ولو …
طه حسين
جريدة الجمهورية
١ أكتوبر ١٩٥٤
كان مما يضحك حقًّا موقف ذلك النائب في الجمعية الوطنية الفرنسية منذ أسابيع حين طالب رئيس الوزراء مسيو منديس فرانس بالاحتجاج على الحكومة المصرية؛ لأن إذاعتنا تؤيد المجاهدين في سبيل الاستقلال من التونسيين والمراكشيين، وحين طالب بإنذار مصر بأنها إذا لم تكُف عن هذه الإذاعة فسينشأ في الإذاعة الفرنسية قسم خاص، يُسمى قسم مصر الحرة ويقاوم حكومة الثورة في مصر.
كان مضحكًا حقًّا موقف ذلك النائب؛ لأنه إن دل على شيء فإنما يدل على سذاجة تشبه سذاجة الأطفال، أو يصور غضبًا يُخرج الناس عن أطوارهم ويُطلق ألسنتهم بالسخيف من القول ويردهم أطفالًا، وإن كانوا شيوخًا أو كهولًا، فلسنا نعرف نحن وليس الفرنسيون أنفسهم يعرفون أن شيئًا خارج مصر يمكن أن يُسمى مصر الحرة؛ وإنما الشيء الذي نعرفه نحن ويعرفه الفرنسيون وغيرهم من شعوب الأرض، أن مصر الحرة إنما توجد في وطنها المقسوم لها وداخل حدودها الطبيعية وهى حرة بطبعها؛ لأنها قاومت الطغيان الملكي الداخلي حتى ظفرت به وانتصرت عليه وقاومت الاحتلال الأجنبي حتى مهَّدت لخروج جنوده من مصر في أقرب وقت ممكن.
فمصر الحرة تلك التي أراد ذلك النائب أن يدعو لها في الإذاعة المصرية وأن يغيظ بها حكومة الثورة، لا توجد إلا في خياله وفي خيال رئيس الوزراء منديس فرانس الذي استجاب له فيما يظهر.
كان ذلك الكلام مضحكًا، ولكنه كان محزنًا أيضًا؛ لأنه يثير في النفوس ذكريات قريبة العهد جدًّا لم ينسها الفرنسيون وإن نسيها المصريون؛ لأن المصريين يحسنون وينسون إحسانهم، يصدرون في هذا الإحسان عن طبيعتهم الكريمة الخيرة، ويعلمون أنهم يؤدون به واجبًا إنسانيًّا، وهم من أجل ذلك لا يعتمدون به على أحد ولا ينتظرون عليه من أحد جزاءً ولا شكورًا.
فقد كان يوجد منذ عهد قريب جدًّا شيء يُقال له فرنسا الحرة، وكانت مصر في مقدمة البلاد التي آوت فرنسا الحرة تلك، ومنحتها من العون والتأييد ومن العناية والرعاية ما مكَّن لها في الأرض، وأتاح لها أن تكون حقيقة واقعة بعد أن كانت كلامًا يُقال.
في ذلك الوقت كان الجيش الفرنسي منهارًا أمام الجيش الألماني، وكان الوطن الفرنسي محتلًّا، تفعل به جنود هتلر أشنع الأفاعيل، وكان الشعب الفرنسي منقسمًا قسمين؛ أحدهما مشرَّد في أقطار الأرض يرفض الهزيمة ويأبى الإذعان، والآخر مستقر في أرض الوطن مستسلم للأقدار، يُضمر فريق منه البغض للمحتلين ويتهيأ للمقاومة، ويُظهر فريق منه حب المحتلين ومسالمتهم وتمكينهم من التنكيل بالأحرار من الفرنسيين.
في ذلك الوقت كانت مصر تأوي فريقًا من الفرنسيين المدنيين المستقرين فيها واللاجئين إليها، وفريقًا آخر من الفرنسيين العسكريين الفارين إليها من جيش فرنسا في سوريا ولبنان. وفي ذلك الوقت كانت مصر تشمل هؤلاء الفرنسيين جميعًا بحبها لهم وعطفها عليهم، وتيسير العسير من أمرهم، وتُسخر إذاعتها لرفع صوتهم الخافت الضئيل ونشره في أقطار الأرض. والفرنسيون لا ينسون من غير شك أن أول تنظيم لجيشهم المقاوم إنما كان في أرضها حين ألفت قلوبهم المنهزمة أول فرقة شاركت الحلفاء في حرب ألمانيا وإيطاليا.
في ذلك الوقت كانت حكومة مصر كريمة لا تبخل بالمعونة على شعب كريم أصابته المحنة وعبثت به الخطوب، وكان شعب مصر كريمًا يجود بالمال والجهد وبالحب والعطف لشعب صديق؛ ألمَّت به الكارثة واضطرته إلى أن يطلب معونة الأصدقاء. في ذلك الوقت لم تبخل مصر على صديقتها فرنسا البائسة بمال بذلته سخية به، ولا بجهد أنفقته غير مترددة في إنفاقه، وفي ذلك الوقت أقبل رئيس فرنسا الحرة الجنرال دي جول فتلقته مصر حفية به، مكرمة له، وأتاحت له أن يتحدث إلى مواطنيه من الإذاعة المصرية يدعوهم إلى المقاومة ويحرضهم على أن يثوروا بالمحتلين.
كان هذا كله أثناء الحرب العالمية الثانية حين خفَت صوت فرنسا وحين سخَّرت إذاعتها لخدمة المحتلين، وحين كان صوت فرنسا الحرة يرتفع من مدينتين اثنتين إحداهما لندرة والأخرى القاهرة.
كانت فرنسا الحرة حقيقة واقعة أتيح لها بفضل المعونة التي شاركت مصر فيها أن تنظم المقاومة وأن تصبح شيئًا مذكورًا بعد أن لم تكن شيئًا ذا بال، وأن تشارك في النصر بعد أن انفردت فرنسا بالهزيمة في أول الحرب، وكان طبيعيًّا أن تنسى مصر ما قدَّمت من خير وما أسدت من جميل؛ لأن مصر لا تبيع المعروف ولا تأخذ له ثمنًا، وكان طبيعيًّا أيضًا أن تذكر فرنسا هذا المعروف ولا تنساه ولا تجزي مصر به عقوقًا وجحودًا ونكرانًا.
والشيء الذي أحققه ولا أشك فيه، هو أن الشعب الفرنسي يذكر لمصر هذا المعروف ويحفظ لها هذا الجميل، ويُقدِّر ما قدمت إليه من يد أثناء المحنة، ولكن الشعب الفرنسي شيء، والحكومات الفرنسية على اختلافها شيء آخر.
وقد لاحظت منذ وضعت الحرب العالمية أوزارها أن في فرنسا ظاهرة خطيرة، هي إخلال التوازن فيها بين الشعب والدولة؛ فالشعب الفرنسي لا يكاد يعرف الدولة الفرنسية والحكومة، لا يكاد يؤمن لهما، وإنما هو يحيى حياته مستسلمًا للظروف التي تحيط به غير حافل بالحكومة ولا آبه للبرلمان، يرى أن شعبًا مثله لا بد من أن يكون له برلمان فينتخب النواب والشيوخ حين يدعو إلى انتخابهم، ولا بد من أن تكون له حكومة فيعرف الحكومة حين تؤلَّف له. ولكنه يمضي بعد ذلك في سبيله غير حافل بالنواب والشيوخ الذين انتخبهم، ولا آبه للوزراء الذين يديرون أموره العامة. وهو يخضع لسلطان الدولة كارهًا لهذا الخضوع، ولو استطاع لأعلن الثورة والعصيان، فمن الظلم للشعب الفرنسي أن تحمل عليه كثرة الآثام التي تقترفها حكوماته المختلفة في أقطار الأرض على تباعدها. لقد كان الشعب الفرنسي يكره الحرب في الهند الصينية أشد الكره؛ لأنها كانت تزهق نفوس أبنائه وتسفك دماءهم وتُضيع عليه أمواله في غير نفع، وما زال يقاوم هذه الحرب حتى ظفر بوقفها. وما أشك في أن الشعب الفرنسي يكره السياسة التي تصطنعها حكوماته في شمال أفريقيا؛ لأنها تكلفه أثقالًا لا يحب أن يحتملها، لا أستثني من ذلك إلا المستعمرين الذين يقيمون في شمال أفريقيا، ورجال المال الذين يستغلون أموالهم في استذلال الأفريقيين، وأولئك وهؤلاء قلة ضئيلة بالقياس إلى الشعب الفرنسي المغلوب على أمره.
ولست أقول هذا عن الظن، وإنما أقوله عن العلم اليقين، فاقرأ الصحف الفرنسية إن شئت؛ فسترى صحف المال والاستعمار تؤيد الحكومة في عبثها، وسترى صحف الشعب على اختلاف أحزابه تناهض الحكومة في هذا العبث. وقد خُدع الشعب الفرنسي برئيس وزارته القائم منديس فرنس حين أمره يمضي الهدنة في الهند الصينية ويريد أن يخرج من مشكلات أفريقيا الشمالية، ولكنه لم يلبث أن رأى تسلط المستعمرين والماليين على السياسة الخارجية الفرنسية، فأدركه كثير من خيبة الأمل، وقال القائلون: حكومة كغيرها من الحكومات تخرج من مشكلة لتتورط في مشكلة أخرى.
وقد تحدثتُ في غير هذا المقال بما كان من تفاؤل بعض الصحف الفرنسية حين حلَّت مصر مشكلاتها مع الإنجليز، ومن انتظار هذه الصحف أن يكون ذلك مقدمة لحل المشكلات في تونس ومراكش. ولكن هذا التفاؤل لم يدُم، وإنما مضى مسرعًا وترك مكانه لتشاؤم بغيض؛ لأن المستعمرين ورجال المال والأعمال كانوا أقوى قوة وأعظم نفوذًا من الشعب الفرنسي العامل الكادح، الذي يشقى بالحرب ولا ينعم بالسلم إلا قليلًا.
وفي نفس رئيس الوزارة الفرنسية القائم منديس فرانس عقدة عسيرة الحل؛ فهو إسرائيلي، وهو من أجل ذلك لا يستطيع أن يجحد إسرائيل، وهو من أجل ذلك دعا رئيس الجيش الإسرائيلي إلى زيارة فرنسا، وهو من أجل ذلك يدعو رئيس الحكومة الإسرائيلية لزيارة فرنسا فيما يُقال. وللإسرائيليين في فرنسا وفي بيئات المال والأعمال خاصة نفوذ بعيد المدى. ولكن الذي نعلمه أن الشعب الفرنسي شعب مسيحي كاثوليكي، وأن فرنسا ترى نفسها ابنة الكنيسة الكبرى، وأن الشعب الفرنسي يغالب سخطه على النفوذ الإسرائيلي هذا مغالبة شديدة، ويوشك أن يعجز عن هذه المغالبة، وأن كثيرًا من أعلام المسيحيين الفرنسيين من كتابهم وعلمائهم وأساتذتهم ينكرون السياسة الفرنسية في شمال أفريقيا، ويجاهرون بهذا الإنكار ولا يستخفون به.
ومن أجل ذلك لا أحفل ولا أحب أن يحفل أحد بهذا السخف الذي يتورط فيه رئيس الوزارة الفرنسية حين يبدي ما يبدي من التقرب إلى إسرائيل، فهذا التقرب لا يخيف أحدًا ولا ينبغي أن يثير في نفوس المصريين والعرب عامة إلا الهزء والسخرية. وسياسة فرنسا الخارجية ليست إليها وحدها ولا سيما في الشرق الأدنى، وإنما هي إليها وإلى حلفائها من الإنجليز والأمريكيين.
ولن تستطيع فرنسا أن تعطي إسرائيل من الأسلحة إلا ما يأذن به حلفاؤها، وما ينبغي أن ننسى أن أسلحة فرنسا إنما تأتيها من أمريكا أو تُصنع بالمال الأمريكي في فرنسا نفسها.
فهذا الخداع الذي يعمد إليه رئيس الوزارة الفرنسية لا يخدع أحدًا؛ لأننا نعرف ما تستطيع فرنسا أن تصنع لإسرائيل وما لا تستطيع أن تصنع.
والخير كل الخير للحكومة الفرنسية القائمة أن ترتفع بنفسها عن هذا السخف الذي يُضحك ولا يخيف، فتقربها إلى إسرائيل لا يُقوي إسرائيل؛ لأن فرنسا نفسها محتاجة إلى القوة، وتَقرُّب إسرائيل إلى فرنسا لا يُقوي فرنسا؛ لأن إسرائيل نفسها محتاجة إلى القوة أيضًا، وتَهجُّم الإذاعة الفرنسية على مصر لا يخيف مصر؛ لأن فرنسا لن تضر مصر شيئًا.
والخير كل الخير أن يثوب رئيس الوزارة الفرنسية إلى نفسه وأن يقدر عاقبة أمره؛ فهو أذكى وأحصف من أن يجهل أن لفرنسا مصالح كثيرة خطيرة في مصر، وأن إصراراه على سياسته هذه الحمقاء قد يُعرِّض هذه المصالح الكثيرة الخطيرة لما لا يحب الفرنسيون أن تتعرض له.
لن تكف مصر إذن عن تأييد التونسيين والمراكشيين في مطالبتهم بالاستقلال، بل لن تكف مصر عن تأييد الجزائريين في مطالبتهم بالاستقلال، وإن زعمت فرنسا أن الجزائر جزء من الوطن الفرنسي؛ لأن مصر لا تؤمن بحق الفتح، ولأن أهل الجزائر ليسوا من فرنسا وليست فرنسا منهم في شيء.
ومصر مؤمنة بأن الاستعمار مهما تكن صوره آثم لا يقره إلا الظالمون، وبأنه خزي لا يليق بالحضارة والإنسانية الحديثة، وهي من أجل ذلك ستقاومه وستؤيد مقاوميه في كل مكان، لا يردها عن ذلك شيء، حتى حنين رئيس الوزارة الفرنسية إلى إسرائيل وتقربه من إسرائيل وإطلاقه ألسنة السوء في مصر.
فإن المكر السيئ لا يحيق إلا بأهله، والحق منتصر وإن كره المبطلون.
Tag: Egyptian foreign policy
-
ولو …
-
هنا وهناك
هنا وهناك
طه حسين
مجلة مسامرات الجيب
١٧ فبراير ١٩٤٦
ولنبدأ بما يجري هناك قبل أن نتحدث عمَّا يجري هنا؛ فموضوع هذه الأحاديث متصل دائمًا بشئون السياسة العالمية، وأظن أن شئون السياسة العالمية تُدرَّس هناك لا هنا، وتُجرى في لندرة لا في القاهرة، بل أكاد أعتقد أن علم الحكومة المصرية بما يحدث هناك محدود، لعله لا يتجاوز علم أي فرد من الأفراد الذين يقرءون الصحف ويسمعون الراديو.
وليس أدل على ذلك من ذلك الموقف المؤلم الذي وقفه رئيس الوزراء في مجلس الشيوخ يوم الثلاثاء، حين سُئِل عمَّا تحدث به ممدوح بك رياض إلى مجلس الأمن؛ أملائم هو للحق والعدل والكرامة أم مخالف هو لهذا كله؟ فتبيَّن أن رئيس الوزراء لم يكن يعلم من حديث ممدوح بك رياض في مجلس الأمن إلا ما كنَّا نعلمه نحن.
وكان خصوم الحكومة يحتجون بما نشرته «الأهرام»، فرد عليهم رئيس الوزراء بما نشرته البروجريه، وتبيَّن للناس جميعًا أن جمهور القرَّاء ورئيس الوزراء سواء في العلم والجهل بما يجري من الحوادث من مجلس الأمن، وفي جامعة الأمم المتحدة!
وما دامت هذه الأحاديث متصلة بشئون السياسة العالمية، تريد أن تبصِّر القرَّاء بحقائق هذه الشئون، فمن الطبيعي أن نتحدث عمَّا يجري هناك قبل أن نتحدث عمَّا يجري هنا مما يتصل بهذه الشئون.
وأهم ما يجري هناك من الأحداث والخطوب ما يتصل بمجلس الأمن؛ فقد أُثيرت في مجلس الأمن قضايا ثلاث؛ أولاها: قضية إيران. أثارتها الحكومة الإيرانية المستقيلة متأثرة بالبريطانيين فيما ظن الروس، أو غير متأثرة بهم فيما قال البريطانيون أنفسهم. وقد نوقشت هذه القضية في مجلس الأمن مناقشة لا يمكن أن يُقال إنها كانت طويلة أو عميقة، وإنما يمكن أن يُقال إنها انتهت إلى نتيجتين ظاهرتين؛ إحداهما: التخلية بين إيران وروسيا؛ لتحلا بالمفاوضات الخاصة ما يكون بينهما من المشكلات، على أن يطَّلع مجلس الأمن بين حين وحين على ما تتكشف المفاوضات عنه من اتفاق أو اختلاف.
ومعنى ذلك أن روسيا ظفرت في هذه القضية، فروسيا هي صاحبة القوة والبأس، والمفاوضات بين الأقوياء والضعفاء معروفة النتائج. وليس من المحقق أن روسيا تريد أن تعتدي اعتداءً عنيفًا مكشوفًا على إيران. وأكبر الظن أن روسيا تريد أن تحتاط لمصالحها السياسية والاقتصادية، وأن تمسك إيران في هذا البدع القديم الجديد الذي يُسمَّى مناطق النفوذ.
النتيجة الثانية: أن هذه القضية الإيرانية أتاحت لروسيا أن تحاسب حليفتها الغربية بريطانيا العظمى حسابًا لا يخلو من عسر، وأن تعرض المشكلات الخطيرة التي تواجه بريطانيا العظمى على الرأي العالمي العام عرضًا لا يخلو من عنف؛ فقد أثارت روسيا القضية الثانية؛ وهي قضية اليونان. وقد يظن بعض الناس أن روسيا أخفقت في هذه القضية؛ فقد اشتد الجدل حولها، وتحرجت الأمور، ووقف الحليفان موقفًا يوشك أن يكون عدائيًّا، ثم نزلت روسيا آخر الأمر عن اقتراحها، وانتهى المشكل عند هذا الحد في ظاهر الأمر.
ولكن المحقق أن العالم قد وقف على ما بين الحليفين من اختلاف أولًا، وأن المياسرين من الشعب اليوناني قد تشددوا في موقفهم وقرروا مقاطعة الانتخابات، إلا إذا أُجيبوا إلى ما فرضوا من الشروط؛ فالمسألة اليونانية لم تنتهِ بعدُ، وليس أمرها خفيًّا على الناس ولا على الشعب اليوناني نفسه.
ثم أتاحت القضية الإيرانية لأوكرانيا أن تثير في مجلس الأمن قضية إندونيسيا، وقد طالت المناقشة في هذه القضية وتعقدت واشتد تشعبها، وانتهت أمس برفض ما طلبت أوكرانيا، ولكن روسيا قد انتهت من ذلك إلى ما كانت تريد؛ فهي أظهرت ما بين الحليفين العظيمين من اختلاف، وأظهرت أسباب هذا الاختلاف، ووقفت نفسها موقف المدافع عن الشعوب الضعيفة، المطالب لها بالحرية والاستقلال. وقد يكون هذا صحيحًا وقد لا يكون، ولكن الشيء الذي لا شك فيه أن الشعوب لا تُحقق ولا تُدقق ولا تَستقصي، وهي إذا احتاجت إلى المعونة التمستها حيث تجدها، وهي ترى أن روسيا تُظهر عطفًا وتأييدًا لها؛ ولهذا كله نتائجه البعيدة.
وأكبر الظن أن روسيا إنما ترمي إلى هذه النتائج البعيدة أكثر مما ترمي إلى أي شيء آخر، فلم تكن روسيا من السذاجة بحيث تظن أن البريطانيين سيسحبون جنودهم من اليونان أو من إندونيسيا، وإنما هي سياسة وخز الإبر من ناحية، والتحبب إلى الشعوب الضعيفة من ناحية أخرى.
وهناك قضية رابعة عُرضت على مجلس الأمن، وهي قضية سوريا ولبنان، وواضح أن روسيا ستقف فيها موقف التأييد لإخواننا السوريين واللبنانيين، إلا إذا حلت هذه القضية بالمفاوضة، ولم يحتج المجلس إلى أن ينظر فيها؛ فالشيء الذي ليس فيه شك هو أن مجلس الأمن — الذي أُنشئ ليكفل السلم، ويضمن للشعوب حقها في الحرية والعدل المساواة — أظهر إلى الآن أنه قادر على شيئين اثنين؛ الأول: تمكين الدول الكبيرة من أن ينافس بعضها بعضًا، ويهتك بعضها ستر بعض، والثاني: تمكين هذه الدول الكبيرة من أن تستمسك بما في يدها من البأس والسلطان، وأن تحتفظ بجنودها حيث تشاء.
وستكون القضية السورية اللبنانية اختبارًا نهائيًّا لمجلس الأمن، أو لنيَّات الدول الكبرى، فإن صدقت هذه النيَّات جلا البريطانيون والفرنسيون فورًا عن هذين القطرين، وإن لم تصدق، وكان مجلس الأمن جادًّا منتجًا، أكْرَه البريطانيين والفرنسيين على هذا الجلاء، فإن لم يفعل زال كل شك في النفوس، واستيقنت الشعوب الضعيفة أن كل ما يجري في لندرة ليس إلا لعبًا.
هذا بعض ما يجري هناك، فأما ما يجري هنا فطريف لا يخلو من فكاهة، وإن كانت فكاهة مرة مؤذية؛ فلمصر وفد في جماعة الأمم المتحدة، وهذا الوفد يمثلها كذلك في مجلس الأمن، بعد أن انتخبت عضوًا فيه، ولكن مصر — حكومةً وبرلمانًا وشعبًا — لا تكاد تعرف من سياسة هذا الوفد في لندرة شيئًا، وإنما هي تتلقى المفاجآت تأتيها بها الأخبار ذات صباح أو ذات مساء، فتضطرب ويختلط عليها الأمر، وتمتلئ الصحف ضجيجًا وعجيجًا، ويمتلئ البرلمان إنكارًا واحتجاجًا، ويستقيل بعض الوزراء، ثم تهدأ العاصفة وتستقر الأمور كأن لم يكن شيء.
وقع هذا حين صرَّح وزير الخارجية بما صرَّح به، حتى ظن الناس أن كل شيء قد زال من موضعه، ثم استقرت الأمور وانتُخب وزير الخارجية قاضيًا في محكمة العدل، فأرسل إليه رئيس الوزراء تهنئته وتهنئة زملائه، وتقديره وتقدير زملائه، ومنهم الذين كانوا مستقيلين.
ووقع هذا حين تحدث ممدوح بك رياض في مجلس الأمن؛ فاضطربت الصحف، وضجَّ البرلمان، واحتج قوم بما نشرت «الأهرام»، واحتج رئيس الوزراء بما نشرت «البروجريه»، وقالت «الأهرام»: إن ما نشرته هو الصحيح، وعزته إلى مصدره المسئول، ولم تقل «البروجريه» شيئًا إلى الآن.
والمهم هو أن سمعة مصر السياسية قد تعرضت لشر عظيم. قال وزير الخارجية إن مجلس الأمن غير مختص بشئون البلاد العربية، فقررت سوريا ولبنان عرض قضيتهما وقضية فلسطين على مجلس الأمن. ومعنى ذلك أنهما رفضا رأي وزير الخارجية المصرية، ويقال: إن بعض الحكومات العربية قد احتجت على هذا الرأي، ومعنى ذلك أيضًا أن وحدة الجامعة العربية قد تعرضت لشيء من الشر، فقال راديو موسكو: إن عاصمتها انتقلت من القاهرة إلى بغداد، وقالت جريدة الموند — وهي كبرى الصحف الفرنسية: إن ممثل مصر في مجلس الأمن قد لا يستطيع أن يؤيد سوريا ولبنان؛ لأنه قد يُسأل عن موقف البريطانيين في مصر.
ثم تحدث ممدوح بك رياض، فلم يزد على أن أظهر مصر مؤيدة للإنجليز والهولنديين تأييدًا ملتويًا، ولكنه تأييد على كل حال. وكان الحق على مصر أن تكون أسرع إلى تأييد إندونيسيا من أوكرانيا، وكان الحق على ممدوح بك رياض أن يكون أسرع إلى تأييد الشعب الإندونيسي من الرفيقين مالولوسكي وفيشنسكي، وكان الحق على الحكومة المصرية أن ترسم الخطة دقيقة مفصلة لممثليها، وأن تكون على علم دقيق مفصل بما يقول هؤلاء الممثلون وما يعملون.
ولكننا حين نريد أن نعتذر عن الحكومة المصرية ونحسن الظن بأعضائها وممثليها — لأنهم مصريون آخر الأمر — نضطر مع الأسف الشديد إلى أن نعتذر منهم بما لا يسرنا ولا يرضيهم؛ وهو أنهم حديثو عهد بالسياسة الدولية لم يَمرَسوا بها، ولم يُمرَّنوا عليها؛ فهم يتورطون في الخطأ المؤلم بين حين وحين.
ليتنا لم نُنْتخَب في مجلس الأمن هذا العام!