Tag: Egyptian independence

  • مؤامرتان

    مؤامرتان
    طه حسين
    جريدة الجمهورية
    ٢٣ نوفمبر ١٩٥٦

    إحداهما تزداد ثباتًا واستقرارًا في القلوب وانتشارًا في أقطار الأرض وتغلغلًا في ضمائر الطبقات المختلفة من الناس على تباعدهم وتباينهم، لا تمضي لحظة أو دقيقة أو ساعة من ليل أو نهار إلا ازداد إيمان العالم لها واقتناعه بها وسخطه على أصحابها، والأخرى لم يكد يتحدث بها الذين اخترعوها وحاولوا أن يُضللوا بها الناس حتى ضحك منها الضاحكون وعبث بها العابثون وتنكَّر لها الذين يفقهون حقائق الأشياء ويفهمون حياة الشعوب، وما ينشأ عن هذه الحياة من آثار في الأقوال والأعمال جميعًا.

    فأما الأولى فهي التي لا يشك فيها إنسان الآن وهي التي جرها البريطانيون والفرنسيون مع لعبتهم إسرائيل؛ ليأخذوا الجيش المصري بين نارين يحصروه بين شقي الرحى، ويهاجموه من أمام ومن وراء ويعرفوه من الشعب المصري مره به ليحكموا بعد ذلك في شئون هذا الشعب ونظم الحكم فيه، ليس بين الناس من يشك في هذه المؤامرة، وليس بينهم من يجادل في أنها دُبرت بليل أو نهار أو دُبرت في الليل والنهار جميعًا، وأن الذين دبروها وأتقنوا تدبيرها وبدأوا في تنفيذها لم يحسوا في قلوبهم ولا في ضمائرهم ولا في سرائر نفوسهم خزيًا أو شيئًا يشبه الخزي؛ لأن قلوبهم وضمائرهم ونفوسهم قد جمدت وقست، أصبحت لا تحس خزيًا ولا تعرف حياء ولا تتحرج من إثم مهما يكن بشعًا منكرًا، وهم لم يكتفوا بتدبير هذه المؤامرة والأخذ في تنفيذها وإنما أضافوا إليها تضليل دعاتهم الأمريكيين وأصدقائهم من الأوروبيين، ثم لم يكتفوا بالتضليل والتغرير وإنما أضافوا إليهما إثمًا آخر هو السرقة والاختلاس؛ فقد سرقوا أسلحة هذا الحلف الذي شاركوا فيه وهو حلف الأطلنطي، سرقوا هذه الأسلحة فأهدوا بعضها إلى إسرائيل واصطنعوا بعضها الآخر في تنفيذ مؤامراتهم تلك، خانوا أمانة حلفائهم وأصدقائهم من جهة وخانوا تصريحهم الذي شاركوا فيه الأمريكيين منذ أعوام وتعهدوا فيه بالمحافظة على السلام في هذا الجزء من الشرق العربي، وخانوا العهد الذي قطعوه على أنفسهم لمصر نفسها حين اتفقوا معها على الجلاء عن قناة السويس.

    أجرموا إذن في غاية هذه المؤامرة بما اقترفوا من غدر أضاع السلم، وأجرموا في وسائلها بما اقترفوا من سرقة حلفائهم وأصدقائهم، وبما أثبتوا لأصدقائهم وأعدائهم جميعًا إنهم لا يرعون عهدًا ولا ذمة، ولا يحفظون أمانة، ولا يَفون بوعد قدموه، ولا يبرون بقسم أقسموه، وإنما يبيعون قلوبهم وضمائرهم وينكثون عهودهم وإيمانهم ويضيعون أمانتهم وودائعهم ويهدرون الحق والحياء والعدل وقيم الحضارة كلها في سبيل ما يتوهمون أنه يجلب لهم نفعًا أو يبسط لهم سلطانًا، كل هذا لا يجادل فيه أحد ولا يشك فيه ساسة الشرق والغرب جميعًا، وهم لم يكتفوا بهذا كله وإنما يتسترون على آثامهم ويتورطون في الكذب إلى آذانهم، فيزعمون مرة أنهم طاروا لنصرة إسرائيل حين علموا أن مصر تريد أن تُغير عليها، وحين علموا أن الدول العربية كلها تأتمر بها، يقولون ذلك جهرة في غير تحفظ ولا حياء، مع أن العالم كله يعرف أن إسرائيل قد عدت على الأردن فلم يزد الأردن على أن رد العدوان، ولم يتحرك جيش مصر ولا جيش سوريا للهجوم على إسرائيل لعقابها وتأديبها؛ وإنما سلك العرب طريقهم إلى مجلس الأمن وهيئة الأمم حتى لا يُتهموا بالعدوان أو بمحاولة العدوان.

    ولم تخدع هذه الكذبة أحدًا؛ فاخترعوا كذبة أخرى، لم يكادوا يسوِّقونها حتى استقبلها العالم بالضحك والسخرية؛ وهى المؤامرة الثانية التي أشرت إليها في أول هذا الحديث، فقد زعموا أنهم علموا أن مصر تأتمر بالعالم الحر كله مع روسيا السوفييتية، فضحوا بأموالهم ورجالهم وبأموال المصريين ودمائهم أيضًا؛ ليفسدوا هذه المؤامرة ويحبطوا هذا التدبير، ويحفظوا الشرق العربي من صولة السلطان الروسي، ويحموا العالم الآخر كله من هذا الشر العظيم، الذي كان يوشك أن يلم به، ويجعل روسيا السوفييتية مسيطرة على شرق البحر الأبيض المتوسط متحكمة في قناة السويس سائرة بما فيه، مهددة لأوروبا الغربية أخطر التهديد، وكانت هذه الكذبة البريطانية التى تلقفها الفرنسيون فرحين بها مبتهجين بها ظاهرة السخف بيِّنة البطلان، يدل على سخفها وبطلانها كل شيء يدل عليهما. قبل كل شيء إن مصر حين صُب عليها العدوان الآثم صبًّا لجأت أول ما لجأت إلى هيئة الأمم المتحدة، واستصرخت العالم المتحضر كله لنصرة السلام ومعونتها على رد العدوان، لم تختص بهذا الاستصراخ دولة دون دولة ولا شعبًا دون شعب؛ وإنما وجهته إلى الأمم المتحضرة في أقطار الأرض كلها.

    ويدل على هذا السخف وبطلان هذه الكذبة ثانيًا أن الاتحاد السوفييتي نفسه حين أنذر المعتدين الآثمين قد أخطر الولايات المتحدة الأمريكية، ودعاها في صراحة إلى أن تشاركه في كف العدوان، ثم لم يصنع شيئًا أكثر من هذا، لم يرسل إلى مصر جندًا ولا أسلحة ولا متطوعين، ويدل على سخف هذه الكذبة وبطلانها ثالثًا أن الوزراء البريطانيين أنفسهم لم يستطيعوا أن يؤيدوا هذه الكذبة في مجلس العموم البريطانى حين طلب إليهم النواب ذلك؛ وإنما تهافوا وتخذلوا ولجلجوا، وقال قائلهم في تهالك إن أنباء التآمر بين مصر وروسيا لم تتأيد. وأي غرابة بعد ذلك في أن تنقل هذه الآثام الكثيرة والأكاذيب المبهظة على رئيس الوزراء البريطانيين فتنهار قواه وتنحل أعصابه ويأمره الأطباء بالراحة، ويفر بما بقي له من قوة إلى مكان بعيد جدًّا من بريطانيا؛ ليسترد بعض قوته ويشد أعصابه شيئًا، وأي غرابة بعد ذلك في أن يعتزل شئون الحكم اعتزالًا موقوتًا أو دائمًا ويلجأ إلى مكان سحيق يستريح فيه من الآثام والأكاذيب التي لم تغش عنه وعن أصحابه شيئًا.

    مؤامرتان نُشر حديثهما في أقطار الأرض؛ فأما أولاهما وهي مؤامرة بريطانيا وفرنسا وصنيعتيهما إسرائيل فقد صدقها العالم وأسرع إلى تأييد مصر بما قررت هيئة الأمم المتحدة، وبهذا التأييد الشامل الذي يأتيها من كل مكان حتى من بلاد الإنجليز والفرنسيين أنفسهم.

    وأما المؤامرة الثانية التي زعمها الإنجليز؛ فلم تكد تُذاع حتى كذَّبها العالم كله، وكذبها وزراء الإنجليز أنفسهم، وقالت الصحف الإنجليزية دع هذا السخف وأنبئنا عن ائتمارك مع فرنسا وإسرائيل بمصر، وطالبت وما زالت تطالب ويطالب معها النواب بالتحقيق لإثبات المؤامرة البريطانية الفرنسية الإسرائيلية، ومعاقبة الذين شاركوا فيها من وزراء الإنجليز، وصُرع لها رئيس الوزارة البريطانية مريضًا أو متمارضًا ونفى لها نفسه من وطنه إلى أجَل قد يقصر أو قد يطول، ووقف رئيس الجمهورية المصرية يعلن في صراحة وقوة قوية أن مصر لا تعبث ولا تريد أن تعبث باستقلالها، ولا تريد أن تكون صنيعة لدولة من الدول شرقية كانت أو غربية، ولا تريد أن تتبع هذه الكتلة أو تلك، ولا تريد إلا أن يكون استقلالها صريحًا صحيحًا، لا يذعن لقوة في الشرق ولا في الغرب، وشتان بين رئيس وزارة يأثم ويأتمر ويعتدي ويكذب ثم ينقلب عليه هذا كله فينهار، ورئيس جمهورية يصدق ويثبت ويمضي في طريق مستقيمة إلى الدفاع عن الحق والعدل واستقلال وطنه، وصدق الله ( وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا ).

  • حيرة٢

    حيرة
    بقلم الدكتور طه حسين
    وهم لا يحبون السلم لأنه يضيع هيبتهم في الشرق العربي ويطمع فيهم أممًا كانت منذ أعوام قليلة تسمع لهم وتطيع وهم بعد ذلك لا يفهمون الشرق العربي كما ينبغي أن يفهم ولا يعرفون مصر الحديثة كما ينبغي أن تعرف. ما زالوا يفكرون في هذه الأيام كما كانوا يفكرون في القرن الماضي. ويقدرون أن مصر سترهبهم اليوم كما كانت ترهبهم من قبل كأنهم لم يروا شيئًا ولم يعتبروا بما كان من الخطوب والأحداث.
    كان إبطاء مصر في الرد على رئيس اللجنة التي ألفت لتفاوض في أمر القناة يقض مضاجع الساسة البريطانيين والفرنسيين. وكان أولئك وهؤلاء يكدون عقولهم ويحملون ذكاءهم أكثر مما يطيق ليعرفوا أولًا هل يرد رئيس الجمهورية المصرية على كتاب اللجنة أو لا يرد وليعرفوا ثانيًا بماذا يمكن أن يرد رئيس الجمهورية المصرية أيقبل لقاء اللجنة أم يرفضه وليعرفوا ثالثًا ماذا يفعلون إن رفض رئيس الجمهورية المصرية هذا اللقاء.
    كانوا من كل ذلك في حيرة مظلمة. وكانت الصحف البريطانية والفرنسية تصور هذه الحيرة أصدق تصوير فتبدي وتعيد في فروض مختلفة لا تكاد تنقضي، ويناقض بعضها بعضًا فيما كان ينشر من التنبؤات المتباينة التي لم تكن تدل إلا على أن الكتاب البريطانيين والفرنسيين لم يكونوا يشقون بالحيرة والشك أقل مما كان يشقى بهما الساسة في بريطانيا العظمى وفرنسا جميعًا. ولكن الرد المصري يصل إلى لندن ذات صباح فتنجلي عن الساسة والصحفيين حيرة لتخلفها حيرة أخرى.
    فقد كان رد مصر محيرًا حقًا كان موجزًا أشد الإيجاز واضحًا أعظم الوضوح لا يحتمل تأويلًا ولا تحليلًا، طلبت اللجنة إلى رئيس الجمهورية المصرية أن تلقاه فأجابها بأنه مستعد للقائها ولكن هذا الجواب الموجز الواضح أضل رشد الصحفيين والساسة وأخرجهم من شك إلى شك فالرد المصري لم يشر من قريب ولا من بعيد إلى موضوع هذا اللقاء ولا إلى ما يمكن أن يجري فيه من حديث.
    ومن أجل ذلك ذهب الساسة والكتاب في تأويل هذا الرد مذاهب مختلفة أشد الاختلاف رأى المتفائلون منهم أن مصر قد جنحت إلى السلم وآثرت أن تصل مع الغرب إلى كلمة سواء ورأى المتشائمون أن وراء الأكمة ما وراءها وأن هذا الإيجاز يخفي شروطًا ستشترطها مصر قبل المفاوضة ويخفي مشكلات ستثيرها مصر أثناء المفاوضة وقوم آخرون توسطوا بين أولئك وهؤلاء وجعلوا يضربون أخماسًا لأسداس وأسداسًا لأخماس ويقدرون أن رئيس الجمهورية المصرية يصطنع المماطلة ليكسب شيئًا من الوقت يستطيع فيه أن يحول بعض الدول الأوربية عن فرنسا وبريطانيا العظمى وأن يضطر هاتين الدولتين الأخيرتين إلى العزلة وإلى احتمال ما ينشأ من تشددهما من تبعات. وما زال الساسة والكتاب يتخبطون في هذه الحيرة المظلمة ويلقون على أنفسهم وعلى الناس أسئلة كثيرة دون أن يجدوا عليها جوابًا وسيظلون كذلك حتى يتم اللقاء الأول في القاهرة بعد ثلاثة أيام نعدها نحن أيامًا قصارًا ويعدونها هم أعوامًا طوالًا لكثرة ما تكلفهم من الجهد وثقل ما تحملهم من العناء. وليس هذا كله هو مظهر الحيرة البريطانية الفرنسية بل هناك مظهر آخر لهذه الحيرة.
    ولكنه مظهر خطير بعيد الأثر فيما سيكون من الصلات المستقبَلة بين الشرق العربي والغرب الأوروبي. فالبريطانيون والفرنسيون يريدون المفاوضة، وهم من أجل ذلك قد شاركوا في إنشاء هذه اللجنة التي ستجري هذه المفاوضة، ولكنهم في الوقت نفسه يفرضون لهذه المفاوضة أساسًا يزعمون أنهم لن يتحولوا عنه مهما تكن الظروف ويريدون أن يلزموا مصر قبوله إلزاما. وهم من أجل ذلك يرسلون لجنة تحمل أغصان الزيتون وتدعو إلى السلم والعافية والتعاون ويقدمون بين يدي هذه اللجنة جنودًا وبنودًا وسفنًا وطائرات وتختار فرنسا خاصة اليوم الذي يصل فيه رد مصر لتستأذن بريطانيا العظمى في إرسال جنودها إلى قبرص استعدادًا للطوارئ وتأهبًا لحماية الفرنسيين في مصر إن تعرضت أشخاصهم أو مصالحهم للخطر. أما بريطانيا العظمى فماضية في التعبئة وإرسال الجنود في أثر الجنود استعدادًا لخطر أي خطر.
    فالقوم إذن حائرون لا يدرون أيفاوضون أم يحاربون أو هم إن شئت لا يريدون المفاوضة وإنما يريدون أن يفرضوا سياستهم على مصر فرضًا. يريدون أن يملوا عليها هذه السياسة ويخيرونها بين أن تقبل ما يُملَى عليها فتريح وتستريح وإن أهينت كرامتها وذل أبناؤها وقبلوا الضيم وهم صاغرون وإما أن ترفض ما يُملَى عليها فتصب الحرب عليها صبًا وتتعرض هي ويتعرض الأمن العالمي معها لشر يعرف أوله ولا يعرف آخره.
    والقوم مع ذلك يعلنون ويلحون في الإعلان أنهم لا يريدون إلا السلم وأن لجنتهم لا تحمل إلى مصر إنذارًا أو شيئًا يشبه الإنذار. هم لا ينذرون ولكنهم يحشدون الجنود في قبرص ومالطة ويعدون أنفسهم للحرب ويستطيع العقلاء أن يتخلصوا من كل هذا التخليط ما يشاؤون. ولكن الواقع من أمر البريطانيين والفرنسيين أنهم حائرون لا يدرون ماذا يصنعون ولا يعرفون كيف يقولون، قد أسرفوا على أنفسهم في الوعيد والتهديد يوم أعلن تأميم القناة وسجل عليهم هذا الإسراف. فهم يكرهون أن يتراجعوا فيفقدوا الثقة والإيمان بهم والاطمئنان إلى ما يبذلون من وعد ووعيد.
    وحذرهم الأمريكيون وخوفهم الروسيون من إثارة الحرب، فهم لا يستطيعون أن يقدموا عليها فينفض من حولهم الأنصار وإذا هم يتورطون في شر عظيم لا يعرفون كيف يخرجون منه ولا كيف ينفذون من مشكلاته التي لا تحصى وهم من أجل ذلك يرسلون لجنتهم وفي إحدى يديها غصن الزيتون وفي اليد الأخرى نذير الحرب دون أن يعرفوا حين يخلون إلى أنفسهم أيريدون حربًا أم سلمًا. هم لا يحبون الحرب لأنهم لا يقدرون عواقبها. وهم لا يحبون السلم لأنه يضيع هيبتهم في الشرق العربي ويطمع فيهم أممًا كانت منذ أعوام قليلة تسمع لهم وتطيع. وهم بعد ذلك لا يفهمون الشرق العربي كما ينبغي أن يفهم ولا يعرفون مصر الحديثة كما ينبغي أن تعرف.
    ما زالوا يفكرون في هذه الأيام كما كانوا يفكرون في القرن الماضي وما زالوا يعتقدون أنهم قادرون على أن ينذروا فيملأوا قلوب الناس رعبًا وفرقًا. فهم يرسلون جنودهم تخويفًا وإرهابًا ويقدرون أن مصر سترهبهم اليوم كما كانت ترهبهم من قبل. كأنهم لم يروا شيئًا ولم يسمعوا شيئًا ولم يعتبروا بما كان من الخطوب والأحداث. لم تعتبر فرنسا بما أصابها في الهند الصينية وبما أصابها قبل ذلك في الشرق الأدنى وبما يصيبها الآن في شمال أفريقيا ولم تعتبر بريطانيا بما أدركها من الخذلان في الهند وفي أقطار أخرى من الأرض وبما تتعرض له من الشر في قبرص هذه التي تحشد فيها الجند لتخيف مصر والشرق العربي مع أنها لا تستطيع أن تخيف قبرص نفسها بل لا تستطيع أن تؤمِّن جندها من القبرصيين أنفسهم، ولكن القوم قد سجلوا على أنفسهم وعدًا بأن يحفظوا على المسهمين القدماء في شركة القناة القديمة ما كانت تغل عليهم القناة من ربح وهم لا يعرفون كيف يبرون بهذا الوعد. وهم واثقون بأن المحافظين في فرنسا وبريطانيا العظمى لن يغفروا لهم تقصيرًا في خدمة رأس المال مهما تكن أسباب هذا التقصير وهم من أجل ذلك يملأون الدنيا ضجيجًا وعجيجًا وتهويشًا مستيقنين فيما بينهم وبين أنفسهم أنهم لن يظفروا بشيء مما يحبون وأن مصر ستثبت لوعيدهم إن اكتفوا بالوعيد وستخوض حربهم إن فرضوا عليها الحرب.
    وقد قلت حين قبض الأمريكيون والإنجليز أيديهم عن تمويل السد العالي أن مصر تتعرض لامتحان خطير فأما أن تثبت لكيد الغرب ومكره فتقنع العالم كله بأنها جديرة بما حققت لنفسها من الاستقلال وإما أن يدركها الضعف والوهن ويظهر في صفوفها الفشل والافتراق فتقنع العالم كله بأنها لم تنضج بعد ولم تصر أهلًا للحياة العزيزة التي تعرف كيف تأبى الضيم. قلت ذلك قبل تأميم القناة فأما بعد تأميمها وبعد هذا التحدي الذي تجاوز كل حد مألوف وبعد أن طمع الإنجليز والفرنسيون في أن يملأوا قلوب المصريين فرقًا ورعبًا وبعد أن جعل أولئك وهؤلاء يعبئون الجنود ويرسلونهم إلى شرق البحر الأبيض المتوسط وهيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن مغرقًا في نوم عميق كأن السلم لم يتعرض للخطر في هذا الجزء من أجزاء العالم أما بعد هذا كله فقد أصبح الامتحان الذي يخضع له المصريون في هذه الأيام أشد قسوة وأعظم عنفًا وأصبحت مصر مخيرة بين الاستقلال والعزة والكرامة مهما يكن ثمنها ومهما تكلفها من تضحية وبين العودة إلى احتلال بريطاني فرنسي أو إلى ما هو شر من الاحتلال البريطاني الفرنسي وهو الوصاية الدولية على إدارة القناة، وأنا مطمئن كل الاطمئنان إلى أن مصر ستختار فتحسن الاختيار.
    طه حسين
    الجمهورية ٥ سبتمبر ١٩٥٦.

  • اليوم الموعود

    اليوم الموعود
    طه حسين
    جريدة الجمهورية
    ٦ أغسطس ١٩٥٤

    هو ذلك اليوم القريب البعيد الذي تتعلق به النفوس وتتصل به الآمال، والذي تصبو إليه القلوب وتسمو إليه الأماني، والذي يجلو فيه آخر فوج من الجنود البريطانيين عن أرض الوطن بعد عشرين شهرًا.

    هو قريب لأن عشرين شهرًا ليست شيئًا ذا خطر في حياة الشعوب، وهو بعيد لأن آمالًا كثيرة وآجالًا كثيرة تتقاصر من دونه، ولا يعرف أصحابها أيدركونه فيما قُدر لهم أن يدركوا من الأيام، أم يفوتهم فيما قدر أن يفوتهم من الأيام. في ذلك اليوم الموعود يستدير الزمن كهيئته منذ ستة وعشرين قرنًا، حين كانت مصر حرة بأوسع معاني الحرية، كريمة بأدق معاني الكرامة وأصدقها، مستقلة بأصح معاني الاستقلال وأعمقها، أمرها إليها وسلطانها خالص لأبنائها، لا يشاركهم فيه أجنبي مشاركة قريبة أو بعيدة، حين كانت مصر تقضي وحدها في كل أمورها، لا ترجع إلى عاصمة بعيدة في أعماق بلاد الفرس أو في أعماق بلاد اليونان والرومان، أو في أعماق بلاد العرب أو في دمشق أو بغداد.

    ويقضي أبناء مصر وحدهم في أمورها لا يشاركهم فيها ملوك وخلفاء، قد استقروا في أرضها، وألصقوا أنفسهم بها أو ألصقتهم هي بنفسها. نعم في ذلك اليوم الموعود بعد عشرين شهرًا تشرق الشمس على مصر، فتراها كما عرفتها منذ ستة وعشرين قرنًا، حرة كريمة خالصة لأبنائها، لا ترجع في أمرها إلى سلطان أجنبي بعيد مسيطر عليها، ولا إلى سلطان أجنبي قريب مستقر فيها، وإنما يدبر أمورها أبناؤها الذين خرجوا من أعماقها وتأثروا بطبيعتها الخالصة من كل شائبة، البريئة من كل زيف. في ذلك اليوم تعرف مصر نفسها، بعد أن أنكرتها وجدَّت في طلبها، واحتملت في سبيل هذا الطلب خطوبًا في إثر خطوب، وكوارث في إثر كوارث. فقد ينبغي أن يذكر المصريون أن وطنهم لم ينسَ نفسه في يوم من الأيام، ولم يقبل الضيم من أي مصدر من مصادر الضيم، وإنما جاهد في سبيل استقلاله منذ فقدَ هذا الاستقلال، وأرهق الغزاة والغاصبين والمحتلين من أمرهم عسرًا.

    يجب أن يذكر المصريون حين يظلهم ذلك اليوم الموعود أن وطنهم لم يسترح ولم يرح قط، منذ فقدَ الاستقلال في القرن السادس قبل المسيح، إلى أن استرده في القرن العشرين بعد المسيح. وإنما أنفق هذه القرون الطوال صابرًا مصابرًا ومجاهدًا معاندًا وثائرًا يشقى ويشقى مستذليه ومستغليه، حتى أتيح له أن يبلغ الغاية التي جدَّ في سبيلها، واحتمل ألوان العناء، وحمل غيره ألوان العناء ليبلغها وفي الاستقلال الحر الكريم.

    إن في تاريخ مصر أثناء هذه القرون الطوال لعبرًا لمن يريد أن يعتبر، وعظات لمن يريد أن يتعظ، وعلمًا لمن يريد أن يتعلم، وحكمة لمن يريد أن يبلغ أعماق الحكمة. مصر هي الوطن الوحيد في أقطار الأرض كلها، الوطن الوحيد الذي جاهد هذه القرون الطوال، شاعرًا بالجهاد أحيانًا وغافلًا عن الجهاد أحيانًا. ولكنه مجاهد دائمًا، محتفظ بشخصيته دائمًا، مشارك في تنمية الحضارة دائمًا، مؤدٍّ حق الإنسانية عليه دائمًا، مناهض للمستذلين والمستغلين، حتى أُتيح له أن يجني ثمر جهاده الطويل الثقيل الذي ملأ التاريخ علمًا وحكمة، وملأ الأرض حضارة وثقافة.

    وما أحب أن يظن القارئ أني أتمدح أو أتكثر أو أستجيب لهذه العاطفة الكريمة؛ عاطفة الحب للوطن، وإنما أنا أحقق ما أقوله كل التحقيق. وأيسر النظر إلى تاريخ مصر الطويل أثناء هذه القرون الستة والعشرين يثبت في غير شك، ولا لبس أن مصر لم تخضع قط لمستعمر إلا كارهة ثائرة حين استطاعت أن تثور، مناوئة حين لم تتح لها وسائل الثورة، وهي في أثناء ذلك مشاركة في تنمية الحضارة، ناهضة بأعظم حظ في حفظ الثقافة ونشرها وإذاعتها، منتهزة كل فرصة لتؤدي واجبها للإنسانية المتحضرة كاملًا غير منقوص.

    من حق المصريين أن يحبوا وطنهم أكثر مما يحبون أنفسهم، وأن يفاخروا بتاريخه حين كان حرًّا مستقلًّا، وبتاريخه حين كان خاضعًا مستذلًّا؛ لأنه كان في هذين الطورين نافعًا للإنسانية دائمًا، ناهضًا بعبئه في غير كلل ولا ملل، وفي غير يأس ولا قنوط.

    وكأن مصر قد أبت أن تبلغ الغاية التي رسمتها لنفسها، إلا على أيدي أبنائها الخالصين من كل شائبة الخارجين من أعماقها، فقد أُتيح لمصر أن تجاهد وتقارب الفوز بما كانت تريد من هذا الاستقلال الكامل الموفور، ولكنها كانت تخفق حين تقارب الغاية، كأنها كانت تشعر بأن أوان الفوز لم يؤن بعد؛ لأن أمرها لم يكن إلى أبنائها.

    ما أكثر ما جاهَدَتِ الترك وقهرتهم أو كادت، وما أكثر ما جاهدت الإنجليز واستخلصت، وأرهقتهم من أمرهم عسرًا، ولكنها كانت دائمًا تقف قبل أن تبلغ الغاية، حتى إذا أزالت الملك الأجنبي عن وطنها، وثلت عرش محمد علي وبنيه، واستخلصت سلطانها لأبنائها، وردت هذا السلطان إلى الشعب كله، وعرفت أنها إن تدرك النجح يكن خالصًا لها من دون الأجنبي القريب أو البعيد؛ سعت إلى غايتها متمهلة وأدركتها مترفقة، وأصبح أبناؤها ذات يوم فإذا هم قد ظفروا في أقصر وقت ممكن بما لم تظفر به الأجيال الكثيرة في القرون الطوال.

    منذ عامين شبت الثورة فأنزلت عن عرش مصر آخر ملك أجنبي، ومنذ عام واحد أعلنت الثورة أن مصر ليست في حاجة إلى العرش؛ لأنه يغري بها الطامعين ويعلق بها آمال المغامرين، وإن الخير كل الخير في أن ترد أمر الشعب إلى الشعب، فألغت النظام الملكي وأعلنت النظام الجمهوري. وفي هذا العام بلغت الثورة الناشئة التي لم يتجاوز عمرها عامين اثنين ما أرادته مصر منذ أطول الأزمان من هذا الاستقلال الخالص الكريم، وحررت أرض مصر من الاحتلال الأجنبي الذي طالما تمنينا أن يزول وطالما جاهدنا في إزالته، فلم نبلغ مما تمنينا شيئًا، حتى ظن المستيئسون أن الذل قد سُجل على مصر تسجيلًا، وحتى زعم الزاعمون أن خصال الخير والشر قد قُسمت بين أقطار الأرض، على أن تختار كل خصلة من خصال الخير القطر الذي يلائمها، فتسعى إليه وتتبعها خصلة من خصال الشر، فاختار الغنى مصر وأعلن الذل أنه سيتبعه.

    فكيف بهؤلاء الزاعمين وأولئك المستيئسين لو رأوا مصر وقد احتفظت بالغنى وجددت السعي في إنمائه وإذكائه، ورفضت الذل وأقامت مكانه الإباء الأبي والعز العزيز.

    في عامين اثنين حققت ثورة الجيش في مصر أمورًا جسامًا، وأحدثت أحداثًا عظامًا؛ نفت عن نفسها النظام الملكي الذي خضعت له عشرات القرون، والذي جرَّ عليها كثيرًا من الضيم وفرض على أهلها الذل والهوان في عصور مختلفة من تاريخها في القرون الوسطى. وما بالك بأمة كانت تشتري ملوكها بالمال، ثم تُجلسهم على عرشها بعد أن تُهيئهم لذلك، وتعلمهم كيف يملكون وكيف يظلمون وكيف يُرهقون سادتهم من أمرهم عسرًا، وكيف يجزونهم من الخير شرًّا ومن العرف نكرًا ومن الإحسان إساءة وبغيًا وطغيانًا.

    نفت مصر عن نفسها هذا النظام في العام الأول من عامي هذه الثورة، فاستخلصت سلطانها الداخلي لأبنائها لا يشاركهم فيه أحد، ثم فرغت لمشكلاتها الخارجية فحلتها في يُسر ورفق قلَّما يعرف التاريخ لهما نظيرًا.

    حلَّت أول ما حلت مشكلة السودان، فلم تستأثر به لنفسها؛ لأنها لم تُرد ذلك في يوم من الأيام، ولم تتركه للطامعين فيه يستغلونه ويستذلون أبناءه، وإنما حرصت أشد الحرص على أن تظفر له بحريته قبل أن تظفر لنفسها بحريتها، ونجحت في تحقيق ما حرصت عليه. فأنشأت في شهور قليلة حكومة وطنية في السودان؛ قوامها أبناء السودان أنفسهم يدبرون أمورهم ويقررون مصيرهم، كما يحبون هم لا كما يحب غيرهم من الطامعين والمستعمرين. ثم التفتت إلى المشكلة الخاصة بينها وبين الإنجليز، فاشتدت حين كانت الشدة واجبة، ورفقت حين كان الرفق نافعًا، ورفضت كل ما لا يلائم الكرامة ولا يحقق العزة، وأبت إباء المستيئس، وقبلت قبول الآمل، وانتهت آخر الأمر إلى النهج الكريم في هذه الأيام الأخيرة، فضمنت الجلاء في غير مغامرة، ولا مقامرة بالمستقبل ولا إنكار للماضي ولا جحود لسنتها التاريخية المجيدة في الاتصال الأكيد بحضارة البحر الأبيض المتوسط؛ تلك الحضارة التي أنشأتها ثم أذاعتها ثم شاركت في تنميتها وتذكيتها، حتى أصبحت حضارة الإنسان كله في هذا العصر الحديث.

    وفي أثناء هذا كله عنيت بالإصلاح الاجتماعي، فجدَّت فيه غير وانية ولا متلكئة، فشرعت الإصلاح الزراعي لتلغي الفروق بين الطبقات، وتقر في نفوس المواطنين جميعًا أنهم إخوة ليس فيهم سيد ولا مسود، وأن ثروة مصر لم تُخلق ليستأثر بها فريق دون فريق، وإنما خُلقت لينعم بها المواطنون جميعًا كلٌّ على قدر بلائه وكفايته وجدِّه في العمل دون أن يكون في ذلك بغي أو سرف أو طغيان.

    في عامين اثنين حلت ثورة الجيش ما أحاط مصر من المشكلات الخارجية المستعصية؛ فاستخلصت السودان لأهل السودان، واستخلصت مصر لأهل مصر، ووضعت أسس الإصلاح الاجتماعي الداخلي.

    حققت هذا كله في أقصر وقت ممكن، بعد أن عجزت عن تحقيقه أجيال كثيرة في أزمنة متطاولة، وحققت هذا كله في رفق أي رفق وفي يسر أي يسر. لم تسفك في سبيله دمًا، ولم تزهق في سبيله نفسًا، ولم تعرِّض في سبيله مصلحة عامة أو خاصة لخطر قريب أو بعيد. فكان هذا كله مثلًا رائعًا سينتفع به العالم المعاصر من غير شك.

    ولقد قلت حين شبت ثورتنا هذه إنها لن تنفع مصر وحدها، ولكنها ستنفع أقطارًا كثيرة من حولها. وإني لسعيد الآن حين ألاحظ أني لم أكن مخطئًا ولا مغاليًا؛ فقد نفعت ثورتنا السودان فردته إلى أهله بعد أن كان طعمة سائغة للمستعمر، ولم تكد تمضي اتفاق الإنجليز منذ أيام حتى اضطرت فرنسا إلى أن ترد إلى تونس جزءًا عظيمًا من حقها، فردت إليها الاستقلال الداخلي، وسترد إليها الاستقلال الكامل في يوم قريب ما في ذلك شك.

    ولست أنا الذي يخترع هذه المقاربة بين ما حدث في مصر وما حدث في تونس، فقد اعترفت به الصحف الفرنسية نفسها، وكتبت جريدة الموند في تعليقها على الاتفاق الإنجليزي المصري تقول: إن هذا الاتفاق سيؤثر في المشكلة التونسية من غير شك، ثم لم نلبث إلا يومين اثنين وإذا رئيس وزراء فرنسا يطير إلى تونس ليعلن إليها أن فرنسا ترد إليها استقلالها الداخلي في صراحة لا تَحفُّظ فيها.

    وسجلت الصحف الإيطالية ذلك اليوم في تعليقها على القرار الفرنسي، فقالت الكويري دلاسيرا: إن من الملاحظ أن هذا القرار جاء في إثر الاتفاق المصري البريطاني.

    وأنا واثق كل الثقة بأن أثر هذا الاتفاق سيتجاوز تونس إلى مراكش، وعسى أن يكون ذلك قبل أن تنشر الجمهورية هذا الحديث.

    فمصر قلب العالم العربي ما في ذلك شك، وحرية مصر أساس لحرية العالم العربي كله ما في ذلك شك أيضًا، وأنا مطمئن بعد هذا كله إلى أن حرية مصر الكاملة لن تنفع المصريين والعرب وحدهم، ولكنها ستنفع الإنسانية المتحضرة كلها.

    فمركز مصر بين الشرق والغرب جدير بأن يجعلها مصدر خير كثير للشرق والغرب حين تطمئن وترضى، ومصدر شر كثير في الشرق والغرب حين تضطرب وتسخط، بشرط أن يُحسن المصريون تدبير أمورهم في حزم وعزم ورفق ومضاء. وأشهد لقد دبرت الثورة أمور مصر في حزم ورفق ومضاء، فلننتظر هذا اليوم الموعود فرحين مستبشرين ليسعد به الذين يدركونه وليرضى عنه الذين لا يُتاح لهم إدراكه، ويعلموا أن قد أتيح لهم أن يعيشوا حتى يروا وطنهم قد بلغ ما أراد وأصبح وطنًا عزيزًا كريمًا.

  • وزارة الإصلاح

    وزارة الإصلاح

    طه حسين

    جريدة البلاغ

    ٩ أغسطس ١٩٤٥

    لست أدري أكانت جريدة التيمس جادة أم هازلة، حيث أثنت على رئيس الوزراء في مقالها الذي نقل إلينا اليوم؛ لأنه كان حكيمًا حين حرص على ألا يتحول عن المهمة الخطيرة التي ينهض بها، وهي مهمة الإصلاح الداخلي، وعلى ألا يجاري الوفديين فيما يدعون إليه من جعل المطالب المصرية بشأن المعاهدة من المسائل المستعجلة أشدَّ الاستعجال.

    لست أدري أكانت جريدة التيمس جادة أم هازلة في هذا الثناء، ولكن الذي أقطع به هو أن جِدَّها وهزلها ليس من شأنهما أن يسرَّا رئيس الوزراء، أو أن يسرَّا من يحبُّه ويقدِّره ويتمنى له التوفيق. فليس مما يرضي ولا مما يسر أن تثني الجريدة الحالية المحافظة الكبرى في بريطانيا العظمى على رئيس وزارة مصرية بأنه معتدل حكيم حين تكون المطالب الوطنية هي موضوع هذه الحكمة وذلك الاعتدال.

    وقد كنت أتمنى لرئيس الوزراء أن يقف الموقف الذي يحمل جريدة المال والمحافظة الكبرى على أن تصفه بالتطرف والغلو. فالحكمة والاعتدال عند التيمس معناهما توخي الآراء التي توافق ميول الغلاة من المحافظين وأصحاب رءوس الأموال وممثلي المصالح الإمبراطورية الكبرى. وهذه الميول ليست هي التي يحسُّها الشعب المصري أو يطمئنُّ إليها، أو يرى فيها تحقيقًا لمطالبه وظفرًا بما يجب أن يظفر به من الاستقلال الكامل الذي يخلص من كل شائبة، ويكفُّ يد الأجنبي عن التدخل في أي شأن من شئون وادي النيل.

    ميول المحافظين والغلاة من أصحاب المصالح الإمبراطورية الكبرى الذين تثني جريدة التيمس باسمهم ولسانهم على رئيس الوزراء — لأنه وقف من المطالب المصرية موقف الحكمة والاعتدال — معاكسة بالضبط لميول الشعب المصري. فهؤلاء الغلاة من ممثلي المصالح الإمبراطورية الكبرى يكرهون أن يزحزحوا قيد أنملة عن موقفهم في العالم، ويأبون أن تنزل بريطانيا العظمى عن أيسر ما تملك من النفوذ في أي قطر من أقطار الأرض. ولا يقبلون تسامحًا ولا تحولًا عن موقفهم هذا، إلا أن تضطرهم إليه الظروف اضطرارًا، وتكرههم الحوادث على أن يتراجعوا قليلًا.

    وهم إن فعلوا كارهين حراص على ألا يتأخروا إلا أقل تأخر ممكن، وحراص على ألا يتأخروا إلا وهم يتربصون الدوائر وينتهزون الفرص؛ ليثبوا وثبة قوية أو ضعيفة ترد عليهم ما فقدوا كله أو بعضه أو أكثر منه. فإذا رضي هؤلاء الغلاة عن موقف رئيس الحكومة المصرية من مطالب مصر وأثنوا عليه، ووصفته صحيفتهم الكبرى بالحكمة والاعتدال، فمعنى ذلك من غير تردد أن موقفه يلائم ما يضطرب في نفوسهم من الميل، وما يملأ قلوبهم من الأهواء. وهؤلاء الغلاة من المحافظين وأصحاب المصالح الإمبراطورية الكبرى، مهرة كل المهارة بارعون كل البراعة، يثنون في قصد ويحمدون في تحفظ ويشجِّعون في احتياط.

    فالتيمس تُثْنِي على رئيس الوزراء في هذه الجملة القصيرة المحكمة التي تصوِّر كلَّ ما أرادت أن تقول، فتصفه بالحكمة لأنه لم يرد أن يتحول عن الإصلاح الداخلي، وأن يجاري الوفديين في تعجل المطالبة بالاستقلال. ثم تمضي بعد ذلك في ألوان من الكلام تلاطف بها رئيس الوزراء حينًا، وتلاطف بها الشعب المصري حينًا آخر. فالرغبة التي أظهرها رئيس الوزراء في تحقيق الاستقلال تصوِّر رغبة المصريين جميعًا. ومصر قد أخلصت أشدَّ الإخلاص وأكمله في تنفيذ المعاهدة، وأعانت حليفتها إلى أبعد حدود المعونة، وهي تستطيع أن تفخر بذلك. كذلك تقول التيمس، وهي صادقة كلَّ الصدق فيما تقول؛ فالمصريون جميعًا يعلمون أن رئيس الوزراء واحد منهم يحبُّ الاستقلال كما يحبونه، ويطمح إليه كما يطمحون إليه. ولكن التيمس نفسها قسمت المصريين قسمين: أحدهما معتدل حكيم لا يتعجَّل الاستقلال ولا يخطف الخطا في السعي إليه، ولا يتحول عليه عن الإصلاح الداخلي، ورئيس الوزراء على رأس هذا القسم، فهو خليق بالثناء والتقدير.

    ومن ذا الذي لا يثني على المعتدلين الحكماء الذين لا يشقون على الإمبراطورية البريطانية، ولا يتعجلون جلاء جنودها عن مصر والسودان، ولا يلحون عليها في أن تكفَّ يدها عن التدخل في شئون المصريين؟!

    أمَّا القسم الآخر فمتعجل متوثب لا ينام ولا يُنِيم، لا يستريح ولا يُريح، ينتهز كلَّ فرصة ليطالب بالحق. والغريب أنه يجرأ في هذه الأيام — التي تنظم فيها شئون العالم وتقرر فيها مصائر الأمم — على أن يطلب إلى البريطانيين تحقيق ما وعدوا به ألفَ مرة ومرة؛ من الجلاء، وتنظيم المسائل المعلقة بين مصر وبريطانيا العظمى، وإقامتها على أساس من الاستقلال الكامل الصحيح. وهذا القسم هو الكثرة الساحقة للشعب المصري التي تجري مع الوفد إلى غير غاية، وتسايره في غير طريق، تتعجل تحقيق الاستقلال، وتتعجل الجلاء، وتتعجل أشياء كثيرة منها المعقول ومنها غير المعقول؛ ذلك لأنها كثرة وفدية متعجلة متسرعة لا تعرف الحكمة والاعتدال، ولا تحب ما يحب رئيس الوزراء من التمهل والأناة، وانتظار ما قد تأتي به الأيام بعد وقت يقصر أو يطول من فرصة تسنح للمفاوضات حين يرضى عنها الإنجليز، أو حين يطلبها غلاة المحافظين.

    ومن خصائص هذه الكثرة الوفدية الجامحة أنها لا تنصرف عن هذا الاستقلال الذي تلحُّ فيه إلى شيء حتى إلى الإصلاح الداخلي؛ فهي دائمًا تطالب بالاستقلال لا يشغلها عنه شاغل، ولا يحولها عنه محول، حتى ولا الغذاء والكساء. فكيف لا يعاف هؤلاء الوفديون الذين لا يريدون حكمة ولا اعتدالًا، ولا يحبون مهلًا ولا أناة، وإنما يطالبون بالاستقلال مصبحين وممسين؟ وكيف لا يفضل عليهم رئيس الوزراء وأصحابه هؤلاء الذين لا يحسنون الصبر والانتظار ويحبون الاستقلال، ولكنهم لا يكرهون أن ينتظروه انتظارًا طويلًا مهما يكن هيامهم به وشوقهم إليه؛ لأنهم يفضِّلون الإصلاح الداخلي، ويرون الحاجة إليه أشدَّ من تعجل الاستقلال.

    أترى أني لم أكن مخطئًا حين تساءلت في أول هذا الحديث: أكانت التيمس جادة أم هازلة في ثنائها على رئيس الوزراء؟

    وليس من شك عندي في أنها جمعت بين الهزل والجد؛ فهي جادة حين ترضى عن أناة رئيس الوزراء وتمهُّله، وهي هازلة حين تذكر الإصلاح الداخلي الذي يؤثره رئيس الوزراء، وينفق فيه جهده كله ووقته كله، حتى يُشْغَلَ به عن استكمال الاستقلال.

    يجب أن تكون التيمس هازلة أو غافلة، وأكبر الظن أنها بعيدة عن الغفلة كلَّ البعد؛ فإن لها في مصر مكاتبين ينبئونها بما يحدث وما لا يحدث من الإصلاح، وأكبر الظن أنها تعلم أن الدورة البرلمانية قد انتهت أول أمس بعد أن اتصلت سبعة أشهر اجتمع فيها مجلس النواب نيفًا وثلاثين مرة أو ستين مرة؛ ففي المسألة قولان، ولها تأويل وتعليل، وأقرَّ فيها البرلمان أمورًا خطيرة جدًّا تصلح الحياة المصرية إصلاحًا كاملًا، وتغير شئون مصر في كل ما يتصل بالاجتماع والاقتصاد والتعليم تغييرًا كاملًا، وتنقل مصر فجأة من الانحطاط الخطير الذي دفعها إليه الوفديون إلى رقيٍّ خطير لا يصل إليه الحكماء المعتدلون. وليس أدلَّ على ذلك من أن سكان مصر ينظرون فلا يرون شيئًا، ويسألون حكومة الإصلاح عن الإصلاح فلا يجدون عندها جوابًا؛ لأنها مشغولة بتحقيق المطالب المصرية. قد أعلنت الحرب، وجمعت الهيئة السياسية العليا، وأرسلت الوفد إلى سان فرانسيسكو، وترجمت ميثاق الأمم المتحدة إلى اللغة العربية والفرنسية، وأذاعته بهاتين اللغتين حتى اعتمدت بعض الشركات التلغرافية على ترجمتنا. وهي بهذا كله قد رفعت صوت مصر عاليًا، وكادت تنطح برأس مصر السحاب، ثم هي قد أنشأت الجامعة العربية، وردت بروتوكول الإسكندرية من التطرف والتعجل إلى الحكمة والاعتدال. فكيف تفرغ للإصلاح الداخلي، والله لم يجعل لرجل من قلبين في جوفه.

    وكذلك تشغل الحكومة بالإصلاح الداخلي عن الاستقلال؛ فتستأني في المطالبة به، وتنتظر أن يرسله الله إليها في يوم من الأيام، وتشغل بالاستقلال ومظاهر السيادة الخارجية عن الإصلاح الداخلي، فلا تُشرِّع قانونًا ذا خطر، ولا ترقِّي اقتصادًا ولا اجتماعًا، ولا تحمي جائعًا من جوع، ولا تجد ثوبًا لعريان، ولا تردُّ جهلًا عن جاهل، ولا مرضًا عن مريض. هي مشغولة فارغة وفارغة مشغولة، وهي كما تحب لها أن تكون؛ تذهب إلى الدواوين وتعود إلى الدور، وتتردد بين مجلسي البرلمان، وتتردد بين القاهرة والإسكندرية، وتصمت فيقال حكومة الصمت والعمل، وتتكلم فيقال حكومة العقل الراجح والرأي الناضج والقول السديد.

    وماذا يريد المصريون أكثر من هذا حكومة تصفها التيمس بالحكمة والاعتدال؟! والتيمس جريدة كبرى واسعة الانتشار، إذا أثنت على حكومة مصرية نشرت الدعوة لمصر كلها، ورفعت صوت مصر عاليًا بين الأمم، وجعلت لمصر مكانًا ممتازًا تحت الشمس. ماذا يريد المصريون أكثر من هذا؟!

    يريدون أن يستقلوا فسيستقلون يومًا ما، ليس في ذلك شك، يريدون أن يجدوا الغذاء والكساء، فليتعلموا الصبر والاحتمال والقناعة والرضا بالقليل. فكل هذه خصال يمتاز بها الشعب الكريم، وكل هذه مشقات يمكن احتمالها في سبيل إقصاء الوفديين المتعجِّلين المتسرِّعين عن مجالس الحكم وعن كراسي البرلمان، ولا بد من أن تتأدب مصر وتتعلم الحكمة والقصد والاعتدال، وترك التسرع والتعجل، وترك الإسراف في المطالبة بالاستقلال قبل أن يحين الحين ويأتي الأوان.

    أليس غريبًا أن يقال إن رئيس وزرائنا مشغول بالإصلاح الداخلي، وهو من أجل ذلك لم يجارِ الوفديين في تعجل المطالبة بالاستقلال؟! أكانت التيمس تهزل أم تجد حين كتبت هذا الكلام؟! إن التيمس لتعلم حقَّ العلم أن الوزارة القائمة إذا أرادت أن تحقق من الإصلاح الداخلي ما حققته الوزارة الوفدية الأخيرة، فقد تحتاج إلى أعوام وأعوام وإلى جهود وجهود دون أن تبلغ ذلك أو بعضه.

    لقد كاد الحَوْلُ يَحُول على نهوض الوزارة القائمة بشئون الحكم، والمصريون ينظرون فيرون أن أمورهم قد تقدمت إلى وراء لا إلى أمام، وارتقت إلى أسفل لا إلى أعلى، وأصبح كل مصري يسأل نفسه: أيمكن أن تمضي الأمور على هذا النحو وقتًا طويلًا؟! لا نكاد نستثني من هؤلاء المصريين إلا هذه القلة الضئيلة الحاكمة، وهذه القلة نفسها غير راضية ولا مطمئنة. ثم يقال بعد ذلك إن رئيس وزرائنا لم يرد أن يتحول عن الإصلاح الداخلي إلى تعجل الاستقلال.

    وبعد؛ فهل يرضى رئيس الوزراء عن هذا الوضع الذي وضعته فيه التيمس؟ بل هل يرضى رئيس الوزراء وأنصاره في البرلمان عن هذا الوضع الذي وَضَعُوا فيه أنفسهم، حتى وصفوا بالحكمة والاعتدال؛ لأنهم مشغولون بإصلاح لم يحدثوا منه قليلًا ولا كثيرًا؟!

    متى يستطيع الناس أن يصارحوا أنفسهم؟ ومتى يستطيع أصدقاء رئيس الوزراء وخاصته وأصحاب ثقته أن يحذِّروه من هذا الموقف الذي اضطر إليه، والذي يوشك أن يضطر إليه مصر أيضًا؛ موقف القناعة والرضا بالقليل والاطمئنان إلى ما لا ينبغي للشعب الحر أن يطمئن إليه، موقف الشعب الذي يمكن أن يقال له — وأتمنى مخلصًا ألا يقال له — ذلك البيت العربي القديم:

    دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي

    والشيء المؤلم حقًّا هو أن كثرة الشعب المصري لم تبلغ حتى أن تكون طاعمة كاسية.

  • الدكتاتورية الدولية

    الدكتاتورية الدولية
    طه حسين
    جريدة الوفد المصري
    ٢٩ يونيو ١٩٤٥

    لم يتلقَّ الناس مؤتمر سان فرنسسكو بما كان ينتظر أن يتلقَّوه به من غبطة وابتهاج، ولم يتتبعوا أعماله بما كان ينتظر أن يتتبعوها به من عناية واهتمام. ثم لم يستقبلوا ميثاقه بما كان ينتظر أن يستقبلوه به من رضًا وحبور. وإنما أحاط بالمؤتمر قبل انعقاده وأثناء انعقاده وبعد انفضاضه جو غريب خانق من التشاؤم والشك، ثم من الحذر والخوف، ثم من اليأس والقنوط.

    وأسباب ذلك واضحة كل الوضوح، فقد كان المؤتمر الذي عقده الرؤساء الثلاثة في القرم تمهيدًا لسان فرانسسكو، وفهم الناس من هذا التمهيد أنه وضع للقواعد التي لا ينبغي للمؤتمرين في سان فرنسسكو أن يحيدوا عنها، وأنه فرض لإرادة المنتصرين الأقوياء على المنتصرين الضعفاء وعلى الذين لم يشتركوا في الحرب إلَّا حين كادت الحرب أن تنتهي. ومن أجل ذلك تمنعت فرنسا وترددت ورفضت ما عرض عليها من الاشتراك في الدعوة إلى المؤتمر، ولولا إشفاقها من العزلة وحرصها على المشاركة في كل عمل دولي رعايةً لمكانتها بين الدول الكبرى؛ لكان من الممكن أن تغلو في التردد والتمنع. فأمَّا غير فرنسا من الدول فقد أقبلت على المؤتمر كارهةً فاترةً كأنما كانت تساق إليه سوقًا، ودفعها إلى هذا الإقبال الاحتياط للمستقبل، والحذر من الحاضر، وحب الاستطلاع، ومجاراة القوي، والرغبة في أن يسمع العالم صوتها على كل حال.

    وزاد في هذه الشكوك التي ملأت الجو حول المؤتمر قبل انعقاده ما قرره الثلاثة من أن المشاركة في هذا المؤتمر مقصورة على الذين شاركوا من الحرب، وأن من شاء من المحايدين أو من غير المحاربين أن يشارك في هذا المؤتمر فليس أمامه إلَّا طريق واحدة، هي أن يعلن الحرب على دول المحور بعد أن أوشكت الحرب أن تنتهي في أوروبا.

    وكذلك دخلت تركيا ودخلت بلاد الشرق الأدنى ودخلت بعض الدول الأمريكية الجنوبية، وكان هذا كله نوعًا من الترغيب المريب أو نوعًا من الترهيب المخيف.

    ثم انعقد المؤتمر ولم يكد يتقدم في عمله حتى ظهر الخلاف بين الدول الأوروبية والأمريكية الكبرى في مسائل كثيرة، وحتى تبين للناس أن المهم الخطير من أعمال المؤتمر إنما يدبر من دون الأستار لا على مشهد من كافة المؤتمرين، وحتى تبين للناس أيضًا أن الأمر كله إنما كان يدور على تحقيق التوازن بين مصالح الدول الكبرى دون عناية ظاهرة بآمال الدول الصغرى.

    ومن أجل ذلك كان الخلاف يثور من حين إلى حين بين السكسونيين والروسيين، فيضطرب كل شيء ثم يقف كل شيء، حتى إذا استقامت الأمور وتراضى المختلفون جرت سفينة المؤتمر بريح مواتية. وكانت الدول الصغيرة ترفع صوتها بين حين وحين بهذا الرأي أو ذاك، فيسمع لها الكبار مبتسمين ثم يعرضون عنها مبتسمين، ثم يصرون على ما أرادوا مبتسمين، ثم تذعن الأمم الصغرى باسمةً مرة وعابسةً مرة أخرى، ولكنها تذعن على كل حال. ثم أتم المؤتمر عمله وأمضى ميثاقه؛ فلم تبتهج الأمم ولم تغتبط، وإنما قال المؤتمرون أنفسهم كلامًا يصور الغبطة والابتهاج. ثم تفرقوا وأُلقيَ الستار وجاءتنا الأنباء صباح اليوم من سويسرا بأن المحايدين والمحاربين في أوروبا تلقوا ميثاق المؤتمر في كثير جدًّا من الفتور.

    وكذلك اضطربت الدنيا أشهرًا ثم عادت إلى السكون، وكأنها لم تضطرب. وقيل للناس: إن عالمًا جديدًا سينشأ في سان فرنسسكو، ثم رأى الناس أن سان فرنسسكو لم تزد على أن أعادت تنظيم العالم القديم. فلقي الناس ذلك كله، لا أقول بالفتور كما تقول الأنباء التي جاءت من سويسرا، وإنما أقول: بالحزن والابتئاس. فقد كان الناس ينتظرون شيئًا كثيرًا من انتصار الديمقراطية، وكانوا واثقين بأنهم سيبلغون ما كانوا ينتظرون، ثم نظروا فإذا هم لم يبلغوا شيئًا ولا يكادون يرجون أن يبلغوا شيئًا.

    وإذن، فلقد بذلت الإنسانية ما بذلت، واحتملت ما احتملت، وضحَّت ما ضحَّت؛ لا ليقوم العدل الشامل الكامل مكان الجور المرهق المهلك، ولكن ليحقق المنتصرون الأقوياء ما ينبغي أن يتحقق بينهم من توازن المصالح وتكافؤ المنافع. وإذا لم يكن بد من أن نلاحظ أن مؤتمر سان فرنسسكو قد أنشأ شيئًا جديدًا، فقد نستطيع أن نلاحظ أنه أنشأ الدكتاتورية الدولية الكبرى، وهي جديدة حقًّا لم تستطع الحرب الكبرى الماضية أن تنشئها، ولم تستطع عصبة الأمم الماضية أن تنشئها؛ لأن أوروبا في أعقاب الحرب الماضية لم تخضع كلها لألمانيا، ولم يقم منها الإنجليز والأمريكيون والروس مقام المحررين المنقذين، وإنما كان النصر شائعًا، شاركت فيه فرنسا وإيطاليا وبلجيكا مشاركة قوية؛ فكان لها أن تقول كلمتها. واستطاعت أوروبا أن تخلص بذلك الفوز الأعرج الذي لم يبلغ أن يكون ديكتاتورية ولا شيئًا يشبه الدكتاتورية. فأمَّا الآن فقد خضعت أوروبا كلها لألمانيا، وأقبلت الدول الثلاث عليها محررة منقذة، وتناست الدول الثلاث ما احتملت أوروبا وغير أوروبا من هول، فأملت شروطها على الأمم المحررة كما أملت شروطها على الأمم المغلوبة، وتحققت بذلك هذه الديكتاتورية التي جعلت أمور الأرض كلها إلى الثلاثة حين اجتمعوا في القرم، وإلى الثلاثة حين دبروا مؤتمر سان فرنسسكو، وإلى الثلاثة حين يجتمعون في برلين؛ ليقبلوا ما قُرِّر في سان فرنسسكو، وليضعوا القواعد التي ستفرض على مؤتمر الصلح حين ينعقد غدًا أو بعد غدٍ.

    من أجل هذا كله لم نكن مخطئين حين تمنينا أن يكون مؤتمر سان فرنسسكو لاحقًا لمؤتمر الصلح لا سابقًا له؛ لتقبل الأمم على هذا المؤتمر وقد عرفت ما لها وما عليها، فتقدم عن بصيرة وتحجم عن بصيرة. فأمَّا الآن فقد قيدت الأمم الصغيرة والمتوسطة بقرارات سان فرنسسكو، فلن تستطيع أن تكون حرة حين تملى شروط الصلح عليها وعلى المغلوبين. ومن أجل هذا كله لم نتردد في أن ننصح المصريين ونلح عليهم في النصح ألَّا يورطوا أنفسهم حتى يظفروا بحقهم كاملًا، ويخلصوا من هذه القيود التي فرضتها عليهم المعاهدة قبل الحرب، وزادتها الحرب قوةً وشدةً وثقلًا. ولكن الناهضين بالأمر لم يسمعوا ولم يحفلوا ومضوا أمامهم لا يلوون على شيء حتى أمضوا الميثاق فيمن أمضاه، ونظرنا فإذا مصر أمام مشكلات معقدة أشد التعقيد، وكان المغفور له أحمد ماهر باشا قد أنبأ البرلمان بأنه سيحاول حل المشكلات بين مصر وبريطانيا العظمى قبل انعقاد المؤتمر فأعجله الموت عن ذلك. ولسنا ندري ما صنع خلفاؤه، ولكنَّا نعلم أن الأمر بيننا وبين البريطانيين قائم كما كان، وأننا قد أمضينا الميثاق في سان فرنسسكو، فأضفنا مشكلات إلى مشكلات، وتعقيدًا إلى تعقيد.

    وإذا لم يكن بدٌّ من أن نمضيَ في النصح للمصريين سواء منهم من نهض بأعباء الحكم، ومن أعفي من أعباء الحكم، فإنَّا نلح عليهم أشد الإلحاح في ألَّا يبرموا هذا الميثاق ولا يغلوا وطنهم بما فيه من تبعات والتزامات قبل أن يخلِّصوا وطنهم من التبعات والالتزامات التي تفرضها عليه المعاهدة بيننا وبين الإنجليز.

    يجب أن يعلم المصريون — ومن الحق علينا أن نعلِمهم — أن الارتباط بما في ذلك الميثاق من القواعد والشروط سيسد الطريق علينا إذا أردنا أن نعيد تنظيم العلاقات بيننا وبين حلفائنا، وأبى حلفاؤنا أن يعيدوا النظر في هذا التنظيم. فلننظم هذه العلاقات أولًا، ولنمحُ كلَّ خلاف بيننا وبين الإنجليز، ولنمضِ بعد ذلك إلى ما يجب علينا من التعاون الدولي بمقتضى هذا الميثاق أحرارًا كرامًا، لا مكرهين ولا مقيدين.

    هل يعلم المصريون أن لحلفائنا أن يستبقوا جيشهم في مصر بمقتضى المعاهدة عشر سنين، حتى إذا انتهى الأمد جاز أن نفاوضهم في الجلاء؟

    وهل يعلم المصريون أن الميثاق يفرض علينا إن قبلناه أن نضع مرافقنا كلها تحت تصرف الأمم المتحدة — أي الدول الكبرى — إذا احتاجت ظروف السلم إلى ذلك؟

    وهل يعلم المصريون أن معنى هذا أن مصر قد تخضع لاحتلالين أحدهما بريطاني تقتضيه المعاهدة، والآخر دولي يقتضيه الميثاق؟

    وهل يعلم المصريون أننا إذا لم نفرغ من مشكلة السودان قبل إبرام الميثاق؛ فلن نستطيع أن نحل هذه المشكلة إلَّا برضا حلفائنا الإنجليز؟

    وهل يعلم المصريون أن جامعة الأمم العربية التي فرحوا بإنشائها وحرصوا على تأييدها لن تستطيع أن تدفع العدوان عن نفسها أو عن أحد أعضائها بالقوة إلا أن يأتي هذا العدوان من ألمانيا أو إيطاليا أو اليابان، فأمَّا إن جاء هذا العدوان من إحدى الدول المنتصرة، فلن يكون إلى دفعه سبيل إلَّا إن رضي المعتدي؟

    هذه أشياء يجب أن يعلمها المصريون، ويجب على قادة الرأي أن يبصِّروهم بها تبصيرًا؛ ليعلموا إلى أين يُساقون، وليعلموا لأي خطر يتعرضون. وهذه أشياء تعرفها الحكومة حق المعرفة، وسيعرفها البرلمان يوم تعرض عليه حق المعرفة. والقائمون بأعباء الحكم والمدبرون لأمور الدولة في الوزارة وفي البرلمان مصريون قبل كل شيء، وبعد كل شيء، وفوق كل شيء. فلسنا نطلب إليهم شيئًا كثيرًا ولا غريبًا، ولسنا نكلفهم شططًا ولا نرهقهم عسرًا إن طلبنا إليهم ألَّا يبرموا هذا الميثاق حتى يحلُّوا ما بيننا وبين الإنجليز من المسائل المعلقة حلًّا يلائم كرامة الشعب ويحقق رضاه ويكفل له مستقبلًا حرًّا كريمًا.

    والشيء الذي نستطيع أن نؤكده مطمئنين كلَّ الاطمئنان إلى أننا غير مخطئين، هو أن الشعب لن يقر هذا الميثاق ولن يرضى عن الذين يقرونه إلَّا إذا حُلَّت المسائل المعلقة بيننا وبين الإنجليز قبل إبرامه حلًّا كريمًا يكفل له حقه في الحرية الكاملة والاستقلال التام في جميع أقطار وادي النيل.

  • كلام وأحلام

    كلام وأحلام

    طه حسين

    جريدة البلاغ

    ١٧ مايو ١٩٤٥

    يقول المثل العربي القديم: إن الحرب أولها كلام.

    ويظهر أن الحرب آخرها كلام أيضًا؛ فقد كثر الحوار واشتد الجدال في أقطار الأرض كلها قبل أن تنتهي الحرب بوقت طويل، وقد انقطع دوي المدافع في أوروبا وانتهى تبادل الموت بين المتحاربين، ولكن حرب الكلام لم تزدد إلَّا اضطرامًا واحتدامًا.

    وما من شك في أنها ستمعن في الاضطرام والاحتدام كلما تقدمت الأيام حتى ينعقد مؤتمر الصلح وينتهي إلى القرارات التي يمكن أن ينتهي إليها.

    ومن يدري؟! لعل هذا أيضًا لا يضع حدًّا للحرب الكلامية؛ فحاجة من عاش لا تنقضي، وآمال الناس لا تُضبَط، ومطامعهم لا تُحَدُّ، ولا بدَّ لهم من أن يختصموا. وهم سعداء كل السعادة حين ينتهي اختصامهم إلى مثل ما هم فيه الآن من اختلاف الرأي، وتباين الأهواء، والازدحام على المطامع والمآرب. ولا يتجاوز ذلك إلى مثل ما كانوا فيه في هذه الأعوام الأخيرة من تهادي الموت، وتقارب الدمار، وإسراف بعضهم في إثناء بعض.

    والأمريكيون يحبون الإحصاء ويغلون في حبه ويقحمونه في كل شيء، وهم قد أحصوا المشكلات التي يواجهها المنتصرون في أوروبا، فرأوها تنيف على الثلاثين. منها ما يتصل بشرق أوروبا، ومنها ما يتصل بغرب أوروبا، ومنها ما يتصل بأوروبا الوسطى، ومنها ما يتصل بأوروبا الجنوبية، ومنها ما يتصل بأقطار أخرى يفصلها البحر عن أوروبا، ولكن بينهم وبين أوروبا أسبابًا لا تريد ولا ينبغي أن تنقطع.

    والعالم الحديث يحب التخصص ويحرص عليه، وليس من شك في أن بين الذين يُعنَون بسياسة هذه المشكلات التي نيفت على الثلاثين طوائف تحرص على التخصص، فتؤثر كل واحدة منها أن تفرغ لمشكلة من المشكلات أو لجماعة من هذه المشكلات، تقتلها بحثًا ودرسًا وتمحيصًا، وتستكشف من أسرارها وغوامضها ما يزيد حرب الكلام اضطرامًا واحتدامًا. ولكن هؤلاء المتخصصين لم يستطيعوا بعد أن يمتازوا، ولا أن يرفعوا صوتهم فوق الأصوات، وإنما نحن الآن في طور الاختلاط الذي يعرض فيه كل إنسان لكل شيء، ويكتب فيه كل كاتب في كل موضوع. وليس في ذلك شيءٌ من الغرابة، فلم تنتهِ الحرب الأوروبية إلَّا منذ أسبوع.

    وعلى كل حال، فهناك مراكز أساسية لهذه الحرب الكلامية الخطيرة، وهي: لندرة، وموسكو، وواشنطون، وباريس. وقد كان يظن أن سان فرنسيسكو ستكون أهم هذه المراكز وقتًا ما، ولكن سان فرنسيسكو لم تلبث أن فقدت خطورتها حين انتهت الحرب الأوروبية، فتفرق عنها وزراء الخارجية للدول الكبرى، وعادوا إلى بلادهم يشرفون من قرب على إدارة الحرب الكلامية الظاهرة والخفية بعد أن انتقلت إليهم أمور الحرب من زملاءهم وزراء الدفاع والهجوم، وأصبحت سان فرنسيسكو الآن في المنزلة الثانية أو الثالثة، يكثر فيها الكلام ويقل فيها العمل.

    وليس أدلُّ على ذلك من أن المسائل الكبرى التي كانت تُدرَس في سان فرنسسكو ويشتد حولها الخلاف والجدال قد سافرت هي أيضًا مع وزراء الخارجية إلى المراكز الكبرى لحرب السياسة والكلام، وأصبحت من الأمور التي لا تشترك في درسها الأمم الصغيرة والكبيرة والمتوسطة، وإنما تتأثر بدرسها والقضاء فيها الدول الكبرى وحدها.

    وهذه الدول الكبرى كانت أربعًا؛ وهي: بريطانيا العظمى، وأمريكا، وروسيا والصين. فأصبحت خمسًا بعد أن رُدَّ إلى فرنسا مركزها الطبيعي بقرار إجماعي من مؤتمر الأمم المتحدة في سان فرنسسكو.

    والظريف الطريف في هذا أن الوفد الكندي هو الذي اقترح أن يُرَدَّ هذا المركز إلى فرنسا، وأن الوفد الذي أيَّده في هذا الاقتراح هو وفد أفريقيا الجنوبية، وإذا لم تكذبني الذاكرة فإن المارشال سمطس هو الذي يرأس وفد أفريقيا الجنوبية، والمارشال سمطس هو الذي ألقى منذ حين حديثًا لم ينسَه الناس بعد ولم تنسَه فرنسا بعد، وقد أعلن فيه أن فرنسا قد فقدت مكانها بين الدول العظمى إلى وقتٍ بعيدٍ جدًّا. فمن الطريف أن يكون المارشال سمطس هو الذي يؤيد الاقتراح الذي يردُّ إلى فرنسا مركزها الطبيعي الممتاز. وهذا يدل على شيئين؛ أحدهما: أن حقائق الحياة أقوى جدًّا من تفكير الناس وتقديرهم. والثاني: أن الناس لم يخطئوا حين قدروا أن المارشال سمطس سياسي عظيم؛ لأنه يلائم بين آرائه وبين حقائق الحياة، ولا يمتنع من الرجوع عن الخطأ حين يظهر له أنه كان مخطئًا.

    وربما دلَّ هذا على شيءٍ آخر ينبغي أن نتدبره نحن ونطيل التفكير فيه، وهو أن اليأس إن كان بغيضًا خطرًا بالقياس إلى الأفراد، فهو سخيف كل السخف بالقياس إلى الشعوب.

    ففي مثل هذه الأيام من العام الماضي كان الألمانيون يحتلون فرنسا كلها ويسيطرون على أمرها سيطرة تامة، وكان الحلفاء يتهيأون للغزو، وكان الألمانيون يسخرون من هذا الغزو ويرونه مغامرة صائرة إلى الإخفاق.

    ثم بدأ هذا الغزو في يونيو، وحررت باريس نفسها في أغسطس، ولم يتم العام دورته حتى أصبح المغلوب غير الغالب، وأصبحت فرنسا كما كانت إحدى الدول الكبرى، وأصبحت ألمانيا محتلة كلها يشارك الفرنسيون أنفسهم في احتلالها. فإذا كان هناك شيءٌ ينبغي أن تتجنبه الأمم، وأن ترد عنه ردًّا عنيفًا، فإنما هو اليأس الذي لا يلائم الشعوب الحية ذات المجد القديم وذات الثقة بقدرتها على الحياة.

    أقول هذا وأنا أفكر في حلمٍ مَرَّ ببعض النفوس في مصر أثناء الحرب؛ لكثرة ما احتملت مصر من المشقة وما بذلت من الجهد وما سمعت من الشكر والاعتراف بالجميل، وما تلقَّتْ من الوعود، وما زُيِّن لها من الأماني، فقد وجدت بين المصريين من اتسعت آمالهم إلى أبعد حدٍّ. فقدروا أن انتهاء الحرب لن يكفل لهم استكمال الاستقلال فحسب، ولكنه سيكفل لهم شيئًا آخر أعظم خطرًا من استكمال الاستقلال، وهو الاشتراك الفعلي الخطير في تدبير الشئون العالمية الكبرى. ولم يكن هذا الحلم غريبًا ولا شاذًّا؛ فقد كانت مصر نقطة عظيمة الخطر حقًّا في مصير الحرب، وقد عرفت كيف تَفِي لحلفائها، وكيف تحمي ظهورهم حين كان الألمان يسرعون إلى الإسكندرية وإلى وادي النيل، وكيف تشد أزرهم حين ولى الألمان مدبرين، وكيف تمنحهم الود حين قلَّ الأصدقاء، وكيف يثبت قلبها حين تخلعت القلوب.

    كل ذلك قد كان، وكل ذلك عرفه الحلفاء جميعًا وشكروه لمصر شكرًا مجددًا متصلًا.

    وكان هؤلاء المصريون يعتقدون أن هذا كله لن يذهب مع الريح، ولن يُكافأ بكلمات الشكر وألفاظ الثناء وحدها. وكانوا واثقين بأن انتهاء الحرب سيكون من آثاره الأولى أن تُرَدَّ إلى مصر حقوقها الكاملة في وادي النيل كله، وأن تُدْعَى مصر إلى الاشتراك في تدبير الشئون العالمية الكبرى على أنها تستحق ذلك استحقاقًا لمركزها الجغرافي من جهة، ولوفائها بالعهد حين قلَّ الأوفياء بالعهد من جهة أخرى، ولمستقبلها الخطير، سواء أراد الناس أو لم يريدوا من جهة ثالثة.

    ولست أعتقد ولا أقول إن الأيام قد كذبت هذه الأحلام؛ فإن الحرب لم تَنْتَهِ في أوروبا إلَّا منذ أسبوع، والأسبوع شيءٌ قليلٌ في تاريخ الناس، وإنما أتمنى أن تنبئنا الأيام والأسابيع المقبلة بخير مما نبأتنا به الأيام والأسابيع الماضية، وقد كان من الخير أن تقول السياسة العالمية شيئًا في استكمال الاستقلال المصري، وأن يقول حلفاؤنا فيه شيئًا بنوع خاص، واستكمال الاستقلال المصري لا شأن له بمؤتمر الصلح ولا بمؤتمر سان فرنسيسكو، فهو ليس قضية معلقة بيننا وبين المحور المنهزم، وليس قضية معلقة بيننا وبين الروس والأمريكيين والفرنسيين والصينيين، وإنما هو شيءٌ بيننا وبين حلفائنا البريطانيين وحدهم. وقد أثبتت الحرب وأهوالها أن كل شيءٍ بيننا وبين البريطانيين يجب أن يقوم على المودة وعلى التكافؤ في الأخذ والعطاء.

    ولكن شيئًا لم يُقَلْ إلى الآن، فلننتظر حازمين عازمين واثقين بأن هذا الشيء يجب أن يُقال، ويجب أن يصبح حقيقة واقعة.

    وكان هؤلاء المصريون يُقدِّرون أن مصر لن تكون عضوًا مؤسسًا في جمعية الأمم المتحدة وحدها، بل ستكون عضوًا دائمًا في مجلس الأمن، سواء تألف من أحد عشر عضوًا أو أكثر من ذلك أو أقل.

    وقد يبدو هذا غريبًا عند الذين ينظرون إلى الأمور نظرة الشك، وقد يضحك من هذا بعض الأقوياء الذين تغرهم القوة فتغريهم بالاستطالة والاستعلاء، ولكن هذا الحلم ملائم كل الملائمة لحقائق الأشياء ولطبيعة السلم إن أُريد التماس السلم الصحيحة، فقد أظهرت الحرب ألَّا سبيل إلى السلم في أوروبا ولا في الشرق القريب أو البعيد إذا لم تكن شئون البحر الأبيض المتوسط مستقرة آمنة، وألَّا سبيل إلى أن تستقر شئون البحر الأبيض المتوسط وتأمن إلَّا إذا شاركت مصر في إقرارها وتأمينها.

    وهناك سبيلان لمشاركة مصر في إقرار هذه الشئون وتأمينها، إحداهما لا أمل فيها، وهي إكراه مصر على هذه المشاركة بالقهر والقسر والاستعلاء، فقد انقضت الأيام التي كان يمكن أن تُساس فيها مصر بما لا تريد، والثانية أن تكون هذه المشاركة نتيجة للحرية الكاملة والرغبة الصادقة والاقتناع بأن مصر مؤثر خطير في شئون الحرب والسلم في هذا الجزء من أجزاء الأرض.

    إذن؛ فلا غرابةَ في أن تُستشار مصر في كل ما يتصل بشئون البحر الأبيض المتوسط، ولا غرابة في أن تشير مصر في كل هذه الشئون.

    وسبيل ذلك أن تكون مصر عضوًا دائمًا في مجلس الأمن، فلم يَقُل أحد ولن يقول أحد إن الحرب قد ذهبت إلى غير رجعة، وإن السلم قد استقرت في حوض البحر الأبيض المتوسط إلى آخر الدهر، وإنما الذي يُقال هو أن الحرب قد انتهت الآن وتركت أوتارًا وحفائظَ وضغائنَ وأحقادًا ومطامعَ، وكل هذا خليق أن يعيدها يومًا ما إلَّا أن يحسن الاحتياط لذلك، ولن يحسن الاحتياط لذلك إذا أهملت مصر ولم تَرْعَ حقوقها وكرامتها وآمالها.

    وأعود فأقول إن هذه الأحلام قد يضحك منها الشاكون، ويسخر منها الأقوياء الظافرون، ولكنها مع ذلك ملائمة أدق الملاءمة وأصدقها لحقائق الأشياء.

    ومهما يكن رأي الشاكين والظافرين، ومهما يكن رأي بعض الصحفيين الأجانب الذين ينظرون إلى هذه الأحاديث نظرة لا تخلو من بعض الإشفاق ولا تخلو من بعض المكر، ويرون أنها أحاديث تصور المهارة أكثر مما تصور الحق الواقع.

    مهما يكن رأي أولئك وهؤلاء، فإن الشيء الذي ليس فيه شك هو أن علينا نحن الذين يبصرون الشعب المصري بحقوقه وواجباته، ويكشفون له عن آماله وأمانيه أن نقول للشعب المصري في صراحة وحزم وعزم إن من حقه أن يظفر باستقلاله كاملًا لوادي النيل، وإن من حقه أن يشارك مشاركة فعلية دائمة في تدبير أمور السلم، وإن من الواجب عليه لنفسه وللحضارة أن يعمل ويأمل ويجد في الظفر بهذه الحقوق والنهوض بهذه الواجبات.

  • ماذا؟

    ماذا؟
    طه حسين
    جريدة البلاغ
    ٢٢ فبراير ١٩٤٥

    يُقال في المثل الفرنسي: «الصحو بعد العاصفة.» ويُقال في المثل العربي: «عند الصباح يَحمَد القومُ السُّرَى.» والشيء المحقق هو أن العاصفة لم تهدأ بعد، وأن الصباح لم يُشرق بعدُ وإن كانت تباشيره تلوح من بعيد.

    ولست أريد بالعاصفة عاصفة الحرب، ولا بالصباح صباح السلم الذي سيسفر عند إمضاء الهدنة؛ فذلك شيء لا شأن لي به في هذه الأحاديث، وإنما أريد العاصفة السياسية، وأريد الصباح السياسي. ومن الواضح أن العاصفة السياسية التي تسبق الهدوء والصحو ما زالت شديدة الاضطراب والاختلاط، وأن صباح الوفاق لم يستطع بعدُ أن يطرد ظلمة الاختلاف.

    وأظن القارئ قد سئم هذه المجازات والاستعارات الرخيصة، وأظنه يتعجل الوصول إلى الكلام الواضح المفهوم. والكلام الواضح المفهوم هو أن أمور السياسة الدولية قد تكون جلية كل الجلاء في نفوس المستر تشرشل، والمستر روزفلت، والماريشال ستالين، والجنرال دي جول، والذين يتصلون بهم اتصالًا قريبًا جدًّا، ولكنها غامضة أشد الغموض بالقياس إلى أمثالنا من عباد الله المساكين الذين لا يَطَّلعون على دقائق الأمور ودخائلها. وآية ذلك أن الأسبوع الماضي تكشَّف عن تلك القرارات التي أصدرها الثلاثة في مؤتمر القرم، والتي لم تبين للناس إلا اتجاهين اثنين؛ أحدهما واضح كله الوضوح، وهو ما يتصل بالسياسة الروسية في شرق أوروبا، والثاني غامض كل الغموض، وهو ما يتصل بسياسة الأجزاء الأخرى بهذا العالم البائس.

    أمَّا السياسة الروسية في شرق أوروبا فبسيطة جدًّا، فحدود بولندا يجب أن تتغير، وقد تقرر تغييرها، ورومانيا وبلغاريا يجب أن تعيشا في ظل الصداقة الروسية، وهما تستظلان بهذا الظل الوارف، وتشكوسلوفاكيا يجب أن تسترد استقلالها معتمدة على الجيش الروسي. والحلف الروسي والجيش الروسي يعملان لتحرير تشكوسلوفاكيا. والحلف الروسي قائم منذ زمن بعيد. وأما فيما عدا هذه الأقطار من أوروبا ومن العالم كله، فالأمور غامضة تحتاج إلى كثير من التوضيح، وقد يُقال إن ميثاق الأطلنطي كفيل برد الأمور في بقية العالم إلى نصابها، ولكن ميثاق الأطلنطي قد أصبح مرشدًا لا قاعدة كما أنبأنا المستر تشرشل أمس في مجلس العموم؛ فهو إذن مصباح قد يقوى نوره وقد يضعف حسب ما يكون من اشتداد العواصف وهدوئها. وليس أدل على غموض الأمر واشتداد العاصفة، التي تبشر بالهدوء القريب أو البعيد، من هذين الأمرين اللذين لا يتحدث العالم في هذه الأيام إلا بهما، وهما الصلات بين فرنسا وأمريكا من جهة، والصلات بين الشرق العربي وأوروبا وأمريكا من جهة أخرى.

    فأما الصلات بين فرنسا وأمريكا، فقد كان الناس يعلمون منذ زمن بعيد أنها لم تكن يسيرة، ولا سهلة، ولا بريئة من بعض التعقيد؛ لأن مذهب الجنرال دي جول في السياسة الصريحة الحازمة التي تواجه الأمور مواجهة الصرامة والجد، وتسلك إليها الطرق المستقيمة لم يكن يعجب الأمريكيين. وقد غلا بعض الناس فزعموا أن هناك شيئًا من الفتور الشخصي بين الجنرال دي جول والمستر روزفلت، ولكن هذه الأحاديث ليست بذات الخطر، وقد التقى الزعيمان السياسيان غير مرة في الدار البيضاء، وفي واشنطون، ولكن الأمور بين أمريكا وفرنسا الجديدة لم تبلغ قط ما كان يُنتظر أن تبلغه من هذه الاستقامة التي تلائم الصداقة التقليدية التي تصل بين البلدين منذ أواخر القرن الثامن عشر.

    وليس المهم أن نبحث عن الأسباب التي غشت هذه الصداقة بغشاء قاتم نرجو أن يزول، وإنما المهم أن يلاحظ أن فرنسا مغضبة لأنها لم تُدع إلى مؤتمر القرم، بعد أن سبقت إليها وعود كثيرة بأنها ستُعامل منذ تحريرها كما كانت تُعامل قبل إعلان الحرب التي ضحَّت فيها بوجودها تقريبًا. وقد أظهرت غضبها هذا بما أعلنه الجنرال دي جول، بأن فرنسا لن ترتبط بأي قرار في الشئون العالمية إلا إذا درسته، وناقشت فيه، وانتهت إليه عن روية حرة، وبصيرة مستقلة؛ فهي ترفض أن تُملى عليها القرارات إملاء، لا فيما يتصل بها فحسب، بل فيما يتصل بالشئون العالمية أيضًا.

    ومن أجل ذلك تلقت فرنسا قرارات القرم بكثير جدًّا من التحفظ والاحتياط، ثم كانت هذه الدعوة التي وجهها المستر روزفلت إلى رئيس الحكومة الفرنسية المؤقتة، والتي طلب فيها أن يلتقيا في الجزائر، فاعتذر الجنرال دي جول في لطف فرنسي من قبول هذه الدعوة، وكان عذره أن الأمور العامة في فرنسا لا تمكنه من ترك باريس، وأن فرنسا لا تزال تنتظر أن يزورها رئيس الولايات المتحدة؛ لأنها دعته إلى هذه الزيارة منذ شهر نوفمبر.

    وقد وقع هذا الاعتذار من نفس المستر روزفلت موقعًا لا يخلو من بعض الألم، ولا يخلو كذلك من خيبة الأمل؛ فقد كان يريد فيما يقول البلاغ الرسمي أن يدرس مع الجنرال دي جول بعض المسائل الخطيرة التي تعني الدولتين. وكان وقع هذا الاعتذار في الرأي العام الأمريكي شديدًا جدًّا، حتى وُصف التصرف الفرنسي بالجفوة والغلظة والبعد عن الذوق. وكل هذه عواصف ستنتهي إلى الهدوء، وهي سحب مهما تثر في الشتاء فستتقشع كما تتقشع سحب الصيف، ولكنها تدل على شيء واحد؛ وهو أن جو السياسة العالمية بعيد كل البعد عن الصفو والصحو جميعًا.

    أمَّا الصلات بين الشرق العربي والغرب الأوروبي الأمريكي، فليست أدنى إلى الوضوح والجلاء من أمر الصلات بين فرنسا وأمريكا. والدليل على ذلك أن الناس يتكلمون فيكثرون الكلام في هذا الأمر دون أن ينتبهوا إلى شيء صريح. ومن الواضح أن اجتماعات عظيمة الخطر قد كانت في الأسبوع الماضي بمصر، وأن اجتماعات أخرى خطيرة لا تزال متصلة في القاهرة، وأن رئيس وزرائنا قد تحدث في مجلس النوَّاب بشيء من الإشارة والرمز، وأنه يستقبل من يستقبل، ويدعو من يدعو، ويجمع الوزراء اجتماعًا يوشك أن يكون متصلًا، وأن الإشاعات قد كثرت واختلطت وتناقضت، وأن الصحف تحدثنا اليوم بأن البرلمان قد يعقد جلسة سرية يوم السبت يسمع فيها بيانًا من رئيس الوزراء، وأن البرق يحدثنا بأن المستر تشرشل قد يلقي بيانًا في مجلس العموم عن شئون الشرق العربي.

    وكل هذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن أحداثًا خطيرة غامضة تريد أن تحدث، ولكن ما عسى أن تكون هذه الأحداث؟ علم هذا عند الذين يصرفون السياسة في الشرق والغرب، والذين يتصلون بهم من قريب، ومع ذلك فهناك أشياء يحسن أن تُقال، ويحسن أن يتنبه إليها المصريون تنبهًا دقيقًا شديدًا متصلًا، فإن هذه الأحداث التي تريد أن تحدث تتصل بتحقيق الأماني القومية فيما يُقال، والأماني القومية معروفة جدًّا، واضحة كل الوضوح، لا يختلف فيها المصريون مهما يكن بينهم من خصومة؛ فهم جميعًا يريدون أن يكون استقلال مصر خالصًا من كل شائبة، وهم جميعًا يريدون أن تجلو الجيوش البريطانية عن مصر جلاءً فعليًّا تامًّا، وهم جميعًا يريدون إذا ذكروا مصر أن يكون السودان جزءًا من أجزائها المقومة لها، ليس بينها وبينه فرق قليل أو كثير.

    هذه أمور يتفق عليها المصريون جميعًا ويفهمونها إذا ذُكرت الأماني القومية، وإذا ذُكرت الأهداف الوطنية، فما عسى أن يكون أثر هذه الأحداث التي تريد أن تحدث في هذه الأهداف، وفي هذه الأماني؟ أو ما عسى أن تكون الجهود التي يُراد أن تُطلب إلى مصر بعد الجهود التي بذلتها مصر؛ لتبلغ هذه الأهداف، وتحقق هذه الأماني. وكيف يمكن أن تظهر مصر إرادتها واضحة جلية لا لبس فيها ولا غموض قبل أن ترتبط بما يقيد مستقبلها، أو قبل أن تخطو خطوات حاسمة في تاريخها؟ كيف يمكن أن تظهر مصر إرادتها في هذا كله وهي خاضعة لظروف الحرب وما تقتضيه من الأحكام العرفية ومن الرقابة على ما يكتب وما يُقال؟

    وملاحظة أخرى يحسن أن تُقال أيضًا؛ فقد كان رئيس الوزراء يدعو إلى أن تشارك مصر في الحرب حين كانت الحرب قريبة من مصر، وحين كانت المشاركة فيها تعرِّض مصر لكثير من الهول، وكنت أنا من القليلين الذين كانوا يشاركونه في هذا الرأي والدعوة إليه، ولكن مصر لم ترد حربًا، وآثرت تنفيذ المعاهدة في صدق ونصح وإخلاص، وشكَر حلفاؤها لها هذا الصنيع.

    وقد يُقال الآن: إن مصر قد تشارك في الحرب بعد أن بعدت عنها، فهل يُؤذن في أن نقول: إن هذه المشاركة في الحرب بعد أن بعدت أخطارها لا تلائم ما نحب لمصر من الكرامة، والارتفاع عن مسلك إيطاليا مع فرنسا. وقد يُقال: إن مصر إن شاركت في الحرب فإنما تشارك فيها لتقول كلمتها في مؤتمر الصلح. ولكني أحب أن أكون صريحًا، فقد وَعَدَنَا حلفاؤنا البريطانيون بالمساعدة على أن نشترك في مؤتمر الصلح، فليبرُّوا بوعدهم، وما أحب أن أشتري شهود مؤتمر الصلح بإعلان الحرب بعد أن بعدت أخطار الحرب عن مصر. وقد رفضنا إعلان الحرب حين كان اشتراكنا فيها يمكن أن يكون أمرًا ذا خطر، وحين كان العدو في أراضينا، وحين كانت أسلحته الجوية تصب على بعض مدننا بعض الهول وبعض الدمار.

    وقد يُقال: إنه لا سبيل إلى الاشتراك في مؤتمر الصلح إلا إذا اشتركنا في أعقاب الحرب، ويخيل إليَّ أننا قد اشتركنا في الحرب بالفعل بما بذلنا من جهد، وبما قدمنا من معونة، وبما احتملنا من أثقال، وقد سجل لنا حلفاؤنا هذا كله، فلماذا يراد حملنا على ما لا نحب، وعلى ما لا نراه ملائمًا لرأينا في أنفسنا؟ أفْهَمُ أن يُطلَب الاشتراك في الحرب إلى الذين لم يبذلوا فيها جهدًا، ولم يحتملوا فيها تضحية، فأما نحن فلا ينبغي أن يطلب إلينا أكثر مما فعلنا.

    وبعد، فماذا يراد أن نصنع في مؤتمر الصلح؟ وما المزايا التي سنكسبها من الاشتراك فيه؟ إن أمانينا وأهدافنا واضحة، وهي لا تؤذي أحدًا، ولا تنقص أحدًا حقًّا له، وإنما هي توفِّينا نحن حقوقنا. وليس يعنيني أن توفَّى مصر حقوقها في مؤتمر الصلح، أو في غير مؤتمر الصلح، وإنما الذي يعنيني هو أن تنال مصر هذه الحقوق، وأن تنالها كريمة موفورة؛ لأنها فعلت كل ما تستطيع أن تفعله لتظل كريمة موفورة.

    هذا ما يتصل بأمر مصر، ولكن الأحاديث ليست مقصورة على مصر، إنما هي تتصل بالعالم العربي كله، وتتصل بالوحدة العربية أيضًا. وما أحب أن أخوض في هذا الحديث وساسة العالم العربي يفاوضون فيه، ولكن هناك ملاحظة لا ينبغي أن يهملها مصري؛ فقد أخذت الصحف البريطانية تلهج بأن أوروبا وأمريكا يجب أن تفاوضا منذ الآن اتحادًا عربيًّا مجتمعًا لا دولًا عربية متفرقة. وهذا كلام حسن لا غبار عليه حين تكون هذه المفاوضات في المسائل الاقتصادية والسياسية والثقافية العامة. فأما حين تكون المفاوضات متصلة بالاستقلال والسيادة الوطنية الخاصة، فيجب أن يكون مفهومًا ألا مندوحة لأوروبا عن مفاوضة الدول متفرقة، تؤيدها في هذه المفاوضة حليفاتها من بعيد أو من قريب.

    ولمصر في هذه السياسة تقاليدها التي لا ينبغي أن تعدل عنها مهما تكن الظروف؛ فقد فاوضت مصر في استقلالها منذ القرن الماضي، وخطت في هذه المفاوضات خطوات ناجحة لا تخلو من روعة، وأيدها في هذه المفاوضات عطف العالم العربي، فهذا التقليد يجب أن يستمر، واستقلال مصر التام يجب أن تكسبه مصر، وأن تكسبه عزيزة كريمة، وألَّا تشتريه بثمن لا يلائم ما ترى في نفسها من ارتفاع المروءة وكرم الأخلاق، وأعود فأقول: إن الشعوب لا تقرر مصيرها في ظل الحكم العرفي والرقابة، وإنما تقرر مصيرها في ظل الحرية الكاملة التي يكملها ويحدها القانون العام.

  • تذكرة

    تذكرة
    لم ينس المصريون، وما ينبغي لهم أن ينسوا، ذلك اليوم المظلم القاتم الذي طلع فجره بالنحس على مصر، فأهينت فيه الكرامة المصرية، وانتهكت فيه الحرمات المصرية، وأهينت فيه مع كرامة مصر كرامة الحق، وانتهكت فيه حرمة مصر حرمة العدل، وتجنى فيه القوي الطاغي على الضعيف الآمن، وأطلقت فيه تلك النار الأثمة المجرمة على هذا البلد الوادع الأمين.
    لم ينس المصريون، وما ينبغي لهم أن ينسوا، ذلك اليوم المشئوم الذي أعلن الإنجليز فيه إلى الإنسانية كلها، أنهم لا يرعون عهدا، ولا يحترمون حقا، ولا يقدرون عدلا، وإنما يرعون منفعتهم وحدها، ويحترمون سلطانهم وحده، ويقدرون بأسهم وحده، ويبسطون قوتهم في الأرض حين يتاح لهم ذلك، لا يحفلون بغير القوة، ولا يفكرون في غير القوة، ولا يشفقون من غير القوة.
    لم ينس المصريون، وما ينبغي لهم أن ينسوا، ذلك اليوم الذي وصلت فيه القذائف الإنجليزية إلى مدينة الإسكندرية فهدمت الحصون ودمرتها، وسفكت الدماء، وحرقت الدور، وحولت مدينة آمنة وادعة إلى نار مضطرمة اللهب، يحترق فيها الآمنون الوادعون، في غير ذنب إلا أنهم ضعفاء، إلا أن الإنجليز يريدون أن يحتلوا مصر ويبسطوا عليها سلطاتهم مهما تكن الظروف.
    لا يستطيع المصريون أن ينسوا هذا اليوم، لأن المصريين أبعد الشعوب الحية عهدا بالاستقلال، وأعظم الشعوب الحية حظا من الكرامة، وأحفل الشعوب الحية تاريخا بالمجد والعظمة وجلائل الأعمال، وما ينبغي لشعب سبق الشعوب إلى الاستقلال والمجد والعظمة أن ينسى يوما من أيامه السود، يعتدي فيه على استقلاله ومجده وعظمته، بل لا يستطيع المصريون أن ينسوا هذا اليوم المشئوم، لأن آثاره المشئومة متصلة قائمة، تزداد شؤما من يوم إلى يوم وتتغلغل في شؤون المصريين من عام إلى عام، تمس حياة الشعب كله، وتمس حياة الجماعات، وتمس حياة الأفراد، مهما يفكر المصري في شيء فتفكيره منتهٍ إلى الاحتلال، وجيش الاحتلال، وممثل الاحتلال،
    وتفكيره منتهٍ إلى ذلك اليوم الذي بدأ فيه الاحتلال، وإلى هذا اليوم الذي ينتهي فيه الاحتلال.
    ومهما يفكر المصري في شيء ومهما يحاول المصري شيئا فسينتهي تفكيره ومحاولته إلى هذه الحقيقة القائمة القاتمة التي تقوم في سبيل تفكيره ومحاولته، وهي أن القوة الإنجليزية الظالمة تمنعه من أن يفكر حرا كما ينبغي له، ومن أن يعمل حرا كما ينبغي له، وتضطره إلى أن يقول لنفسه لو لم يعتد الإنجليز على الإسكندرية لفكرت حرا، ولعملت حرا، ولابد من أن ينتهي احتلال الإنجليز لمصر لأفكر حرا، ولأعمل حرا، ولأعيش كريما.
    لم ينس المصريون، وليس من سبيل إلى أن ينسوا هذا اليوم المشئوم من أيامهم، ولا هذا الحدث المنكر في تاريخهم، وما كان المصريون في حاجة إلى أن نذكرهم فهم يذكرون وما كان المصريون في حاجة إلى أن ننبههم فما هم بغافلين، وهبهم نسوا، وهبهم غفلوا فإن في هذه الثكنات المصرية التي يحتلها الجند الأجنبي، وفي هذه الوزارات المصرية التي يتسلط فيها الموظف الأجنبي، وفي هذه السياسة المصرية التي يتدخل فيه الممثل الأجنبي، وفي هذه الأجسام المصرية التي يعمل فيها السوط الأجنبي، ما يذكر الناسي وينبه الغافل، وحاشا للمصريين أن يدرك حياتهم السياسية نسيان أو تمسها غفلة.
    إن المصريين يشكون لأنهم يحكمون على غير ما يريدون، وهم يعلمون حق العلم أن الاحتلال وحده هو الذي يأخذهم بما يكرهون من الحكم. إن المصريين يشكون من أن حريتهم تصادر وكرامتهم تهدر، ومن أن الظلم المنكر يعبث بحقوقهم، ويمس أقوياءهم وضعفاءهم، ويلم بأغنيائهم وفقرائهم، وهم يعلمون حق العلم أن الاحتلال الإنجليزي هو مصدر هذا كله، ومؤيد هذا كله، وممكن هذا كله من البقاء، إذا شكا المصريون فهم يذكرون ذلك اليوم وإذا ضج المصريون فهم يذكرون ذلك اليوم، وإذا صبر المصريون، فهم يذكرون ذلك اليوم، وإذا أمل المصريون فهم يذكرون ذلك اليوم.
    وفي المصريين مع هذا كله قوم لا ينسون هذا اليوم، ولكنهم يتناسونه لأنهم يريدون أن يعيشوا تذكره قلوبهم، وتكتئب له نفوسهم، ولكن ألسنتهم تغفل ذكره، وأقلامهم تهمل الكتابة فيه، لأن سلطان المنافع العاجلة أقوى على هذه البطون الجائعة من سلطان الأفئدة والقلوب، ولأن لذة الحياة الناعمة أقوى على هذه المخلوقات الضعيفة الفاترة من لذة الحب للوطن، والحزن على الوطن، والجد لإنقاذ الوطن، أولئك قوم نرجو أن يصلح الله أمرهم وأن يرد إليهم فصلا من رجولة، وحظا من مروءة ليشعروا بأنهم حين يؤثرون المنافع، يفنون في اللذات لا يأثمون في ذات أنفسهم، بل يأثمون في ذات أبنائهم، وأحفادهم، وفي ذات الوطن كله، وأي إثم أقبح وأشنع في نفس الرجل الذي يستحق هذا الاسم، من هذا الإثم الذي لا يصيب فردا ولا جماعة، وإنما يصيب الوطن كله والأجيال كلها.
    ما أجدر المصريين أن يقرأوا هذا الفصل القيم الذي سجله صاحب السعادة أحمد شفيق باشا في مذكراته الخاصة ونقلناه لهم في غير هذا المكان، فسيرون فيه صورًا تدمى لها القلوب وتتفرق لها النفوس، وسيرون فيه كيف كانت كرامة مصر تدافع عن نفسها، عزلاء إلا من الحق مخذولة إلا من العدل. وكيف كان الذين يجب عليهم أن يموتوا في سبيل مصر يلتمسون الحياة من أخس طرق الحياة. سيرون فيه كيف كانت القنابل تدمر الحصون وتحرق البيوت وتسفك الدماء، وكيف كان قوم من المصريين ينظرون ويلتمسون لأنفسهم القوت، يتبلغون به لا ليثبتوا للدفاع، ولكن ليرضوا بالهزيمة، ويستسلموا للسلطان الأجنبي. سيرون فيه كيف كان قوم يلتمسون لأنفسهم الأمن، والخوف من حولهم يملأ الأرض، سيرون فيه كيف كان قوم يلتمسون لأنفسهم الطمأنينة والهلع من حولهم يملأ القلوب، سيرون فيه كيف كان قوم يسارعون إلى جوار الإنجليز، والناهبون السالبون يعتدون على الرجال والنساء، وينتزعون الأقراط من الآذان، ويسيلون الدماء المصرية بالأيدي المصرية على حين يسفك الإنجليز دماء مصرية أخرى بأيدٍ أجنبية أخرى. والذين كان يجب عليهم الموت ليحيا المصريون كانوا يلتمسون الحياة. إن هذا الفصل الذي سجله شفيق باشا خليق أن يقرأه كل مصري وأن يعيه كل مصري وأن يقصه كل مصري على ابنه الناشئ لأن شفيق باشا قد كتب هذا الفصل القاسي، بدماء المصريين، تلك الدماء التي كانت تسفك في غير حق، فتهون على قوم ما كان ينبغي أن تهون عليهم.
    وأخيرا فيذكر المصريون ذلك اليوم، وليقرأ المصريون هذا الفصل، ليتخذ المصريون من ذكر هذا اليوم وقراءة هذا الفصل قوة تمكنهم من الصبر والثبات، وتدفعهم إلى الجد والإقدام، حتى تصبح الحرية المصرية، والدماء المصرية، والكرامة المصرية عزيزة لا تهون على المصري، كريمة لا يطمع فيها الأجنبي وإن كانت له قوة الإنجليز.
    طه حسين
    الوادي، ١١ أغسطس ١٩٣٤.

  • حقائق٢

    حديث الوادي
    حقائق…
    يجب أن يعلمها الإنجليز المقيمون في مصر، وأن يعلمها معهم بعض المصريين الذين يبتغون إليهم الوسيلة ويلتمسون عندهم المعونة والتأييد، ويجب أن تعلمها الإجبشيان جازيت خاصة، لأنها تعرب عن أولئك وهؤلاء، ولأنها هي التي تدعونا إلى أن نقرر لها هذه الحقائق، بعد أن كتبت هذا المقال الظريف الرشيق الذي نشرته صباح أمس وترجمته عنها صحف أصدقائها الوزاريين.
    حقائق ما نظن الإجبشيان جازيت تجهلها، وما نظن قراءها من الإنجليز وأولياءها من المصريين المساكين يجهلونها، لأننا نعيش في عصر لا تجهل فيه البديهيات، ولا تخفى فيه الأوليات على عامة الناس فضلاً عن المثقفين الذين يحررون الصحف، ويشتغلون بالسياسة، ويعالجون أمور الشعوب.
    وأوضح هذه الحقائق وأشدها جلاءً أن حرية الرأي في كل شيء، وفي السياسة خاصة، إذا كان الإنجليز يقدسونها في بلادهم، ويرعون حرماتها حق الرعاية، ولا يستبيحون لأنفسهم أن يلغوها، أو يقيدوها، أو يحظروها على أحد من الإنجليز، ولا سيما حين يكون من المعارضين، فإن المصريين يقدسون حرية الرأي كما يقدسها الإنجليز، ويرونها حقاً لهم كما يراها الإنجليز، ويريدونها أن تكون في بلادهم جداً لا لعباً، وحقيقة واقعة لا كلاماً يكتب أو يقال. والمصريون يعلمون حق العلم أنهم بعيدون مع الأسف الشديد، عن أن يستمتعوا بهذا الحق المقدس، ولكنهم يصرون كل الإصرار على أن يظفروا به، وينتهوا إليه، ويكون حظهم منه كحظ الإنجليز سواء بسواء. وقد تظن الإجبشيان جازيت أن المصريين مغرورون حين يريدون أن يظفروا بما يستمتع به الإنجليز في بريطانيا العظمى، لأن المصريين لم يبلغوا من الحضارة مبلغ الإنجليز ولا بد لهم من أن يتواضعوا ومن أن ينتظروا. ولكن الإجبشيان جازيت خليقة أن تعلم أن التجارب السياسية في هذا العصر الحديث قد أقنعت الناس بأنهم جميعاً سواء، وعلمتهم أن ليس لأحد منهم فضل على آخر في الاستمتاع بالحقوق السياسية، وأن حقوق الشعوب، لا يمكن أن تقصر على طبقة دون طبقة، ولا على جماعة دون جماعة كما علمتهم أن الاستعمار وتسلط الشعوب القوية على الشعوب الضعيفة مرض بغيض يجب أن تقاومه الأمم ما وجدت إلى مقاومته سبيلاً. فالمصريون حراص على حرية الرأي، وعلى الاستمتاع الصحيح بها، ويجاهدون في ذلك ما وسعهم الجهاد، ويضحون في سبيل ذلك ما وسعتهم التضحية، ويحتملون في سبيل ذلك ما يمكن وما لا يمكن حتى لوم الإجبشيان جازيت واستهزاءها، وجرأتها على مصارحة المصريين، في بلاد المصريين بأنهم قوم يجب أن يؤخذوا بالقمع والإذلال، وإلا يطمعوا بما يستمتع به الإنجليز من الحرية والاستقلال.
    لن يغير المصريون رأيهم في هذا، سواء أرضي الإنجليز أم سخطوا، سواء أقبل الإنجليز أم أبوا. ولن يتردد كل مصري مثقف، في أن يذيع هذا كله ويبثه في هذه الطبقات، التي تزدريها الإجبشيان جازيت، وتريد أن يترفع رئيس الوفد عن مخالطتها، وتبيح للوزارات أن تأثم في ذات الحرية لتظل هذه الطبقات جاهلة، غافلة، خاضعة لما يراد بها من الذلة والخنوع.
    يجب أن تعلم الإجبشيان جازيت وقراؤها من الإنجليز وأولياؤها من المصريين المساكين أن ما كان يمكن أن يقال في القرون الماضية لا يمكن أن يقال الآن. وأن الدعوة إلى تقسيم الشعب إلى طبقات بعضها محترم عزيز، وبعضها ممتهن ذليل، قد أنتجت في أوروبا، وفي بلاد الإنجليز أنفسهم، نتائج خطيرة، مروعة، لم ينسها التاريخ بعد، وما نظن أن الإنجليز يحبون أن تحدث في مصر، وأن يدفع إليها المصريون. وما نظن أن الإنجليز يجهلون أن الإلحاح في كتابة فصول كهذا الذي كتبته الإجبشيان جازيت أمس خليق أن يؤدي إلى هذه النتائج ويدفع إلى هذا الشر المستطير.
    يجب أن تعلم الإجبشيان جازيت وقراؤها من الإنجليز، وأولياؤها من المصريين البائسين أن من أعجب العجب ومن أشد الأمور نكراً، ومن الخزي الذي توصم به الحضارة الأوروبية الحديثة أن يعيش الأجانب في بلد كمصر فلا يحفظوا له حقاً، ولا يرعوا له كرامةً ولا يتحرجوا من أن يعلنوا فيه الدعوة إلى التفريق بين الطبقات، وإلى إيثار جماعة من أهله بالرعاية، وأخذ كثرته بالعنف، لا لشيءٍ إلا لأن هذه الكثرة ليست غنية، ولا موسرة ولا قادرة على ما يقدر عليه الآفاقون من هذه الحياة الناعمة السعيدة التي لا يصلون إليها إلا في هذه البلاد والتي ما كانوا ليحلموا بها لو عاشوا في بلادهم تلك، التي تقدس فيها الحرية، وتحترم فيها حقوق الشعوب.
    يجب أن تعلم الإجبشيان جازيت أن المصريين لن يرضوا أن تكون حياة الأجانب في بلادهم وسيلة إلى استبعادهم أو سبباً إلى إذلالهم، وإنما الذي يرضاه المصريون ويلحون فيه، ويعلمه المثقفون منهم لغير المثقفين، هو أن مصر يجب أن تكون للمصريين أولاً وقبل كل شيء، وبعد كل شيء، وأن الأجنبي طارئ على مصر، فإن استطاع أن يعيش فيها، ملائماً بين مصلحته ومصلحة الوطنيين فذاك، وإلا فأرض الله واسعة وبلاده أحق به، وأعطف عليه. والمصريون يعلمون حق العلم أن الأجانب يفرضون أنفسهم عليهم فرضاً، وأن الإنجليز يضحون بمصالحهم، في سبيل المصالح الأجنبية، وأن الإنجليز أقوياء، يملكون من وسائل القهر والعنف ما لا يملكه المصريون ولكن هذا كله لا يخيف المصريين، ولا يغير رأيهم في أن مصر يجب أن تكون لهم أولاً وفي أنه لا بد من أن يأتي اليوم الذي لا تستطيع فيه الإجبشيان جازيت أن تكتب مثل ما كتبت، والذي لا تستطيع وزارة مهما تكن أن تسمح لها بمثل ما تسمح لها به الوزارة القائمة من إهانة المصريين في بلاد المصريين.
    قد يكون هذا اليوم بعيداً، وقد يكون قريباً، ولكنه آتٍ من غير شك كما أن يوماً من الأيام قد أتى على انجلترا، فسمح للعمال بأن يتولوا الحكم وأن يستأثروا به أحياناً دون الطبقات الأرستقراطية العليا التي كانت تحتكره احتكاراً.
    ثم يجب أن تعلم الإجبشيان جازيت أن رئيس الوفد لم يقتنع فيما يظهر بما يدعو إليه أصحاب المنافع العامة من الإنجليز من أن بين المصريين فروقاً، تجعل بعضهم أحق بزيارته من بعض، وإنما هو مقتنع بما يقتنع به الإنجليز في بلاد الإنجليز من أن أبناء الشعب كلهم سواء ومن أن فقراءهم أحق بالعناية من أغنيائهم ومن أن جهالهم أحق بالعناية من مثقفيهم، ومن أن رعاعهم أحق بالعناية من ممتازيهم، وعلى هذا فسيزور رئيس الوفد ما يشاء من الأقاليم والمدن والقرى، وسيسلك رئيس الوفد ما يشاء من الطرق، والشوارع، والحارات، وسينزل رئيس الوفد حيث يشاء من الأحياء الغنية والأحياء الفقيرة وليس للشرطة، ولا للوزارة ولا لدار المندوب السامي، ولا للاجبشيان جازيت أن ترسم له خطته، أو تفرض عليه طريقاً أو تحظر عليه طريقاً أخرى. وإنما هذا حقه المقدس يستمتع به متى شاء، كما يشاء، فإن خلت القوة بينه وبين هذا الحق فذاك، وإن حالت القوة بينه وبين هذا الحق سجلت على نفسها الخوف والحرج والخذلان، وسجلت على سياسة الاستعمار خزياً لا يشرف، ونفاقاً لا يرفع الرؤوس.
    أما بعد فإن الإنجليز أحرار في أن يحبوا الظلم ويؤيدوه ويدعوا إليه وينتفعوا به، ولكن من الحق عليهم أن يذكروا أن قوماً آخرين قد سبقوهم إلى أخذ مصر بالظلم، وحكمها بالقسوة والعنف، ولكنهم لم يبلغوا منها شيئاً، بل ذهبوا وظلت مصر باقية، والإنجليز أنفسهم قد أخذوا مصر بالعنف والقسوة أعواماً وأعواماً، وهم الآن يستطيعون أن يسألوا أنفسهم، ماذا جنوا؟ وهل بلغوا من إذلال مصر وإخضاعها ما يريدون؟…
    طه حسين
    الوادي، ٧ أغسطس ١٩٣٤.

  • رحلات

    حديث الوادي
    رحلات…
    لماذا ارتحل رئيس الوزراء ونفر من زملائه إلى الإسكندرية إلى مرسى مطروح، وما يليها من ساحل البحر فالناس يتساءلون عن هذه الرحلة لأنهم يعلمون حق العلم أن وزارتهم عاقلة حازمة، حكيمة، رشيدة، لا تأتي شيئًا لغير شيء، ولا تقدم على أمر إلا أن تدفعها إليه حكمة ظاهرة أو خفية وهم يلتمسون الحكمة لهذه الرحلة التي ظهر العزم عليها فجأة، وتغير لها برنامج مجلس الوزراء، فيما يقول بعض الصحف، وقد كان يريد أن ينعقد يوم الأربعاء ويوم الخميس، فلما هبطت فكرة هذه الرحلة من السماء أو نجمت من الأرض، أو ظهرت على زبد البحر اجتمع مجلس الوزراء مرتين يوم الأربعاء، ليستطيع الرجل الطيب وأصحابه أن يرتحلوا يوم الخميس، كأنهم لم يكونوا يستطيعون أن يرتحلوا يوم الجمعة، ليريحوا أنفسهم من الاجتماع مرتين في يوم من أيام القيظ، وليريحوا الناس من القيل والقال، والبحث والسؤال عن الماضي والاستقبال. فإذا لاحظنا أن الرجل الطيب ومعه وزير الحرب، ووزير المال، ووزير المواصلات، قد رحلوا إلى الحدود بيننا وبين إيطاليا، كان الناس معذورين إذا أطالوا السؤال عن هذا الارتحال، وفي هذا الاستعجال. فإذا لاحظنا أن المندوب السامي البريطاني كان قد ارتحل إلى مرسى مطروح، طائرًا أو سائرًا لا أدري، فأقام فيها أيامًا، ولم يكد يعود منها حتى أسرع إليها رئيس الوزراء، ووزير الحرب، ووزير المال، ووزير الطرق، بعضهم يترجح على موج البحر وبعضهم يطير في جو السماء، كان من الطبيعي أن يتساءل الناس: فيم هذا الذهاب والمجيء؟ فيم هذه الحركات نحو الحدود؟ أهناك خوف عليها أن تقتحم؟ أهناك إشفاق عليها ألا تكون قادرة على الثبات في يوم من الأيام حين يحاول اقتحامها المحاولون؟ أهناك تفكير في أعمال عسكرية تحتاج إلى كفاية وزير الحرب، وإلى كرم وزير المال، وإلى خبرة وزير الطرق، ثم إلى شجاعة الرجل الطيب الذي يحتمل تبعة الأعمال كلها؟ ومن الذي اقترح هذه الأعمال؟ أهم الوزراء ورجالهم الفنيون؟ أم هم المندوب السامي ورجاله الفنيون؟ وإذا كانت رحلة المندوب السامي إلى الحدود الغربية قد استتبعت رحلة الوزراء إلى هذه الحدود فإن المندوب السامي قد ارتحل إلى الحدود الشرقية أيضًا، فهل يرحل الوزراء إلى هذه الحدود؟ أو ليس من حق الناس أن يتبينوا حقيقة هذا الاضطراب بين الشرق والغرب، وأسرار هذه الأسفار في البر والبحر والجو؟ بلى. ولكن أصدقاء الوزارة وأنصارها، والصحف التي تؤيدها وتواليها، يتحدثون مطمئنين بأن القيظ شديد، والصيف مهلك، والعمل ثقيل، والجهد شاق، وبأن من حق الوزراء أن يستريحوا وأن يرفهوا على أنفسهم وأن يلتمسوا الراحة والترفيه عن النفس حيث يجدونهما طورًا في الأرض، وتارةً في السماء، وحينًا على هذا السهل السائل المضطرب الذي كان يعبر به هوميروس عن البحر.
    فوزراؤنا لا يرحلون إذن للعمل، وإنما يرحلون للراحة والرياضة فقد نحب أن نتبين وجه الحق في هذا لسبب يسير جدًّا، وهو أن رحلة الوزراء إن كانت لعمل من أعمال الدولة فمن حق الناس أن يعلموا هذا العمل، ليتبينوا ما يراد بهم. وإن كانت للرياضة والراحة فمن حق الناس أن يتساءلوا على حساب من يلتمس الوزراء هذه الرياضة وهذه الراحة؟ على حساب من تنفق هذه الطوافة ما تنفق في ذهابها وعودتها؟ وعلى حساب من تنفق هذه الطيارة أو هذه الطيارات في ذهابها وعودتها؟ أعلى حساب الدولة أم على حساب الوزراء؟
    مهما يكن من شيء، فإن هذه الرحلة المفاجئة غامضة من جميع نواحيها، نود لو يلقى عليها قليل من الضوء.
    وهناك رحلة أخرى لا غموض فيها ولا لبس، لا عوج فيها ولا التواء. وهي رحلة رئيس الوفد وأصحابه في البر والبحر لا إلى الحدود الشرقية ولا إلى الحدود الغربية، ولكن إلى ناحية نواحي مصر، إلى بورسعيد ثم الشرقية. هذه الرحلة الثانية لم تنفق عليها الدولة، وإنما أنفق عليها أصحابها، وهي لا تثير في الناس حاجة إلى استقراء أو استقصاء لأنها واضحة من جميع الأنحاء. قوم يرحلون للعمل أو للراحة، فإذا الدولة تهيئ لهم كل شيء، وقوم آخرون يرحلون، ليلقوا أبناء وطنهم ويتحدثوا إليهم في شؤون وطنهم ويذكروهم – ولن ينسوا – حقوق وطنهم، فإذا الدولة تبث أمامهم العقاب وتخلق أمامهم الصعاب، وتحول الأماكن التي يزورونها إلى ميادين الحرب ونزال، وتعلن في الأماكن التي يزورونها أحكامًا عرفية بغير قانون، وتلقي في الأماكن التي يزورونها شباكًا وشراكًا تصيد بها الناس صيدًا لتلقيهم في غياهب السجن حتى تنتهي الرحلة كأنهم قد اقترفوا ذنبًا، وهم لم يُقْضَ عليهم بشيء، ثم تسلط الدولة عصيها وسياطها وبنادقها على العزل الآمنين فيكون منهم صرعى في بورسعيد، وصرعى في الإسماعيلية، وصرعى في الزقازيق. أليس من غريب الأمر أن يلاحظ الناس في أسبوع واحد هذه الفروق الهائلة بين رحلة رئيس الوفد وأصحابه في داخل مصر، ورحلة رئيس الوزراء وأصحابه إلى الحدود؟
    ومن قبل ذلك لاحظ الناس رحلة المندوب السامي إلى الصبرية وعناية الدولة بها، واحتياط الدولة لها، فكيف يستطيع الناس أن يفهموا هذا كله، وأن يؤولوه؟ أما انتقال المصريين في بلادهم وتزاور المصريين فيما بينهم فأمر محرم أو مكروه، لا تتحرج الدولة من مقاومته ومن تعريض الأمن والنظام والأنفس والدماء من أجله للخطر وللخطر العظيم. وأما ارتحال الوزراء للهو، أو للعمل الخفي المريب، فتهيئ له الدولة وتنفق عليه، وتعتني به أشد العناية. أما ارتحال المندوب السامي إلى داخل مصر، وتحديه لشعور مصر واشتراكه في هذا التحدي مع أحد الوزراء على غير رضًا من زملائه، أو غير ارتياح منهم فتهيئ له الدولة، وتنفق عليه، وتحتفي به أعظم الاحتفاء. أيستطيع المصريون بعد هذا أن يفهموا أنهم أحرار، وأن يصدقوا أنهم مستقلون؟ لو كانوا أحرارًا حقًّا لما آثرت الدولة الوزراء عليهم، لما هيأت الدولة للوزراء ما يحتاجون إليه من ألوان اللهو، ولما حظرت الدولة على الزعماء ما يسعون إليه من ألوان الجد، ولو كانوا مستقلين حقًّا ما آثرت الدولة عليهم المندوب السامي، فمهدت له الأرض تمهيدًا، ورضيت عن أن يحشد الناس له حشدًا، ولما حرمت الدولة على الزعماء أن يلقوا المصريين، ولما فرقت الدولة جموع المصريين عن زعمائهم بالعصي والسياط وبالنار أحيانًا، ولما رضيت الدولة عن أن يحطم إنجليزي في سبيل ذلك علمًا من أعلام مصر على أرض مصر وأمام أهل مصر.
    فليفكر المصريون في هذا وليطيلوا التفكير، فقد يكون من حقهم، بل من الحق عليهم أن يعلموا: أهم أحرار في بلادهم أم عبيد؟
    طه حسين
    الوادي، ٣ أغسطس ١٩٣٤.