فارق الحياة بعد أن فارق اليأس روح مصر
توفيق الحكيم
فجيعة كبيرة….
فجيعة الأدب العربي في عميده العظيم، وفجيعتي أكبر في أخ قديم كريم، وإذا كان اللسان العربي منذ نطق أدبا سوف ينطق إلى آخر الدهر باسم طه حسين وفضله على لغة العرب فإن لسان القلب لن يكف عن ترديد ذكراه ما بقيت على قيد الحياة.
فقد جمعتنا أجمل أيام العمر كما جمعنا الفكر على صفحات كتاب … إنك أيها الصديق العزيز إذ تعبر اليوم الدار الفانية إلى الدار الباقية إنما تعبرها بنفس مطمئنة راضية بعد أن عبرت بلادك الهزيمة. أن روحك العظيمة لم تشأ أن تفارق جسدك إلا بعد أن فارق اليأس روح مصر …
اللهم اغمر برحمتك الواسعة ابنا لمصر من أعظم أبنائها الذين أدوا لها من الخدمات ما سيبقى منقوشا في سجل الخلود…
الأهرام ٢٩ – ١٠ – ١٩٧٣
Tag: Eulogy
-
صلاح …
صلاح …
طه حسين
جريدة الجمهورية
٢٠ فبراير ١٩٦٢
عليك سلام الله قيس بن عاصم ورحمته ما شاء أن يترحما
وما كان قيس ملكه ملك واحد ولكنه بنيان قوم تهدما
أجل، فقد كان صلاح ركنًا من أركان الثورة التي غيَّرت حياة هذه الأمة ومنحتها حياة جديدة قوامها الحرية والاستقلال والعدل وتحقيق الكرامة لهذا الشعب في مجموعه ولكل فرد من أبنائه. بذل في هذه الثورة أقصى جهده وأصدق جهاده، وكان كزملائه مستعدًّا أصدق الاستعداد لبذل حياته في سبيلها، وكان في الوقت نفسه قوامًا لأسرته التي فُجعت فيه أعظم الفجيعة وأقساها. ثم كان عميدًا لهذه الصحيفة اليتيمة التي أصابتها فيه الكارثة. أنهض ما يكون بأعبائها، وأعرف ما يكون لحقوقها، وأحرص ما يكون على رُقِيِّهَا وتقدُّمها، بما ينبغي أن تقوم به الصحف الجادة المخلصة من خدمة الوطن وتبصير الشعب بحقوقه وواجباته.
فليس الرُّزء رُزء فيه فرد ولا رزء أفراد، وليس هو ببناء قوم تهدَّم، وإنما هو بناء أقوام أصابهم فيه الخطب على حين كانوا يعقدون به أعرض الآمال ويرجون منه جلائل الأعمال. ثم أصبحوا ذات يوم وقد اختُطف منهم اختطافًا وانتُزع منهم انتزاعًا، وهم أشد ما يكونون حرصًا على أن يُسرع إليه الشفاء وتسبغ عليه العافية؛ ليستأنف نشاطه الخصب في خدمة وطنه وثورته وفي رعاية أسرته وفي قيادة صحيفته إلى أقصى ما يُرجى لها من النُّجح وأعظم ما يُنتظر منها من النهوض بأعباء الصحيفة الحرة، التي تقصر جهودها كلها على خدمة الوطن والمواطنين وعلى نشر أصول الثورة وحقائقها وغاياتها في جميع طبقات الشعب، لا يدركها في ذلك تقصير، ولا تخاف فيه لومة لائم.
ولو قد كان صلاح من الذين تقدمت بهم السن وأدَّوْا للحياة حقها وأخذوا منها نصيبهم، لكان الرُّزء فيه جليلًا. ولكنه يترك للعزاء سبيلًا إلى القلوب، ولكنه اختطف في ريعان شبابه بعد أن أدَّى واجبه كما لا يؤديه الشيوخ. وكان جديرًا أن ننتظر منه الكثير والكثير جدًّا؛ فإن امرأً بدأ حياته كما بدأها صلاح، مجاهدًا أصدق الجهاد وأبسله أثناء السلم والحرب، مخلصًا أشد الإخلاص وأعمقه للوطن في أيام الشدة وأيام اللين وفي أوقات البؤس وأوقات الرخاء، لم يعرف الضعف إلى نفسه القوية سبيلًا، ولم يجد اليأس إلى قلبه الكبير طريقًا، ولم تستطع الأثرة أن تشوب إخلاصه القوي العميق لوطنه وأمته في لحظة من لحظات حياته. إن امرأً بدأ حياته على هذا النحو، جدير أن ينتظر منه أكثر جدًّا ممَّا بدأ به حياته، ولكن الناس يقدِّرون، وقضاء الله يمضي فيهم صارمًا حاسمًا لا رادَّ ولا محيد عنه.
وكذلك وقع النبأ بوفاة هذا الثائر العظيم والصديق الكريم والمواطن الكبير، موقعَ الصاعقة من الذين عرفوه عن قُرب ومن الذين لم يعرفوه إلا من بعد.
وقد عرفت صلاح سالم كما عرفه المصريون جميعًا من بعد حين شبت الثورة كان هو أحد جذواتها المضطرمة التي كانت تزداد في كل يوم ذكاء، وأحد ألسنتها المنطلقة التي كانت تزداد في كل يوم انطلاقًا بما يحلو وما يمر وبما يسوء وما يسر.
وكان من أبرع خطباء الثورة في تقريب الآمال إلى القلوب وإحياء الرجاء في النفوس وإذكاء نار الثورة في الضمائر، وكان جده مرًّا أشد المرارة، وكانت دعابته حلوة إلى أقصى غايات الحلاوة، وكان أبرع زملائه في السخرية من النظام القديم وفي إثارة الضحك من ساسة ذلك النظام. وكان جده صارمًا في مرارته، وكانت فكاهته قاسية في حلاوتها، وكان أشد ما يكون إثارة للمرح والضحك حين يعبث بساسة العهد الماضي يقلد بعضهم تقليدًا رائعًا ويصور بعضهم تصويرًا صادقًا.
وكان في الوقت نفسه مروعًا مثيرًا للخوف والرعب، حين كان ينذر المتنكِّرين للثورة ويوعدهم أقسى الوعيد وأعنفه، وكان في أثناء هذا كله حركة لا تعرف السكون، ونشاطًا لا يعرف الهدوء، واندفاعًا لا يعرف الأناة. تراه في القاهرة مصبحًا وفي السودان ممسيًا، وتراه متنقلًا في البلاد العربية مصورًا لأهلها حين يعود إلى وطنه ولزعمائه السياسيين أروع تصوير وأصدقه. وكانت هذه الصورة مرتسمة له في نفسي، ولم يُتح لي أن ألقاه إلا بآخره، حين ذلك اليوم عرفته من قُرب فعرفت فيه الإخلاص لعمله إلى أقصى حدوده والوفاء كأعمق ما يكون الحب، وعرفت فيه سماحة الطبع ودماثة الخلق وصفاء الضمير وإيثار الصراحة على كل شيء والنفور الشديد من المداراة والالتواء في القول والعمل. وعرفت فيه أرعى الرؤساء لزملائه الذين يعملون معه في الصحيفة حين تجب الشدة واللين لهم والرفق بهم حين يستحب اللين والرفق.
ولم أعرف مشرفًا على صحيفة منحها خلاصة نفسه وأصدق جهده وأقصى طاقته، كما كان صلاح يمنح هذا كله للجمهورية.
ورأيته مريضًا يبلغ به المرض أقصاه، ولكنه لم يستطع في يوم من الأيام أن ينسيه الجمهورية أو يصده عن التفكير فيها والعناية بها والسؤال عن الدقيق والعظيم من أمرها، يرفق بالزملاء كلهم ولا يمنح نفسه أيسر نصيب من هذا الرفق.
ولم يدركني المرض كما أدركه، فلا ألقاه ولا يلقاني، كَلَّ عن السعي إليَّ وضعفت عن السعي إليه، ويكون آخر عهدي به وداعه حين أبحرت إلى أوروبا، وأعود إلى مصر فإذا هو قد أبعد السفر إلى أمريكا، ثم يعاودني المرض ويشتد ويقسو ويحول بيني وبين لقائه حين عاد من أمريكا مريضًا كما سافر إليها مريضًا. وأعيش كما عاش زملاؤه وأصدقاؤه جميعًا مطمئنًّا إلى الأمل متعلقًا بالرجاء واثقًا بأن شبابه سيكون أقوى من المرض ومن أثقاله.
وأُصبح اليوم فيقرأ عليَّ صاحبي صحف الصباح أو يقرأ عليَّ ما أراد أن يقرأ من هذه الصحف ولكنه يُعرِضُ عن الجمهورية، فإذا سألته عنها أدركه تردُّد شديد وارتباك عظيم، ثم يضطر آخر الأمر أن ينبئني بالحقيقة بعد أن حاول إخفاءها عليَّ، ينبئني بهذا الخطب الفادح وهذا المصاب الجليل، ينبئني بأن صلاحًا قد اختطفه الموت.
ويدركني حين أسمع هذا النبأ وجوم أعرف أوله ولكني لا أعرف آخره إلى الآن، وأنا أُملي هذا الحديث بعد أن أقبل الليل دون أن أجد لهذا الوجوم آخرًا؛ لأني لا أكاد أصدق أن هذه الحياة القوية قد غاضت، وأن هذا الشباب النضر ما استأثر به ولا يستطيع أن يرد قضاء الله إذا مضى لغايته، وإنما يستطيع أن يرتاع ويلتاع ويملأ قلبه الحزن ويغمر نفسه الأسى في غير طائل، حتى إذا انجلى عنه الوجوم وسكتت عنه المفاجأة وعاد إلى نفسه أو عادت إليه نفسه، لم يجد بُدًّا من أن يعترف بأن الموت حق وأن قضاء الله واقع وأن إرادة الله نافذة، ولم يستطيع إلا أن يسأل الله من أعماق نفسه أن يشمل الفقيد الكريم برحمته ويسبغ عليه نعمته ورضوانه، ويحسن عنه عزاء الوطن والمواطنين وعزاء أسرته البائسة وصحيفته اليتيمة وأصدقائه وزملائه المرزئين. -
رجل
رجل
طه حسين
كوكب الشرق
٢٣ أكتوبر ١٩٣٣
اللهم لا رادَّ لما قضيتَ، ولا مانعَ لما أمضيتَ، ولا منكرَ لحكمكَ، ولا معقب لأمرك، وإنما هو
الإذعان لقوتك البالغة يعصمنا من الجهل، والطمع في رحمتك الواسعة يعصمنا من اليأس، فقد أردتَ —
فلا مبدِّلَ لما تريد — أن تكون حياة الشعوب أمام الأحداث والخطوب، مزاجًا من العجز عن مناهضة
القضاء، ومغالبة الأيام، ومن الأمل في لطفك الذي لا حد له، ورحمتك التي وسعت كل شيء. ولو أن
بالشعوب قدرة على مناهضة القضاء، ومخاصمة الخطوب، لناهضت مصر وخاصمت، في هؤلاء الكرام الأوفياء
من أبنائها الذين يعدو عليهم الموت أنفع ما يكونون لبلادهم، وأقدر ما يكونون على خدمة أمتهم،
وأجدر ما يكونون باتصال الأَجَل وطول الحياة. ولو أن بالشعوب يأسًا أمام تتابع الحوادث، وتلاحُق
الكوارث، وهذه النكبات التي تصيبها فلا تنقطع، لَيئسَتْ مصر أشد اليأس أمام هذه الأيام السود
التي تفجعها في العظيم من أبنائها إثر العظيم، وتنكبها في الوفي من قادتها إثر الوفي، وكأنما
اصطلحت مع أولئك الذين لا يرعون لها حقًّا، ولا ذمة، ولا يحفظون لها كرامة ولا حرمة من
المستعمرين؛ على نصب الحرب لها، وتسليط الشر عليها، فهي لا تخلص من خطب حتى تتجشم خطبًا آخَر،
ولا تهدأ لوعتها لحزن، حتى تدخل في حزن جديد، ولكن حياة الشعوب كما قلتُ مزاج من الإذعان للقضاء
والرضى به، ومن الأمل في المستقبل والسعي إليه، في غير ضعف ولا فتور، وفي غير يأس من روح الله،
ولا استسلام للحادثات.
وكذلك تستقبل مصر هذا النبأ المروع الذي انتهى إليها أمس من باريس بأن رجلها العظيم قد مات،
فلا أمل في لقائه، ولا رجاء في الانتفاع بما كان يمتاز به من الجد، والصدق، والإخلاص، والنزاهة،
والوفاء.
نعم، كذلك تستقبل مصر هذا النبأ المروع راضية بقضاء الله، مذعنة لسلطانه، مستمدة من رحمته
العون على احتمال الخطب، ومجاهدة الأيام، مسجلة اسم عدلي وشخصه بين هذه الأسماء الكريمة
والأشخاص العظيمة التي تسجلها في قلبها الخالد، هذا القلب الأبِيِّ الكريم، هذا القلب العزيز
الصبور الذي لا يعرف النسيان، ولا اليأس، ولا الضعف، ولا الذلة إليه سبيلًا.
رحم الله عدلي، لقد كان رجلًا حقًّا بأوسع ما تدل عليه هذه الكلمة من معنى، وبأدق ما تدل عليه
هذه الكلمة من معنى، وبأرفع ما تدل عليه هذه الكلمة من أخلاق.
كان صادقًا يكره الكذب، وينفر منه، وكثير من رجال السياسة وأصحاب المنافع يتخذون الكذب أداةً
من أدوات الفوز، ووسيلةً من وسائل النجح، وزينةً بين المهرة والبارعين.
وكان وفيًّا يكره الغدر، وكثير من رجال السياسة مَن لا يتحرَّج من الغدر، ولا يضيق به، ليبلغ
ما يريد، ويحقِّق ما يطمع فيه من الأغراض الخاصة والعامة.
وكان أبِيًّا لا يقبل الضيم ولا يستريح إلى الذل، وكثير من رجال السياسة لا يكرهون أن يضحوا
بعزتهم وكرامتهم، ولا أن يضحوا بكرامة أمتهم وعزتها في سبيل المنصب، أو ما هو دون المنصب من
المنافع والمآرب والآمال.
كان نقي النفس، نقي القلب، نقي الضمير، نقي اليد، نقي اللسان. كان صورةً صادقةً للفضيلة في
حياة الأفراد، وكان صورة صادقة للفضيلة في حياة الأمم، كان المثل الأعلى للرجل الذي تستطيع
الشعوبُ أن تركن إليه، ولا تخشى منه ميلًا إلى الهوى، ولا تأثُّرًا بالشهوة، ولا انحرافًا عن
الحق، ولا استكانة لقوة الأقوياء.
يستطيع الناس أن يدرسوا دقائق الحياة لهذا الرجل فيما كان بينه وبين أصدقائه وأوليائه وأصحابه
والمتصلين به، من علاقة، فلن يجدوا فيها إلا الكرم والنبل، ولن يجدوا فيها إلا الصفاء والنقاء،
ولن يجدوا إلا جمال الطبع، وصفاء القلب، واعتدال المزاج، والعلم بما يحسن وما لا يحسن،
والتنزُّه عمَّا لا يليق، والحرص كل الحرص على ما يجمل بالرجل الكريم.
ويستطيع الناس أن يدرسوا دقائق الحياة لهذا الرجل العظيم فيما شغل من مناصب الدولة قبل أن
ينهض بأعمال السياسة العليا، فلن يجدوا فيها إلا الأمانة التي لا حدَّ لها، والحرص على العزة
والكرامة، في وفاءٍ وإخلاصٍ وأداءٍ للحق أمام رؤسائه من المصريين وغير المصريين، والتعفُّف
عمَّا يلوِّث نفوس كثير من الذين يشغلون المناصب فيلتمسون فيها الجاه، ويلتمسون فيها الغنى،
ويلتمسون فيها تحقيق الحاجات وإرضاء اللباقات.
ويستطيع الناس أن يدرسوا دقائق الحياة لهذا الرجل منذ اشترك في النهوض بأعباء السياسة المصرية
العامة، فلن يجدوا فيها إلا الإخلاص لمصر في حَزْم لا يعرف الضعف ولا التردُّد، ولن يجد الناس
فيها إلا الوفاء لمصر في فهم وبصيرة وتقدير للأمور لا يقلد، ولا يتابع، وإنما يجتهد ما وسعه
الاجتهاد، ثم يمضي في تحقيق رأيه والذود عنه، ما وسعه ذلك أو وجد إليه سبيلًا. حتى إذا أدركه
العجز لم يستحِ أن يعلن العجز، وحتى إذا أحسَّ أن الطريق الشريفة الأمينة المستقيمة قد سُدَّتْ
من دونه وأخذت عليه، لم يتردد في أن يعتزل السياسة ويلزم داره، تاركًا للقادرين على العمل أن
يمضوا في العمل، مستعدًّا دائمًا لِأَنْ يستجيبَ لدعاء الحق والواجب والوطن، كلما دعاه الحق
والواجب والوطن إلى النزول في الميدان.
ولقد نهض هذا الرجل مع صديقه رشدي بأعباء الحكم أثناء الحرب فاحتمل تبعاته، راضي النفس، مطمئن
القلب، مستريح الضمير، حتى إذا انقضت الحرب، وطالَبَ الوفد بحرية الشعب واستقلاله، لم يتردَّد
في أن يسير مع الوفد في طريقه إلى الحرية والاستقلال، وفي أن يحتمل تبعات ذلك راضي النفس، مطمئن
القلب، مستريح الضمير، كما كان يحتمل تبعات الحكم من قبلُ.
ولقد آلَتْ إليه أمور الحكم بعد أحداث طوال وخطوب جسام، فلم يتردَّد في النهوض بها، واحتمال
تبعاتها ما وسعته قوته، وما وسعه اقتناعه بأنه على الحق. ولقد خاصَمَ في ذلك صديقه سعدًا ما
وسعته الخصومة، حتى إذا عجز عن تحقيق أمنيته وأمنية مصر، عاد ولم يتردَّد في أن يعلن أنه قد عجز
عمَّا حاوَلَ وأخفق فيما أراد.
فلما طُلِب إليه أن يؤلِّف حزبًا لمناهضة سعد، أبَى ذلك واشتدَّ في الإباء؛ لأن مناهضة سعد
والوفد لا تصلح موضوعًا لتأليف الأحزاب، ولا ينبغي أن يُقدِم عليها المصري الذي يحب وطنه ويخلص
له الحب. حتى إذا صدر تصريح ٢٨ فبراير، وأخذت وزارة ثروت تهيِّئ لإصدار الدستور، رأى أن هذا
الدستور وذلك التصريح خليقان أن تُؤلَّف الأحزاب لحمايتهما، واستغلالهما واتخاذهما وسيلةً إلى
تحقيق الاستقلال؛ فألَّفَ حزب الأحرار الدستوريين، ووجَّهَ سياسته عامًا وبعض عام، وخاصَمَ في
أثناء ذلك سعدًا والوفد ما وسعته الخصومة، وخاض مع حزبه معركة الانتخاب، مخاصِمًا لسعد والوفد،
قويًّا في الخصومة، حتى إذا ظهرت نتيجة الانتخابات، وقضى الشعب لسعد والوفد، لم يتردَّد عدلي في
أن يعترف بهذا الحكم الشعبي، وفي أن يذعن له لا في القول وحده، بل في القول والعمل؛ فاعتزل
السياسة واستقال من الحزب، واستقر في داره، تاركًا للذين جدَّدَ الشعبُ ثقتَه بهم، وتوكيله لهم،
أن يعملوا ويحقِّقوا ما يستطيعون تحقيقه من الاستقلال.
ثم تعاقبت الحوادث، واتصلت الخطوب، واستقال سعد، وحُلَّ مجلسُ النواب، وعُرِضت أعباء السياسة
العامة على عدلي، فلم يقبلها ولم يَمِلْ إليها؛ لأنه كان مؤمنًا أصدق الإيمان بأن حقوق الشعب لا
يمكن أن تُنتزَع منه بعد أن رُدَّتْ إليه، وأن الدستور وحده يجب أن يكون الحَكَم لنهوض الناس
بأعباء الأمور العامة.
وظل هذا الرجل مستقرًّا في داره لا يحتمل تبعات الحكم — وما كان أيسر ذلك عليه لو أراده أو
طمع فيه — حتى إذا أذن مؤذن الائتلاف، كان أسرع الناس إجابةً إلى الائتلاف، وكان أحرص الناس على
نسيان الأحقاد ومحو الضغينة؛ لأنه لم يكن يضطغن ولا يحقد في الأمور العامة، إنما كان يعمل
مخلصًا مجتهدًا، يخطئ كما يخطئ غيره، ويصيب كما يصيب غيره.
أسرَعَ إلى الائتلاف، ورأَسَ وزارتَه، وعمل فيها صادقًا مخلصًا، وفيًّا أمينًا، ثم استقال،
وما هي إلا أن تتصل الحوادث ويُعطَّل الدستور، وإذا هذا الرجل الوفي الأمين يعود إلى داره
فيلزمها، ويعتزل الأعمال السياسية التي لا تقوم على رضى الشعب؛ لأنه كان يؤمن إيمانًا صادقًا
بأن حقوق الشعب لا يمكن أن تُنتزَع منه بعد أن رُدَّتْ إليه. ثم تتابع الحوادث وإذا الواجب يدعو
هذا الرجل الوفي الأمين إلى النهوض بأعباء الحكم مرةً أخرى ليردَّ إلى الشعب حقه، وليُعِيد إليه
حياتَه الدستورية النيابية؛ فلا يتردَّد في أن يستجيب لهذا الواجب، ولا يتردَّد في أن يُعلِن
رأيه جليًّا صريحًا، فيؤلِّف وزارته ليُجرِي الانتخابات لمجلس النوَّاب، لا لمجلس الشيوخ، حتى
إذا أجرى هذه الانتخابات، وقضى فيها الشعب للوفد، استقال تنفيذًا لأحكام الدستور، وإحياءً للسنة
النيابية الصالحة.
هنالك عُيِّنَ رئيسًا لمجلس الشيوخ، فنهض بعمله هذا، كما نهض بأعماله جميعًا صادقًا، مخلصًا،
نزيهًا، وفيًّا، أمينًا.
وكانت حياة عدلي باشا منذ صدر الدستور إلى ذلك الوقت وفاءً كلها للدستور، وإيمانًا كلها بأن
حقوق الشعب لا يمكن أن تُؤخَذ منه بعد أن رُدَّتْ إليه.
ثم تتابعت الحوادث ووثبت وزارة صدقي باشا إلى الحكم، فلم يتردَّد هذا الرجل الوفي للشعب،
الأمين على حقوقه، في أن يحتمل ثقل الأمانة مهما يعظم، وفي أن يؤدي الواجب الوطني مع الذين
أدَّوه يومئذٍ في أيسر حال وأهونها، لا متكلِّفًا ولا متصنِّعًا، ولا معتزًّا بذلك، ولا ممتنًا
به على أحد؛ لأن الوفاء والاستجابة للواجب وأداء الأمانة الوطنية على وجهها، كل ذلك كان طبيعةً
في عدلي، يصدر عنه كما يصدر الضوء عن الشمس، وكما يصدر النشر الطيب عن الزهرة العطرة.
أنكَرَ عدلي، كما أنكر غيره من الزعماء، كلَّ تلك الأحداث التي جناها صدقي باشا على أمته،
واعتزل السياسة العاملة، واستقرَّ في داره عزيزًا أبيًّا، ينتظر أن يدعوه الواجب الوطني الصحيح،
البريء من كل مداورة أو مناورة، الواجب الذي يحسه الناس جميعًا، الواجب النقي الطاهر الذي لا
يشوبه طمع ولا طبع، ولا يشك فيه أحد من الناس. وكم عُرِضت على عدلي أمور فرفضها، عزيزًا كريمًا،
وفيًّا أمينًا.
رحم الله عدلي. لقد أجمعت أمته على حبه، بعد هذه المواقف الرائعة، وبعد هذا النصح الخالص الذي
نصحه لها، ولقد أجمعت أمته على الثقة به، ولقد أجمعت أمته على ادخاره للأحداث، ولقد أجمعت أمته
على اتخاذه وسيلةً كريمة عزيزة من وسائل الفوز بالأمل والخلوص مما تقاسيه من الشر والضر.
ولكن الأيام أبَتْ إلا أن تمتحن الأمة فيه كما امتحنتها من قبلُ في غيره من عظمائها المخلصين
وقادتها الأوفياء، فمضى أمس، وإنه لَرجل الدولة حقًّا كما قال فيه حضرة صاحب الدولة الرئيس
الجليل مصطفى النحاس باشا.
مضى وإن المصريين جميعًا ليحبونه ويعقدون به الآمال، فإذا المصريون جميعًا يبكونه ويسألون
الله أن يلهمهم عنه أحسن العزاء.
في ذمة الله هذا الرجل العظيم. لقد نفع أمته حيًّا أحسن النفع، وإنَّ ذِكْره بعد موته لَينفع
أمته أحسن النفع، لقد كان في حياته قدوةً صالحةً للذين يريدون أن يخدموا أمتهم، فيخلصون في
الخدمة، لا يتخذونها وسيلة إلى العظمة، ولا مظهرًا من مظاهر الرياء. وإنه الآن بعد موته لَقدوة
صالحة للذين يريدون أن تفي الأمة لهم كما وفوا لها، وأن تحبهم كما أحبوها، وأن تعرف لهم حقهم
كما عرفوا لها حقها.
في ذمة الله هذا الرجل العظيم، وفي ذمة الله هؤلاء العظماء الذين سبقوه إلى دار
الخلود.