Tag: Egyptian society

  • ندوة الهلال مشاكل الشباب كيف نحلها؟

    ندوة الهلال: مشاكل الشباب كيف نحلها؟

    طه حسين

    مجلة الهلال

    يناير ١٩٤٨

    شباب اليوم هم رجال الغد، وعماد المستقبل، وفي حل مشاكلهم تمهيد لا بدَّ منه لإقامة ذلك المستقبل، وتوطيد أركانه على أساس ثابت متين. وقد دعونا خمسة من أقطاب الرأي وأعلام البيان للمناقشة في هذا الموضوع الحيوي … وإليك ما دار بينهم من حديث سجَّلناه حرفيًّا.

    بدأ الحديث بين حضرات المجتمعين في الندوة عن مشكلة التعليم … فقال أستاذنا أحمد لطفي السيد باشا: أعتقد أن مشكلة التعليم هي أهم مشاكل شباب اليوم، بل مشاكل البلاد عامة؛ ذلك لأن حلها يستتبع حتمًا حل أكثر المشاكل التي نعانيها، والتي تقف عقبة في سبيل رفع مستوانا العام.

    الدكتور بهجت بدوي بك: إن أهدافنا هي رفع المستوى الأدبي والمادي للجيل الجديد، وتحقيق هذه الأهداف إنما يقع العبء الأكبر منه على عاتق الخاصة، أقصد الطبقة المستنيرة؛ فيجب أن نُوجِّه عنايتنا إلى تكوين هذه الطبقة، وتدعيمها بالكفايات العلمية والاقتصادية والفنية؛ أي أن نُوجِّه عنايتنا إلى التعليم الجامعي والتعليم الفني. والعناية التي تُصرف في سبيل هذا النوع من التعليم ينبغي ألَّا تكون دون العناية التي تصرف في سبيل التعليم العام. وكما يجب أن يزداد الكم يجب كذلك أن يتحسن الكيف. وليس بخَفِيٍّ أن المدنيَّة الغربية الحديثة إنما قامت على أكتاف الجامعات التي بدأت مهمتها هناك منذ قرون، بينما التعليم العام لم يبدأ مهمته إلا منذ ٦٠ أو ٧٠ سنة. الدكتور بقطر: التعليم العام هو الذي يكشف الكفايات، والغرض منه تنوير أذهان الأمة؛ فالوعي القومي لا يوجد إلا في أمة متعلمة بها كفايات في كل المرافق. نشأت باشا: في اعتقادي أن الظروف الحالية أو ظروف الكوليرا العارضة تعطينا فكرة صحيحة عن أيهما أفضل: التوسع في التعليم العام أم التوسع في التعليم الجامعي؛ فهذه الظروف قد أكدت أن ما ينقص الشعب المصري — ولا بدَّ له منه أولًا وقبل كل شيء — هو تفهُّم قواعد الحياة، وتبين المسالك المؤدية إلى أحسن الغايات دون التعرض للمهالك والأخطار. وهذا هو ما يتيحه التعليم العام. أمَّا التعليم الجامعي، فالغرض منه إيجاد القادة لا أكثر، ولا شك في أنَّ مَن عندنا من الجامعيين فيهم الكفاية لهذا وزيادة، لولا أن انعدام التعليم العام من شأنه أن يجعل مهمتهم تعترضها الصعوبات، فمثلهم ومثل العامة عندنا كمثل جياد أصيلة كثيرة تحاول جر عربة تنقصها العجلات. وثمة دليل آخر على ضرورة عنايتنا أولًا بالتعليم العام بما فيه التعليم الزراعي والصناعي، وذلك أن عددنا قد تضاعف في نصف القرن الأخير، ومع هذا لم نُفِدْ شيئًا من هذه الزيادة، بل نقصت الأراضي المزروعة عندنا حوالي مليون فدان، برغم ما جدَّ من الوسائل الزراعية … فإذا كنَّا نتألم الآن لما تعانيه البلاد من المرض والفاقة؛ فذلك مرده إلى أن أكثريتنا لا تزال في جهالة عمياء — ومن هذا كانت زيادة عددنا ضِغْثًا على إبَّالة — وبعد أن كان الفلاح الجاهل الفقير المريض يكد ويكدح ليحصل على رغيف، أصبح هناك آخر من أمثاله يكد ويكدح ليقتسم معه هذا الرغيف بدلًا من أن يبحث لنفسه عن رغيف آخر. أمَّا الأغنياء من الزراع، فأكثرهم كذلك ينقصهم التعليم؛ ولهذا يعيشون بعقول القرون الوسطى، فلا يفيدون ولا تفيد البلاد من غناهم إلا بمقدار ضئيل محدود. الدكتور بقطر: في اختباراتي بأمريكا ما يؤيد هذا كل التأييد، فالرخاء السائد هناك إنما يعود إلى تعميم التعليم الفني والزراعي والصناعي، وإفادة الشعب جميعًا منه في المدارس الثانوية، وقليل هم الذين يدخلون الجامعات بعد ذلك، وقد قال أحد الرؤساء الأمريكيين: لو خُيِّرتُ بين إقفال المدارس وإقفال الجامعات لاخترت إقفال الأخيرة. الدكتور طه حسين بك: الحياة جهاد، يُحتاج فيه إلى القادة كما يُحتاج إلى الجنود، ولا قيمة مطلقًا لكفاية القادة ونشاطهم وإخلاصهم ما لم يكن جنودهم أصحاء صالحين للقتال، متدربين على فنونه من هجوم ودفاع. وإذا كانت الجامعات هي التي تخرِّج القادة، وكانت عامة الشعب هي التي تتألف منها الجنود، فلا قيمة مطلقًا لمن تخرجهم الجامعات ولا لكفايتهم ونشاطهم وإخلاصهم إذا لم يكن العامة على قسطٍ من التعليم العام، يفهمون به واجبهم كما يجب أن يُفهم، ويهيئهم لقبول التوجيه وتأدية مهمتهم أحسن ما يكون الأداء … فالتعليم الإجباري العام إذن أوجب وأولى بعنايتنا واهتمامنا من التعليم العالي والتعليم الخاص، ثم هو إلى ذلك يتيح تكافؤ الفرص لأبناء الشعب جميعًا، لا فرق بين غنيٍّ وفقيرٍ، كما يتيح للجامعة نفسها أن تحسن اختيار أبنائها ممن تتوافر فيهم الكفايات والاستعدادات والميول المطلوبة … وقد يكون الاتجاه نحو التعليم العام شيئًا جديدًا لم يعرفه العالم قبل القرن التاسع عشر. ولكن الذي لا شكَّ فيه أنه جاء نتيجة للوعي العالمي، والقصد إلى إنقاذ الإنسانية من الكوارث العديدة التي جرَّها عليها الجهل ونظام الإقطاع أو الاحتكار الذي كان سائدًا وقتذاك في جميع فروع الحياة، ولا شكَّ كذلك في أن الإنسانية قد أفادت وتقدمت أشواطًا بعيدة في طريق الرقي ورفع المستوى العام بفضل هذا الاتجاه. فمن السخف أو العبث أن نحاول القضاء على الفقر أو المرض، أو أن نقر العدل والديمقراطية الصحيحة ما لم نَمْضِ أولًا في ذلك الاتجاه، ونحقق في البلاد تعميم التعليم بمعناه الصحيح. الدكتور بهجت بدوي بك: ليس هناك من ينكر ضرورة التعليم العام وفوائده، ولعل أخص فوائده أن يتيح الفرصة لإبراز أكبر مجموعة من المواهب والكفايات والانتفاع بها، بدلًا من قصر هذه الفرصة على طبقة معينة: هي طبقة القادرين، وعلى هذا الوجه لا تُهدر تلك المواهب التي يزخر بها الشعب، والتي ينقصها التعليم للكشف عنها، على أنه ليس في إمكاننا الآن أن نعلم الشعب كله؛ لأن مواردنا محدودة أو هي غير مستغلة كما ينبغي أن تُستغل. ويجب مواصلة الاهتمام بتحسين هذا الاستغلال حتى تزداد الموارد، ويمكننا الإنفاق على تعليم الشعب. وفي سبيل ذلك نحن في حاجة إلى إعداد الكفايات التي كُشِف عنها إعدادًا صالحًا يُمكِّنها من أن تؤدي مهمتها حق الأداء؛ وذلك بأن نهيئ للجامعة جوًّا علميًّا صحيحًا يجعلها أقدر على تخريج الأكفاء الذين يقوون روح الإنتاج، ويمضون بالأمة في الطريق الموصل إلى ما تريد. الدكتور طه حسين بك: قد يكون مستوى المتخرجين في الجامعة اليوم أقل منه منذ عشر سنين، ذلك لأخطاء قد تكون منَّا، وقد تكون من الظروف العالمية … أصبحت معها الجامعة ما تزال مدارس عالية، وانقطعت العلاقة بين أساتذتها وزملائهم في الخارج، ولم يبقَ للدرجات الجامعية من قيمة أكثر من أن تتيح الترقية لأصحابها حتى في الجامعة نفسها. وقد يستطاع إصلاح هذا الحال بالرجوع إلى الأساس الذي نهضت عليه الجامعة عندنا منذ سنين … على أن هذا لن يغني كثيرًا عن حاجتنا الملحة إلى التعليم العام. وعلى المسئولين أن يُدبِّروا المال اللازم لذلك بزيادة الضرائب على الأرباح والأملاك، وتنظيم جبايتها، واختيار الوجوه التي تنفق فيها، مع ملاحظة تقديم الأهم على المهم، وتقديم المهم على ما لا فائدة من الاهتمام به الآن. فمثلًا قد أنفقنا على الجيش حوالي اثني عشر مليونًا من الجنيهات، وكان يمكن أن نُوفِّر هذه الملايين لننفقها في نشر التعليم العام؛ فلا شكَّ في أن الجيش بعد ذلك يكون أكثر فائدة. أمَّا الآن فلا أذكر أن البلاد قد أفادت منه فائدة تُذكر منذ عصر إسماعيل. لطفي السيد باشا: هذا كلام جميل، وأجمل منه أن نجد الحاكمين الذين يفهمونه حق فهمه، ويسارعون إلى تنفيذه، أو أن نجد المحكومين الذين يؤمنون بفائدته لهم وللبلاد، ويقبلون عليه راضية به نفوسهم. وأين نحن الآن من هذا وذاك؟! الدكتور بهجت بدوي بك: مهمة المصلحين هي التوجيه والتبصير بعواقب الأمور، وما دام إيمانهم قويًّا فسيأتي اليوم الذي تتحقق إصلاحاتهم فيه.

    ثم انتقل الحديث إلى التربية الخلقية …

    الدكتور بهجت بدوي بك: الواقع أن القدوة الحسنة هي التي تؤثر في الناشئة وليس الوعظ أو الإرشاد. الدكتور بقطر: أعتقد أن الطريقة المثلى للإفادة من التربية الخلقية هي أن نبدأ بها أولًا في البيت، ثم يتعاون البيت مع المدرسة. الدكتور طه حسين بك: هذا ما لا سبيل إليه بعد أن يُعمم التعليم العام أيضًا. أمَّا قبل ذلك فالبيئة المنزلية — مع الأسف الشديد — لا تزال أبعد ما تكون عن الاضطلاع بمثل ذلك العبء العظيم؛ لأنها هي نفسها في حاجة إلى الإصلاح. فلو فرضنا أن البيئة المدرسية عندنا صالحة لذلك؛ فإن التعاون بينها وبين البيئة المنزلية لتحقيق تلك الغاية لا سبيل إليه إلا بعد حين طويل. الدكتور بقطر: في استطاعتنا أن نقتبس الطرق المفيدة التي سبقنا إليها الغربيون في ذلك، كتنظيم مؤتمرات عامة للشباب، وإصدار الكتب والمجلات الخاصة بهم، والإكثار من الإذاعات التي يحبُّونها، وتوجيههم إلى ذلك من حيث لا يشعرون، والعمل على إنشاء الأندية الرياضية والاجتماعية لهم، بشرط أن تكون بعيدة عن الطائفية أو الحزبية. وفي استطاعة الحكومة أن تشرف على تنظيم هذه الوسائل. لطفي السيد باشا: أرى أن الحياة الآن أرقى بكثير مما كانت عليه قبل ربع قرن، وهي — إن شاء الله — ستكون بعد ربع قرن آخر أرقى منها الآن؛ فلنترك الزمن يتولى بنفسه حل هذه المشكلة. أمَّا أن نكل حلها إلى الحكومات فهذا يتطلب أن يُختار الحاكمون من الفلاسفة ورجال الأخلاق، وهذا ما لا يقره السياسيون.

    وتناول المجتمعون مشكلة ثالثة هي من أهم مشاكل الشباب؛ وهي «التربية الجنسية»، فقال الدكتور طه حسين بك: المسألة التي ينبغي أن نفكر فيها في مصر وفي كثير من البلاد الأخرى هي مسألة «التربية الجنسية»؛ فالواقع أن الحب لا يحتاج إلى توجيه.

    الدكتور بهجت بدوي بك: أعتقد أن هذه المسائل ينبغي أن تُترك للشباب ليحلها بمحض سلطانه. الدكتور بقطر: في البلاد المحافظة كبلادنا يعجبني أن حل أمثال هذه المسألة يتم شيئًا فشيئًا، وبمعرفة الوالدين، بعكس الحال في البلاد الغربية مثلًا؛ حيث يمكن القول بأن الجنسين هناك قد تُرك لهما الحبل على الغارب متى بلغَا مبلغ الشباب. لطفي السيد باشا: ومشكلة تعدد الزوجات قد حلَّها الزمن هي الأخرى؛ فلا يزيد ما لدينا منه الآن على ٣٪ من عقود الزواج القائمة. فالأمر كما ترون لا يحتاج إلى تشريع ولا توجيه. الدكتور بقطر: هل هناك تعاون بين الجنسين في الجامعة عندنا كما هو الشأن في جامعات أوروبا وأمريكا؟ الدكتور طه حسين بك: الذي أعرفه أن اختلاط الجنسين في الجامعة موجود معمول به منذ سنين، فالطالب والطالبة يجلسان جنبًا إلى جنب في الدروس والمحاضرات، ويتناقشان معًا خارج الدرس، ولا حرج عليهما البتة من هذا القبيل. الدكتور بقطر: قبل انفضاض الندوة، أحب أن أعود هنيهة إلى مسألة التعليم العام لأقول: إن الحكومة الأمريكية تفرض ضريبة على الأثاث تُجبى سنويًّا لذمة التعليم، وفي هذا ما يؤيد ما قاله الدكتور طه حسين بك من ضرورة فرض الضرائب هنا لنشر ذلك التعليم. الدكتور طه حسين بك: أكثر من هذا يا سيدي أن الحكومة المصرية نفسها في أوائل عهد الاحتلال الإنجليزي فرضت ضريبة خاصة بالتعليم في مجالس المديريات؛ فليس ما يمنع الآن من فرض مثل هذه الضريبة على أن تختفي المركزية، إذ إن ضررها محقق في مثل هذه الشئون وهذه الظروف. لطفي السيد باشا: إلى هنا أرى أن مشاكل شباب اليوم قد حُلَّت على الورق، فلعلها — إن شاء الله — تُحل كذلك في الدواوين. الدكتور طه حسين بك: المهم أن تحل فى المدارس والبيوت!

  • الديمقراطية المنتصرة

    الديمقراطية المنتصرة
    طه حسين
    جريدة البلاغ
    ١٦ أغسطس ١٩٤٥

    يُقال إن الديمقراطية قد كسبت الحرب، وأدركت ما جاهدت في سبيله ستة أعوام من النصر المؤزر والفوز المبين، فمحقت الدكتاتورية في الشرق والغرب مَحْقًا، وسحقتها في أوروبا وآسيا سحقًا.

    والظاهر أن هذا كله صحيح؛ فقد استسلمت ألمانيا منذ ثلاثة أشهر، واستسلمت اليابان منذ يومين، وقد قُتِل موسوليني عظيم إيطاليا، ومثَّل به الإيطاليون تمثيلًا قبيحًا، وضاع هتلر فلم يقطع الناس في أمره بشيء، فهو تائه بين الحياة والموت، وبقي إمبراطور اليابان على أن يتلقى أوامر المنتصرين وينفذها في غير تردد ولا تلكؤ، وأصبحت كلمة الديمقراطية هي العليا في جميع أقطار الأرض، ولم يبقَ للدكتاتورية كلمة يمكن أن يُقال إنها أصبحت السفلى، بل خفت صوت الدكتاتورية خفوتًا تامًّا وانقطع انقطاعًا كاملًا، وجعلت الشعوب التي كانت حرة تتشوق إلى مزيد من الحرية، وجعلت الشعوب التي كانت مستعبدة تطمح إلى روح من الحرية يشيع فيها الحركة والنشاط، ويتيح لها الاستمتاع بالحياة في ظل الأمن والدعة والهدوء.

    فما عسى أن تكون هذه الديمقراطية التي انتصرت؟ وما عسى أن يكون فهمنا لها واستمتاعنا بها؟ وما عسى أن ننتظر من نتائج انتصارها المؤزر وفوزها المبين؟ وإلى أي حد نستطيع أن نقول ونحن صادقون فيما بيننا وبين أنفسنا — وفيما بيننا وبين الناس — إن مصر التي جاهدت مع المجاهدين لتنتصر الديمقراطية قد فازت مع الفائزين بما أُتِيحَ للديمقراطية من انتصار؟

    هذه أسئلة يلقيها المصري على نفسه إذا خلا إليها، ويلقيها بعض المصريين على بعض إذا التقوا وأخذوا في الحديث، وهم يستطيعون أن يجيبوا على بعض هذه الأسئلة، ولكنهم يعجزون العجز كله عن أن يجيبوا على بعضها الآخر. يستطيعون أن يجيبوا عن الأسئلة العامة التي لا تمسهم من قريب أو بعيد، فإذا اتصلت هذه الأسئلة بحياتهم أدركهم شيء من الحيرة والوجوم، فلم يعرفوا كيف يقولون أو أخذهم شيء من السخرية والعبث فاندفعوا في ضحك مر عريض، أو أخذهم شيء من الحزن والأسى وطرقوا صامتين يؤثرون الصمت على الكلام، ويودون لو آثروا الجهل على العلم، والغفلة على التنبه، ويودون بنوع خاص لو حُجِبَتْ عنهم حقائق الأشياء، فلم يروا ولم يسمعوا ولم يفهموا ما يرون ويسمعون ويفهمون.

    هم جميعًا يعلمون أن الديمقراطية التي انتصرت هي هذا النظام الذي يمكن الشعب من أن يحكم نفسه بنفسه لنفسه، لا يحكمه غيره من الأجانب، ولا تحكمه قلة من أبنائه دون الكثرة، ولا تدبر حكومته أمره على غير ما يحب ويرضى، ولا توجه الحكم فيه لمصلحة الأجنبي دون المواطن، ولا لمصلحة القلة دون الكثرة، ولا لمصلحة الذين يريدون أن يستأثروا وحدهم بالخير والنعمة والرخاء، وأن يتركوا لغيرهم الشر والبؤس والضنك والشقاء. هم يعلمون أن الديمقراطية التي انتصرت هي هذا النظام الذي يضمن للشعب حريته وسيادته، بالقياس إلى الأجنبي مهما يكن، وبالقياس إلى المواطن مهما يكن. هي هذا النظام الذي يكفل للشعب حرية صادقة واستقلالًا صحيحًا في داخل الوطن وخارجه، وهم يعلمون أن الديمقراطية التي انتصرت هي هذا النظام الذي لا يكتفي بضمان الحرية الصادقة والاستقلال الصحيح في الداخل والخارج, وإنما يضمن معهما عدلًا اجتماعيًّا يعصم الناس من بأس الأقوياء كما يعصمهم من بؤس الحرمان، ويمحو من بينهم الأثرة والاستعلاء؛ أي يمحو من بينهم الاستبداد والامتياز. يجعلهم سواء أمام القانون، ويجعلهم متقاربين في الاستمتاع بالحياة الهادئة المطمئنة، متقاربين في القدرة على أن يصلحوا حياتهم ويرقوها ويرتفعوا بها من طور إلى طور، ويسعوا بها إلى الكمال المادي والمعنوي ما وجدوا إلى ذلك سبيلًا.

    هم يعلمون هذا كله حق العلم؛ لأنهم قرءوه في الكتب والصحف وسمعوه في الراديو. تحدث به إليهم الزعماء والقادة، وتحدث به إليهم الملوك أنفسهم، وهم يرون ذلك رأي العين. يرون بريطانيا العظمى وقد حوَّلت ثقتها عن زعيمها العظيم المستر تشرشل الذي قادها إلى النصر، ونفذ بها من أشد الخطوب نكرًا إلى خصمه المستر آتلي، لا لشيء إلَّا لأنها أشفقت من سياسة المحافظين، وخافت ألَّا تحقق هذه السياسة إلى جانب الحرية السياسية في الداخل والخارج. هذا العدل الاجتماعي الذي لا تتم الديمقراطية الحديثة إلَّا به.

    فالشعب البريطاني قد قال للعالم كله جهرة وفي غير تحفظ ولا التواء إنه يريد أن يحكم نفسه بنفسه لنفسه، وإنه قادر على تحقيق ما يريد. وقد افتتح برلمانه الجديد أمس، وأعلن ملكه العظيم فيما أعلن أن حكومته ستبذل ما تستطيع من جهد لِتُحقِّق للشعب البريطاني في أرضه، ولِتُحقِّق لشعوب الإمبراطورية أعظمَ حظٍّ ممكن من هذا العدل الاجتماعي الذي يقوم على النظام الاشتراكي الذي تؤمن به حكومة العمال، والذي أراد الشعب البريطاني أن يجرِّبه وأن يذوق ثمراته.

    والمصريون يرون ذلك ويقرءونه ويسمعونه، ويرون أن الشعوب الأوروبية الأخرى — سواء منها المنتصرة والمحررة والمغلوبة — تذهب كلها هذا المذهب، فتطمح إلى الحرية السياسية الصحيحة في الداخل والخارج، وتحرص على العدل الاجتماعي، وتُضحِّي بكل شيء في سبيل هذا العدل وفي سبيل تلك الحرية. ففرنسا تسرع إلى اليسار، وليست إيطاليا وبلجيكا واليونان ويوجوسلافيا بأقل منها إسراعًا إلى اليسار. فأمَّا البلاد البلقانية الأخرى فقد اندفعت إلى اليسار اندفاعًا، ومن يدري أتقنع بالاشتراكية أم تياسر إلى أبعد منها؟

    وليس المهم أن يُسمَّى النظام ديمقراطية أو اشتراكية أو شيوعية، وإنما المهم أن يحقق النظام للشعب حرية سياسية صحيحة في الداخل والخارج، وعدلًا اجتماعيًّا صحيحًا يكفل للناس حياة كريمة، ويطهر قلوبهم من الحسد والحقد، ومن العداوة والبغضاء.

    إلى هذه المُثُل العليا يتجه العالم كله، وهو لا يتجه إليها بالقول وحده، وإنما يتجه إليها بالقول والعمل، ويخطو إليها خطوات حاسمة حازمة واسعة، لا تحتمل إبطاءً ولا تلكؤًا ولا ريثًا.

    والمصريون يرون هذا كله ويعلمونه كما يعلمون أخص ما يتصل بها من الشئون، فإذا سألتهم عن الديمقراطية المنتصرة ما هي؛ أجابوك على هذا السؤال في غير تردد ولا اختلاف، ولكنك حين تسألهم عن المقدار الذي يستمتعون به من هذه الديمقراطية المنتصرة؛ رأيت منهم الحزين المطرق واليائس والضاحك من اليأس، والذي يسمع منك السؤال ثم يعرض عنك؛ لأنه لا يريد أن يضيع الوقت فيما لا يغني ولا يفيد.

    ذلك لأنهم يعلمون جميعًا أنهم جاهدوا مع المجاهدين لتنتصر هذه الديمقراطية، وشاركوا فيما تكلفت الشعوب من عناء، وفيما احتملت من آلام وفيما قدمت من تضحيات، وكانوا يظنون أنهم سيشاركون فيما سينتهي الجهاد إليه من نصر، وفيما سيؤتي من ثمرات، ولكنهم نظروا فإذا الأمر كله كلام لا أكثر ولا أقل بالقياس إليهم. فالديمقراطية بمعناها السياسي التقليدي القديم — وهي أن يحكم الشعب نفسه بنفسه لنفسه — لم تُتَح لهم، وإنما رُدَّتْ عنهم أو رُدُّوا عنها.

    فليس من الحق أنهم ينعمون بالحرية السياسية الصحيحة في الداخل والخارج، وآية ذلك أنهم لا يستطيعون أن يقضوا وحدهم في كثير من شئونهم التي تمس السياسة والاقتصاد، وآية ذلك أنهم لا يستمتعون حتى بحريتهم الشخصية؛ فهم لا يكتبون كما يريدون أن يكتبوا، ولا يخطبون كما يحبون أن يخطبوا، ولا يجتمعون إذا أرادوا أن يجتمعوا، تمنعهم من ذلك كله الأحكام العرفية التي تتراءى لهم، قريبة منهم بعيدة عنهم، منغصة لحياتهم على كل حال، ويمنعهم من ذلك حكم لم يختاروه ولم يحبوه، يرفق بهم وإن لم يحبوا هذا الرفق، ويعطف عليهم هذا العطف.

    والناس يُدفَعون — رغم أنوفهم — للخير، ويُكرَهون على الرقي وعلى صلاح الحكم إكراهًا، وصلاح الحكم هذا معنى يختلف فيه الناس اختلافًا شديدًا، يقدره الأجنبي على غير ما يقدره الوطني، وتقدره القلة على غير ما تقدره الكثرة، والشيء المحقق هو أن ألسنة المصريين معقودة، وأقلامهم معقولة، وحقوقهم في الحرية السياسية محدودة بإرادة الحاكم العسكري العام، وبإرادة المسئولين عن شئون الحكم. أولئك الذين يرضون فتُيسَّر الأمور ويغضبون فتعسر الأمور. فكيف تريد المصريين على أن يعتقدوا أن لهم نصيبًا قليلًا أو كثيرًا من هذه الديمقراطية المنتصرة، وهم قد حُرِموا أيسر معانيها وأهون مظاهرها؟!

    فإذا سألتهم عن العدل الاجتماعي رفعوا أكتافهم وهزُّوا رءوسهم، وارتسمت على ثغورهم ابتسامات ساخرة في بعضها اليأس المهلك، وفي بعضها هذا الأمل الغامض الذي يفكر في الحياة الآخرة حيث أعد الله للصابرين أحسن الجزاء وأعظم الثواب.

    ذلك لأنهم ينظرون، فيرون امتيازًا آثمًا وحرمانًا آثمًا أيضًا، يرون قومًا ينفقون بغير حساب حتى يتبعهم الإنفاق، ولا يبلغون بعد ذلك لا أقول رءوس أموالهم، بل أقول أيسر ما تغل عليهم رءوس أموالهم، ويرون قومًا يجمعون الألوف إلى الألوف، والمئات إلى المئات، والقصور إلى القصور، والضِّياع إلى الضِّياع، ويبخلون مع ذلك حتى يعذبهم البخل عذابًا شديدًا.

    ويرون قومًا آخرين يجدون ويجهدون ويكدون ويكدحون، ثم ينظرون، فإذا هم وعيالهم لا يظفرون من ثمرات هذا الجد والجهد، وهذا الكد والكدح بما يقيم الأود ويكسو الجسم ويقيه شر العاديات.

    ويرون قومًا قد أصبحوا صائمين، وهم لا يدرون أيَصِلون صوم الليل بصوم النهار أم يجدون ما يقطعون به هذا الصوم؟

    يرون قومًا قد يُسِّر لهم كل شيء حتى كأن الدنيا قد خُلِقت لهم، ويرون قومًا قد عسر عليهم كل شيء حتى كأنهم خُلِقوا ليكونوا وقودًا لهذه النار المضطرمة التي تُسمَّى البؤس والحرمان.

    فأي غرابة في أن يرفع المصريون أكتافهم، ويهزوا رءوسهم، ويشيحوا بوجوههم إن سألتهم عن نصيبهم في الديمقراطية المنتصرة؟!

    كلا؛ ليس للمصريين من الديمقراطية المنتصرة نصيب قليل ولا كثير، إنما انتصرت الديمقراطية لغيرهم ولم تنتصر بالقياس إليهم، قد يذوقون ثمرة هذا النصر في يوم من الأيام، وسبيلهم إلى ذلك — فيما أظن — أن يترقبوا ليلة القدر؛ فإنها تأتي في رمضان من كل عام، وأن يضرعوا إلى الله في ليالي رمضان كلها مخلصين أن يتيح لهم نصيبًا من الديمقراطية المنتصرة.

    وأنا أوصيهم مخلصًا أن يبتهلوا بهذا الدعاء في ليالي رمضان كلها، لا يستثنون منها ليلة؛ فإنهم لا يدرون أيها ستكون ليلة القدر.

  • بعد الأوبة

    بعد الأوبة

    طه حسين

    مجلة السفور

    ٥ نوفمبر ١٩١٥

    الحمد لله على أنني قد صرت من دهري إلى شر حال

    مشتت النفس بعيد الهوى في عثرة من زمني ما تُقال

    جهدتُ في الخير لنفسي فما أدركت منه غير طيف الخيال

    مني وآمال تقسمنني ثم انجلى زخرفها عن محال

    نم أيها الليل السَّاهر، واهدأ أيها الخاطر القلق، وتعزَّ أيها الفؤاد المَحزون، فما خير لوعة لا تجدي، وما اللجاج في وجد لا يُفيد.

    أقالَ اللهُ عثارَ الجَامِعَة لقد اعترضت سربًا آمنًا فروعته، وقلبًا وادعًا فأزعجته، وعيشًا صافيًا فكدرته، ولقد استقبلت بي أمرًا لم تبلغ بي غايته؛ فوقفتني بين الحمد والذم، وبين الرضا والسخط، وبين الرجاء والقنوط.

    والذنب للأيام لو لا شؤمها لم تنب شيمه

    ولو استقامت كانت الأ حوال فيها مُستقيمه

    تريدونني على أن أكتب، أيها الأصدقاء، ولقد عَلِمْتُم ما لي بالكتابة من طوق، ولا إلى الإجادة من سبيل.

    وماذا تريدون من رجل لم يكَد يأنس إلى حياة النور والهدى حتى ردته الأقدار إلى حيث الظلمة الداجية والضلال المُبين.

    واهًا لك من عيش حَسُنَ أوَّله وساء آخره، ومن حُلْمٍ لم أكَد أتذوق فيه حلاوة الأمل، ولذة الرَّجاء حتى نغصتهما علي بشاعة الألم ومرارة اليأس.

    ويا لك من ليل تقاصر طوله وما كان ليلي قبل ذلك يقصر

    أجل، أيُّها الأصدقاء، لقدْ علمتم أنَّ تلكم حياة نور وهدى، وأنَّ هذه حياة ظلمة وضلال، وما أحسب إلَّا أنَّكم قد فعلتم ما فعلت فودَّعتم ذكاءكم وقلوبكم يوم ودعتم تلكم البلاد.

    وماذا عسى أن نصنع بذكائنا في بلد قانع كمصر، قد رضي أهله بالقليل من كل شيء؛ فحسبهم من العلم والأدب ومن الفلسفة والحِكمة ألفاظٌ يلوكونها، وكلمات يعلكونها، وجُمل يُرَدِّدونها بين الشفاه واللهَّا، من غير أن تُحَصِّل معنًى جديدًا، أو تدل على رأي طريف.

    زهدوا في البحث والتفكير وقنعوا بالنقل والتقليد؛ لأنهم لم يشعروا بنفوسهم بعد؛ فليس يعنيهم أنْ يَكُون لهم في تراث العقل الإنساني حظ أو نصيب.

    وماذا عسى أن نصنع بقلوبِنَا في بلد قانِعٍ كمصر قد رضي أهله بالقليل من كل شيء فحسبهم من الحياة الحس والحركة، ومن اللذات ما يتملق مشاعرهم الظاهرة، قد وضع الله عواطفهم في أيديهم وأرجلهم، وعلى أطراف ألسنتهم؛ فلا يعرفون من الحُبِّ إلا أغلظه وأجفاه، ولا يألفون من الوُدِّ إلا ما أعان على حاجة أو أدى إلى منفعة، أو انتهى بهم إلى إدراك طلبة وتحقيق رجاء.

    شهد الله ما غلوتُ ولا أسرفتُ، ولا بلغتُ حقَّ ما أُريدُ، ولقد أعلم أنني إنما أكتب هذه السطور لرجلين؛ أحدهما ذاق لذة الحياة الغربية فهو مؤمن بما أقول مصدق له، والآخر لم يبل منها شيئًا؛ فهو يتهمني بالغلو ويصفني بالإغراق.

    فأما الأول فما أملك له إلا يد إخاء وكلمة عزاء، وأما الآخر فما أرجو له إلا الهداية والعافية وصفاء العيش، وأنْ يُجَنِّبه الله ما بلوناه؛ فلم نحمد منه حلاوة الجني حتى ترك لنا غُصَّةً لن تفارقنا، إلا مع آخر نفس من أنفاس الحياة.

    يا عجبًا كل العجب يعودُ الناسُ إلى بلادهم بعد الغربة فرحين مبتهجين، وأنا أُقسم بما في تلك البلاد من ذكاء القلوب ورجاحة الأحلام، ومن صفاء الطباع وسلامة الأذواق، ومن رقة العواطف ورقي الأخلاق، ومن جمال الخلال واعتدال الأمزجة؛ لقد عدت إلى مصر أسفًا محزونًا، ولقد استحيي أنْ أقول الحقَّ فأُعْلِنُ أني استقبلتها باكيًا.