ وهو من أجل ذلك يتخذ العلم والتعليم وسيلة، لا إلى أن يرقى ويرقي تلميذه، بل إلى أن يعيش ويتيح لأسرته أن تعيش، وهو من أجل ذلك يلاحظ أن العلم والتعليم لا يرزقانه كما ينبغي أن يُرزَق؛ فيطالب بالمزيد من الرزق، ثم يمشي إلى أمثاله من المعلمين ليطالبوا جميعًا بالمزيد من الرزق، ثم ينظمون معًا هذه المطالبة، ثم يجاهدون معًا في سبيلها، ثم يلحون معًا في هذا الجهاد، ثم يشغلون بهذا الجهاد عن العلم والتعليم؛ فيجتمعون ليتفرقوا، ويتفرَّقون ليجتمعوا، ويكتبون المذكرات، ويعقدون المؤتمرات، وينشرون في الصحف، ويخطبون في المجامع، ويشغلون أنفسهم بأنفسهم، ويشغلون وزارة التعليم بأنفسهم، ويشغلون الآباء والأبناء بأنفسهم أيضًا، ويضيع التعليم بين هذا كله؛ فلا يستمتع به معلم، ولا ينتفع به متعلم.
وإذا أتيح للمعلمين شيء من وقت فخلوا إلى طلابهم وتلاميذهم، فهل يفرغ الطلاب والتلاميذ لما يلقي عليهم الأساتذة والمعلمون من الدروس في هذه الأوقات القصار التي يختلسونها من جهادهم في سبيل الرزق اختلاسًا؟ أم هل يمنح الطلاب والتلاميذ أساتذتهم ومعلميهم أنصاف نفوسهم أو أثلاثها أو أرباعها، ويشغلون سائرها بمستقبلهم القريب أو البعيد، بقيمة الشهادات والإجازات التي يسعون إليها؛ لأن التعليم ليس وسيلة إلى ترقية النفس وتهذيب الطبع وترقية الخلق وتصفية الذوق، وإنما هو وسيلة لتحصيل الإجازة أو الشهادة التي تقوم بهذه الجنيهات التي تتيح لهم إذا أصبحوا رجالًا أن يشتروا ما يأكلون ويشربون ويلبسون.
فالطلاب والتلاميذ حِرَاص على أن يستوثقوا من قيمة الشهادات والإجازات، ومن أن هذه القيمة يجب أن ترتفع؛ لأن أثمان الغذاء والكساء ترتفع في كل يوم، وهم يدفعون للتعليم أثمانًا تقبضها الدولة؛ فيجب أن تغُلَّ عليهم هذه الأثمان إجازات وشهادات ترد عليهم ما أنفقوا من المال. فالقصة تجارة لا أكثر ولا أقل: المعلم يبيع العلم؛ فيجب أن تدفع الدولة لهذا العلم ثمنًا يمكِّن صاحبه من العيش، والدولة تبيع العلم الذي تأخذه من المعلم للطلاب والتلاميذ بهذه الأجور التي تأخذها منهم؛ فيجب أن تكون هذه الصفقة بين الدولة والشباب رابحة تتيح للشباب أن يعيشوا حين يصيرون رجالًا. فأما التربية والتثقيف، وتهذيب الطبع، وتصفية الذوق، وترقية الخلق، ورفع النفس إلى الملأ الأعلى لتلائم قامة الجسم المرتفعة في الجو، وجعل الإنسان إنسانًا بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة في البيئات المتحضرة؛ فكل هذه أشياء لا ينظر إليها ولا يحتفل بها، وإنما تكون أو لا تكون، وتجيء أو لا تجيء، وتقبل إن جاءت ولا يسأل عنها إن لم تجئ، المهم هو أن يعيش المعلمون وأسرهم وأن يهيأ للمعلمين من الوسائل ما يمكنهم من العيش؛ فأما ما فوق ذلك فأعراض لا قيمة لها ولا تفكير فيها.
ودع المعلمين والمتعلمين وانظر إلى غيرهم من الطبقات المثقفة؛ فسترى أن أفرادها مشغولون بالغذاء والكساء عن غيرهما من المثل العليا والمآرب الرفيعة والآمال السامية، فقد ينبغي أن يعيش الناس قبل أن يفكروا في الرقي فضلًا عن أن يسعوا إليه، فضلًا عن أن يبلغوا حظهم منه، فضلًا عن أن يتزيَّدوا من هذا الحظ. ولا تسل نفسك بعد ذلك لماذا ترقى الحضارة على اختلاف فروعها في البلاد المتحضرة الأوروبية والأمريكية وتظل راكدة في مصر مع أنها قد ارتقت في أطوار كثيرة من أطوار الحياة المصرية القديمة؟!
فعِلَّة ذلك قريبة أشد القرب يسيرة أعظم اليسر؛ لأن الحضارة لا ترقى إلا إذا فرغ لترقيتها المثقفون على اختلاف طبقاتهم وألوان ثقافتهم، وهم لا يفرغون لترقيتها إلا إذا أراحتهم بطونهم وأجسامهم من أعباء الغذاء والكساء، وأراحتهم بطون أهلهم وأجسامهم من أعباء الغذاء والكساء وتكاليف هذه الحياة المادية السخيفة. والله لم يجعل لرجل قلبين في جوفه، وإنما جعل له قلبًا واحدًا، وهذا القلب إما أن يشغل بالعلم والمعرفة والمثل العليا على اختلافها، وإما أن يشغل بالغذاء والكساء، فأما أن تشغله بالمثل العليا والمثل الدنيا جميعًا فشيء لا سبيل إليه.
وما دام المثقفون من المصريين على اختلاف طبقاتهم ومذاهبهم في الحياة مشغولين بما يقيم أَودَهم وأَودَ أهلهم ويمسك عليهم وعلى أهلهم حياتهم المادية التي تنحل آخر الأمر إلى غذاء وكساء ويقظة جاهدة ونوم تشغله أحلام سخيفة تتصل هي أيضًا بالغذاء والكساء؛ فلا تنتظر منهم للثقافة خيرًا ولا تنتظر منهم للحضارة رُقيًّا، ولا تقل: إن في مصر أجيالًا من المثقفين يرفعون نفس الإنسان ليلائموا بينها وبين قامته المعتدلة المرتفعة، ويطمحون ويشيعون الطموح إلى المثل العليا، ولكن قلْ راضيًا أو كارهًا، مسرورًا أو محزونًا: إن في مصر مثقفين يتخذون الثقافة وسيلة لا غاية، ويتخذونها وسيلة إلى المثل الدنيا لا إلى المثل العليا.
والله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وإذا أراد الله بقوم سوءًا فلا مَرَدَّ له وما لهم من دونه من والٍ.
Tag: educational philosophy
-
تعليم
تعليم
كنت في الفصل الماضي أضع الثقافة موضع البحث، وألاحظ أن التطور الحديث الذي خضعنا له منذ أول القرن الماضي قد أثّر في ثقافتنا هذه آثارًا مختلفة، وذهب بها في طرق متباعدة، فتناقضت، وباين بعضها بعضًا.
وكانت لنا عقول متفاوتة، يذهب كل منها في التصور والتفكير والحكم مذهبًا لا يذهبه الآخر. فالعقل الأزهري، والعقل الذي تنتجه المدارس المدنية الخالصة، والعقل الذي تنتجه المدارس المشتركة بين النظامين الديني والمدني، كل هذه العقول تتصور وتحكم وتفكر على أسلوب خاص بها، مقصور عليها.
وينتج من هذا أن وحدتنا القومية شبه ضعيفة واهية، معرضة للخطر إذا عصفت بها الحوادث، وأصابتها فتنة أو محنة من هذه الفتن التي لا تكاد ترى منها أمة من الأمم في عصر من العصور.
وكنت أرى أن الخير إنما هو في أن يجتهد المشرفون على التعليم في وزارة المعارف والأزهر في أن يقربوا مسافات الخلف بين هذه العقول المتباعدة، حتى تصبح لنا ثقافة واحدة، وحتى نصبح بفضل هذه الثقافة أمة واحدة بالمعنى الصحيح لهذه الكلمة.
وأنا أحب أن أعود إلى هذا الموضوع اليوم، لا لأوجز، بل لأستقصي القول فيه. فكل شيء يدعو المفكرين في مصر الآن إلى أن يتناولوا هذا الموضوع بالدرس والاستقصاء.
فنحن ننفق من حياتنا القومية عصرًا سيكون له أعظم الأثر، لا في مستقبلنا وحده، بل في مستقبل الشرق العربي الذي نؤثر فيه، ويتخذنا له إمامًا.
نحاول أن نظفر بالاستقلال السياسي الآن، وما أرى أن عصرًا طويلًا سينقضي دون أن نكون قد ظفرنا به.
والاستقلال السياسي تبعة قبل أن يكون مزيّة، فهو يفرض علينا من الواجبات أكثر مما يعطينا من الحقوق.
وحسبك أنه يفرض علينا النهوض بأعبائنا الخاصة، ندبرها وحدنا، لا نعتمد في تدبيرها على أحد، ولا نستطيع أن نحمل غيرنا تبعة الخطأ في هذا التدبير.
وحسبك أنه يفرض علينا النهوض بواجباتنا الدولية على أحسن وجه ممكن، لا نعتمد في ذلك على المصلحين فنًا، ولا نستطيع أن نعتذر من التقصير فيه لأن غيرنا قد حال بيننا وبين ما كنا نريد.
فالاستقلال السياسي إذن يضطرنا إلى أن نواجه كثيرًا من الحقائق الواقعة، كأنْ لم يكن غيرنا ينوب عنا في مواجهتها، ونعالج كثيرًا من المسائل المعقدة، كأنْ لم يكن غيرنا يكفينا مشقة البحث عما تحتاج إليه من حل أو علاج.
وكل ما نأتيه من أمر في مواجهة تلك الحقائق، أو التماس العلاج لهذه المسائل، يترك آثاره الباقية في حياتنا الخاصة، وفي حياة الأمم الشرقية العربية التي نسير على آثارها، ونحرص على تقليدنا قليلًا وكثيرًا.
فمن أوضح الأمر إذن أن نستعد للنهوض بهذه الأعباء، واحتمال هذه التبعات التي يفرضها علينا الاستقلال السياسي الذي نجد في طلبه، ونوشك أن نظفر به.
وأول عدة يجب أن نتخذها لهذا، أن نكوّن وحدتنا القومية إذا لم تكن موجودة، ونقويها إن كان فيها شيء من الضعف أو الفتور.
وأوضح سبيل إلى تكوين هذه الوحدة أو تقويتها إنما هو وضع نظام تعليمي عام يلائم حاجاتنا ومثلنا العليا من جهة، ويحقق لنا وحدة الثقافة من جهة أخرى.
ونحن نعنى بأمر التعليم وإصلاحه منذ ظهرت حركتنا الاستقلالية الأخيرة، وأتيح لنا من الحرية حظ يمكننا من أن نقضي في هذا الأمر من غير رقيب.
ولكن الغريب أننا نحس الحاجة إلى الإصلاح، ونحاول السعي إليه في غير روية، ولا أناة، ولا تفكير. ونحن نفكر فيه تفكيرًا مضطربًا لا نظام له ولا قوام.
نشعر أن الأجنبي قد أشرف على أمور التعليم عندنا، يوجهها وجهة تلائم منفعته هو أكثر مما تلائم حاجتنا نحن، فنجد في هدم ما بناه الأجنبي، لا نكاد نفرق بين الجيد منه والرديء.
وربما حاولنا أن نلتمس لهذا الهدم عللًا أخرى غير هذه العلة، فزعمنا أن المنفعة الصحيحة تقتضي أن نعدل عن منهج قديم إلى منهج جديد، وأن طاقة التلاميذ والطلاب تقتضي أن تنصرف عن نظام إلى نظام، وأن طبيعة الحياة الجديدة التي نحياها تقتضي أن نجدد التعليم كما نجدد غيره من ضروب النشاط العقلي والاجتماعي، إلى غير ذلك من هذه العلل المسرفة في الغموض أو المسرفة في الوضوح، والتي تقرؤها كل يوم فيما ينشئ الكتاب من فصول، وما يصدر الوزراء من قرارات، وما يلقي النواب من خطب، وما يضع الفنيون من تقارير.
والحق الذي لا يحتمل الشك هو أن وزارة المعارف إلى الآن لم تستطع أن ترسم لنفسها طريقًا واضحًا تسلكه إلى إصلاح التعليم، لأنها لم تستطع إلى الآن أن تتبين في وضوح وجلاء الغرض الصحيح الذي من أجله توجد وزارة المعارف، والذي من أجله يتعلم الناس.
وأكبر الظن أن وزارة المعارف تشعر أنها موجودة لأن طبيعة الأشياء اقتضت وجودها، وأن الناس يتعلمون لأن العادة جرت بأن يتعلموا، ليس غير.
ولكن الواقع أن طبيعة الحياة الجديدة في هذا العصر الحديث قد اقتضت وجود وزارة المعارف في البلاد المتحضرة، لأنها اقتضت أن يصبح التعليم قوميًّا بعد أن كان فرديًّا، وأن تشرف الدولة قليلًا أو كثيرًا على هذا التعليم القومي، بعد أن كانت تتركه حرًّا يذهب فيه الأفراد مذاهبهم المختلفة المتباينة.
فالتعليم إذن أمر قومي، تشرف الدولة عليه إشرافًا يختلف قوةً وضعفًا باختلاف المذاهب السياسية في بسط سلطان الدولة على الأمور العامة أو قبضه عنها، ولكنها تشرف عليه في كل حال، كما تشرف على سلامة الوطن، وأمنه، واستقرار العدل فيه.
وإذا كان التعليم قوميًّا، فيجب أن يكون له غرض قومي يسعى إلى تحقيقه، ويكون ملائمًا له في الطبيعة والجوهر والنظام.
فما الغرض القومي الذي نسعى إليه حين ننشئ المدارس، ونقيم المعاهد، ونفرض لذلك الضرائب، وننفق في ذلك الأموال؟
ونلاحظ، قبل أن نجيب عن هذا السؤال، أنه من الواجب أن نجتنب هذه الألفاظ العامة المبهمة التي لا تدل على شيء؛ لأنها تدل على كل شيء، كالمنفعة، والرقي، والتقدم، والجهاد في سبيل الحياة، وما إلى ذلك من هذه الألفاظ التي يألفها الناس ويكتفون بها؛ لأنها سهلة على الألسنة، يسيرة على العقول، لا يحتاج من يسمعها أو نطق بها إلى أن يحقق لها معنًى دقيقًا محدودًا.
يجب أن نجتنب هذه الألفاظ، أو نجتنب على أقل تقدير استعمال هذه الألفاظ في غير ضبط أو تحديد، فلم يؤخر فوزنا بما نبتغي من إصلاح التعليم إلا الركون إلى مثل هذه الألفاظ العامة الغامضة.
يخيل إلي أن للتعليم القومي أغراضًا ثلاثة نحرص عليها، حين ننشئ المدارس، ونقيم المعاهد، ونفتح دور العلم للناس.
فالأمة تعلم أبناءها لتنقل إلى هؤلاء الأبناء تراث الأمة من جهة، والتراث العقلي والفني والأدبي للإنسانية من جهة أخرى. وهي حين تنقل هذين النوعين من التراث إلى الأجيال الناشئة، تحتفظ للأمة بشخصيتها ومقوماتها من حيث هي وحدة مستقلة، وتقوي الصلة بينها وبين الأمم الأخرى، فتمكنها من أن تأخذ بحظها من التضامن الإنساني العام، الذي دفع الإنسانية إلى أن تنحيا، وترتقي، وتصلح من أمرها إصلاحًا مضطردًا.
فالغرض الأول إذن من التعليم القومي يجب أن يكون الاحتفاظ بشخصية الأمة، لتعيش مستقلة من ناحية، ومتضامنة مع غيرها من ناحية أخرى.
والأمة تعلم أبناءها ليظهروا على أسرار الطبيعة وظواهر الكون، فيتمكنوا من أن يسيطروا على هذه الطبيعة، ويسخروها لإرضاء حاجاتهم المختلفة، ليعيشوا، وليعيشوا عيشة مرفهة، أو على أقل تقدير عيشة تكفل لهم حظًّا معتدلًا من الراحة والنعيم.
فهم يدرسون من العلم والأدب والفن ما يتيح لهم أن يزاولوا ضروب الصناعة، والزراعة، والتجارة، وغيرها من الأعمال التي تقتضيها الحضارة، والتي يعتمد عليها الناس ليكسبوا ما يحتاجون إليه من رزق.
فالغرض الثاني من أغراض التعليم القومي تمكين الأجيال الناشئة من أن يصلوا حاضرهم بحياة آبائهم، ويرقوها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا.
والأمة تعلم أبناءها أيضًا؛ لأن الله قد وهبهم عقولًا تحب الحق من حيث هو حق، وتلتمسه، ونفوسًا تحب الجمال من حيث هو جمال، وتطمح إليه. وقد أودع الله هذا العالم حقًّا وجمالًا، فنحن مفطورون على أن نحبهما، ونسمو إليهما، وعقولنا تستكمل بطبيعتها وتنمو بذلك الحب وهذا السمو. ونفوسنا كذلك لا تعتدل ولا تستريح من آلام الحياة ولا تنتج إلا بذلك الحب وهذا السمو.
فالغرض الثالث من أغراض التعليم القومي هو تمكين الأجيال الناشئة من أن تستكمل حياتها العقلية والشعورية الصحيحة بحب الحق والخير، وتحصيل أعظم حظ ممكن منهما.
ولكل غرض من هذه الأغراض الثلاثة نوع من أنواع التعليم القومي؛ لأنه يعين على تحقيقه. وهذه الأنواع كلها متضامنة في تكوين الرجل النافع الذي يصلح عضوًا منتجًا، قيمًا في الحياة، نافعًا للأمة وللإنسانية.
فالتعليم الأولي يكون أقل مقدار ممكن من الثقافة التي يجب أن نشترك فيها الأمة كلها لتحقيق وحدتها، والإنسانية كلها ليتحقق التضامن بين أجزائها.
والتعليم الثانوي والفني جميعًا يحققان هذا الغرض الأول، ويحققان الغرض الثاني؛ لأنهما يمكنان الشباب من العمل، ويفتحان لهم أبواب الجد والنشاط فيما يحتاجون إليه ليعيشوا عيشة خفض ونعيم.
والتعليم العالي يحقق هذين الغرضين، ويحقق الغرض الثالث؛ لأنه يمكن الشباب من أن يبروا الحق والخير، ويأخذوا منهما ما يلائم أمزجتهم وطاقتهم من الحظوظ.
على هذا النحو نفهم التعليم القومي، وعلى هذا النحو وحده تفهم عناية الحكومة بالتعليم القومي، وما تضطرها إليه هذه العناية من فرض الضرائب، وشرع القوانين، وتقييد حرية الأفراد والجماعات.
وإذا كان هذا النحو من فهم التعليم القومي صحيحًا، فمن الواضح أن الحكومة، حين تعنى به وتشرف عليه، يجب أن تضع من النظم والمناهج ما يلائم هذه الأغراض ويعين على تحقيقها.
فليس تعليمًا قوميًّا صحيحًا هذا التعليم الأولي الذي لا يعرف التلميذ تاريخ أمته ومنزلتها الصحيحة من الحياة العالمية.
وليس تعليمًا قوميًّا هذا التعليم الثانوي أو الفني الذي لا يمكن التلميذ من العمل المنتج، ولا يفتح له أبواب الحياة.
وليس تعليمًا قوميًّا هذا التعليم العالي الذي لا يثير في نفس الطالب حب البحث والاستكشاف، والرغبة الصادقة في تنمية التراث العلمي والفني للإنسانية.
وإذن فليس وضع مناهج التعليم وبرامجه أمرًا يسيرًا يمكن أن يعهد به إلى كل إنسان مثقف، وإنما هو أمر دقيق يجب أن يعهد به إلى الذين يعرفون تاريخ الأمة، ويقدرون حاجاتها، ويستطيعون أن يلائموا بين هذا التاريخ وهذه الحاجات، وبين ما ينبغي أن يكون للأمة من مثل أعلى في الحياة.
وما أبعد المسافة بين هذا النحو من تصور التعليم القومي، وبين هذه الخطط المضطربة التي اتخذها أولو الأمر عندنا وسيلة إلى تنظيم التعليم.
وأنا أرجو أن أعود إلى هذا الموضوع، فأبسط فيه القول مرة أخرى.
طه حسين
المجلة الجديدة، إبريل ١٩٣٠. -
في اتحاد الجامعة بين هيكل ومطران
في اتحاد الجامعة بين هيكل ومطران
طه حسين
جريدة السياسة الأسبوعية
٢١ إبريل ١٩٢٨
أراد اتحاد الجامعة المصرية أن يستعير من أمثاله في الجامعات الإنجليزية عادة يظهر أنها مألوفة هناك، وأن لها أثرًا غير قليل في تقويم ألسنة الطلاب وتعويدهم الخطابة والبراعة فيها، فأقام منذ أسابيع حفلة كانت فيها مناظرة باللغة الإنجليزية في موضوع غريب هو: الغرض من الجامعة؛ أهو كسب الحياة أم العلم الخالص؟
وأقام في هذا الأسبوع حفلة أخرى كانت فيها مناظرة في موضوع ليس أقل غرابة من الموضوع السابق، وهو أن الأدب العربي قديمه وحديثه كافٍ أو غير كافٍ لتكوين الأديب؟ والعادة المألوفة في الجامعة الإنجليزية أن يشترك المستمعون في المناظرة، وينحاز فريق منهم إلى «صاحب الرأي» كما يسمونه، وفريق آخر إلى المعارض، حتى إذا استوفيت المناظرة أخذت فيها الأصوات.
وقد أحكم تقليد الاتحاد المصري ما يقع في الجامعات الإنجليزية، فبسط صاحب الرأي رأيه، ونقضه عليه المعارض، واشترك المستمعون، فانحاز فريق منهم لهذا، وفريق منهم لذاك، ثم أقفلت «المناقشة»، كما يقولون، وأُخذت الأصوات، فكانت نتيجة الاقتراع منذ أسابيع أن الغرض من الجامعة كسب الحياة، وانهزم القائلون بأن الغرض من الجامعة إنما هو العلم الخالص.
وكانت نتيجة الاقتراع في هذا الأسبوع أن الأدب العربي قديمه وحديثه يكفي لتكوين الأديب، وانهزم القائلون بأن الأدب العربي في حاجة ماسة إلى الآداب الأجنبية ليتاح له تكوين الأديب حقًّا.
وليس في هذه المناظرات ولا فيما تنتهي إليه من النتائج شيء من العجب أو الغرابة، فهي في نفسها ضروب من العبث البريء الذي يقصد به إلى التمرين والتدريب، دون أن يقصد به إلى إثبات حقيقة من الحقائق، هو لون من ألوان التمثيل، وضرب من ضروب اللعب اللساني لا أكثر ولا أقل.
وليس يفكر المدبرون لهذه المناظرات في إثبات حقيقة من الحقائق الأدبية أو العلمية بهذه الفنون من الجدال الناقص أمام هذا الجمهور المختلف التكوين، وبأخذ الأصوات في مسائل العلم والأدب كما تؤخذ الأصوات في الأمور السياسية والإدارية.
لذلك أقبلنا على هذه المناظرات مبتسمين كما نقبل على ما يلعب في الملاعب مبتسمين، وأخذنا بحظنا من هذه اللذة البريئة التي يجدها من يستمع لخطيب مجيد، ومناظر بارع، ولكن فريقًا من الناس منهم المصري ومنهم الأجنبي، منهم الناشئ ومنهم من تم تكوينه العقلي، نظروا إلى هذه الفكاهة على أنها جد من الأمر، وأشفقوا من نتائجها في شيء من الجزع والهلع.
وليس هناك بأس من أن أذكر أني لقيت بعض زملائنا من جلة الأساتذة في الجامعة من غير الإنجليز، فإذا هم مشفقون الإشفاق كله؛ لأنهم عرفوا أن جمهور المستمعين قد أُعلِن أن الغرض من الجامعة كسب الحياة لا العلم الخالص، أشفق هؤلاء الأساتذة وخافوا على عقل الشباب المصري أن تفسده المنفعة، وأن يكون عمليًّا أكثر مما ينبغي، وأن يُضحَّى بالعلم الخالص في سبيل الراحة وترف الحياة.
ولقيت غير قليل من الجهد في إقناعهم بأن هذا الأمر في نفسه يسير، وأنه لا يعدو أن يكون فكاهة وفنًّا من فنون اللعب؛ ذلك أن هذا اللون من ألوان الجدال ليس مألوفًا في البلاد اللاتينية كما هو مألوف عند الإنجليز، والأستاذ اللاتيني صاحب جد لا دعابة فيه، وربما أسرف في هذا الجد إسرافًا شديدًا، وكذلك كانت الحال حين صَوَّت المستمعون في هذا الأسبوع فأعلنت كثرتهم أن الأدب العربي قديمه وحديثه يكفي لتكوين الأديب، جزع لهذه النتيجة فريق من الناس وأشفقوا على الشباب المصري من هذا الإسراف في الغرور بما عندهم، ومن هذا الفهم السيئ لمعنى القومية، ومن هذا الخطأ في تصور العواطف الوطنية والخضوع لسلطانها في غير تبصر ولا روية.
وقال هؤلاء الجزعون: إن هذه النتيجة تدل على ميل سيئ في الشباب إلى الاكتفاء بما عنده على غير بصر به، ولا فقه له، وعلى غير طموح إلى الكمال، وعلى غير تقدير صحيح لحقائق الأشياء، وإن الواجب على الأساتذة تقويم هذا الميل، وتثقيف هذا العوج، وتعويد الشباب أن يفهم الأشياء كما هي، وأن يتخذ لنفسه مثلًا أعلى يلائم حاجته إلى الحياة الراقية رُقِيًّا مُطَّرِدًا.
ولقيت مع هؤلاء مثل ما لقيت مع أولئك من الجهد لأقنعهم بأن هذا الأمر لم يتجاوز أن يكون سجالًا كلاميًّا، وسباقًا خطابيًّا، وأن هذه النتيجة لا تتجاوز أن تكون إعلانًا لرضا الكثرة عن خطابة فريق من الفريقين؛ ذلك لأن أشد الناس نصرًا للاكتفاء بالأدب العربي وتأييدًا لأنه كافٍ وحده لتكوين الأديب، هم في حقيقة الأمر من أشد الناس اقتناعًا بأن أدبًا من الآداب — مهما يكن — لا يستطيع أن يكتفي بنفسه ويستغني عن غيره من الآداب، وهم في حياتهم الأدبية يمثلون هذا الرأي أصدق تمثيل.
بل لقد كنت مع الأستاذ مطران قبيل هذه المناظرة بدقائق، فكان ضيق الصدر بموقفه؛ لأن هذا الموقف لا يلائم رأيه، وهو إنما قبله ليجيب دعوة الاتحاد إلى ما أحب من تمرين الطلاب وتعويدهم حُسن الخطابة والبراعة فيها. وكنت أقول له ونحن في طريقنا إلى قاعة المحاضرات: إنه في موقفه هذا أشبه الناس بالمحامي الذي تندبه المحكمة ليدافع عن متهم نكل المحامون جميعًا عن الدفاع عنه.
ولكن الأستاذ مطران كان خطيبًا هادئًا لبقًا ماهرًا عرف كيف يعبث بعقل السامعين، وأحسبه عبث بالحقيقة نفسها أيضًا ليؤدي هذا الواجب، واجب الدفاع عن متهم لا محامي له، فوُفِّق إلى ما أراده من استهواء الجمهور، ولست أجد في هذا شيئًا من الغرابة كما قدمت، ولا يجد فيه الأستاذ مطران نفسه شيئًا من الغرابة أيضًا، فقد كان الأمر كله كما قدمت لعبًا، ولكن هناك أشياء يجب أن يحدد فيها الموقف، ولا سيما بالقياس إلى هؤلاء الذين يأخذون هذا الأمر على أنه جد من الأمر لا عبث ولا فكاهة فيه.
وهناك شيء أحب أن أناقش فيه شاعر القطرين في دعة وهدوء، وهو احتجاجه لمذهبه المستعار بالقرآن الكريم؛ فهذه الحجة وحدها هي التي كسبت للأستاذ مطران كثرته التي انتصر بها على خصمه هيكل، ومن غريب الأمر أن هذه الحجة تقوم لهيكل على مطران، وهي دليل ناصع على أن الأدب العربي وحده لم يكن يكفي لتكوين الأديب حين نزل القرآن، والقرآن لم يشتمل على ما ألف العرب من أدب قبل عصر النبوة، وإنما كان آية التجديد، وكان الحجة القائمة على أن الأدب العربي في ذلك الوقت كان قاصرًا عن تكوين الأديب.
ومن وجوه الإعجاز التي يتحدى القرآن بها معارضيه من العرب أن فيه أشياء لم يكن العرب يعلمونها، ولم يكونوا ليصلوا إليها لولا الوحي، وكثير من هذه الأشياء كان عند الأمم الأخرى؛ فالقصص التي تتصل ببني إسرائيل مثلًا كان معروفًا لبني إسرائيل في التوراة أو في غير التوراة من الكتب المقدسة، فهو إذن بالنسبة للعرب أدب غير عربي عرَّبه القرآن حين أوحى الله به في لغة عربية، وقد امتن الله على النبي وعلى العرب بهذا القصص، كما امتن الله عليهم بغير القصص من هذه الفنون العجيبة التي لم يكونوا يعرفونها، ولم يكونوا ليعرفوها لولا أن أوحى بها الله في كتاب عربي مبين.
فأنت ترى أن القرآن حجة لهيكل لا عليه، سيقولون: كان الأدب العربي ناقصًا حتى نزل القرآن فكمل، وأصبح بعد نزوله كافيًا وحده لتكوين الأديب. وليس عندي ما يمنع من قبول هذا الرأي لولا أنه ينتهي إلى نتائج ذات خطر شديد، أولى هذه النتائج هي أن المسلمين جميعًا قد خرجوا على القرآن حين اعتزوا بالآداب الأجنبية، سواء منها الفارسي واليوناني والهندي والقبطي، وما شئت من الآداب التي ترجمت للمسلمين منذ انتصف القرن الأول للهجرة.
ولكن المسلمين لم يخرجوا على القرآن حين اعتزوا بهذه الآداب، وكان اعتزازهم بهذه الآداب الأجنبية دليلًا ناصعًا على أنهم يؤمنون بأن الأدب العربي لم يكن يكفي لتكوين الأديب العربي، وأخرى يؤخذ بها مطران — لولا أن مطران كان مازحًا — وهي اعتزازه بالجاحظ وابن المقفع وغيرهما من الأدباء الذين أغنوا الأدب العربي ورفعوا شأنه؛ فهؤلاء الأدباء لم يغنوا الأدب العربي إلا لأنهم استمدوا من الآداب الأجنبية، فعرَّبوها وأضافوها إلى الثروة الأدبية العربية، وكانوا مقتنعين بأن الأدب العربي لا يكفي لتكوين الأديب، فكانوا يضيفون إليه من آداب الأمم الأجنبية ما يُمكِّنه من تكوين الأديب.
والأمر الآن كالأمر في أيام الجاحظ وابن المقفع؛ فنحن نعتز بأدبائنا القدماء والمحدثين، ونحب أدبنا القديم والحديث، ونريد أن يكون هذا الأدب كافيًا لتكوين الأديب، ومن أجل ذلك نكمله ونحثُّ على تنميته ونُضخِّم ثروته، وسبيلنا إلى ذلك أن نصل بينه وبين الأدب الأجنبي.
ونحن مؤمنون بأن أدبنا العربي — قديمه وحديثه — لو لم يتصل بالأدب الأجنبي لمات وعجز عن الحركة والنفع. وقد رأيت أن الأدب القديم إنما غني وأثرَى حين استمد من الآداب القديمة الأجنبية، والأدب الحديث كيف يُثري حين يستمد من الآداب الأجنبية الحديثة أو القديمة، فمَن هيكل ومَن العقاد لولا أنهما — على إتقانهما للأدب القديم — قد اتصلا بالأدب الأجنبي فانتفعا به وتأثرا به فيما يصدر عنهما من أدب عربي حديث؟
حتى الذين يجهلون اللغات الأجنبية ولا يتصلون بالآداب الأجنبية اتصالًا مباشرًا لا يستطيعون أن ينتجوا إلا بمقدار ما يتأثرون بالأدب الأجنبي تأثرًا غير مباشر، فالمنفلوطي كسب شخصيته من هذه الكتب التي كانت تترجم له فيسبغ عليها الأسلوب العربي، وأشد أدبائنا الآن جمودًا ونفورًا من التجديد، وإغراقًا في حب القديم، متأثرٌ رغم أنفه بالآداب الأجنبية؛ لأنه يقرأ ما يترجم المترجمون، وما يكتب هيكل والعقاد، وما تنشر الصحف، وهو متأثر بهذا كله، وهو مضطر إلى أن يجاري هذا كله فيما يصدر من أثر أدبي.
فموقف مطران وأصحابه موقف «مستحيل»، كما يقول الفرنسيون، لا سبيل إلى الدفاع عنه إلا أن يكون هذا فنًّا من اللعب والمجون، كما كان الأمر في مناظرة اتحاد الجامعة.
فإذا كان من الناس من تصل به السذاجة إلى أن يتوهم أن الأمر كان جدًّا يوم الأربعاء؛ فليُغيِّر رأيه، وليعلم أن حقيقة الأمر لم تتجاوز العبث، وأن المسائل الأدبية والعلمية لا يحكم فيها بأخذ الأصوات، وأن الاستقلال الأدبي كالاستقلال العلمي والاستقلال السياسي والاستقلال الاقتصادي، ليس معناه العزلة وأن تكتفي بما عندك اكتفاء تامًّا، وإنما معناه أن تكون لك شخصية قوية تُمكِّنك من أن تفيد وتستفيد، أو تُمكِّنك من تبادُل المنافع كما يقول الاقتصاديون.
وليس مثلنا الأعلى في الأدب ألا نحتاج إلى الآداب الأجنبية، فهذا موت نعتصم منه بالله، وإنما مثلنا الأعلى في الأدب أن يستطيع أدبنا العربي أن يمد الآداب الأجنبية في يوم من الأيام كما يستمد منها، أي أن يكون أدبنا العربي من القوة والثروة بحيث يستطيع أن يُعطي كما يأخذ، لا أن يأخذ في غير إعطاء. -
في وزارة المعارف تنظيم التعليم العالي
في وزارة المعارف: تنظيم التعليم العالي
طه حسين
جريدة السياسة
٢١ نوفمبر ١٩٢٣
يُقال إن وزير المعارف يلقي ممانعة شديدة فيما يحاول من ضم المدارس العليا كلها إلى وزارته؛ فقد أنكرت ذلك وزارة الزراعة، وسعت في أن تحتفظ بمدرسة الزراعة العليا وبمدرستين متوسطتين للزراعة، ويُقال إن رئيس الوزراء يرى في ذلك رأي وزير الزراعة ويعينه، أو يستعد ليعينه عليه، ثم يُقال إن أساتذة مدرسة الحقوق كلهم أو بعضهم يكرهون أن تضم مدرسة الحقوق إلى وزارة المعارف، ويرون في هذا خطرًا على هذه المدرسة.
وقد تحدثت أنا إلى أستاذين من أساتذة المدرسة، فأظهرا شيئًا من الإشفاق غير قليل، وقال أحدهما: إنه إذا فكَّر رأى أن وزير المعارف محق، فإذا سأل إحساسه وشعوره وجد شيئًا من النفور شديدًا يُبغِّض إليه الانضمام إلى وزارة المعارف، فهو إذن يمانع استجابة لشعوره، ويؤيد إذعانًا لعقله. وربما لم أفهم أحدًا من الناس كما أفهم هذا الأستاذ، فأنا أقف نفس الموقف الذي يقفه؛ أسأل العقل فيجيبني بأن وزارة التعليم يجب أن تشرف على التعليم مهما تختلف فروعه ومعاهده ودرجاته، ثم أسأل الماضي فيجيبني بأن وزارة المعارف كانت بغيضة إلى العلم والمعلمين والمتعلمين؛ لأنها كانت ثقيلة الظل على هؤلاء جميعًا، ولأنها كانت تُحكِّم في أمور العلم والمعلمين والمتعلمين قومًا هم أقل الناس درايةً بهذه الأمور، ولأنها كانت تذهب بالتعليم مذاهب ليس من شأنها إحياؤه أو تقويته أو ترقيته، وإنما كان من شأنها إفساده حتى يصبح سبيلًا إلى إفساد العقول والملكات، وإلى إخراج طائفة من الشبَّان يجهلون كل شيء، ويعتقدون أنهم يعلمون كل شيء.
ذلك إلى أن أمر وزارة المعارف كان في أيدي قوم من الإنكليز، وأولئك الإنكليز غلاظٌ شدادٌ مستكبرون، لا يقدِّرون للعلم حرمة، ولا يرعون للعلماء كرامة، فكانوا يعبثون ببرامج التعليم ومناهجه، وبأساتذة المدارس على اختلافهم كما يعبث أحدهم بالسبحة في يده، لا يفكر في عبثه، ولا يلتمس له علةً أو وجهًا.
كانت هذه حال وزارة المعارف، فكرهها العلماء ومقتها المتعلمون، فمن المعقول أن يشفق صاحبي الأستاذ في مدرسة الحقوق من أن يعود إلى نظام كهذا النظام، أو إلى عِشْرة قوم كهؤلاء القوم. ولو أن وزير المعارف يريد أن يجمع إليه طائفة من المدارس ليردها إلى هذا العهد القديم؛ لكنت أشد الناس خصومةً له، وإنكارًا عليه، ولكن الرجل يفكر في إصلاح، ومن المعقول أن تفهم معه هذا الإصلاح الذي يكفر فيه، فإن يكن حسنًا أعنَّاه عليه، وإن يكن سيئًا دللناه على موضع السوء فيه.
وهناك مسألة يجب أن تُحل قبل كل شيء؛ وهي أي الوزارات أحق بالإشراف على التعليم، وأقدر على هذا الإشراف وأنفع يوم تصل إلى هذا الإشراف: أهي وزارة التعليم، أم وزارة الداخلية، أم وزارة الأوقاف، أم غيرها من الوزارات؟ وبعبارة أخرى: أي الوزارات أحق بالإشراف على حماية الأمن والنظام؛ أهي وزارة الداخلية أم وزارة المعارف؟ وبعبارة أخرى: أي الوزارات أحق أحق بالإشراف على توزيع الصدقات وإعانة البائسين: أهي وزارة الأوقاف، أم وزارة الأشغال، أم وزارة المواصلات؟
كل هذه المسائل تشتمل على أجوبتها، فلكل وزارة من وزارات الحكومة عمل موقوف عليها، يفسد أو يتعرض للفساد إذا تدخلت فيه وزارة أخرى. ومن المعقول أن يكون التعليم موقوفًا على وزارة التعليم، غير أن التعليم ينقسم أقسامًا مختلفة، ومن هذه الأقسام ما يتصل بوزارات غير وزارة المعارف؛ فمدرسة الحقوق مثلًا تخرِّج قومًا يعملون في وزارة الحقانية، أو تشرف على أعمالهم وزارة الحقانية، ومدرسة القضاء الشرعي كذلك، ومدرسة الزراعة تخرِّج قومًا يتصلون بوزارة الزراعة، ومدرسة الطب تخرج قومًا يتصلون بمصلحة الصحة؛ أي بوزارة الداخلية، ومدرسة الهندسة تخرج قومًا يتصلون بوزارة الأشغال.
وإذن فهناك وزارات تُنازع وزارة المعارف اختصاصها في الإشراف على هذه المدارس، ويخيل إلينا أن هذه الوزارات تسأل نفسها أي الأمرين خير: أن أستورد عمَّالي من وزارة المعارف، أم أن أكوِّن هؤلاء العمال بنفسي؟ هذه هي المسألة التي تلقيها الوزارات المختلفة على نفسها بالقياس إلى وزارة المعارف.
ويظهر أن بعض هذه الوزارات آثرت أن تكوِّن عمَّالها وتستغني عن معونة وزارة المعارف، فاستأثرت وزارة الحقانية بمدرسة الحقوق ومدرسة القضاء الشرعي، واستأثرت وزارة الزراعة بمدرسة الزراعة. ولسنا ندري لِمَ لم تستأثر وزارة الداخلية بمدرسة الطب، ووزارة الأشغال بمدرسة الهندسة؛ حتى لا يبقى لوزارة المعارف من المدارس العليا إلَّا المدرسة الوحيدة التي لا تشاركها فيها وزارة أخرى، وهي مدرسة المعلمين. لو تم لكان نتيجة طبيعية لهذه القاعدة التي تسير عليها الوزارات في فهم التعليم وتصوُّره والانتفاع به.
فهذه الوزارات تنظر إلى المدارس كما ينظر الفرد إلى منجم يستغله أو أرض يستثمرها، فهو يفكر في نفسه ومنفعته لا في المنجم ومعدنه، ولا في الأرض وثمراتها، مع أن الأمر على غير ذلك من كل وجه فيما يتعلق بالتعليم؛ فليست مدرسة الحقوق معهدًا قُصِد به تغذية وزارة الحقانية، وليست مدرسة الزراعة معهدًا قُصِد به تغذية وزارة الزراعة، وليست مدرسة الطب معهدًا قُصِد به تغذية مصلحة الصحة، وإنما هي كلها مدارس أُنشئت للعلم قبل أن تنشأ للوزارات، أو قل إنه يجب أن تنشأ للعلم قبل أن تُنشأ للوزارات. أرأيت الفرق بين التصور الجديد الذي يدعو إليه زكي باشا أبو السعود حين يريد توحيد إدارة التعليم العام، والتصور القديم الذي تستمسك به وزارة الزراعة حين تريد أن تحتفظ بمدرسة الزراعة؟
يريد وزير المعارف أن تكون المدارس العليا معاهد للعلم لا معامل لصنع الموظفين كما كان يريد الإنجليز أيام الاحتلال. هذه المسألة بسطتها من غير تكلف ولا تلكؤ. ولعلي كنت عنيفًا في هذا البسط، ولست أدري أيشاركني وزير المعارف إذا كان يقدر موقفه وواجبه حقًّا، ويشعر بالفرق بين عصر الاستقلال وعصر الخضوع للأجنبي؛ فإن الواجب الوطني يكلفه أن يجعل توحيد إدارة التعليم العالي من المسائل الأساسية لحياته الوزارية، ذلك أننا نرى أن ضم هذه المدارس العليا إلى غير وزارة المعارف إساءة شديدة إلى العلم؛ لأن هذه الوزارات الأخرى لن تحفل، ولا ينبغي أن تحفل، بغير ما أُنشئت له من الأعمال. وإذن فهذه المدارس لن تكون، ولا ينبغي أن تكون، تحت سلطانها إلَّا مدارس فنية عملية، لا مدارس علمية، أي إن الطالب في مدرسة الحقوق سيتعلم كيف يكون قاضيًا أو كاتبًا أو عضوًا في النيابة، لا كيف يكون فقيهًا بعلوم القانون من وجهتها النظرية الخالصة.
هناك اعتراض يخيِّل إلى أصحابه أنه قوي، وهو أن هذه المدارس محتاجة إلى معونة الفنيين، وهؤلاء الفنيون إنما يوجدون في هذه الوزارات لا في وزارة المعارف. وكل هذا صحيح، ولكني لا أعلم أن يأجوج ومأجوج قد أقامت بين وزارة المعارف وغيرها من الوزارات سدودًا محكمة منيعة تقطع الصلة بينها، وتحظر على إحداها أن تستعين بالأخرى. فما الذي يمنع وزارة المعارف أن تستعين بالحقانية في أمر الحقوق، وبوزارة الزراعة في أمر مدرسة الزراعة، وبمصلحة الصحة في أمر مدرسة الطب، وبالأشغال في أمر الهندسة؟
بل نحن نعلم أن وزير المعارف يريد — بعد أن يوفَّق إلى ما يحاول — أن يضم إلى مكتبه الفني رجالًا من هاتين الوزارتين، ونعلم أن المجلس الأعلى للمعارف لا بدَّ من أن يتغير نظامه اليوم أو غدًا ليصبح ملائمًا حقًّا لحاجات التعليم، ثم نعلم أن وزير المعارف يريد أن ينشئ إدارة للتعليم العالي، لن تتألف إلَّا من الفنيين، ثم نعلم أن الجامعة الأميرية ستنشأ فتستقل بأمورها التعليمية، بحيث تكون الصلة بينها وبين وزارة المعارف صلة إدارية خالصة، ثم نعلم — فوق هذا كله — أن مدارسنا العليا مستقلة منذ الآن استقلالًا داخليًّا يوشك أن يكون تامًّا. فماذا تخاف وزارة الزراعة؟ وممَّ يشفق أساتذة الحقوق؟
وزير المعارف منصفٌ محقٌّ، والمنفعة العلمية والواجب الوطني يُحتِّمان على كل مصري أن يؤيده فيما يحاول حتى يبلغ التوفيق، وإذا كان لنا أن نرجو من رئيس الوزراء شيئًا في هذا الأمر؛ فإنَّا نتوسل إليه أن يؤيد وزير المعارف، أو أن يلزم الحياد.