شكاة …
بقلم الدكتور طه حسين
أرفعها إلى وزير التربية والتعليم وإلى مجالس الجامعات مطمئنا إلى أنهم سيلقونها بما ينبغي لها من العناية والرفق والإنصاف لأنها جديرة منهم بهذا كله، فهي تتصل بهؤلاء الذين يمنحون أبناء الشعب خلاصة نفوسهم وقلوبهم وعقولهم منذ يصبحون إلى حين يمسون وعسى أن يمنحوهم هذه الخلاصة حين يجنهم الليل وحين يحب الناس أن يأووا إلى دورهم وأن يأخذوا بحظوظهم من راحة الجسم وفراغ البال وهم المعلمون الذين يفدون على مدارسهم ومعاهدهم مع الصبح كأقوى ما يكون الناس قوة وأوفر ما يكون الناس نشاطا وأمضى ما يكون الناس عزما وأصفى ما يكون الناس نفسا. ثم يروحون إلى أهلهم آخر النهار وقد استنفدوا كل ما غدوا به من قوة ونشاط ومن مضاء عزم وصفاء نفس ولم يردوا على أهلهم إلا أجساما قد بلغ منها الضعف ونفوسا قد فارقها الصفاء وعزائم قد أدركها الفتور لأنهم أنفقوا يومهم معلمين ومؤديين فأجهدوا في التعليم والتأديب كل ما ادخروا من قوة وأدركهم الإعياء المادي والمعنوي منحوا خير ما فيهم للمدرسة وردوا من أنفسهم بقايا كليلة مغلولة لا تكاد تصلح لشيء فهم أحق الناس بالرعاية وأجدرهم بالعناية وأحراهم أن ترفق بهم الدولة فتضع عنهم من أثقال الحياة وتزيل عنهم من همومها أعظم ما تستطيع.
وما أعرف أحدا يحتاج إلى أن يوضع عنه الثقل ويجلى عنه الهم كالمعلم الذي يجب عليه أن يمنح قلبه كله وعقله كله وإخلاصه كله لهؤلاء الطفل والشباب الذين تكل إليهم تربية أجسامهم وتثقيف عقولهم وإعدادهم ليحتملوا في قوة وكرامة أعباء الحياة.
والمعلم الذي يشغله الهم عن إعداد الدرس ويصده عن الفراغ للتلاميذ ويبغض إليه الحياة والعمل ويزهده في النشاط والجد ويعرضه للضيق لكل شيء وللضيق بكل إنسان رجل لا خير فيه لنفسه ولا خير فيه للناس. فكيف ونحن نكلفه أن يخلص نفسه كلها ونشاطه كله لصغار التلاميذ وكبارهم ونسأله آخر الأمر عما ينتهي إليه جده وجهده من تعليم هؤلاء التلاميذ ونلومه بحساب وبغير حساب عما يكون في حياة الصبية والشباب من عوج وعما يعرض لهم من التواء سواء أكان عن ذلك مسؤولا أم غير مسؤول.
وبقدر ما يثقل التكليف الذي يفرض على الناس ينبغي أن توفر لهم القوى والوسائل التي تمكنهم من النهوض به على خير ما يكون النهوض بالتكاليف.
ووزير التربية والتعليم ورجال الجامعات يعرفون حق المعرفة أن أعباء الحياة المادية في هذه الأيام ليست هينة ولا يسيرة وأن احتمالها يحتاج إلى الجهد والصبر وسعة الحيلة وأن أجور المعلمين لا تكاد تنهض بحاجاتهم وحاجات من يعولون وهم بها قانعون ينتظرون أن يأذن الله باليسر الذي يوسع عليهم وعلى غيرهم من المواطنين في الحياة ويقرب إليهم وإلى غيرهم من المواطنين ما لا تستطيع أيديهم أن تناله من حاجاتهم فما بال هذا الثقل الذي رفع عن المعلمين منذ أعوام يرد إليهم في هذا العام وأريد به المصروفات الجامعية كما يسميها الناس وإذا تحدثت إلى وزير التربية والتعليم وإلى رجال الجامعات في هذا الموضوع فإنما أتحدث فيه لأني أنا الذي وضع هذا الثقل عن المعلمين حين كنت ناهضا بشؤون التعليم وأؤكد للسيد الوزير أني لم أرفعه تقربا إليهم أو لأطفالهم أو إيثار لمرضاتي عني وثنائهم علي فما حفلت قط في أن يرضى الناس عني أو يسخطوا وما حفلت قط بأن يثني الناس علي أو يلهجوا بي. وإنما وضعت عنهم هذا الثقل لأصرفهم إلى التعليم وأخلصهم له وأريحهم من هم يثقل عليهم ويخف على الدولة أن تريحهم منه.
وأنا بعد لم أخترع هذا التخفيف من نفسي وإنما وجدت أمما متحضرة ممعنة في الحضارة ترى من الحق عليها أن تعفي المعلمين من نفقات التعليم التي يحتاج إليها أبناؤهم لأنهم يعلمون الناس ويمنحونهم في سبيل ذلك قوة أجسامهم ونفوسهم؛ فلا أقل من أن يعفوا من دفع الأجور لأبنائهم حين يتعلمون وما ينبغي أن ينظر إلى هذا الإعفاء على أنه تمييز للمعلمين من سائر المواطنين وإنما ينبغي أن ينظر إليه على أنه تيسير على المعلمين وتمكين لهم من أن يؤدوا واجبهم كأحسن ما يؤدي الواجب. والمعلم حين يؤدي واجبه لا يؤديه إلى فريق بعينه من المواطنين وإنما يؤديه إلى الوطن كله وإلى المواطنين جميعا فتيسير الحياة على المعلم ليس إيثارا له بالخير وإنما هو خدمة عامة تقدم إلى تلاميذه على اختلاف طبقاتهم ومنازلهم. شأنه في ذلك شأن الجندي الذي تكلفه الدولة أن يكون مستعدا في كل لحظة من لحظات حياته ليؤدي واجبه الوطني الخطير. فهي تيسر له الحياة وتذلل له سبلها لا تؤثره بالخير من دون الناس وإنما تتيح له أن يبذل جهده ونفسه في سبيل الناس مطمئنا إلى ما يبذل من الجهد والنفس. وليس المعلم آخر الأمر إلا جنديا يحارب الجهل ويذوده عن نفوس الصبية والشباب يحارب في أوقات السلم وفي أوقات الحرب ويجاهد في أوقات الشدة وفي أوقات اللين وإذا ملأ الهم قلب المعلم وصرف عن الفراغ لدرسه وشغل عن العناية الخالصة بتلاميذه لم يخسر هو وحده وإنما خسرنا نحن جميعا معه فالصبية والشباب الأبرياء هم الذين يجنون نتائج ما يتعرض له المعلم من شدة الحياة أو لينها ومن نعيم العيش أو بؤسه ومن فراغ البال أو اشتغاله بالهين والعسير من الأمر.
ومن أيسر الأشياء أن تنظر إلى الأجور التي يتقاضاها المعلمون آخر الشهر والتي تتقاضاها الكثرة الكثيرة منهم بنوع خاص وإلى الأعباء التي يطلب إليهم أن ينهضوا بها لأنفسهم ولمن يعولون وأن نقدر حال المعلم الذي يكون له الولد الكثير من البنين والبنات الذين يختلفون إلى المدارس والمعاهد والجامعات وأن نسأل أنفسنا كيف يتاح له أن يدير الحياة المادية لأهله وولده وكيف يقتطع من أجره هذا ما يرده إلى الدولة أجرا لتعليم ابنه في الجامعة أليس مما يمض النفس ويثقل عليها أن يطلب إلى معلم قد لا يتجاوز مرتبه عشرة جنيهات أو عشرين جنيها أو أكثر من ذلك قليلا أن يقتطع من هذا المرتب في أول العام الجامعي نصفه أو ثلثه أو أن ينزل عنه كله ليدفعه أجرا لتعليم ابنه أو أن يقترض مثله أو مثليه إن كان له ابنان أو أكثر ليؤدي أجور التعليم. وما ينبغي أن يقال إن هذا شأن الموظفين جميعا فللمعلم شأن غير شأن الموظفين هو يهدي العلم إلى الصبية والشباب يبذل في ذلك أكثر كثيرا مما تعطيه الدولة من الأجر. فلا ينبغي أن يهدي العلم عامة كله وأن يشتري العلم لأبنائه ويتكلف في شراء العلم ما لا يطيق وما قد يعرضه لما لا يجمل برجل التعليم.
وما ينبغي أن تكره الظروف المادية رجال التعليم على أن يصدوا أبناءهم عن طلب العلم ويمسكوهم على الجهل إمساكا. وأنا أفهم ألا يقدم ابن المعلم على غيره حين يراد القبول في كليات الجامعات. فهذا هو التمييز الذي لا ينبغي للمعلم أن يطمع فيه ما دامت الجامعات قليلة وما دامت الأماكن فيها معدودة محدودة وإنما يجب أن تقبل الجامعات خير من يتقدم إليها وأن يوضع ابن المعلم من ذلك في مكانه الذي ينبغي له لا يمتاز من أحد ولا يمتاز منه أحد.
هذا شيء لا ينبغي الجدال وإنما الشيء الذي ألح فيه أشد الإلحاح على وزير التربية والتعليم وعلى رجال الجامعات هو ألا يرد ثقل المصروفات على المعلمين وأن يترك لهم ما منحوا من التخفيف عنهم والتيسير عليهم وما أشك في أن المواطنين على اختلاف طبقاتهم لا يضيقون بذلك ولا يجدون فيه ظلما أو إيثارا. فالمواطنون جميعا يقدرون مكان المعلم فيهم وبلاءه في تربية أبنائهم وتعليمهم وليس منهم إلا من يبر المعلم ويرفق به ويحب أن يناله البر والرفق وأن يمكن من أداء واجبه على خير وجه ويفرغ له كأحسن ما يكون الفراغ للواجب.
فليفكر في ذلك وزير التربية والتعليم مشكورا مبرورا وليفكر فيه رجال الجامعات موفقين وليرفعوا هذا الثقل عن قوم تنوء بهم الأثقال التي يحبونها وما ينبغي أن نضيف إليها أثقالا يكرهونها فقد تصرفهم هذه الأثقال البغيضة عن أثقال أخرى حبيبة إلى نفوسهم أثيرة في قلوبهم فيها لهم متعة وفيها للوطن نفع أي نفع وغناء أي غناء.
الجمهورية، ٢٥ نوفمبر ١٩٥٤.
Tag: Equity
-
شكاة