Tag: Educational reform

  • في وزارة المعارف عند الوزير

    في وزارة المعارف: عند الوزير

    طه حسين

    جريدة السياسة

    ٥ نوفمبر ١٩٢٣

    لم يكن من المعقول أن أبطئ عن السعي إلى وزير المعارف بعد أن استحدث في وزارته هذه الحركة النافعة التي طالما دعوت إليها وألححت فيها، والتي كنت أدعو إليها وأُلِحُّ فيها دون أن يكون لي في تحقيقها أملٌ عظيم؛ لأني كنت أعلم أن وزارة المعارف أشد الوزارات جمودًا وأقلها ميلًا إلى التطور؛ ولذلك قلت في أول كلمة كتبتُها عن هذه الوزارة إني لا أرجو من هذه الحملة خيرًا عاجلًا، وإنما أعتمد الاعتماد كله على البرلمان، وأكتب ما أكتب تمهيدًا للبرلمان وإعدادًا للرأي العام قبل أن يتناول البرلمان مَسَائِلَ التعليم. كنت أدعو إذن إلى الإصلاح في وزارة المعارف يائسًا من هذا الإصلاح، وجاءت أعمال الوزارة مؤيدة لهذا اليأس. فقد كان يكفي أن تُدعى الوزارة إلى الخير لتعدل إلى الشر أو لتضع أصابعها في آذانها فلا تسمع. وكان إعراض الوزارة عما تُدعَى إليه من الخير لا يزيدنا إلَّا قوة وإلحاحًا في الدعوة، إلى أن جاء وزير المعارف القائم الآن. فكأن في يده عصًا سحرية مسَّ بها هذه الوزارة، فإذا الأمر فيها قد تغير، وإذا الحال فيها قد استحالت، وإذا اليأس منها قد تحوَّل إلى أمل قوي مبتسم. لم يكَد هذا الوزير يصل إلى وزارته حتى انفكت عنها الأغلال، وفتحت أبوابها ونوافذها على مصاريعها؛ فإذا الهواء فيها طلق، وإذا الناس يستطيعون أن يتنفَّسوا دون أن يخشَوْا الاختناق إذا المكتب الفني قد أُنشئ، وإذا مدرسة اللغات القديمة قد أُجِّلت إلى أن يُستشار الفنيون، وإذا الكفايات المضمومة قد أُنصفت، وإذا لجنة التعليم الأولي قد أُضيفت إليها العناصر النافعة القيمة، وإذا المدارس العليا قد ظفرت باستقلالها العلمي، وإذا المدارس العليا التي لا تتبع وزارة المعارف يُراد أن تضم إلى وزارة المعارف، وإذا الأقسام الليلية في المدارس العليا قد أُنشئت وإذا مدرسة المعلمين الثانوية قد أُنشئت أيضًا. كثيرٌ جدًّا كل هذا الإصلاح يقع في أقل من ثلاثة أشهر، ويقع في غير ضوضاء ولا جلبة، وفي غير إعلان ولا خداع للجمهور. أحسن وزير المعارف إلى وزارته، فلم نبخل عليه بالمدح والثناء، كما أننا لم نبخل على غيره بالنقد واللوم. وكنت أشعر بأني مدين لهذا الرجل بعد أن يعود من الإسكندرية، بأن أسعى إليه فأهنئه وأشكر له إقدامه وحرصه على الخير. وقد سعيت إليه صباح اليوم، ولست أريد أن أصِف لطف مقابلته وحُسن حديثه كما يفعل الصحفيون حين يتحدثون إلى الوزراء وأصحاب المكانات، فلم أذهب إلى وزير المعارف صحفيًّا، وإنما ذهبت إليه كما يذهب إليه أستاذ لزيارة وزير التعليم، ولقيني كما يلقى وزير التعليم أحد الأساتذة.

    لم يدع لي من الوقت ما يمكنني من أن أهنئه أو أشكر له حسن سعيه، فهو يعتقد أنه لم يعمَل بعدُ إلَّا قليلًا، وأنه مهما يعمل فلن يتجاوز الواجب، وإذن فلا حاجة إلى تهنئة ولا حاجة إلى شكر.

    ولِمَ ننفق الوقت في التهنئة والشكر، ونحن نستطيع أن نتحدث في غيرهما ممَّا هو أنفع وأجدى؟ نعم لم أكَد أستقر عند وزير المعارف حتى قال: سأفتح لك الحديث، وسأفتتحه بالمسألة التي تعنيني الآن بنوع خاص، وأظنها تعنيك بنوع خاص أيضًا، وهي مسألة الجامعة. فأنت تعلم أن وزارتنا تسعى في أن تضم إليها المدارس العليا التي تتبع وزارة الحقَّانية ووزارة الزراعة، وقد صرَّح المجلس الأعلى في جلسته الأخيرة بأنه إنما يسعى في هذا الضم توطِئةً لإنشاء الجامعة الأميرية التي تحتاج إليها البلاد حاجة شديدة جدًّا، وكلفني أن أعمل لإنشاء هذه الجامعة. وأنا بحكم النظام مضطر إلى تنفيذ قرار المجلس الأعلى. فليست الجامعة الأميرية أملًا ولا خيالًا، وإنما هي فكرة نبدأ في تحقيقها، وأنا أريد أن أشارك رجال الفن في كل ما يمس الفن. وليس إنشاء الجامعة شيئًا قليل الخطر، فلا بدَّ من أن أستعين فيه بالفنيين. وأين أجِد الفنيين القادرين على فَهم هذا الموضوع والمشورة فيه إلَّا في الجامعة المصرية. ففيها أساتذة خبروا الجامعات وعرَفوا نظامها وتعلَّموا فيها وأقبلوا يعلِّمون على نحو ما يعلم أساتذة الجامعات. فليس لي بدٌّ من أن أستشيرهم، وليس لي بدٌّ من أن أستعين بهم.

    وقد تحدثت في هذا الموضوع إلى زميلك الأستاذ الدكتور ضيف، وأنا سعيد بأن أتحدث فيه إليك الآن. ثم لم يدع لي وزير المعارف من الوقت ما يُمكِّنني من أن أشكر له حسن ظنِّه بالجامعة وأساتذتها، بل أسرع فسألني: أتظن أن من العسير أن نتخذ الجامعة المصرية كما هي الآن نواة للجامعة الأميرية؟ فأنت تعلم أن هذه مشكلة تحتاج إلى حل، فنحن مضطرون إلى إنشاء الجامعة الأميرية، وإذا لم نتعاون مع الجامعة المصرية فسيكون تنافس طبقي بين الجامعتين.

    وأحسب أن جامعة الحكومة أقدر على المنافسة من الجامعة المصرية، وعزيز علينا أن يتعرض عمل وطني كالجامعة المصرية لخطر هذه المنافسة. فهل تظُنُّ أن هناك ما يمنع من التعاون بين الجامعة والوزارة حتى يصبح قسم الآداب القائم في الجامعة المصرية الآن نواةً للجامعة الأميرية التي نريد إنشاءها؟

    – لا أظن أن هناك ما يمنع من هذا. فأعضاء إدارة الجامعة وأساتذتها لا يريدون إلَّا نشر العلم وتأييده، وهم يطلبون المعونة من كل قادرٍ عليها، فإذا تقدمت إليهم وزارة المعارف بهذه المعونة فضمنت لتعليمهم العالي أن يُنشر وينتج، فلن يتقدموا إلى وزارة المعارف إلَّا بالشكر والثناء.

    – وعلى أي نحو تظن أن من الممكن هذا التعاون؟

    – على نحو سهل، وهو أن تحتفظ الجامعة باستقلالها العلمي كما تحتفظ به المدارس العليا في عهدكم، وأن يكون لها مجلس إدارة تشترك فيها وزارة المعارف، وأن تعترف الوزارة بشهادة الجامعة، أو على أن تصبح شهادة الجامعة شهادة من الوزارة.

    قال الوزير: إذا كان الأمر كذلك فأنا أعتقد أن تحقيقه ميسور، وسأمضي في الاستشارة حتى إذا فرغت منها عمدت إلى العمل.

    ثم سألت الوزير كيف يتصور الجامعة الأميرية؟ وإنما ألقيت عليه هذا السؤال لأني كنت أعلم أن وزارة المعارف كانت تتصور الجامعة الأميرية تصوُّرًا عقيمًا، فنرى أنها تستطيع أن تتكونها بجمع المدارس العالية من حيث مدارس عالية. فلما أجابني الوزير لم يزِدْني جوابه إلا اطمئنانًا وإعجابًا، فهو يتصور الجامعة كما يتصورها الناس في البلاد الحرة الراقية التي تفهم التعليم حقًّا. يتصوَّرها مؤلَّفة من أقسام أربعة: قسم الآداب، وقسم العلوم، وقسم الطب، وقسم الحقوق. وهو يعتزم أن ينشئ قسمي الآداب والعلوم، ولا يفكر في أن يضم مدرسة المعلمين إلى الجامعة؛ لأن مدرسة المعلمين بطبيعتها كمدرسة الهندسة ومدرسة الزراعة، مدارس خاصة يُقصد بها إلى الحياة العملية أكثر ممَّا يُقصد بها إلى العلم النظري الخالص. ثم انتقلت من موضوع الجامعة إلى موضوع آخر هو موضوع مجلس المعارف الأعلى. لم أكَد أذكر له مجلس المعارف الأعلى حتى قال: أنا أعرف رأيك فيه، وقد أخالفك بعض المخالفة، فأنت تريد أن يكون عدد الأعضاء في هذا المجلس أربعين، ولست أدري لِمَ تستمسك بهذا العدد!

    قلت: إني لا أستمسك بعدد معين، وإنما أستمسك بنظرية أعتقد أنها صحيحة، وهي أن يكون هذا المجلس ممثَّلًا تمثيلًا صحيحًا لطبقات التعليم على اختلافها من جهة، ولرجال الفن المشتغلين بالتعليم من جهة أخرى. فإذا تحققت هذه النظرية فسواء عليَّ أبلغ عدد المجلس خمسين أم ثلاثين.

    قال الوزير: إذن فنحن متفقون، فليس من شك في أن مجلس المعارف الأعلى على صورته الحاضرة قد أدَّى للتعليم خدمات عظيمة جدًّا منذ أُلِّف إلى الآن، ولكن الحياة المصرية قد تغيرت، ولم يبقَ بدٌّ من أن يكون هذا المجلس ملائمًا للحياة الجديدة والحاجات العلمية الجديدة، بحيث يمثل التعليم وفروعه أكثر مما يمثل فروع الحكومة ومصالحها. ولست أتردد في أن أعلن إليك أني سأجتهد في أن يكون مجلس المعارف الأعلى كما نحب جميعًا صورة صحيحة لفروع التعليم على اختلافها.

    ثم انتقلت من هذا الموضوع إلى موضوع آخر طالما ألححتُ فيه، وهو إنشاء إدارة في وزارة المعارف للفنون، تجمع إليها المتحف المصري ودار الآثار العربية ومدارس الفنون على اختلافها والأوبرا الملكية، وتشرف على الموسيقى والتمثيل وغيرهما من الفنون الجميلة. فإذا الوزير يرى هذا الرأي ويعمل له، ويرى أن هذا الرأي لا بدَّ من تحقيقه؛ لأن الشعور بالحاجة إليه قوي ظاهر، وهو قد أحس قوة هذا الشعور غير مرة، ولكنه لم يتجاوز التمهيد لهذا الأمر. فقد أوفدت وزارة المعارف أستاذًا يدرس حال الفنون الجميلة في أوروبا، وعاد هذا الأستاذ وسيرفع تقريره إلى الوزير، فإذا قرأ الوزير هذا التقرير واستشار أهل العلم في هذا الموضوع، فسيبدأ في تحقيقه دون بطء.

    قلت: وهل تسمح بأن أذيع عنك كل ما تحدثت به إليَّ؟ أجاب الوزير: وكيف لا أسمح به وقد تحدثت به إليك؟ وأنا أعتقد أن قد انقضى في وزارة المعارف عصر التكتُّم والتحفُّظ، فإن أعمالنا كلهم تهم الجمهور وتعنيه. وما دام البرلمان لم ينعقد بعدُ فنحن مكلَّفون أن نُظهِر الجمهورَ على ما نعمل وعلى ما نريد أن نعمل، لنشعر بإرشاده ومراقبته. والصحف هي الواسطة الوحيدة بيننا وبين الجمهور، فلك إذن أن تذيع هذا الحديث، وأن تتناوله بما شئت من نقد. وللناس جميعًا أن يتناولونا بما يشاءون من النقد، وأن يقدموا إلينا ما يشاءون من النصيحة والاقتراح، فسنقدِّر هذا كله حق قدره.

    أعترف بأني لم أحسن شكر الوزير على هذا التصريح الأخير؛ لأني اعتقدت — وما زلت أعتقد — أن نشر هذا التصريح هو أحسن شكر لقائله.

  • في وزارة المعارف حركة الإصلاح

    في وزارة المعارف: حركة الإصلاح

    طه حسين

    جريدة السياسة

    ١٠ أكتوبر ١٩٢٣

    أنشأ وزير المعارف مكتبه الفني، فحمِدنا له إنشاء هذا المكتب، وانتظرنا من ورائه الخير الكثير، وما نزال نحمَد إنشاء هذا المكتب، ونعتقد أنه سيكون مصدر خير كثير للعلم والتعليم، وما نزال نرجو من وزير المعارف كثيرًا ونُلِحُّ عليه في أن لا يكتفي بإنشاء هذا المكتب الفني، بل يضيف إليه ما لا بدَّ منه من ضروب الإصلاح. وقد اقترحنا عليه وما زلنا نقترح أن يغير نظام المجلس الأعلى للمعارف وتأليفه، واقترحنا عليه وما زلنا نقترح أن يكوِّن إدارات مستقلة للتعليم على اختلاف أنواعه، واقترحنا عليه وما زلنا نقترح أن يمنح المدارس العالية نوعًا من الاستقلال بأمورها يمكِّنها من أن تدير شئونها التعليمية، وأن تنتخب عميدها أو ناظرها كما يقولون.

    اقترحنا هذا كله، وما نزال نُلِحُّ في اقتراحه. ونعتقد أن وزير المعارف سيقدر هذه الاقتراحات ويفكر فيها؟ ويشجعنا على هذا الأمل إنشاء المكتب الفني نفسه؛ فإن من شأن هذا المكتب أن يدرس مثل هذه الاقتراحات درسًا صادقًا صحيحًا. ويُخيَّل إلينا أن هذا المكتب الفني إذا أمعَن النظر في هذه الاقتراحات رأى أننا لا نطلب إلى وزير المعارف أن يبتدع شيئًا غير معروف في وزارات المعارف الشرقية، وإنما نطلب إليه أن ينحو نحو هذه الوزارات، وأن ينظِّم وزارته تنظيمًا يكفل لها النفع والإنتاج من جهة، ويعصمها من العبث بالعلم والتعليم والمعلمين من جهة أخرى. وقد يستطيع المكتب الفني أن ينظر في تاريخ التعليم في الأمم الأوروبية والأمريكية المختلفة؛ ليرى نتائج هذه النظم التي نقترحها. وليقارن بين هذه النتائج وبين ما أنتجه نظامنا التعليمي العقيم الذي لم يكن يُنتظر منه أن ينتج خيرًا، والذي لم يُوضع لينتج خيرًا.

    ولقد قرأنا هذا الكتاب الذي أذاعه وزير المعارف في نظَّار المدارس يطلب إليهم أن يرفعوا اقتراحاتهم في شأن التعليم وإصلاحه إلى هذا المكتب الفني، ويعدهم بأن هذه الاقتراحات ستدرس وتمحَّص وتقدَّر قدرها، وينفذ منها ما يظهر أن فيه الخير. وهذه خطوة صالحة في السبيل التي ندعو إليها، وهي استشارة المعلمين في أمر التعليم، فليس لنا إلَّا أن نحمَد لوزير المعارف اعترافه بأن المعلمين قد يكون لهم رأي في التعليم يَحسُن أن يظهروه ويَحسُن أن يدرس وأن يؤخذ به أحيانًا. هذه خُطوة صالحة، ولكنَّا لا نريد — ويقيننا أن وزير المعارف لا يريد — أن تقف الوزارة من استشارة المعلمين عند هذا الحد، وإنما نريد أن يخطو وزير المعارف الخطوة الثانية وهي تغيير نظام المجلس الأعلى وتأليفه من جماعة تكون الكثرة المطلقة فيها للمعلمين.

    بل نحن نريد أن يخطو وزير المعارف خطوة أخرى، فلا يقصر دعوته على نُظَّار المدارس ولا على المعلمين في مدارس الحكومة، وإنما يجعل هذه الدعوة عامة موجَّهة إلى كل الذين يستطيعون أن يفهموا التعليم ويشيروا فيه؛ بحيث يستطيع هؤلاء أن يرفعوا اقتراحاتهم في أمر التعليم إلى المكتب الفني، وهم واثقون بأن هذا المجلس سيدرسها ويمحِّصها ويقدِّرها قدرها. نرجو ذلك ونعتقد أن الوزير لا يأباه، وأن هذه الاقتراحات الكثيرة المختلفة التي نشرتها لنا «السياسة» والتي ستنشرها لنا «السياسة» ستنال من المكتب الفني شيئًا من العناية، فتُدرس وتُمحَّص ويُنفَّذ منها ما يظهر أن فيه الخير وما يكون تنفيذه يسيرًا لا تعترضه العقبات العسيرة.

    وربما كان من الحق علينا ألَّا نتعجل وزير المعارف في إصلاح وزارته وتنظيمها؛ فإن إصلاح التعليم ليس بالأمر الهين، بل قد يكون أصعب من كل إصلاح، نعلم ذلك فلا نتعجل الوزير وإنما نكتفي منه بهذا الشعور الذي نجِده في كل يوم، وهو الشعور بأن الوزير مريد للخير جادٌّ فيه، وأن الأدلة تقوم في كل يوم على أنه لا يكتفي بحسن النية وإنما يضيف إليه حسن العمل؛ فقد أنشأ هذا المكتب وطلب إلى المعلمين أن يمدُّوه بالاقتراحات. ونقرأ اليوم في الصحف أنه سيُلحق بهذا المكتب مكتبًا آخر للترجمة العلمية والفنية، سينفع وزارة المعارف ومدارسها نفعًا لا شكَّ فيه. وقد رأينا موقف الوزير في أمر هذا المشروع المشوه، مشروع مدرسة البنات، وأنه قد أرجأه إلى أن يستشير الفنيين فيه، ورأينا موقف الوزير في إنصاف بعض الكفايات التي ظلمتها السلطة المركزية السابقة في وزارة التعليم، وقد يكون من الحق علينا أن نشكر لوزير المعارف بنوع خاص عملًا جديدًا أذاعته الصحف، نشكره بنوع خاص لأنه تنفيذ لاقتراح اقترحناه على وزير المعارف السابق في هذه الصحيفة، أو ألححنا فيه، فلم يحفل به وزير المعارف السابق أو مشيروه، وحفل به معالي زكي باشا أبو السعود، فهو خليقٌ أن نشكره.

    اقترحنا على وزارة المعارف أن تستشير الأجانب الذي يشتغلون بالتعليم في مصر في أمر تعميم التعليم الأوَّلِي، وأن تضمَّ نفرًا من هؤلاء الأجانب إلى اللجنة التي ألفتها للنظر في تعميم التعليم الأولي. ونقرأ في الصحف اليوم أن قد بُدئ في تنفيذ هذا الاقتراح، فاعتزم وزير المعارف أن يضمَّ إلى هذه اللجنة أمريكيًّا وإيطاليًّا وفرنسيًّا، وفي اللجنة إنجليزي. وهذا خير، ولكنَّا نريد ألَّا يضم الأجانب إلى هذه اللجنة لأنهم أجانب، بل لأنهم أخِصَّائيون في التعليم. نريد ذلك ونرجو أن يختار وزير المعارف هؤلاء الأجانب من بين الذين يُشرِفون على المدارس الأميركية والإيطالية والفرنسية.

    على أننا نريد أن نختم هذه الكلمة التي نستغربها نحن لأنها تخلو من النقد ولا تكاد تشتمل إلَّا على الثناء، نريد أن نختم هذه الكلمة باقتراح يسير لا يكلِّف الوزير ولا الوزارة مشقة ولا عناء. وفيه الخير للوزراء وللناس، وهو أن تكون الصلة بين الوزارة وبين الرأي العام قوية متينة؛ بحيث ينشر على هذا الرأي العام في بلاغات واضحة جلية ما تعمل الوزارة وما تعتزم أن تعمل في أمر الإصلاح. هذا خيرٌ؛ لأنه يُحسن ظن الناس بالوزارة ويُشجِّع الناس على أن يعينوا الوزارة ويتيح للناس أن يفهموا في غير غموض ولا اضطراب ما تريد الوزارة أن تعمَل. وودِدْنا لو بدأ الوزير فأنبأنا عن مكتب الترجمة هذا الذي يُنشئه أو يريد أن ينشئه: ما هو؟ وما عمله؟ وما الغرض الصحيح من إنشائه؟

  • أمر ذو بال (حول تعليم اللغات القديمة في مصر)

    حديث الأربعاء: أمر ذو بال (حول تعليم اللغات القديمة في مصر)

    طه حسين

    جريدة السياسة

    ١٢ سبتمبر ١٩٢٣

    لا أريد الآن أن أكتب في هذا الموضوع مقترحًا، فالموضوع كما سنراه أجلُّ خطرًا وأشدُّ تعقدًا
    من أن يكتب فيه كاتب واحد، أو يستقل بالاقتراح فيه باحثٌ واحدٌ. وإنما هو في حاجة إلى أن يتطلع
    الكتَّاب والباحثون على درسه والتفكير فيه، والبحث عما يلائم منفعة مصر فيه من حل. ولقد كنت أظن
    أن مثل هذا الموضوع خليقٌ أن يخطر ببال وزارة المعارف، فتدرسه درسًا منظمًا؛ نسأل الناس رأيهم
    فيه استعدادًا لما سنضع للتعليم من نظام جديد. ولكني أرى وزارة المعارف معرضة عن مثل هذه
    المباحث، أو هي تستقبلها على نحو غير الذي ينبغي أن تستقبل به المباحثُ ذات الخطر. ذلك لما قلته
    لك غير مرة من أن وزارة المعارف ليست لها سياسة معينة بينة في التعليم، وإنما هي تنهج في
    سياستها التعليمية منهج المصادمة — إن كان للمصادمة منهج — أو منهج التضييق الدنلوبي القديم
    الذي لم يبقَ بدٌّ من العدول عنه الآن.

    وأنا أريد أن أكتفي في هذه الكلمة بعرض المسألة وبسطها، وأن أرجو من الكتَّاب الذين يعنيهم
    مثل هذا الموضوع، ويستطيعون أن يكوِّنوا لأنفسهم رأيًا فيه أن يدرسوه درسًا دقيقًا، ويعرضوا على
    الناس نتيجة هذا الدرس.

    لهذا الموضوع خطرٌ في مصر، ليس له في غيرها من البلاد؛ ذلك لأن مصر، أو قل: لأن الحياة
    العلمية والتاريخية والسياسية في مصر، متصلة بطوائف ثلاث من طوائف الحضارة. فليس لمصر بدٌّ من
    أن تفهم هذه الحضارات فهمًا صحيحًا، ومن أن تتصل بها اتصالًا قويًّا.

    مصر متصلة بحضارة الفراعنة، ولستُ في حاجة إلى أن أصف هذا الاتصال أو أقيم الدليل عليه. وهي
    متصلة بحضارة العرب، ولستُ في حاجة إلى أن أصف هذا الاتصال أيضًا. وهي متصلة بحضارة أوروبا،
    ولستُ في حاجة إلى أن أصف هذا الاتصال، كما أني لست في حاجة إلى أن أصف اتصالها بالحضارتين
    السابقتين. وإذن، فحياة مصر القومية تضطرها إلى أن يشتد اتصالها بحضارة الفراعنة؛ أي إلى أن
    نفهم هذه الحضارة دون ترجمان، أي إلى أن نفهم اللغة الهيروغليفية واللغة القبطية. وما أحسب أن
    أحدًا ينازع في مثل هذه النظرية، وربما خشيت إسراف الناس في إكبار هذه النظرية؛ لأن الناس
    جميعًا مقتنعون باشتداد الحاجة إلى درس هاتين اللغتين. وحياة مصر القومية تضطرها إلى أن نتصل
    بالحضارة العربية اتصالًا متينًا؛ أي إلى أن نحسن فهم اللغة العربية وكتابتها وتكلمها. وليس هذا
    الأمر من اليسر بحيث تظن، فقد نعرض في يوم من الأيام لإثبات أننا لا نفهم العربية ولا نحسن
    كتابتها ولا تكلمها. ولكن الأمر لا يقف عند درس اللغة العربية وحدها، فإن اللغة العربية وحدها
    لا تفهم حقًّا، ولا بدَّ من أن تدرس معها لغات أخرى يتوقف عليها فهمها، لا بدَّ من أن ندرس معها
    اللغات السامية. وإذن، فهذه طائفة أخرى من اللغات ليست أيسر من الطائفة الأولى درسًا، وليست
    حاجتنا إلى درسها أقل من حاجتنا إلى درس الطائفة الأولى، بل أزعم أنها أشد، وأشد جدًّا. فاللغة
    العربية هي لغتنا القومية بالفعل.

    وحياة مصر القومية ومستقبلها ورقيها، كل ذلك يضطرها إلى أن تتصل بالحضارة الأوروبية؛ أي إلى
    أن تقيم لغات أوروبا. وليس فهم لغات أوروبا وحضارتها مقصورًا على فهم الإنجليزية والفرنسية
    والألمانية، وما إليها من اللغات الأوروبية. بل لا بدَّ مع ذلك من درس اللغات أو اللغتين
    القديمتين، والحضارات أو الحضارتين القديمتين اللتين ترجع إليها أوروبا وحضارتها الحديثة. أريد
    اللغة اللاتينية واليونانية والحضارة اللاتينية واليونانية. وإذن، فهذه طائفة ثالثة من اللغات
    القديمة تضطرنا إلى درسها حياتنا القومية نفسها إذا كنَّا نريد أن نكون أصليين في الحضارة
    الحديثة، نصطنعها عن فهم وبصيرة لا مقلدين ولا متكلفين.

    هذه هي الطوائف الثلاث التي لا بدَّ لنا من أن ندرسها من طوائف اللغات. ومن الواضح أن من
    المستحيل أن يدرس المصري مهما يكن نابهًا، ومهما يكن ذكيًّا هذه اللغات جميعًا. وأن من السخف أن
    يطلب إلى كل مصري متعلم تعليمًا عاليًا أو ثانويًّا درس هذه اللغات جميعًا. ولكن من الواضح
    أيضًا أن من الحمق وسوء الرأي والخطر على الحياة القومية أن يهمل المصريون جميعًا هذه اللغات
    كلها أو بعضها، فلا بدَّ إذن من أن يكون فينا قوم يحسنون العربية واللغات السامية، وآخرون
    يحسنون اليونانية واللاتينية.

    لا بدَّ من أن توضع في مصر سياسة تعليمية تكفل توزيع هذه اللغات — إن صح هذا التعبير — على
    المصريين المتعلمين، بحيث يستطيع هؤلاء المصريون المتعلمين بحكم التعاون الاجتماعي العلمي أن
    يمدَّ بعضهم بعضًا، ويكملَ بعضهم نقص بعض. فما عسى أن تكون هذه السياسة التعليمية، وما عسى أن
    تكون الطريقة التي يمكن اتخاذها لدرس هذه اللغات وتعميم هذا الدرس على القدر المستطاع؟

    لا ينبغي أن يعتمد في ذلك على المدارس العالية وحدها، فإن المدارس العالية لا تنشأ لدرس
    اللغات، وإنما تنشأ للتخصص في هذه اللغات. وأعترف بأني لا أتصور طالبًا قد نال الشهادة
    الثانوية، ثم أخذ يدرس مبادئ اللاتينية أو اليونانية في مدرسة عالية؛ لأن ذلك على صعوبته ليس
    عظيم الفائدة، فهو يضطر الطالب أن يضيع وقته في درس مبادئ اللغة حين كان يجب أن ينفق هذا الوقت
    في درس آداب هذه اللغة وما اشتملت عليه من آيات البيان.

    ولا ينبغي أن يُعتمد في درس هذه اللغات على مدارس خاصة تنشأ له، فإن هذه المدارس الخاصة
    بطبيعتها لن يقصد إليها إلَّا عدد قليل من الطلاب، ذلك بحكم أنها مدارس خاصة، وبحكم أن شهادتها
    لن تكون ذات قيمة مالية تحمل على الرغبة فيها أو التهالك عليها.

    ولا ينبغي أن يعتمد في درس هذه اللغات على المدارس الأولية، فحسب الطفل أن يحسن الكتابة
    والقراءة باللغة العربية، وما إلى ذلك مما يدرس في المدارس الأولية. وإذن، فلم يبقَ أمامك إلا
    المدرسة الابتدائية والمدرسة الثانوية. ولكن أخذ الدرس في هاتين المدرستين محدود، وهو أضيق من
    أن يسع درس هذه اللغات كلها أو بعضها مع ما يجب أن يدرس في هذه المدارس من المواد العلمية
    والأدبية والعملية الأخرى التي لا يمكن أن يُستغنى عنها في هذا النوع من التعليم. وإذن، فقد
    وصلنا إلى نتيجة واحدة، وهي أن المدرسة الابتدائية والثانوية هما اللتان تستطيعان أن تدرسا هذه
    اللغات، وأن الوقت في هذه المدارس أضيق من هذا الدرس. فلا بدَّ إذن من التقسيم، ولا بدَّ إذن من
    التوزيع. فكيف يكون هذا التقسيم وكيف يكون هذا التوزيع؟

    هذه هي المسألة ذات الخطر التي أودُّ لو عُنيَ بها المفكرون، والذين لهم رأي في مثل هذه
    المسائل التعليمية. وأعتقد أنها أجلُّ خطرًا وأشدُّ نفعًا من كثيرٍ جدًّا من هذه المسائل التي
    يتكلف خوض غمارها الكتَّاب والمفكرون في هذه الأيام.

  • سياسة التعليم لذلك الأستاذ الناقد ١

    سياسة التعليم: لذلك الأستاذ الناقد (١)

    طه حسين

    جريدة السياسة

    ٢ سبتمبر ١٩٢٣

    وهل للتعليم عندنا سياسة؟ ذلك شيء كنَّا نرجوه وكنا نعتقد أننا غير مخطئين في هذا الرجاء، حين كانت وزارة المعارف في مثل هذه الأيام من السنة الماضية، تسلك سبيلًا معينة واضحة تدل على أن المشرفين على الأمر فيها يفهمون التعليم، ويقدِّرون حاجة البلد إلى إصلاحه، ويحاولون أن يحققوا من هذا الإصلاح ما يستطيعون. حين كان زكي باشا أبو السعود ينشئ المكتب الفني، ويعد لإنشاء مدرسة الآثار، ويمهِّد لإنشاء الجامعة الأميرية، ويفكر في طائفة أخرى من مشروعات الإصلاح في وزارة المعارف.

    في مثل هذه الأيام من السنة الماضية كنَّا نظن أن لمصر سياسة تعليمية أو أن مصر ستنتهي إلى أن تكون لها سياسة تعليمية. وكنا نعتقد ونكرر أن البرلمان المصري الذي لم يكن قد نشأ بعدُ سيُعين على تكوين هذه السياسة التعليمية، وسيطبعها بالطابع القومي متى انعقد، ونذكر أن موظفًا من الذين كان لهم سلطان عظيم على هذه الوزارة في وقت من الأوقات عاتبنا ذات يوم؛ لأننا قلنا وألححنا في القول إن البرلمان سيهدم هذا البناء العتيق الذي قام عليه التعليم في وزارة المعارف.

    نعم، كنَّا نرجو رجاءً قويًّا أن تظهر لنا شخصية في التعليم، وأن ننتهي إلى سياسة تعليمية تلائم حاجاتنا وآمالنا. ولكن الله أراد أن يكذِّب ظننا في هذا الأمر، كما أراد أن يكذِّب ظننا في أمور أخرى، فلم تظفر مصر بسياسة تعليمية، ولم يظهر للبرلمان المصري أثرٌ في التعليم، ولم يكن لهذه الحياة الدستورية ولهذه الوزارة الدستورية القائمة من التأثير في وزارة المعارف إلا ما شهدنا وما نشهد من محو آثار زكي باشا أبو السعود، والعودة بأمور التعليم إلى ما كانت عليه من الفساد والاضطراب أيام الإنجليز.

    نخطئ الخطأ كله إذا قلنا إن مصر لم تكن لها سياسة تعليمية في وقت من الأوقات، فالحق أن قد كانت لمصر في التعليم سياستان مختلفتان اختلافًا شديدًا: إحداهما سياسة قومية في أغراضها ووسائلها، وهي سياسة الأمراء المصريين الذين سبقوا الاحتلال، والأخرى سياسة أجنبية سيئة الأثر في حياتنا القومية، لا ترمي إلا إلى نشر الجهل من جهة وإلى إفساد العقول المتعلمة من جهة أخرى، وهي السياسة الإنجليزية التي أقامها «دنلوب» معتزًّا بسلطان اللورد كرومر. فلم يكن بدٌّ من أن تكون النتيجة الأولى للاستقلال محو هذه السياسة الإنجليزية في وزارة المعارف، والرجوع إلى السياسة القومية القديمة التي كانت تعتمد على محاربة الأمية من جهة، وعلى إيجاد طبقة من المتعلمين الذين أخذوا بحظٍّ موفور من التعليم العالي ليشرفوا على الأمور العامة من جهة أخرى، والتي كانت لولا الاحتلال منتهية من غير شك إلى إزالة الأمية وإلى إيجاد التعليم الصحيح في مصر، وإلى جعل أمور المصريين العامة بين أيدي المصريين. لم يكن بدٌّ من أن تكون النتيجة الأولى للاستقلال الرجوع إلى سياسة محمد علي وإسماعيل في أمر التعليم.

    ومهما يجادل أنصار الوزارة القائمة، ومهما يقل أنصار الكثرة البرلمانية الحاكمة، فلن يستطيعوا أن ينكروا أن هذه النتيجة التي كنَّا نتمناها قد بدأت تتحقق شيئًا فشيئًا بعد إعلان الاستقلال. فقد استأنفت وزارة ثروت باشا التفكير في الرجوع إلى تلك السياسة، بل رجعت إليها بالفعل وأخذت في تنفيذها، فكثرت البعثات العلمية إلى أوروبا وأمريكا في عهد هذه الوزارة. ثم تبعتها في هذا وزارة يحيى باشا إبراهيم، وأرسلت مصر إلى أوروبا من الطلاب الذين تعلِّمهم الحكومة عددًا غير قليل يتخصَّص في ضروب مختلفة من العلم والفن. وظهر من هذا الفرق بين السياسة التعليمية لبلد مستقل والسياسة التعليمية لبلد يحكمه الأجنبي.

    ثم نظن — ونعتقد أن أنصار الوزارة لا يستطيعون أن ينكروا هذا — نظن أن وزارة ثروت كانت قد استعدَّت استعدادًا جديًّا لإنشاء طائفة أو قل لإنشاء مئات من المدارس الأولية، الغرض منها محاربة الأمية، حتى إذا جاء البرلمان وأقرَّ تعميم التعليم الأولي كانت الوزارة قد مهَّدت لذلك تمهيدًا لا بأس به. ونظن أن وزارة ثروت باشا كانت قد دبرت المال اللازم لإنشاء هذه المئات من المدارس الأولية، ولكن وزارة ثروت استقالت وجاءت وزارة نسيم، فنامت هذه المدارس أو نسيتها وزارة المعارف ونسيتها الميزانية أيضًا. ولكن وزارة يحيى باشا لم تهمل سياسة البعثات العلمية، فمضت فيها على سُنَّة الوزارة الثروتية، بينما لم تلتفت إلى التعليم الأولي إلا التفاتًا ضعيفًا جدًّا، ولكنه التفات. فقد أنشأت لجنة لدرس مشروع التعليم الأولي، وأصلح زكي باشا أبو السعود تكوين هذه اللجنة، ولكن وزارة يحيى باشا سقطت، والله يعلم إلى أين انتهت هذه اللجنة.

    على أن هناك جهدًا قدمته وزارة يحيى باشا إبراهيم، أو قدمه زكي باشا أبو السعود على كرهٍ من وزارة يحيى باشا إبراهيم لتحقيق هذه السياسة التعليمية المستقلة. وهو هذا الجهد الذي بُذِل لإكثار عدد المتعلمين استعدادًا لما لم يكن بدٌّ من إنشائه من المدارس. فقد أنشئت مدرسة المعلمين الثانوية، وأنشئت الأقسام الليلية في مدرسة المعلمين العليا، وكل هذا يدل على أن هاتين الوزارتين اللتين توصفان بالإثم وتتهمان بالتقصير تستطيعان أن تتقدما إلى أي برلمان منصف وفي يدهما عمل قيم في ترقية التعليم. فماذا صنعت الوزارة الدستورية القائمة على سلطة الشعب وحب الشعب وتأييد البرلمان؟ لم تصنع شيئًا، أو قل إنها مَحَتْ ولم تثبت، وهدمت دون أن تفكر في البناء، أو قل إنها عدلت عن هذه السياسة القومية، لا نقول إلى السياسة الإنجليزية، فنحن أحرص على الإنصاف من هذا، بل نقول عدلت عن هذه السياسة القومية إلى سياسة فردية لا ترمي إلا إلى شيءٍ واحد، هو أن يستمتع بالسلطان المطلق في وزارة التعليم فردٌ بعينه، لم يكن بدٌّ من أن يقبض على الأمر في هذه الوزارة؛ لأن السياسة السعدية كانت في حاجة إلى هذا.

    ولو أن وزارة الدستور وقفت عند هذا الحد فنقضت ما أبرم أسلافها، وأرادت أن تستمتع بالسلطان المركزي المطلق لقلنا سياسة سيئة، ولكنها موقوتة تزول متى نزلت الوزارة عن الحكم غدًا أو بعد غدٍ. ولكن الوزارة تجاوزت هذا كله إلى ما هو شرٌّ منه، فمهدت لتكوين سياسة تعليمية سيئة حقًّا، ذلك حين عمدت إلى شيئين: الأول إلغاء مجلس المعارف الأعلى وإنشاء هذه اللجنة الفنية على هذا النحو الذي أُنشئت عليه. ولسنا نعرض للنتائج المباشرة التي تنتج عن هذا العمل، فقد عرضنا لهذا في غير هذا الفصل، وإنما نلاحظ أنها تعجَّلت هذا الأمر تعجلًا غريبًا، واستطاعت أن تحمِل البرلمان على أن يقرَّها منه على ما كانت تريد، فأثبتت لنا بذلك شيئًا كنَّا نتمنى ألا يكون حقًّا، وهو أن البرلمان المصري لا يمتاز — مع الأسف الشديد — بالكفاية في فهم التعليم، ولا بالحرص على أن يكون له سلطان ما على أمور التعليم. فلو أن للبرلمان المصري كفايةً في التعليم، ولو أن للبرلمان المصري سلطانًا على التعليم؛ لما قُضيَ على المجلس الأعلى، ولما أُنشئت هذه اللجنة، ولما وقع هذا العبث العظيم بوزارة التعليم مع هذه السرعة العجيبة، في وقت كان البرلمان فيه خليقًا أن يعنى بأمور أخرى تدعو إليها الحاجة.

    نقول إن هذا أثرٌ سيئٌ من آثار الوزارة في سياسة التعليم؛ لأنه يحملنا على أن نيأس من كفاية البرلمان لفهم التعليم، وإذن فمن الذي سيشرف على التعليم؟ وزارة المعارف وحدها. ونحن نعلم كفاية وزارة المعارف، ونحن نقدِّر آثار وزارة المعارف في التعليم إلى الآن. الثاني أن وزارة المعارف أظهرت — ووافقها على ذلك رئيس الوزراء، وأقرتها على ذلك الكثرة البرلمانية — نفورًا من التعليم العالي، وتلكُّؤًا في تنظيمه وترقيته. وليس أثر ذلك مقصورًا على أن هذا التعليم العالي سيظل في مصر منحطًّا كما هو الآن، بل لذلك أثرٌ آخر أقبح وأعظم شرًّا من هذا الأثر، وهو أن الإشراف على التعليم بجميع أنواعه سيظل إلى أجلٍ بعيدٍ مقصورًا على رجال التعليم في وزارة المعارف، وعلى من تخرِّجهم المدارس القائمة الآن؛ أي إن أمور التعليم ستظل بأيدي قوم تنقصهم الكفاية الصحيحة لفهم التعليم.

    هناك نظرية يظهر أن الذين يعنون بالأمور العامة في مصر لم يلتفتوا إليها في يوم من الأيام، بل يظهر أنهم يسيرون على عكسها ويزعمون أنهم بذلك يحققون الديمقراطية ويخدمون مبادئها، وأنا أعني في هذه المسألة رئيس الوزراء خاصة. فرئيس الوزراء وأنصاره طبعًا يؤثرون التعليم الأولي على التعليم العالي، ويُؤثِرون نشر هذا التعليم الأولي وتعميمه على تنظيم الجامعة وإنشاء أقسام التعليم العالي فيها. وحجتهم في ذلك ظاهرة كحجة الاشتراكيين والمتطرفين من أحزاب الشمال في أوروبا، وهي أن التعليم الأولي يخدم الشعب مباشرةً، بينما التعليم العالي والثانوي لا ينتفع بهما إلا طبقات معينة، هي التي تستطيع أن تؤدي أجور التعليم.

    وإذن فلا بدَّ من إيثار الدهماء على الخاصة، ولا بدَّ من تقديم التعليم الأولي على التعليم العالي، ولا بدَّ من إنشاء المدرسة الأولية قبل إنشاء الجامعة. كذلك يفكِّر سادة اليوم في مصر، ولئن حاججتهم في ذلك ليذكرون لك فرنسا وغير فرنسا، وما نشأ من المذاهب الحديثة التي تؤثِر التعليم الأولي والفني على التعليم العالي. وليس هنا موضع البحث عن قيمة هذه المذاهب الحديثة، ولكننا نريد أن يلتفت سادة اليوم في مصر إلى شيءٍ لا يلتفتون إليه، نريد أن يلتفتوا إلى أننا نستطيع أن نقلِّد الفرنسيين والأمريكيين يوم نستطيع أن نقول إننا نشبه الفرنسيين والأمريكيين؛ أي يوم نظفر من التعليم العالي والثانوي بمثل ما تستمتع به فرنسا وأمريكا.

    في ذلك اليوم نستطيع أن نقول إن لدينا من التعليم العالي والثانوي ما يكفينا، وإن الخير هو أن نُعنَى بهذه الطبقات الفقيرة العاملة التي لا تستطيع أن تنفق شبابها في الدرس والتخصيص العلمي. أمَّا ونحن أبعد الناس عن أن يكون لنا عُشر معشار ما تستمتع به فرنسا من التعليم العالي والثانوي، فخيرٌ لنا ألا نشبِّه نفسنا بفرنسا الآن، ليس لدينا شيءٌ يقاس إلى ما لدى فرنسا من أنواع التعليم، فالجامعات في فرنسا تكاد تبلغ العشرين، ولا يوجد إقليم فرنسي يخلو من مدرسة ثانوية تشرف عليها الدولة.

    ولسنا نذكر المدارس الخصوصية، ولسنا نذكر المدارس الحرة عاليةً كانت أو ثانويةً. أمَّا نحن فليست لدينا الآن جامعة واحدة، وكثيرٌ من أقاليمنا يخلو من المدارس الثانوية، وإذن فنظرية المشرفين على الأمر في مصر خاطئة، وستظل خاطئة أعوامًا طوالًا. وأمرٌ آخر نحب أن تلتفت إليه كثرتنا البرلمانية، وهو أن التعليم العالي وحده هو الكفيل حقًّا بنشر التعليم الأولي وإيجاد سياسة صحيحة لهذا التعليم؛ ذلك أن نشر التعليم الأولي ليس معناه تعميم القراءة والكتابة والحساب، وإنما هو أشد من ذلك تعقيدًا وعسرًا. هو يحتاج إلى عقول تستطيع أن تقدِّر البيئة المصرية ونفسيتها وحاجاتها وآمالها، وأن تلائم بين هذا كله وبين التعليم الأولي الذي تريد أن تنشره في البلاد.

    وليس من اليسير على كل إنسان أن يقدِّر مثل هذه الأمور، وإنما الذين أخذوا بحظٍّ موفور من التعليم العالي، واستطاعوا بفضل هذا التعليم أن يفهموا الجماعات ويقدِّروا حاجاتها المختلفة وآمالها المتنوعة؛ هم وحدهم الذين يستطيعون تصور التعليم الأولي ونشره حقًّا. إذن، فليس أساس التعليم في مصر هو التعليم الأولي، وإنما أساس النهضة المصرية كلها التعليم العالي. والسياسة التعليمية الحكيمة حقًّا هي التي تقوم على إنشاء الجامعة قبل كل شيء، وعلى الاستعانة بالفنيين من الأجانب للأخذ في نشر التعليم الأولي، حتى إذا تم تأسيس الجامعة، وأخذ التعليم العالي يُؤتِي ثمره النافع، استطاع المصريون أن يشرفوا حقًّا على أمور التعليم.

    إن الذين يريدون أن يخدموا الديمقراطية في مصر لا يحسنون إلى الديمقراطية بإيثار التعليم الأولي على التعليم العالي؛ فإن الديمقراطية التي تقوم على التعليم الأولي وحده تقوم على أساس واهٍ، وهي لا تستطيع أن تقاوم الخطوب ولا أن تثبت للأهوال التي تتعرض لها النظم السياسية. ولئن قامت ديمقراطيتنا على التعليم الأولي واعتمدت على إنصاف المتعلمين؛ لتستحيلنَّ في أسرع وقت إلى إحدى اثنتين: إمَّا إلى الفوضى، وإمَّا إلى حكومة الفرد المستبدِّ. نؤكد لكثرتنا البرلمانية أنها تحسن الإحسان كله إلى بلدها، وإلى الحياة الدستورية، وإلى الحرية نفسها، إذا بدأت عملها البرلماني في العام المقبل، لا بتنظيم التعليم الأولي، بل بتنظيم التعليم العالي. ونحن نضرع إليها إن فعلت ألا تعتمد في ذلك على نفسها ولا على وزارة المعارف، بل على الفنيين من علماء أوروبا.

  • مدرسة القضاء الشرعي

    مدرسة القضاء الشرعي
    يظهر أن قضاء الله نازل بهذه المدرسة التعسة لا محالة وأنها ستلغى أو ستحول أو ستلحق بالأزهر الشريف كما يقولون. فقد نشرت الصحف ويظهر أن ما نشرته صحيح أن هذا المشروع قد تم وأن اللجنة التشريعية نظرت فيه وأنه قد يعرض على مجلس الوزراء في جلسة اليوم فيقضى فيه. ومع أن السياسة قد لفتت الحكومة غير مرة إلى أن هذا المشروع الذي يجهله الناس قد يكون خيرًا وقد يكون شرًا ولكن المنفعة كل المنفعة في التثبت فيه ولا يتعجل به قبل اجتماع البرلمان فقد أعرضت الحكومة وألحت في إعراضها عما كتبت "السياسة" وغير "السياسة". وأبت الحكومة أن تحفل بالرأي العام في هذه المسألة كما أبت أن تحفل به في غيرها من المسائل حتى إنها لم تتنزل إلى إصدار بلاغ يبين للناس ما عزمت عليه الحكومة وما حملها على أن تفكر في هذا المشروع وتتعجله كأنما تختلسه اختلاسًا.
    لم تحفل الحكومة بشيء وإنما مضت في المشروع حتى أتمته ولم يكن مشروعها مقصورًا على مدرسة القضاء الشرعي وإنما تناولها وتناول الأزهر الشريف أيضًا فتناول إذن قسمًا عظيمًا جدًا من أقسام التعليم القومي رأت فيه الحكومة رأيًا دبرته بليل وأبت أن تظهر الناس على شيء منه حتى تقفهم في ذات يوم من الأيام أمام أمر واقع. وهذه سياسة الوزارة القائمة في كثير من الأشياء.
    الحق أنا قد نفهم – دون أن نعذر – تعجل الحكومة في بعض القوانين التي أصدرتها فقد تكون متأثرة بضغط الإنجليز في أمر التعويض على الموظفين وقد تكون متأثرة بالرغبة في إلغاء الأحكام العرفية في أمر قانون التضمينات. ولكننا لا نستطيع أن نفهم تعجل الحكومة في أمر مدرسة القضاء والأزهر ولا نستطيع أن نفهم تكتم الحكومة أمر مدرسة القضاء والأزهر ولا نستطيع أن نفهم سياسة الأمر الواقع في مثل هذه المسائل التي تستطيع البلاد أن تتأنى فيها كما تأنت في مسائل أجل منها خطرًا.
    ولكن الناس يتحدثون بأشياء نرجو ونلح في الرجاء ألا تكون صحيحة. يتحدثون بأن الحكومة لم تقصد إلى مصلحة التعليم ولا إلى مصلحة العلم ولم تفكر في إصلاح الأزهر ولا في إصلاح مدرسة القضاء. وإنما فكرت في شيءٍ آخر، فكرت في أن تؤثر قومًا على قوم وفي أن تتملق طائفة دون طائفة وفي أن ترضى ناحية الآن كما أرضت ناحية أخرى بالأمس.
    يتحدث الناس بذلك ويلحون في هذا الحديث ومصلحة الحكومة وكرامتها ومصلحة الأمة وكرامتها في ألا يكون هذا الحديث صحيحًا، وأن يكون هذا الحديث كاذبًا إلا إذا تنزلت الحكومة فسمعت لنصح الناصحين وأجلت الفصل في هذا الأمر إلى أن ينعقد البرلمان.
    إن الحكومة بطيئة جدًا في إصلاح التعليم بوزارة المعارف وكأنها لا تريد أن تصلح التعليم أو تغير من أمره إلا بعد انعقاد البرلمان، ولها في ذلك الحق كله، وهي في ذلك موفقة كل التوفيق. فيكفي أن يدرس إصلاح التعليم وتعد مشروعات الإصلاح حتى إذا انعقد البرلمان عرضت عليه ليقضى فيها.
    فما بال وزارة الحقانية تتعجل تغيير مدرسة القضاء؟ وما يزال المجلس الأعلى للمعاهد الدينية يتعجل تغيير الأزهر؟ وما بال هذه اللجنة التي ألفت سرًا وعملت سرًا وأتمت عملها سرًا ورفعته إلى مجلس المعاهد سرًا؟ وما بال مجلس المعاهد قد درس المشروع سرًا وأقره سرًا؟ وما بال وزارة الحقانية تتكتم هذا المشروع حتى تفجأ الناس به غدًا أو بعد غدٍ؟
    وبعد فما هذا الإصلاح الذي يراد بمدرسة القضاء؟ زعموا أنها ستلحق بالأزهر وتقصر على التخصيص في الشريعة أو في فقه أبي حنيفة. ولكنهم لم يضعوا برنامجًا لهذا التخصيص، ونحن لا نستطيع أن نفهم هذا التخصيص. فما الذي يراد بالطالب إذا قضى في الأزهر اثني عشر عامًا يدرس فقه أبي حنيفة ويحفظ كتبه ويستظهر متونه وشروحه وحواشيه؟ ما الذي يراد به بعد هذه المشقة وعلى أي شكل يريدون أن يلقنوه فقه أبي حنيفة؟ وفي أي لون يريدون أن يظهروا له هذا الفقه؟ وأي معنى لأن يدرس الطالب فقه أبي حنيفة اثنتي عشرة سنة في الأزهر ثم يتخصص فيه مرة أخرى أربع سنين في مدرسة القضاء؟
    يظهر أن الواضح من أمر هذا المشروع شيئان: أحدهما إلغاء ما يدرس في هذه المدرسة من العلوم الحديثة لأنه سيدرس في الأزهر. الثاني أن تمتلئ جيوب وتشبع بطون. وقد تكون هذه الجيوب ممتلئة وقد تكون هذه البطون شبعى. وقد توجد طريقة أخرى لإشباع هذه الجيوب وإشباع هذه البطون غير إلغاء مدرسة القضاء الشرعي. وإذا لم يكن بد من أن تمتلئ جيوب وتشبع بطون على حساب مدرسة القضاء الشرعي فليكن ذلك بأمر البرلمان فسينعقد البرلمان قريبًا. ويقيننا أنه لم يكن أقل سخاءً وجودًا على هذه الجيوب والبطون من وزارة الحقانية ومجلس المعاهد الأعلى.
    يظهر أننا مضطرون إلى أن نوجه القول إلى صاحب الدولة رئيس الوزراء وإلى أصحاب المعالي زملائه غير وزير الحقانية، فقد يئسنا من وزير الحقانية ومن استماعه للنصح أو احتفاله بالناصحين. وحديثنا إلى صاحب الدولة وزملائه أن إصلاح مدرسة القضاء ليس من المسائل الخطرة التي يتوقف عليها مستقبل مصر وليس أجل خطرًا من إصلاح التعليم الأولى أو الثانوي أو العالي. فإذا كانت الحكومة تنتظر البرلمان في أمر التعليم كله فلتنتظره في أمر التعليم الديني وإلا فإن الناس لن يستطيعوا أن يفهموا هذا التعجل على وجه يشرف الحكومة ويحسن الظن بها والرأي فيها وقد نعود.
    طه حسين
    السياسة، 26 أغسطس 1923.

  • العبث بالعلم والتعليم والمعلمين

    في وِزَارَةِ المَعَارِفِ العَبَثُ بِالعِلْمِ وَالتَّعْلِيمِ وَالمُعَلِّمِينَ
    نَكْتُبُ فِي إِصْلَاحِ التَّعْلِيمِ وَتَنْظِيمِ وِزَارَةِ المَعَارِفِ لِأَنَّنَا نَنْتَظِرُ الخَيْرَ العَاجِلَ مِمَّا نَكْتُبُ، فَنَحْنُ يَائِسُونَ مِنْ هَذَا الخَيْرِ العَاجِلِ، مُقْتَنِعُونَ بِأَنَّ الأُمُورَ كُلَّهَا قَدْ تَتَغَيَّرُ وَتَتَبَدَّلَ وَأَنَّ الأَرْضَ قَدْ تَنْدَكَّ مِنْ حَوْلِ وِزَارَةِ المَعَارِفِ دُونَ أَنْ تَشْعُرَ وِزَارَةُ المَعَارِفِ بِشَيْءٍ أَوْ تَحْفِلَ بِشَيْءٍ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ. ذَلِكَ لِأَنَّ وَزِيرَ المَعَارِفِ فِي شُغْلٍ عَنْ وِزَارَةِ المَعَارِفِ بِهَذِهِ الحَوَادِثِ الجِسَامِ وَالنَّكَبَاتِ المُخْتَلِفَةِ الَّتِي تَنَالُ مِصْرَ مِنْ يَوْمٍ إِلَى يَوْمٍ، هُوَ عَنْ وِزَارَةِ المَعَارِفِ فِي شُغْلٍ بِمَا يُدَبَّرُ فِي مَجْلِسِ الوُزَرَاءِ مِنْ تَصْمِيمَاتٍ وَتَعْوِيضَاتٍ وَاجْتِمَاعَاتٍ إِلَى آخِرِ هَذِهِ القَوَانِينِ المُخْتَلِفَةِ، هُوَ فِي شُغْلٍ بِالسِّيَاسَةِ عَنِ التَّعْلِيمِ. وَلَسْتُ أَقُولُ هَذَا مُتَحَلِّلًا لَهُ أَوْ مُتَكَلِّفًا إِيَّاهُ، وَلَكِنِّي أَذْكُرُ إِنِّي تَحَدَّثْتُ إِلَى وَزِيرِ المَعَارِفِ فِي يَوْمٍ مِنَ الأَيَّامِ، فَلَمَّا أَلْحَحْتُ عَلَيْهِ فِي مُرَاقَبَةِ المَدَارِسِ الحُرَّةِ أَجَابَنِي بِأَنَّ هَذَا خَيْرٌ وَأَنَّهُ مَعْنِيٌّ بِهِ، وَلَكِنَّ الوِزَارَةَ الآنَ فِي شُغْلٍ عَنْ هَذَا كُلِّهِ… وَأَذْكُرُ إِنِّي لَمْ أَكُنْ فِي ذَلِكَ الوَقْتِ فَطِنًا وَلَا حُسْنَ الرِّعَايَةِ لِمُقْتَضَى الحَالِ… فَسَأَلْتُ وَزِيرَ المَعَارِفِ: وَمَا شَأْنُ وِزَارَةِ المَعَارِفِ فِيمَا يَقَعُ فِي مِصْرَ مِمَّا لَا يَمَسُّ التَّعْلِيمَ؟ فَأَجَابَنِي الوَزِيرُ فِي لُطْفٍ وَسُخْرِيَةٍ وَشَيْءٍ مِنَ الغَضَبِ قَلِيلٍ: أَظُنُّ أَنَّ لِوَزِيرِ المَعَارِفِ صِلَةً بِمَجْلِسِ الوُزَرَاءِ!
    نَعَمْ. كَانَ وَزِيرُ المَعَارِفِ مُحِقًّا فِي هَذَا الجَوَابِ. فَلَهُ صِلَةٌ بِمَجْلِسِ الوُزَرَاءِ لِأَنَّهُ عُضْوٌ مِنْ أَعْضَائِهِ، وَمَجْلِسُ الوُزَرَاءِ فِي شُغْلٍ عَنِ التَّعْلِيمِ وَمَا يُشْبِهُ التَّعْلِيمَ بِأَشْيَاءَ أُخْرَى لَيْسَ مِنْ شَأْنِهَا أَنْ تُعِينَ عَلَى إِصْلَاحِ التَّعْلِيمِ؛ لِأَنَّهَا تُوَجِّهُ أَمْوَالَ الدَّوْلَةِ إِلَى وَجْهٍ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَفِيدَ بِهِ التَّعْلِيمُ. كَانَ وَزِيرُ المَعَارِفِ مُحِقًّا وَلَكِنَّهُ كَانَ مُخْطِئًا أَيْضًا. فَلَيْسَتْ وِزَارَةُ المَعَارِفِ مَحْصُورَةً فِي شَخْصِ الوَزِيرِ، وَإِنَّمَا فِيهَا الفَنِّيُّونَ وَالمُشْرِفُونَ وَالمُدِيرُونَ لِأُمُورِ التَّعْلِيمِ. وَهَؤُلَاءِ مَقْصُورَةٌ جُهُودُهُمْ عَلَى التَّعْلِيمِ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَتَجَاوَزُوهُ إِلَى غَيْرِهِ وَلَا أَنْ يَنْشَغِلُوا عَنْهُ بِالسِّيَاسَةِ العَامَّةِ وَأَخْطَارِهَا. فَإِذَا شُغِلَ وَزِيرُ المَعَارِفِ عَنِ التَّعْلِيمِ فَلَيْسَ لِرِجَالِ المَعَارِفِ أَنْ يَنْشَغِلُوا عَنِ التَّعْلِيمِ. وَفِي الحَقِّ أَنَّ رِجَالَ المَعَارِفِ لَيْسُوا مَشْغُولِينَ عَنِ التَّعْلِيمِ، وَإِنَّمَا يَعْنُونَ بِهِ، وَيُفَكِّرُونَ فِيهِ، وَيَعْمَلُونَ لَهُ، وَلَكِنَّ الرَّحَى فِي وِزَارَةِ المَعَارِفِ تَدُورُ إِلَى الشِّمَالِ لَا إِلَى اليَمِينِ، فَتَسْمَعُ لَهَا جَعْجَعَةً وَلَا تَرَى طَحْنًا. نَعَمْ، رِجَالُ المَعَارِفِ يَشْتَغِلُونَ بِالتَّعْلِيمِ، وَلَكِنْ عَلَى غَيْرِ وَجْهِهِ. لِأَنَّ رِجَالَ المَعَارِفِ قَدْ أُخِذُوا بِنَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ العَمَلِ وَالتَّفْكِيرِ، هُمْ عَاجِزُونَ عَنْ أَنْ يَتَجَاوَزُوهُ إِلَى غَيْرِهِ. قَدْ أَلِفُوا سِيَاسَةً تَعْلِيمِيَّةً خَاصَّةً وَضَعَهَا «دَنلُوب»، فَلَيْسَ مِنَ اليَسِيرِ عَلَيْهِمْ، بَلْ لَيْسَ مِنَ المُتَاحِ لَهُمْ، أَنْ يَتَبَدَّلُوا مِنْ هَذِهِ السِّيَاسَةِ سِيَاسَةً أُخْرَى، مَهْمَا تَتَبَدَّلِ الظُّرُوفُ وَتَتَغَيَّرِ الأَحْوَالُ، وَمَهْمَا يَقْتَضِ اسْتِقْلَالُ مِصْرَ وَدُسْتُورُ مِصْرَ أَنْ يَقُومَ التَّعْلِيمُ عَلَى أَسَاسِ الاسْتِقْلَالِ وَالدِّيمُقْرَاطِيَّةِ، لَا عَلَى أَسَاسِ الاسْتِعْمَارِ وَالاسْتِبْدَادِ.
    وَزِيرُ المَعَارِفِ مَشْغُولٌ عَنِ التَّعْلِيمِ، وَرِجَالُ المَعَارِفِ قَاصِرُونَ عَنْ أَنْ يَفْهَمُوا التَّعْلِيمَ كَمَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْهَمَ الآنَ. وَإِذًا فَنَحْنُ يَائِسُونَ مِنَ الخَيْرِ العَاجِلِ حِينَ نُطَالِبُ إِصْلَاحَ التَّعْلِيمِ وَتَنْظِيمَ وِزَارَةِ المَعَارِفِ. نَحْنُ يَائِسُونَ مِنْ هَذَا الخَيْرِ، وَلَكِنَّنَا نَرْجُو خَيْرًا كَثِيرًا مِنَ البَرْلَمَانِ. فَسَتُعْرَضُ عَلَى البَرْلَمَانِ أُمُورُ وِزَارَةِ المَعَارِفِ جَلِيلُهَا وَدَقِيقُهَا، وَسَيَشْعُرُ البَرْلَمَانُ بِمَا بَيْنَ هَذِهِ الوِزَارَةِ وَبَيْنَ آمالِ الأُمَّةِ وَمُسْتَقْبَلِهَا مِنَ البَوْنِ الشَّاسِعِ وَالبُعْدِ العَظِيمِ، فَيُفَكِّرُ فِي إِصْلَاحِ هَذِهِ الوِزَارَةِ، وَيَعْمَلُ لِيُلَائِمَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَيَاةِ أُمَّةٍ مُسْتَقِلَّةٍ دِيمُقْرَاطِيَّةٍ.
    وَأَمَلُنَا فِي البَرْلَمَانِ هُوَ الَّذِي يَحْمِلُنَا عَلَى أَنْ نَكْتُبَ وَعَلَى أَنْ نُلِحَّ فِي الكِتَابَةِ. فَإِنَّ الوَاجِبَ الوَطَنِيَّ يَقْضِي عَلَى كُلِّ مِصْرِيٍّ بِأَنْ يُظْهِرَ مَا يَشْعُرُ بِهِ مِنْ عُيُوبِ التَّعْلِيمِ وَالنِّظَامِ فِي هَذِهِ الوِزَارَةِ، لِيُعِدَّ الرَّأْيَ العَامَّ لِمَا لَيْسَ مِنْهُ بَدٌّ، قَرِيبًا أَوْ بَعِيدًا، مِنْ إِصْلَاحِ هَذِهِ الوِزَارَةِ.
    وَقَدْ رَأَيْنَا فِي مَقَالٍ سَابِقٍ أَنَّ نَظَرِيَّةَ المَرْكَزِيَّةِ فِي وِزَارَةِ المَعَارِفِ قَدْ أَفْسَدَتْ فِيهَا شَيْئًا كَثِيرًا، وَأَضَاعَتْ فِيهَا كِفَايَاتٍ مُخْتَلِفَةً كَانَ مِنَ الحَقِّ وَالمَنْفَعَةِ أَلَّا تُضَيَّعَ. فَكَلَّفَتْ رِجَالَ التَّعْلِيمِ الثَّانَوِيِّ العِنَايَةَ بِالتَّعْلِيمِ الأَوَّلِيِّ، وَأَهْمَلَتْ رِجَالَ التَّعْلِيمِ الأَوَّلِيِّ الإِهْمَالَ كُلَّهُ. بَلْ كَلَّفَتْ أَمْرَ التَّعْلِيمِ مَنْ لَيْسَ لَهُمْ صِلَةٌ بِالتَّعْلِيمِ، وَوَكَلَتْ نُظَّارَ المَدَارِسِ الثَّانَوِيَّةِ إِلَى مَنْ لَمْ يَعْرِفُوا المَدَارِسَ الثَّانَوِيَّةَ، وَخَالَفَتْ فِي هَذَا كُلِّهِ مَصْلَحَةَ الأَفْرَادِ وَمَصْلَحَةَ الأُمَّةِ وَمَصْلَحَةَ العِلْمِ نَفْسِهِ.
    فَرَغْنَا مِنْ هَذَا فِي مَقَالٍ مَضَى، وَيَظْهَرُ أَنَّ رِجَالَ التَّعْلِيمِ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الوِزَارَةِ حَوْلٌ وَلَا طَوْلٌ يَشْعُرُونَ بِنَفْسِ مَا نَشْعُرُ بِهِ، وَيَشْكُونَ مِنْ نَفْسِ مَا نَشْكُو مِنْهُ. وَلَكِنَّ الرَّقَابَةَ عَلَيْهِمْ شَدِيدَةٌ، فَهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَجْهَرُوا بِمَا يَشْعُرُونَ، لِأَنَّ السُّلْطَةَ المَرْكَزِيَّةَ لَهُمْ بِالمِرْصَادِ، وَهِيَ تَبُثُّ عَلَيْهِمُ الجَوَاسِيسَ، وَتَأْخُذُ عَلَيْهِمُ الطُّرُقَ، حَتَّى إِنَّ أَحَدَ أَصْدِقَائِي مِنَ المُعَلِّمِينَ طَلَبَ لِي ذَاتَ يَوْمٍ أَنْ أَكُفَّ عَنْ نَقْدِ وِزَارَةِ المَعَارِفِ إِذَا كُنْتُ أُرِيدُ حَقًّا أَنْ تَظَلَّ الصِّلَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنِي قَائِمَةً مَتِينَةً، لِأَنَّهُ يَخْشَى عَوَاقِبَ هَذِهِ الصِّلَةِ إِنْ مَضَيْتُ أَنَا فِي هَذَا النَّقْدِ. وَرُبَّمَا كَانَ مَيْلِي إِلَى هَذَا الصَّدِيقِ شَدِيدًا، وَحِرْصِي عَلَى مَنْفَعَتِهِ عَظِيمًا، وَلَكِنِّي أَشَدُّ مَيْلًا إِلَى التَّعْلِيمِ، وَحِرْصًا عَلَى مَنْفَعَةِ التَّعْلِيمِ مِنِّي إِلَى هَذَا الصَّدِيقِ وَمَنْفَعَتِهِ. فَسَأَمْضِي فِي هَذَا النَّقْدِ، وَاللَّهُ يَتَوَلَّى أَصْدِقَائِي المُعَلِّمِينَ بِشَيْءٍ مِنَ الحِيَاطَةِ وَالرِّعَايَةِ.
    هَذِهِ المَرْكَزِيَّةُ الَّتِي بَيَّنْتُ آثَارَهَا فِي مَقَالٍ مَضَى قَدْ أَنْتَجَتْ آثَارًا أُخْرَى شَدِيدَةَ الشَّرِّ عَلَى التَّعْلِيمِ لَمْ أَتَمَكَّنْ مِنَ الإِشَارَةِ إِلَيْهَا. وَأُرِيدُ اليَوْمَ أَنْ أَذْكُرَهَا فِي أَسْطُرٍ قَلِيلَةٍ؛ لِأَنَّهَا لَا تَحْتَاجُ إِلَى شَرْحٍ وَلَا إِلَى تَفْصِيلٍ، وَلِأَنَّهَا تَنْطِقُ بِأَنَّهَا شَرٌّ لَيْسَ فَوْقَهُ شَرٌّ. فَكَّرَتْ وِزَارَةُ المَعَارِفِ – فِيمَا يَظْهَرُ – فِي إِصْلَاحِ التَّعْلِيمِ عَلَى اخْتِلَافِ دَرَجَاتِهِ وَمَنَازِلِهِ، وَلَيْسَ فِي هَذَا التَّفْكِيرِ إِلَّا الخَيْرُ. فَالتَّعْلِيمُ فِي حَاجَةٍ إِلَى الإِصْلَاحِ، وَوِزَارَةُ المَعَارِفِ أَحَقُّ الوِزَارَاتِ بِالإِعْدَادِ لِهَذَا الإِصْلَاحِ، وَلَكِنَّهَا سَلَكَتْ إِلَى هَذَا الإِصْلَاحِ غَيْرَ سَبِيلِهِ.
    فَأَنْتَ لَا تَطْلُبُ إِلَى الحَدَّادِ القِيَامَ بِصِنَاعَةِ الخَبَّازِ، وَلَا إِلَى الخَبَّازِ القِيَامَ بِصِنَاعَةِ الحَدَّادِ، وَلَكِنْ لِكُلِّ صَانِعٍ صِنَاعَتُهُ، وَلِكُلِّ اخْتِصَاصِيٍّ فَنُّهُ وَاخْتِصَاصُهُ. ذَلِكَ شَيْءٌ لَا مَعْنَى لِلإِطَالَةِ فِيهِ، وَلَكِنَّهُ غَيْرُ مَفْهُومٍ فِي وِزَارَةِ المَعَارِفِ، أَوْ هُوَ مَفْهُومٌ وَلَكِنْ أَحَدًا لَا يَحْفَلُ بِهِ، لِأَنَّهُ يُنَاقِضُ المَرْكَزِيَّةَ الَّتِي هِيَ أَسَاسُ كُلِّ شَيْءٍ فِي هَذِهِ الوِزَارَةِ. إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تُصْلِحَ التَّعْلِيمَ وَجَبَ عَلَيْكَ أَنْ تُؤَلِّفَ لِإِصْلَاحِ التَّعْلِيمِ لِجَانًا مِنَ الأَخَصَّائِيِّينَ. أَوَّلُ هَؤُلَاءِ الأَخَصَّائِيِّينَ هُمُ المُعَلِّمُونَ الَّذِينَ مَارَسُوا التَّعْلِيمَ، فَبَلَوْا حُلْوَهُ وَمُرَّهُ، وَعَرَفُوا خَيْرَهُ وَشَرَّهُ. وَقَدْ أُلِّفَتْ وِزَارَةُ المَعَارِفِ لِجَانًا لِإِصْلَاحِ التَّعْلِيمِ، وَلَكِنْ مَا رَأْيُكَ فِي أَنَّ هَذِهِ اللِّجَانَ تَخْلُو خُلُوًّا تَامًّا أَوْ تَكَادُ تَخْلُو خُلُوًّا تَامًّا مِنَ المُعَلِّمِينَ؟ هِيَ مَقْصُورَةٌ عَلَى المُفَتِّشِينَ وَرِجَالِ المَعَارِفِ الَّذِينَ لَمْ يُمَارِسْ أَكْثَرُهُمُ التَّعْلِيمَ إِلَّا قَلِيلًا، وَلَعَلَّ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُمَارِسْهُ قَطُّ.
    مَا رَأْيُكَ فِي هَذِهِ اللِّجَانِ الَّتِي سَتُصْلِحُ التَّعْلِيمَ، وَهِيَ لَا تَعْرِفُ التَّعْلِيمَ إِلَّا مَعْرِفَةً نَظَرِيَّةً تُؤْخَذُ مِنَ الكُتُبِ وَالأَسْفَارِ وَالتَّقَارِيرِ، لَا مِنْ مُعَالَجَةِ الطُّلَّابِ وَالتَّلَامِيذِ، وَالوُقُوفِ عَلَى نَفْسِيَّاتِهِمْ وَمَلَكَاتِهِمْ وَمَا يَنْبَغِي أَنْ يُسْلَكَ مَعَهُمْ مِنَ المَنَاهِجِ المُخْتَلِفَةِ المُتَبَايِنَةِ. أَتَظُنُّ أَنَّ هَذِهِ اللِّجَانَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُصْلِحَ التَّعْلِيمَ حَقًّا؟ كَلَّا. فَإِنَّ إِصْلَاحَ التَّعْلِيمِ مَوْقُوفٌ عَلَى فَهْمِ التَّعْلِيمِ، وَعَلَى فَهْمِهِ فَهْمًا عَمَلِيًّا، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى التَّجْرِبَةِ وَطُولِ المُرَاسِ.
    وَلَكِنْ وِزَارَةُ المَعَارِفِ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَسْتَشِيرَ المُعَلِّمِينَ فِي إِصْلَاحِ التَّعْلِيمِ، فَإِنَّ اسْتِشَارَتَهَا لِلْمُعَلِّمِينَ رَفْعٌ لِأَقْدَارِهِمْ، وَاعْتِرَافٌ بِمَكَانَتِهِمْ، وَهِيَ لَا تَرْفَعُ لِلْمُعَلِّمِينَ قَدْرًا، وَلَا تَعْتَرِفُ لَهُمْ بِمَكَانَةٍ. وَإِنَّمَا تَنْظُرُ إِلَيْهِمْ كَمَا تَنْظُرُ إِلَى قَوْمٍ يَعْمَلُونَ؛ لِأَنَّ مِنَ الحَقِّ عَلَيْهِمْ أَنْ يَعْمَلُوا، فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُفَكِّرُوا، وَلَا أَنْ يَبْتَكِرُوا، وَلَا أَنْ يُشِيرُوا، وَهُمْ إِنْ فَكَّرُوا أَوِ ابْتَكَرُوا أَوْ شَارُوا فَقَدْ تَجَاوَزُوا الحُدُودَ. وَأَيُّ تَجَاوُزٍ لِلْحُدُودِ شَيْءٌ مِنَ التَّطَاوُلِ عَلَى السُّلْطَةِ المَرْكَزِيَّةِ الَّتِي لَا يَنْبَغِي أَنْ يُعْرَضَ لَهَا إِنْسَانٌ إِلَّا بِالحَمْدِ وَالثَّنَاءِ وَضُرُوبِ الإِعْجَابِ وَالتَّمْلِيقِ؟…
    فِي وِزَارَةِ المَعَارِفِ مُضْحِكَاتٌ كَثِيرَةٌ. مِنْهَا أَنَّهَا خَالَفَتْ هَذِهِ القَاعِدَةَ الَّتِي ذَكَرْتُهَا لَكَ، فَأَدْخَلَتْ بَعْضَ المُعَلِّمِينَ فِي لَجْنَةٍ مِنْ لِجَانِ إِصْلَاحِ التَّعْلِيمِ. وَلَكِنِ انْظُرْ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ:
    أَلَّفَتْ لَجْنَةً لِوَضْعِ مَنَاهِجِ التَّعْلِيمِ فِي مَدْرَسَةِ دَارِ العُلُومِ، وَأَدْخَلَتْ فِيهَا مُعَلِّمًا. فَهَلْ تَظُنُّ أَنَّهَا اخْتَارَتْ هَذَا المُعَلِّمَ مِنْ دَارِ العُلُومِ؟ مِنَ الَّذِينَ بَلَوْا تَلَامِيذَ دَارِ العُلُومِ، وَعَرَفُوا قُوَّتَهُمْ وَنَفْسِيَّاتِهِمْ وَمَلَكَاتِهِمْ وَمُيُولَهُمْ؟ كَلَّا.
    اخْتَارَتْ مُعَلِّمَهَا مِنْ مَدْرَسَةِ المُعَلِّمِينَ العُلْيَا! مِنَ الأُسَاتِذَةِ الَّذِينَ قَدْ يُسْأَلُونَ عَنْ حَمَلَةِ الشَّهَادَةِ الثَّانَوِيَّةِ فَيُحْسِنُونَ الجَوَابَ؛ لِأَنَّهُمْ عَاشَرُوهُمْ، وَدَرَسُوا لَهُمْ. وَلَكِنَّهُمْ إِذَا سُئِلُوا عَنِ الشُّيُوخِ مِنْ طُلَّابِ الأَزْهَرِ لَمْ يُحِيرُوا جَوَابًا؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَ مِنْ أَمْرِ هَؤُلَاءِ الشُّيُوخِ أَمْرًا.
    أَتَسْتَطِيعُ أَنْ تُفَسِّرَ هَذَا العَمَلَ الغَرِيبَ؟ أَمَّا أَنَا فَأُفَسِّرُهُ بِإِحْدَى اثْنَتَيْنِ:
    الأُولَى : وَهِيَ الَّتِي أُرَجِّحُهَا؛ لِأَنِّي حَسَنُ الظَّنِّ بِوِزَارَةِ المَعَارِفِ – أَنَّهَا تَعْمَلُ دُونَ تَفْكِيرٍ وَلَا نِظَامٍ، وَإِنَّمَا تَتْرُكُ الأَمْرَ لِلْمُصَادَفَةِ وَحْدَهَا.
    الثَّانِيَةُ : الأَغْرَاضُ وَالأَهْوَاءُ، وَالمَيْلُ إِلَى التَّفْرِيقِ بَيْنَ المُعَلِّمِينَ، وَتَأْلِيبِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ. وَقَدْ تَكُونُ هَذِهِ الثَّانِيَةُ شَيْئًا لَمْ تَقْصِدْ إِلَيْهِ وِزَارَةُ المَعَارِفِ، وَلَكِنَّهَا – مِنْ غَيْرِ شَكٍّ – شَيْءٌ تَوَرَّطَتْ فِيهِ.
    فَلِمَاذَا يَسْكُتُ أُسَاتِذَةُ دَارِ العُلُومِ وَغَيْرُهُمْ، فَيُقْضَى فِي أُمُورِهِمْ، وَيُسْتَشَارُ فِي مَدْرَسَتِهِمْ، وَفِيهِمُ الكُفْءُ، وَفِيهِمُ الخَبِيرُ بِأَمْرِ هَذِهِ المَدْرَسَةِ، وَفِيهِمُ القَادِرُ عَلَى أَنْ يُشِيرَ فِي أَمْرِهَا بِالخَيْرِ؟
    تَحَدَّثْتُ مُنْذُ حِينٍ إِلَى وَزِيرِ المَعَارِفِ، فَأَنْبَأَنِي بِأَنَّهُ حَرِيصٌ كُلَّ الحِرْصِ عَلَى أَنْ يَشْتَرِكَ فِي إِصْلَاحِ التَّعْلِيمِ رِجَالٌ مِنَ الأَخَصَّائِيِّينَ. وَبَالَغَ فِي ذَلِكَ حَتَّى طَلَبَ إِلَيَّ أَنْ أُسَمِّيَ لَهُ نَاسًا يَقْدِرُونَ عَلَى الخَيْرِ فِي هَذَا، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا مِنْ وِزَارَةِ المَعَارِفِ. وَبَالَغَ فِي هَذَا فَأَعْلَنَ إِلَيَّ أَنَّهُ يَتَمَنَّى أَنْ يَسْتَعِينَ بِالأَخَصَّائِيِّينَ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ عَلَى إِصْلَاحِ التَّعْلِيمِ، يُنْدِبُهُمْ لِذَلِكَ خَاصَّةً.
    فَحَمِدْتُ لِلْوَزِيرِ هَذَا القَوْلَ الحَسَنَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى فِطْنَتِهِ وَذَكَائِهِ وَحُسْنِ رَأْيِهِ فِي التَّعْلِيمِ. وَلَكِنَّنِي بَحَثْتُ عَنِ الأَخَصَّائِيِّينَ فِي رِجَالِ الإِصْلَاحِ، فَرَأَيْتُ أَنَّ الأَجَانِبَ لَمْ يُدْعَوْا، وَأَنَّ المِصْرِيِّينَ الخَارِجِينَ عَنْ وِزَارَةِ المَعَارِفِ لَمْ يُدْعَوْا، وَأَنَّ المُعَلِّمِينَ أَنْفُسَهُمْ لَمْ يُهْتَمَّ بِهِمْ. بَلْ رَأَيْتُ شَرًّا مِنْ هَذَا: رَأَيْتُ أَنَّ لَجْنَةً قَدْ أُلِّفَتْ لِوَضْعِ مَنَاهِجِ التَّعْلِيمِ فِي دَارِ العُلُومِ، وَجُمِعَتْ بَيْنَ رِجَالِ المَعَارِفِ وَمُعَلِّمِي المَدْرَسَةِ، وَآخَرِينَ لَيْسُوا مِنَ المَعَارِفِ وَلَا مِنَ المَدْرَسَةِ. فَعُدِلَ عَنْ هَذِهِ اللَّجْنَةِ – لِأَنَّهَا كَانَتْ سَيِّئَةَ التَّأْلِيفِ – إِلَى لَجْنَةٍ أُخْرَى حَسَنَةِ التَّأْلِيفِ، لَيْسَ فِيهَا أَجْنَبِيٌّ عَنِ الوِزَارَةِ؛ لِأَنَّ ثِيَابَ الوَزِيرِ يَجِبُ أَنْ تُغْسَلَ فِي الوِزَارَةِ! وَلَيْسَ فِيهَا مُعَلِّمٌ مِنَ المَدْرَسَةِ؛ لِأَنَّ أُسَاتِذَةَ المَدْرَسَةِ يَجِبُ أَنْ يَشْعُرُوا بِأَنَّهُمْ جُنُودٌ فِي هَذِهِ المَدْرَسَةِ، يُؤْمَرُونَ فَيَأْمُرُونَ، دُونَ أَنْ يُسْتَشَارُوا، أَوْ يُشِيرُوا، أَوْ يُحْفَلَ لَهُمْ بِرَأْيٍ.
    اقْرَأْ هَذَا وَفَكِّرْ فِيهِ، وَحَدِّثْنِي عَمَّا يُمْكِنُ أَنْ يَنْتُجَ مِنْ خَيْرٍ، وَحَدِّثْنِي عَنِ الوِزَارَةِ الَّتِي تَسْلُكُ هَذَا السَّبِيلَ مُلِحَّةً فِي سُلُوكِهَا مَهْمَا يُشِرْ عَلَيْهَا المُشِيرُونَ، وَيَنْصَحْ لَهَا النَّاصِحُونَ. أَتَسْتَطِيعُ أَنْ تَنْتَهِيَ بِالتَّعْلِيمِ إِلَى الخَيْرِ؟
    ثُمَّ حَدِّثْنِي: أَلَسْتُ مُحِقًّا حِينَ أَنْبَأْتُكَ فِي أَوَّلِ هَذَا المَقَالِ بِأَنِّي يَائِسٌ مِنَ الخَيْرِ العَاجِلِ حِينَ أَكْتُبُ فِي نَقْدِ هَذِهِ الوِزَارَةِ؟
    وَلَكِنَّ الأَمْرَ لَا يَقِفُ عِنْدَ هَذَا الحَدِّ، بَلْ يَتَجَاوَزُهُ إِلَى مَا هُوَ شَرٌّ مِنْهُ. فَقَدْ أُحَدِّثُكَ بِقِيمَةِ المُعَلِّمِ فِي وِزَارَةِ المَعَارِفِ، وَلَكِنْ فِي غَيْرِ هَذَا المَقَالِ.
    طه حُسَيْن السياسة، ٣١ يُولْيَه ١٩٢٣م.

  • في وزارة المعارف رشد وغي

    في وزارة المعارف: رشد وغي

    طه حسين

    جريدة السياسة

    ١٧ يوليو ١٩٢٣

    زعموا أن صلاح الجسم رهين بصلاح الرأس الذي يدبِّره، فإذا فسد الرأس فسد الجسم، وإذا اضطرب الرأس اضطربت أمور الجسم أيضًا. زعموا ذلك، وقالوه، وأكثروا من قوله؛ حتى أصبح حكمة عامة وحديثًا معادًا. ثم زعموا أن صلاح المدارس رهين بصلاح وزارة المعارف التي تديرها وتشرف عليها، فإذا فسدت وزارة المعارف لم يصبح فساد المدارس أمرًا نكرًا، وإذا اضطربت وزارة المعارف لم يَبْقَ معنى للعجب حين يضطرب التعليم. زعموا ذلك، وقالوه، وأكثروا من قوله؛ حتى أصبح حكمةً عامةً وحديثًا معادًا، وأصبح من الحق علينا أن نقبله دون أن نناقشه أو نجادل فيه.

    صلاح المدارس والتعليم إذن رهينٌ بصلاح وزارة المعارف. وما صلاح وزارة المعارف؟ وأي معنى يدل عليه هذا اللفظ؟ الحق أنه يدل على معانٍ كثيرة، وأن هذه المعاني قد أخطأت لسوء الحظ وزارة المعارف؛ فهذه الوزارة في حاجة شديدة إلى الإصلاح وإلى ضروب مختلفة من الإصلاح لا بدَّ منها إذا أردنا أن تصلح المدارس ويصلح التعليم.

    ويظهر أننا نريد ذلك، ويظهر أن وزارة المعارف تشعر بأننا نريد ذلك، ولكنها لا تشعر بالصلة بين صلاح الوزارة وصلاح المدارس، وهذا أول نوع من أنواع الفساد التي نشهدها في هذه الوزارة المسكينة.

    إنما يُقدِّر على الإصلاح من يفهمه ويشعر الحاجة إليه، فإذا كانت وزارة المعارف لا تفهم هذا الإصلاح ولا تشعر بالحاجة إليه؛ فهي عاجزة عنه غير منتهية إليه مهما تبذل من جهد ومهما تتكلف من مشقة. ونريد الآن أن نثبت بعمل وزارة المعارف في هذه الأيام الأخيرة أنها لا تفهم الإصلاح، ولا تقدِّر حاجتنا إليه، ولا تسلك السبيل التي من شأنها أن تصل بنا إلى الإصلاح.

    نريد أن نثبت هذا بعمل وزارة المعارف نفسها وهذه الأيام الأخيرة. فقد قرأت منذ أيام في الصحف تعيينات وتنقلات كما يقولون حدثت في وزارة المعارف، وهي لم تحدث عبثًا، وإنما هناك رأي من الآراء أو نظرية من النظريات صدر عنها أولو الأمر في وزارة المعارف حين أرادوا أن يعيِّنوا وحين أرادوا أن ينقلوا، ووزير المعارف وحده هو المسئول عن هذا الرأي وعن هذه النظرية. وإن كان وزير المعارف كغيره من الوزراء إنما يعتمد في مثل هذه الأشياء على مشيريه وأعوانه الفنيين في الوزارة. فهو مسئول رسميًّا، ولكن المسئولين حقًّا هم أولئك الأعوان والمشيرون. فما هذا الرأي؟ وما هذه النظرية؟ وما هذه القواعد التي اتخذها المشرفون على التعليم فيما أحدثوا من نقل وفيما أحدثوا من تعيين؟ أستطيع أن أقول إن مصلحة التعليم ومنفعة الأساتذة والتلاميذ ومنفعة مصر كلها لم تُتخَذ قاعدة لهذا النقل أو هذا التعيين، بل صُودِرَتْ هذه المنفعة مصادرة ظاهرة.

    نعم! لم تُراعَ مصلحة التعليم ولا مصلحة المعلمين ولا المتعلمين فيما حدث من نقل وتعيين في وزارة المعارف. فلو أن هذه المصلحة رُوعِيَتْ مراعاة قليلة لأُسْنِدَت المناصب إلى الأكفاء، إلى القادرين على أن يملأوها ويديروها ويحسنوا فيها البلاء لخدمة العلم والتعليم.

    ولكنَّا نقرأ أسماء المعينين والمنقولين، ونقرأ مناصبهم، ونقارن بينهم وبين هذه المناصب؛ فلا نجد صلة ما، لا نجد صلة قصيرة ولا طويلة، لا نجد صلة ضعيفة ولا قوية، لا نجد عملة فنية، وإنما نجد شيئًا واحدًا؛ هو إرادة المشرفين على الأمر في وزارة المعارف.

    نريد أن يشعر المنقولون والمعيَّنون بأنَّا لا نتهم كفايتهم الخاصة ولا ننال منها، وإنما ندفع عنها ونضن بها أن تضيع في غير ما خُلِقَتْ له. فهؤلاء المنقولون والمُعيَّنون من خيرة المصريين القادرين على أن ينفعوا مصر، ولكن فكرة شيطانية خفية وضعت كل واحد منهم في حيث لا يستطيع أن يذهب ولا أن يجيء. وسنفسر لك سر هذه الفكرة الشيطانية الخفية.

    وُضِعَ صاحب العزة علي حافظ بك مراقبًا للتعليم الأولي، وليس لصاحب العزة علي حافظ بك من التجربة في أمر التعليم الأولي حظٌّ قليلٌ ولا كثيرٌ، وإنما اشتغل طول حياته العامة بأشياء أخرى غير التعليم الأولي. ووُضِعَ صاحب العزة عوض بك إبراهيم مساعدًا لمراقب التعليم الأولي، وليس أكثر حظًّا من صاحبه في تجربة التعليم الأولي وممارسة الإشراف عليه. ووُضِعَ المستر «روب» مراقبًا للتعليم الابتدائي، ولم يشتغل المستر «روب» في أمر التعليم الابتدائي بشيءٍ منذ جاء مصر. ووُضِعَ المستر «سمسون» مراقبًا للتعليم الثانوي، ولم يشتغل المستر «سمسون» بالتعليم الثانوي منذ وفد إلى وادي النيل، وإنما فتش على التعليم في السودان، وأدار مدرسة المعلمين العليا في مصر.

    ولست أشك في أن هؤلاء الأساتذة جميعًا من الكفاية بحيث يُوفَّقون إن شاء الله إلى أن يتعلموا المهن التي كلفتهم إياها وزارة المعارف، ولكنهم سيتعلمون هذه المهن إن شاء الله بعد زمن طويل أو قصير، بعد تجربة، بعد تردد، بعد اضطراب في الإدارة ينشأ عنه اضطراب في أمر المدارس وفي أمر التعليم، بعد أن يضيع على المدارس وعلى التعليم وعلى مصر وقت التجربة هذا الذي كان يجب ألَّا يضيع.

    وهنا أسأل نفسي: ماذا تريد وزارة المعارف حين تسند منصبًا من المناصب إلى شخصٍ من الأشخاص؟ أتريد أن ينتفع المنصب بالشخص الذي يشغله أم تريد أن ينتفع الشخص بالمنصب الذي يُسند إليه؟ فإن كانت الأولى، فمن الحق على وزارة المعارف أن تشغل المناصب بالقادرين على تدبيرها، وإن كانت الثانية فهو الشر كل الشر؛ لأنه إضاعة للوقت وعبث بالمنفعة. فليس المطلوب من وزارة المعارف أن تعلِّم رجالها كيف يديرون التعليم الأولي أو التعليم الثانوي أو الابتدائي؛ لأن ديوانها ليس مدرسة لكبار الموظفين قبل كل شيء، وإنما المطلوب من وزارة المعارف أن تضع في كل منصب أشد الناس قدرة على احتمال أعبائه وتدبير أموره.

    وهؤلاء الناس موجودون، قد عدلت عنهم وزارة المعارف لأمر نجهله أو نعلمه، ولكننا لا نذكره وليس يعنينا أن نذكره.

    في وزارة المعارف رجال خبروا في التعليم الأولي، وداروه وأحسنوا البلاء في الإشراف عليه أعوامًا طوالًا، وفي وزارة المعارف رجال خبروا التعليم الابتدائي والثانوي وأحسنوا درسهما وتجربتهما. ولكن وزارة المعارف عدلت عن هؤلاء الناس إلى غيرهم، ووضعت كفايتها المختلفة في حيث لا تنفع ولا تفيد إلَّا بعد زمن طويل أو قصير.

    لم تعمل وزارة المعارف هذا عبثًا، فلكل وزارة من وزارات الحكومة المصرية سرها. وسر وزارة المعارف واضح جلي لا يخفى على أحد، ولكنه لا ينفع التعليم ولا يلائم المصلحة العامة. وزارة المعارف من أشد الوزارات حرصًا على قاعدة المركزية وجمع السلطان في يد واحدة، من أشد الوزارات حرصًا على أن تختلف مصالحها وتتعدد، وعلى أن تكون رغم هذا الاختلاف والتعدد متلائمة متحدة يشرف عليها رأسٌ واحد، وتديرها يدٌ واحدة. فإذا وُضِع في التعليم الأولي من يفهم التعليم الأولي، وفي التعليم الابتدائي من يحسن القيام على التعليم الابتدائي، وفي التعليم الثانوي من يتقن الإشراف على التعليم الثانوي؛ تعرضت المركزية وسلطة الفرد للخطر الشديد.

    أوشك هؤلاء الأكفاء أن يستقلوا بمصالحهم استقلالًا تامًّا أو ناقصًا، وهذا شرٌّ. فوزارة المعارف تريد المركزية، وسبيلها إلى المركزية أن تسند كبار المناصب إلى من لا علم لهم بها، فإذا تمَّ لهم تبوُّء هذه المناصب أدركتهم الحيرة في أمورهم، واضطروا في كل لحظة إلى أن يرجعوا إلى السلطة المركزية في الدقيق والجليل من أعمالهم. وإذن؛ فيد هذه السلطة المركزية مبسوطة على أطراف الوزارة في كل فن من فنون الإدارة، وفي كل لون من ألوان التعليم.

    النظرية في نفسها معقولة منتجة، ولكنها خطرة شديدة الخطر حين تُتخَذ أصلًا في وزارة المعارف. خطرة شديدة الخطر؛ لأنها تقتل الكفايات العلمية، ومصلحة مصر في تقوية هذه الكفايات لا في قتلها. خطرة شديدة الخطر؛ لأنها تستذل المشرفين على التعليم، ومصلحة مصر بمصلحة التعليم في أن يكون المشرفون على التعليم أحرارًا. خطرة شديدة الخطر؛ لأنها تقيم التعليم في مصر على سلطة الفرد، ومصلحة مصر — ولا سيما في عهد الاستقلال والدستور — أن يقوم التعليم على سلطة الجماعة والديمقراطية. ثم خطرة شديدة الخطر؛ لأنها تشعر المعلمين جميعًا بأنهم خاضعون لسلطان الفرد وتحكم الفرد. فما أسرع ما تفسد الأخلاق! وما أسرع ما تنمحي الشخصيات! وما أسرع ما يصبح المعلمون أدوات مُسخَّرة لا رءوسًا مفكرة! وحسبك بهذا شرًّا على مصر وأبناء مصر ومستقبل مصر.

    هذه نظرية المركزية وآثارها في وزارة المعارف، وقد تكون هذه النظرية معقولة كما قلنا، قابلة للبحث والمناقشة، ولكن هناك نظرية أخرى تعمل في وزارة المعارف، وأكره أن أسمِّيها لأني أحب أن أجلَّ وزارة العلم والتعليم عن أن تُضاف إليها هذه النظرية. لا أسمِّيها إذن، وأترك لك فهمها وتسميتها بعد أن أظهرك على شيءٍ قليل من آثارها فيما حدث في هذه الأيام الأخيرة من نقل وتعيين.

    في مصر مدارس ثانوية، ولهذه المدارس الثانوية وكلاء مصريون قد اشتغلوا فيها، فبلوها وأحسنوا إدارتها، وكان من المعقول أن تُسنَد إليهم نظارة هذه المدارس، وأن يُرقَّى نظَّار المدارس الابتدائية إلى وكالة المدارس الثانوية، حتى إذا اشتغلوا في هذه الوكالة أعوامًا فجرَّبوها وأحسنوا التصرف فيها؛ رُقُّوا إلى نظارة المدارس الثانوية. هذا هو المعقول الملائم للمصلحة، لمصلحة الأساتذة والتلاميذ والنظَّار والوكلاء والتعليم بوجه عام. ولكن المعقول شيء ووزارة المعارف شيءٌ آخر، فهناك مدارس ثانوية رُقِّيَ إلى نظارتها نظَّار مدارس ابتدائية ليس لهم في التعليم الثانوي تجربة ولا بلاء.

    ويُقال في هذه الترقية ما يُقال، ولكني لا أحفل بما يُقال، وإنما أحفل بالنظريات الفنية نفسها، وهي متشابهة في ديوان المعارف وفي مدارس المعارف. تدور حول شيءٍ واحد هو وضع الكفايات في حيث لا تنفع ولا تفيد إلَّا بعد تجربة ودرس وزمن طويل أو قصير، ونتيجة هذا ظاهرة؛ وهي اضطراب الأمر وفساده، وتعرض التعليم في نفسه لألوان العبث وضروب الخطر.

    أفيرى وزير المعارف في هذا رشدًا؟! أفيرى وزير المعارف في هذا منفعة؟! أفلا يشعر وزير المعارف كما نشعر نحن بأنه إن تكن في مصر وزارة من الحق عليها أن تضن بالوقت وبالقوة وأن تستثمر الكفايات في عدل وفي إنصاف، وأن تتخذ المنفعة الفنية وحدها قاعدة لما تحدث من نقل وتعيين؟!

    نقول: إذا كانت هناك وزارة خليقة بهذا كله، فهي وزارة المعارف التي وكِّل إليها تربية مصر وتكوين مستقبل مصر.

  • في وزارة المعارف مدرسة اللغات

    في وزارة المعارف: مدرسة اللغات

    طه حسين

    جريدة السياسة

    ١٦ يوليو ١٩٢٣

    يجب أن نهنئ وزارة المعارف، فقد ظهرت وزارة المعارف بما ينبغي أن نهنأ به. يجب أن نهنئ وزارة المعارف، فقد أصبحت لها جريدة رسمية، وأصبح لها في هذه الجريدة الرسمية كتَّاب رسميون يؤيدونها ويذودون عنها، وإن كانوا يستحقون وراء الألقاب والأوصاف الشفافة التي لا تحجب ما وراءها … أصبحت لوزارة المعارف جريدة رسمية، ولكن هذه الجريدة الرسمية تسيء إلى وزارة المعارف من حيث تريد الإحسان إليها. تثني على وزارة المعارف بحق وبغير حق، لا تكلف في ذلك صوابًا ولا تتحرى فيه منفعة، بل لا تحتفظ في ذلك بكرامتها ولا بكرامة وزارة المعارف، ولا تكره أن تضحك الناس منها ومن وزارة المعارف.

    أقرأت ما نشرته «المقطم» حين نشرت نتيجة الامتحان في مدارس المعلمين الأولية؟ زعمت أن الفضل في هذا النجاح الباهر يعود إلى فلان من موظفي وزارة المعارف، وأثنت على فلان بما يستحق وما لا يستحق. ولكنها نسيت أو تكلفت أن تنسى أن فلانًا هذا قد نُقل أمس أو أول أمس إلى التعليم الأولي، فلم يستطع أن يشرف عليه بعد ولا أن يحدث فيه أثرًا حسنًا أو سيئًا. أقرأت ثناء «المقطم» يوم نشر نتيجة الكفاءة أن هذا الثناء قد وُزِّع توزيعًا حسنًا، فأصاب من ليس لهم في التعليم حظٌّ قليلٌ ولا كثيرٌ؛ أصاب رؤساء الامتحان وموظفي الوزارة والمصححين إلى آخر ما هناك؟! بهذه الطريقة تظفر وزارة المعارف بما تشاء من حمد وثناء، وليس يعنيها أن يكون هذا الثناء مستحقًّا أو مغصوبًا، وليس يعنيها أن يكون هذا الثناء جدًّا أو هزلًا، وإنما يعنيها أن تثني عليها الصحف السيارة، شأنها في ذلك شأن بعض العمد الأميين في عصر من العصور … إلى هذا الحد وصلت وزارة المعارف في مصر، فهي تشتري الثناء ولو كلَّفها ذلك أن تجعل نفسها ضحكة لمن يريد أن يضحك. فكيف تريد أن تُشرف هذه الوزارة على العلم والتعليم إشرافًا جديًّا منتجًا، وهي في الثناء والحمد أرغب منها في النفع والإنتاج.

    لوزارة المعارف إذن جريدة رسمية تدفع عنها وتُثني عليها، ووزارة المعارف تُبيح لهذه الجريدة الرسمية وكتَّابها من أسرارها ودخائلها وما تفعل به على الصحف الأخرى والكتَّاب الآخرين؛ ذلك لأن الصحف الأخرى قد تؤثر الحق، والكتَّاب الآخرين قد يقتصدون في المدح ويميلون إلى النقد. وإذن، فهم يوعدون ثم تخلف مواعيدهم، وهم يطلبون البيان إلى وزارة المعارف فلا يُسمع لهم طلب، ولا يُجابون إلى بيان وذلك شيء مألوف في طبائع الناس، والمشرفون على الأمر في وزارة المعارف ناس من الناس يشاركون غيرهم في مواطن الضعف والتقصير.

    تفضي وزارة المعارف إلى جريدتها الرسمية وكتَّابها الرسميين بأسرارها ودخائلها، وتنشر فيها بلاغات شبيهة بالرسمية كما يقولون، تدفع فيها عن نفسها نقد الناقدين. فقد قرأنا في «المقطم» تاريخ مدرسة اللغات، وما دار فيها من مناقشات وما كان من اجتماع بمكتب الوزير، وما اتخذ من قرار في هذا الاجتماع. وكل هذا قد نشر بلهجة الواثق المؤكد الذي لا ينطق عن الهوى ولا يتكلم إلَّا عن وحي … ولكننا برغم هذا كله نشك في صدق ما نشر ونعتقد أن مدير مصلحة الآثار المصرية لا يرى رأي وزارة المعارف، ولا رأي كمال باشا في تعليم الهيروغليفية على هذا النحو العقيم الذي عرفه القرَّاء. نعتقد ذلك، ونريد أن تؤكد لنا وزارة المعارف أننا مخطئون، وأن الفنيين قد تورطوا معها في هذا الخطأ، وقرروا أن تدرس الهيروغليفية في مصر على هذا النحو السخيف. فإذا أكدت لنا وزارة المعارف أننا مخطئون فلن يصعب علينا الجهر بأن مدير مصلحة الآثار قد أخطأ الطريق كما أخطأتها وزارة المعارف، وقد رأى في مسألة واحدة رأيين متناقضين: أحدهما في تقرير الجامعة الأميرية، والآخر في هذا الاجتماع الأخير.

    على أن أمر وزارة المعارف لم يقف عند هذا الحد. فهي لا تكتفي بالدفاع عن نفسها، وإنما تُضيف إليه الدفاع عن كمال باشا كأن أحدًا من الناس يُهاجم كمال باشا أو يصفه بما يكره. وهي في هذا الدفاع عن كمال باشا تسلك طريقًا معوجة، شرُّها أكثر من خيرِها، وضرُّها أكبر من نفعِها. فتنال الفرنسيين الذين نظموا المتحف المصري، وأوجدوا علم الآثار المصرية بألوان من التعريض والتلميح كنَّا نحب ألَّا نعرض لها؛ لأنها لا تلائم الكرامة، ولا تشرف من يتورط فيها ولا سيما في مثل هذه الأيام. وهي لا تكتفي بالنيل من «مريت» و«مسبيرو» وأمثال «مريت» و«مسبيرو»، وإنما تفرق بين المصريين أنفسهم تفريقًا سخيفًا. تريد أن تثبت — أو يريد أبواقها أن يثبتوا — أن كمال باشا قد نفع وأفاد، فخرج التلاميذ الذين تفاخر بهم مصر. ويحكم! فمن الذي أنكر أن كمالًا قد نفع وأفاد؟ ولكنها أو ولكنهم يزعمون لتلاميذ كمال ما لا يزعم تلاميذ كمال لأنفسهم. يزعمون لتلاميذ كمال تأليفًا وترجمة يعلن تلاميذ كمال أنفسهم أنهم لم ينفردوا بها وإنما اشتركوا فيها مع آخرين لم يرضعوا الهيروغليفية ولا علم الآثار من ثدي كمال، وإنما تعلموا على غير كمال. ويزعمون أن هذه الترجمة وهذا التأليف أثر من آثار كمال، وتلاميذ كمال أنفسهم يعترفون بأنهم إن يكونوا قد وصلوا إلى شيءٍ، فمصدر ذلك أنهم أقاموا سنتين في المتحف يتعلمون على غير كمال ويقتفون آثارًا غير آثار كمال. وإننا إذا طالبنا بإنشاء مدرسة للآثار فإنما نطالب بأن تنهج وزارة المعارف في درس الهيروغليفية والآثار هذا المنهج الذي نهجه المتحف المصري حين أخذ تلاميذ كمال وغيرهم، فعلَّمهم كيف تدرس اللغة الهيروغليفية وكيف تُدرس الآثار. وهو الآن يريد أن يرسلهم إلى أوروبا ليتمموا درسهم فيها.

    نعم، نريد أن تنشأ مدرسة الآثار على هذا المنهج. نريد أن تكون القاعدة التي وضعها المتحف أساسًا لهذه المدرسة. نريد أن تكون هذه المدرسة في المتحف لا في مدرسة المعلمين.

    نريد … ولكن وزارة المعارف تريد شيئًا آخر، وقد تمضي وزارة المعارف فيما تريد. ولكن مضيها هذا لن يغير في الأمر شيئًا، ولن يجعل مدرستها الجديدة نافعة ولا مفيدة. وما زلنا نلح في أن وزارة المعارف قد فشلت وفشل معها كمال باشا في تعليم الهيروغليفية، فلا معنى لاستئناف هذا الفشل. وما زلنا نلح في أن وزارة المعارف قد عنيت بشيء عناية ناقصة وأهملت شيئًا آخر إهمالًا عظيمًا. عنيت بعصر الفراعنة وأهملت عصر المسلمين. وعنايتها بعصر الفراعنة ناقصة لا تفيد، ولكن عصر المسلمين ومجد المسلمين وفن المسلمين، كل هذه الأشياء تستحق من وزارة المعارف مثل هذه العناية الناقصة إذا لم يكن لنا بدُّ من النقص في العناية. نريد أن تجيبنا وزارة المعارف: ما بالها تتعجل في تعليم اللغة الهيروغليفية، ولا تفكر بوجه من الوجوه في درس الآثار الإسلامية؟ سيقولون: آثار توت عنخ آمون، وما أحدثت من ضجة. كلا، إن وزارة المعارف كغيرها من الوزارات لم تحفل بهذه الآثار. وحسبك أن هذه الآثار معروضة في المتحف، وأنها لم تزر إلى الآن زيارة رسمية ما، وإنما زارها المارشال اللنبي وقرينته! وهناك آثار إسلامية ظهرت ولها قيمتها، وقد أحدثت حركة في أوروبا وفي مصر، ولكن الذي أظهرها ليس إنجليزيًّا وإنما هو مصري مثلك ومثلي؛ هو بهجت بك لا كارتر ولا كارنارفون. هناك الفسطاط، ظهرت وألف فيها كتاب أو غير كتاب، وعنيَ بها الأوروبيون، ولكننا نحن نجهلها الجهل كله، وأي جهل أشد من أن يكون هذا الكتاب أو هذه الكتب قد كتبت بالفرنسية، وطبعت في أوروبا ولا تزال مكتوبة بالفرنسية غير مترجمة إلى العربية؟! وليس من شك في أن لهذا الكتاب أو هذه الكتب قيمة علمية فنية لا جدال فيها. فماذا عملت وزارة المعارف للعناية بهذا الكتاب أو هذه الكتب أو بالفسطاط، مع أن ترجمة هذا الكتاب إلى العربية ونشره على الناس لا يكلِّف وزارة المعارف عُشْر ما سيكلفها طبع المعجم الذي وضعه كمال باشا والذي لا نعرف قيمته العلمية بعد. نريد أن تجيبنا وزارة المعارف ما بالها تُعنى بشيء وتهمل شيئًا آخر؟ لا نشك في أن هذا الإهمال للآثار المصرية لم يصدر عن ازدراء لهذه الآثار، وإنما نثق الثقة كلها بأنه صدر عن ضيق التصور من جهة، وعن استغلال عواطف الجمهور من جهة أخرى. ضيق التصور؛ فوزارة المعارف أضيق رأسًا من أن تسع هذه الفكرة التي تكلفها إنشاء مدرسة عامة للآثار تتناول عصور مصر على اختلافها. واستغلال عواطف الجمهور؛ لأن الناس قد سمعوا بهذه الآثار المصرية المستكشفة، ورغبوا في أن تُعنى حكومتهم بالآثار المصرية، فوزارة المعارف تستغل هذه الرغبة ليقول الناس: إنها نازلة عند إرادة الأمة محققة لمنفعة الأمة. ولكن الناس يعلمون أن النزول عند إرادة الأمة يجب أن يكون صحيحًا غير ممسوخ، وأن الذين يحاولون تحقيق منفعة الأمة يجب أن يحققوها كاملة غير منقوصة. وإذن، فإذا أردت يا معالي الوزير أن تنزل عند إرادة الأمة فتعنى بالآثار المصرية والفن المصري، فليكن ذلك على وجه المنفعة والصواب. فليكن ذلك في إنشاء مدرسة عامة للآثار يشرف عليها الأكْفَاءُ من علماء الآثار ويدرس فيها العلماء من أساتذة الآثار. ليكن ذلك في إنشاء هذه المدرسة العامة التي يختلف إليها الطلبة ليتخصصوا في فنونها المتنوعة، والتي يختلف إليها الجمهور ليعلم من تاريخ مصر وفن مصر ومجد مصر ما يحسِّن رأيه في مصر. ليكن ذلك في إنشاء هذه المدرسة لا في إنشاء درس للهيروغليفية، وزيارة للمتحف المصري بعد الظهر، فإن ذلك ضربٌ من العبث بالعقول وخداع الناس عن حقوقهم ومنافعهم.

    ثم نعود فنلفتك — يا معالي الوزير — إلى أنك تريد أن تبني بناءً، فضع أساسه وابدأ بأسفله لا بأعلاه. أنشئ إدارة الفنون والآداب، وَكِلْ أمرها إلى الأخصائيين، ثم كلِّف هؤلاء الأخصائيين أن ينشئوا لك مدرسة الآثار العامة. إذن تنفع حقًّا، وإذن توفق حقًّا إلى صواب.

  • وزارة المعارف وجه الصواب في درس الآثار

    وزارة المعارف
    وجه الصواب في درس الآثار
    طه حسين
    جريدة السياسة
    ١٣ يوليو ١٩٢٣

    يوفق الله قومًا فيلهمهم الرشد ويهديهم إلى الخير؛ فإذا هم يسعون إلى المنفعة سعيًا سريعًا منظَّمًا آمنًا كل عثار. ويخذل الله قومًا فتضطرب عقولهم، وتؤخذ عليهم طرق المنفعة، ويُحال بينهم وبين الحق فإذا هم يتخبَّطون، وإذا هم يتقدمون خطوة ليتأخروا خطوات، وإذا هم يَمِيلُون إلى اليمين مرة وإلى الشمال مرة أخرى، وإذا هم يتحرَّكون حركة لها ضجيج وعجيج، ولكنها ليست بالمنتظمة ولا بالمنتجة.

    يوفق الله قومًا فيهتدون إلى الخير، ويخذل الله قومًا فيتورَّطُون في الضلال. ولست أدري أيوفق الله وزارة المعارف في أمر الآثار إلى المنفعة والحق أم يخذلها. وأحسب أن مضي وزارة المعارف في هذا الأمر الذي اعتزمته بعد أن قُدِّم إليها النصح وأُشير عليها بالخير ودُلَّت على وجه المنفعة، ليس إلا ضربًا من ضروب الخذلان.

    ولقد نيأس من وزارة المعارف ومن استماعها لنصح الناصح أو إرشاد المرشد؛ فإن وزارة المعارف لم تنسَ بعد عصر الحكم الأوتوقراطي، وعزيزٌ عليها أن تنساه، وعزيز عليها أن تطمئنَّ إلى النظم الديمقراطية الجديدة. وإذن، فهي إذا رأت رأيًا مضت فيه غير ملتفتة إلى ما يُقال، خيرًا كان أم شرًّا. وإن كان العهد بوزارات المعارف الحرة في البلاد الأخرى ألا تُقْدِم على أمر ذي بال من أمور التعليم حتى تستشير فيه أهل العلم، وربما بالغت في ذلك فاستشارت الجمهور والصحف. ولكن ذلك في البلاد الديمقراطية لا في مصر …!

    نيأس إذن من وزارة المعارف، ونعتقد أنها قد تمضي فيما تريد. ولكنَّا لا نيأس من البرلمان، وما نزال نعتقد أن البرلمان سيردُّ وزارة المعارف إلى طريق القصد، وسيأخذها بما تفرضه المنفعة الصحيحة والحق. وليس من المنفعة ولا من الحق في شيء أن يكون في مصر أغنى متحف لتاريخ الفراعنة وتاريخ مصر أيام اليونان والرومان، وأغنى متحف لتاريخ مصر في العصر الإسلامي، وألا تكون في مصر مدرسة نافعة منتجة حقًّا تُدرَّس فيها هذه الآثار المخزونة في المتاحف والمنبثَّة في أقطار البلاد.

    ليس من الحق ولا من المنفعة أن تملأ مصر بالآثار وأن تخلو مصر من مدرسة للآثار. فإذا أرادت مصر أن يكون من أبنائها عالم بالآثار أوفدته إلى مدرسة «اللوفر» في باريس، أو إلى المتحف البريطاني في لندن، أو إلى غيرهما من المعاهد في فينا وبرلين.

    ليس من الحق ولا من المنفعة أن تخلو مصر من هذه المدرسة. فإذا اشتد إلحاح مصر في أن تنشأ هذه المدرسة خدعتها وزارة المعارف عن هذه الأمنية بدروس تُلقى في مدرسة للمعلمين حول الهيروغليفية وبعض اللغات القديمة لا تنفع ولا تُفِيد. ليس ذلك من الحق ولا من المنفعة، وإنما الحق والمنفعة أن تقدِّر وزارة المعارف حاجة مصر، ومنفعة مصر وكرامة مصر، وأن تنشئ هذه المدرسة التي تستخزي مصر بأنها غير قائمة فيها، والتي إن أنشأتها وزارة المعارف لم تكلِّفها من النفقات شيئًا كثيرًا.

    تعنى وزارة المعارف في مشروعها العقيم بدرس اللغة الهيروغليفية، وتخدع الناس فتزعم لهم أن أستاذ هذه اللغة وطلابها سيزورون المتحف المصري ويقومون فيه بشيء من التمرين، وسيسيحون في أقطار مصر فيرون الآثار على اختلافها. ولكنَّا نلفت وزارة المعارف إلى أن هذه الزيارات لن تنفع؛ لأنها لن تكون من الاطِّراد والاستمرار بحيث تمكِّن الطلاب من أن يتعرفوا هذه الآثار أثرًا أثرًا، ويتقنوا هذه الفنون المختلفة التي تعلِّمهم تعيينها وترتيبها وضروب الاستفادة منها.

    وحسبك أن ميزانية كمال باشا تخصص للسياحة خمسين جنيهًا! وهو مقدار لا يكفي لسياحة فرد واحد في مصر العليا أثناء الشتاء، فكيف بطلبة كثيرين وأستاذ كثير الحاجات؟! ولكن في الأمر ما هو شرٌّ من هذا؛ فقد تكون العناية بالآثار الفرعونية واجبة، ولكن هناك عناية أخرى ليست أقل من هذه وجوبًا وهي العناية بالآثار العربية الإسلامية؛ العناية بما في دار الآثار العربية وبهذه المساجد والعمارات المنبثة في أقطار مصر وغير مصر، والتي يتقن الأوروبيون العلم بها، ونختلف نحن إليها كثيرًا دون أن نعرف من أمرها شيئًا، العناية بهذه النقوش العربية المختلفة التي تمثِّل تاريخ الإسلام وحظَّ دول الإسلام من الحضارة والرقي الفني.

    فماذا عملت وزارة المعارف للعناية بالفن العربي والآثار الإسلامية؟ وماذا أعدت وزارة المعارف للعناية بهذا الفن وهذه الآثار؟ وما لوزارة المعارف لم تستشر بهجت بك في إنشاء مدرسة أو قسم في مدرسة المعلمين تدرَّس فيه هذه الآثار، ويخرِّج لنا طلَّابًا يشعرون بأن هناك نقوشًا عربية عُنِيَ الأوروبيون بجمعها وتفسيرها ونجهلها نحن الجهل كله؟

    لم تفكر وزارة المعارف في شيء من هذا، وما كان لها أن تفكر في شيء من هذا. فهي كما قلت لك أمس ضيقة التصور؛ ترى الشيء من وجه لا من وجهين ولا من وجوه. ولو أن الله وفَّق وزارة المعارف إلى الخير لهداها إلى إنشاء مدرسة الآثار التي تدرس الآثار المصرية الفرعونية وآثار مصر أيام اليونان والرومان وآثار مصر في العصر الإسلامي. والتي لا تمضي عليها أعوام حتى تتجاوز الآثار المصرية إلى الآثار الأخرى السامية وإلى الآثار الأخرى غير السامية، فتصبح معهدًا من المعاهد الأثرية المعدودة في العالم كما ينبغي أن يكون الأمر في مصر التي التقت فيها الحضارات المختلفة، والتي لا يعرف العالم القديم تاريخًا إلا وله فيها أثرٌ ما.

    ولكن وزارة المعارف أضيق تصورًا من أن تدخل في رأسها مثل هذه الفكرة الواسعة. وليس في الأمر شيء من الغرابة؛ فأنت لا تجني من الشوك العنب، وليس ينبغي أن تطلب إلى غير الفنيين أن يعرضوا لأمر الفنيين، وما كان لرجل من رجال الشوارع أن يرسم لك صورة بيت أو يضع لك مشروع مدرسة للآثار. وإنما هذه أمور يجب أن يرجع فيها إلى أهل العلم بها.

    والشر كل الشر أن وزارة المعارف عرضت لما لا تتقن. ولو أن في مصر إدارة مستقلة للفنون والآداب كما دعونا إلى ذلك ألف مرة لأحسنت هذه الإدارة تصور هذا الأمر والقيام على تنفيذه تنفيذًا نافعًا مفيدًا. لكن الله أراد أن تشرف وزارة الأشغال على دور الآثار، وأن تتعرض وزارة المعارف لما لا تجيد.

    حدثني وزير المعارف حين زرته أخيرًا أنه يفكر في إنشاء دار الفنون، وأنه قد كتب في ذلك تقريرًا سيرفعه إلى الحكومة. فإذا كان هذا حقًّا — وما نشك في أنه حق — فما بال وزير المعارف يبني أعلى البيت قبل أن يبني أسفله؟ وما بال وزير المعارف لا يوجِّه همه إلى إنشاء هذه الإدارة قبل كل شيء؟ فإذا تم تكوينها واستقلَّت بأمورها عن المهندسين والمشرفين على تنظيم المباني وتوزيع الصدقات؛ كُلِّفت هذه الإدارة أن تنشئ ما تحتاج إليه من المدارس ومعاهد البحث. أليس هذا هو الخير؟ أليس هذا هو الصواب؟ بلى، هو الخير وهو الصواب. ولكن متى عهدت وزارة المعارف تحسن السعي إلى الخير أو إلى الصواب؟!

    صدقني يا معالي الوزير، إن الحق عليك لمصر أن تنشئ أولًا إدارة للفنون، ومن الآداب أن تجمع للمتحف المصري، ودار الآثار العربية، ودار الكتب المصرية، والأوبرا الملكية، ومدارس الفنون على اختلافها؛ فإذا تم إنشاء هذه الإدارة وتنظيمها استطعت أن تستشير «لاكو» وبهجت وأعوانهما الفنيين في إنشاء مدرسة مصرية يدرس فيها المصريون وغير المصريين الآثار المصرية وغير المصرية.

    هذا هو الحق وهذه هي المنفعة؛ فانصرف إلى الحق وإلى المنفعة، ولا تخدعنَّك هذه المشروعات التي ليست في حقيقة الأمر إلا ألفاظًا خلابة براقة، دون أن يكون وراءها نفع ولا غَنَاء.

  • في وزارة المعارف مدرسة اللغات القديمة أيضًا

    في وزارة المعارف
    مدرسة اللغات القديمة أيضًا
    طه حسين
    جريدة السياسة
    ١٢ يوليو ١٩٢٣

    بين يديَّ الآن «التقرير النهائي للجنة الجامعة الحكومية». أقرأ فيه ما كتب عن درس الآثار في هذه الجامعة. وكانت وزارة المعارف قد ألَّفت لدرس هذا الموضوع لجنة لا بأس بها، وكان أعضاء هذه اللجنة الأستاذ المسيو «لاكو» مدير مصلحة الآثار المصرية، والأستاذ المسيو «فوكار» مدير المعهد الأثري الفرنسي في مصر، وصاحب السعادة عبد الحميد باشا مصطفى، وصاحب السعادة أحمد كمال باشا، وانفصل عن اللجنة صاحب العزة علي بك بهجت مدير دار الآثار العربية.

    أقرأ تقرير هذه اللجنة الخاصة عن درس الآثار في جامعة الحكومة؛ فأرى أن هذه اللجنة قد نصَّت صراحة على أن الفصل بين درس اللغات ودرس الآثار غير معقول ولا مفيد. وقضت في صراحة على هذه الفكرة التي كانت تريد أن تنشئ مدرسة تشبه مدرسة اللغات أو مدرسة الألسن، وتدرس فيها اللغات دون الآثار.

    الحق أني لم أكن قد قرأت هذا التقرير عندما كتبت المقالة الأولى في هذا الموضوع، فلما قرأته اليوم لم تزدني قراءته إلَّا إيمانًا وتثبيتًا واغتباطًا بما كان من اتفاقي في الرأي مع لاكو وفوكار وكمال، وكلهم فني وكلهم متقن للآثار المصرية واللغة المصرية. ازددت إذن إيمانًا وتثبيتًا وإصرارًا على أن وزارة المعارف تخطئ الطريق وتتجاوز القصد حين تنشئ مدرسة للغات القديمة أو قسمًا للغات القديمة تلحقه بمدرسة المعلمين العليا. تخطئ الطريق وتتجاوز القصد لأن اللغة الهيروغليفية كما قلت ليست لغة تدرَس لنفسها، وإنما هي لغة تدرس لقراءة الآثار. وقراءة الآثار وحدها لا تفيد؛ لأن هناك آثارًا كثيرة غير مكتوبة، ولا بد من اصطناعها وتفهمها إذا أردنا أن نفهم تاريخ مصر القديم. فلا بدَّ إذن من أن ندرس فنون الآثار على اختلافها بحيث يكون طلابنا قادرين على أن يستخدموا الآثار جميعها لدرس التاريخ المصري، سواء من هذا الآثار ما كتب وما لم يكتب.

    والغريب في هذا الأمر أن صاحب السعادة كمال باشا أمضى هذا التقرير، ووافق على النص الذي يحظر الفصل بين درس اللغة ودرس الآثار. وهو مع هذا الإمضاء وهذه الموافقة واضع المشروع العقيم الذي نحاربه حربًا صريحةً لأننا نعتقد أنه غير نافع، وأن شره أكثر من خيره. وإن كانت وزارة المعارف لا تحفل بنصح ناصح ولا تعنى بمشورة من يشير، وإن كانت وزارة المعارف لا تحفل بأن تناقض نفسها وتتورط في شيء كانت أزمعت ألَّا تتورط فيه؛ لأن وزارة المعارف قد أصبحت منذ حين مشغوفة بالإعلان عن نفسها كلفة بتملق الجمهور والاستفادة من عواطفه؛ فهي تعلم أن الجمهور حريص على درس اللغة الهيروغليفية، وإذن فهي تزعم للجمهور أنها ستدرس له اللغة الهيروغليفية. وهي تعلم أن الجمهور حريص على أن يكون المصريون هم أصحاب المناصب على اختلافها، ونجد من الصحف ومن أصحاب الصحف من يحمد لها ذلك ويشجعها عليه، فتمضي إلى الأمام غير معنية بحق ولا منفعة، وإنما يعنيها التصفيق والتصفيق وحده.

    نعم، إن وزارة المعارف تخطئ الطريق، وهي تعلم أنها جربت درس الهيروغليفية حين أنشأت في مدرسة المعلمين درسًا لهذه اللغة، وكلفت كمال باشا القيام بهذا الدرس، ففشل الدرس ولم ينتهِ بوزارة المعارف إلى نتيجة. وهي الآن تعيد هذه التجربة التي فشلت، وتعيدها في طريقة أوسع وأشدَّ تعقيدًا. فشلت في درس الهيروغليفية، فتريد أن تفشل فيه مرة أخرى، وأن تفشل في اليونانية واللاتينية والقبطية؛ لأنها تريد أن تدرس هذه اللغات كما درست الهيروغليفية في تجربتها الأولى. وليس لهذا علة إلَّا ما ذكرته لك من كلف الوزارة في هذه الأيام الأخيرة بإعجاب المعجبين وتصفيق المصفقين وثناء الصحف والصحفيين.

    وفي الأمر شيء آخر غريب، وهو أن هذا التقرير الذي أشرت إليه آنفًا يرى الاكتفاء بأستاذين للآثار المصرية القديمة، ويشعر بأن هذا شاقٌّ ناقص، ولكنه مضطر إليه؛ لأن وجود الأساتذة ليس بالشيء اليسير، ذلك يرى التقرير وعلى ذلك ينص التقرير.

    أمَّا وزارة المعارف، أو كمال باشا الذي أمضى هذا التقرير، فيرى الاكتفاء بأستاذ واحد هو كمال باشا، ويمنح هذا الأستاذ الواحد الذي هو كمال باشا مرتب أستاذين؛ لأن أستاذ اللغة السامية أو اليونانية سيتقاضى مرتبًا لا يتجاوز مائتي جنيه. أمَّا أستاذ الهيروغليفية (كمال باشا) فسيتقاضى ٤٠٠ جنيه؛ لأنه سيكون أستاذًا ومشرفًا في وقت واحد، فهو يتقاضى مرتب الأستاذ ومرتب المشرف.

    وكنت أظن أنَّ وطنية كمال باشا تسمح له بأن يشرف مجانًا بحيث تستطيع وزارة المعارف أن تضم إليه أستاذًا آخر يعلِّم الآثار بينما هو يعلِّم اللغة. كنت أظن ذلك، وهو ليس بعسير على كمال باشا الذي لا يريد إلَّا الخير، ولا يتمنى إلَّا أن تُنشأ مدرسة الآثار قبل موته.

    وكنت أظن أن وزارة المعارف تستطيع أن تستغل وطنية الأستاذ لمصلحة مصر، وأن تستغل حب الأستاذ فنه لمصلحة مصر. ولكننا نريد شيئًا ويريد الله شيئًا آخر، وإذا أراد الله شيئًا فلا مردَّ له. غير أني أزعم شيئًا آخر، أزعم أن السياسة «الدنلوبية» لا تزال مشرفة على وزارة المعارف، وهذه السياسة الدنلوبية امتازت وستمتاز دائمًا بشيئين: أحدهما أنها ضيقة التصور، ليست بالعميقة ولا الحرة، تتصور الأشياء منقوصة، تتصورها من أحد وجوهها لا من وجوهها كلها، وهي في الوقت نفسه جامدة غير حرة، تُعْنَى بالألفاظ والعبث بالعقول أكثر مما تعنى بالحقائق والمنفعة الصحيحة. الثاني أنها تنافس كل حركة وطنية لا تصدر عن وزارة المعارف، تريد أن تحتكر كل شيء، تريد أن تستأثر وحدها بالأمر لتفسد ولا تصلح. هي ضيقة جامدة وهي محتكرة أثرة، وإليك البيان:

    لا ألتمس هذا البيان بعيدًا وإنما أجده في هذه المدرسة نفسها؛ فقد رأيت كيف تصورت الآثار المصرية واللغة المصرية القديمة، فأنشأت ثوبًا شديد القصر جدًّا، شديد الضيق جدًّا، يلبسه من يلبسه فإذا هو لا يسع طوله ولا عرضه.

    وقد رأيت في المقال السابق أن الجامعة المصرية تدرس ما ستدرسه وزارة المعارف؛ ففيها درس العبرية واللاتينية، وسيكون فيها منذ السنة المقبلة درس اليونانية والهيروغليفية. وإذن فوزارة المعارف تنافس الجامعة المصرية لا أكثر ولا أقل. تنافسها وتريد أن تخنقها؛ لأن الجامعة معهد وطني حر، وقد قامت سياسة «دنلوب» على أن المعاهد الوطنية الحرة إمَّا أن تذعن لوزارة المعارف وإمَّا أن تزول. تنافسها وهي منتصرة في هذه المنافسة؛ لأن لشهاداتها قيمة رسمية، وليس لشهادات الجامعة قيمة رسمية. وإذن فالطلبة يكلفون بالشهادات القيمة التي تقدر بالمال، وينصرفون عن هذه الشهادات التي ليست لها قيمة مالية. وإذن، فسيجد أستاذ الهيروغليفية في مدرسة المعلمين طلَّابًا، وسيبحث أستاذ الهيروغليفية في الجامعة عن هؤلاء الطلاب فلا يجدهم. وإذن، فيجب أن تغلق الجامعة أبوابها.

    لا أستطيع أن أفسِّر حركة المعارف غير هذا التفسير، ويخيَّل إليَّ أنه لا يستحق الإعجاب ولا تصفيق الجمهور، ويخيَّل إليَّ أن الجامعة خليقة بالتشجيع والمعونة لا بالخذلان والمنافسة، ويخيَّل إليَّ أن الجامعة أكرم وأحرص على المنفعة من وزارة المعارف. ففي الأمر شيء غريب! في الأمر أن وزارة المعارف التي تنفق مئات الألوف من الجنيهات على كبار الموظفين الذين لا يعرفون من الهيروغليفية إلَّا اسمها قد بحثت في كل وزارة المعارف في أركانها وزواياها، فيمن أرسلتهم إلى أوروبا ومن علمتهم في مصر، بحثت عن أستاذ للغة العبرية فلم تجد، فلجأت إلى الجامعة تستعير منها أستاذها، ولن ترفض الجامعة ولن يرفض أستاذ الجامعة لأنهما يريدان الخير.

    ووزارة المعارف تريد أن تنافس الجامعة وأن تنافسها بأستاذ الجامعة. أليس في ذلك شيءٌ من المهارة لسياسة «دنلوب»؟ أليس في ذلك شيءٌ من الخزي لسياسة دنلوب؟ أليس في ذلك شرف لهذه الجامعة التي حاربها دنلوب وتلاميذ دنلوب منذ أُنشئت، وهم الآن يلجئون إليها ويطلبون معونتها؛ لأنها انتصرت في ضيق وشدة على سياسة دنلوب وأنصار دنلوب؟

    الوزارة إذن تنافس الجامعة، وتنافسها منافسة ليست كريمة ولا صادقة ولا نافعة. ولو أن سياسة دنلوب غير مشرفة في وزارة المعارف لسلكت وزارة المعارف إحدى طريقين: فإما أن تنشئ مدرسة للآثار، مدرسة كاملة، مدرسة تنفق عليها آلاف الجنيهات لتخرِّج الأثريين النافعين حقًّا، وإمَّا أن تعدل عن هذا المشروع العقيم وتمنح الجامعة هذا المقدار الضئيل من المال لتوسع به الجامعة نطاق البحث فيها. ولكن وزارة المعارف لا تزال دنلوبية؛ فهي لا تبحث عن نفع ولا عن خير. وإنما تريد تصفيق الجمهور، وتحارب المعاهد الحرة التي ينشئها هذا الجمهور.

    قلت لك إننا نريد شيئًا ويريد الله شيئًا آخر: ( وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ ).