دكتاتورية
طه حسين
جريدة البلاغ
١٨ يونيو ١٩٤٥
نريد أن نعتقد أن رئيس الوزراء ليس راضيًا، ولا يمكن أن يرضى عن هذه التصرفات الخطيرة التي تضاف إلى بعض زملائه، والتي تحقق النيابة في بعضها مع الصحف.
فإن لنا في رئيس الوزراء رأيًا لم تغيره الحوادث بعد، ونرجو ألَّا تغيره، وهو أنه يكره أشدَّ الكره ما يَشِين نزاهة الحكم قليلًا أو كثيرًا.
ونريد أن نعتقد أن رئيس الوزراء يعلم حق العلم أن بعض هذه المسائل التي تحقق فيها النيابة إذا نسبت إلى موظف كبير أو صغير؛ كان وقف هذا الموظف عن العمل حتى يتم التحقيق أول ما يجب على الوزير المسئول أن يعمله. فإذا نُسبت هذه المسائل إلى الوزير نفسه فليس وقف الوزراء عن أعمالهم ممكنًا؛ لأنه يعطل السلطان العام، وليس استمرار الوزير في عمله معقولًا؛ لأنه يعرض سمعة الحكم للخطر، ويعرض التحقيق نفسه للخطر أيضًا. وإذن فلا سبيل إلى الاحتفاظ بسمعة الحكم من جهة وتحقيق العدالة من جهة أخرى إلَّا أن يستقيل الوزير أو يُقال.
نريد أن نعتقد أن رئيس الوزراء يعلم هذا كله حقَّ العلم، ويؤمن به فيما بينه وبين نفسه، وفيما بينه وبين الله أشدَّ الإيمان.
ولكن نرى رئيس الوزراء يصرح للصحفيين بأن الأمور تجري في طريقها المألوفة، وأن الوزارة متضامنة منسجمة. وإذن فلا مَحِيدَ عن إحدى اثنتين: إمَّا أن يكون رئيس الوزراء قد تغيَّر تغيُّرًا كاملًا وغيَّر آراءه في سمعة الحكم وتحقيق العدل، وهذا بعيد كل البعد. فالنقراشي باشا مبرَّأ والحمد لله من هذه المرونة الخطرة، ومن الاستعداد لهذا القول المريب. وإمَّا أن يكون عاجزًا عن إجراء الأمور كما يجب أن تُجرى، وإخراج الذين تحوم حولهم الشكوك من وزارته عجزًا مؤقتًا أو متصلًا، وهذا هو الذي نميل إليه. وإذن فهناك ظروف قاهرة تعلق سلطة رئيس الوزراء وتمنعه من أن يؤلف وزارته كما يجب أن تكون.
والناس جميعًا يعلمون أن مجلس النوَّاب القائم قد اتخذ قرارًا بمنع الصحف والنوَّاب أنفسهم من الخوض العلني في التقرير الذي يُعرض الآن على لجنة التحقيق في أعمال الوزارة الوفدية السابقة. والناس جميعًا يعلمون أن هذا القرار الذي اتخذه مجلس النوَّاب قد احترمته صحف المعارضة والصحف المستقلة، واحترمه نوَّاب الأحزاب المؤتلفة والنوَّاب المستقلون، ورفض احترامه فريق بعينه هو فريق الكتلة. فلم يحترمه رئيس هذا الحزب الذي طبع التقرير وأخذ يذيعه باليمين وبالشمال في مصر وفي خارج مصر. ولم تحترمه صحيفة الكتلة التي أخذت تتحدث عنه أحاديث مفصلة، وتنشر منه أجزاءً مطولة. ولم يصنع مجلس النواب شيئًا ليفرض على رئيس الكتلة وزملائه وصحيفته احترام هذا القرار.
فإمَّا أن يكون مجلس النواب راضيًا عن هذا التصرف، وإذن فلم يكن في حاجة إلى أن يتخذ ذلك القرار. وإذن من الحق عليه أن يعلن ذلك ليستطيع الناس أن يخوضوا في هذا الحديث كما يخوض فيه فريق الكتلة، وليستطيع المعارضون أن يردُّوا على ما ينشر في صحيفة الكتلة ردًّا صريحًا حرًّا، سواءٌ استقامت لذلك أمور التحقيق أم لم تستقم. وإمَّا أن يكون مجلس النواب عاجزًا عن أن يردَّ رئيس الكتلة وزملاءه وصحيفته إلى الحدود الدستورية الصحيحة؛ وإذن فالسلطة التشريعية معلقة في بعض اختصاصاتها بالقياس إلى بعض المصريين، كما أن سلطة رئيس الوزراء معلقة في بعض اختصاصاتها بالقياس إلى بعض الوزراء.
والناس جميعًا يعلمون أن النيابة قد أصدرت أمرها في الشهر الماضي بمنع الخوض في شئون التحقيق الذي أجرته لجنة وزارية يرأسها رئيس الكتلة، والذي يُعرض الآن على مجلس النواب. وقد احترمت الصحف المعارضة والصحف المستقلة أمرَ النيابة الذي يجب احترامه بحكم القانون، وأبتْ صحيفة الكتلة أن تحترم هذا الأمر، فخاضت فيه كما شاء لها الهوى.
وإذن فإذا كانت النيابة راضية عن تصرف الكتلة، فيجب إذن أن تُبيح هذا التصرف نفسه للصحف الأخرى. ولا نفهم أن تكون النيابة عاجزة عن أخذ الكتلة باحترام القانون والخضوع لما يخضع له المصريون من النظام؛ لأن هذا معناه أن السلطة القضائية معلقة في بعض اختصاصاتها بالقياس إلى بعض المصريين. وإذا علقت اختصاصات السلطة التنفيذية واختصاصات السلطة التشريعية واختصاصات السلطة القضائية كلها أو بعضها في بلدٍ من البلاد؛ فإن لهذا التعليق اسمًا معروفًا مشهورًا لا تحبه الديمقراطية ولا ترضاه، وقد حاربته دول الحلفاء ومنها مصر حتى سحقته سحقًا ومحقته محقًا، وهذا الاسم هو الدكتاتورية.
فأحكام الدستور والقوانين العامة تعلنها الأحكام العرفية أحيانًا، ويقوم الحاكم العسكري العام على تنفيذ هذه الأحكام، ولكننا رأينا أن سلطة الحاكم العسكري نفسه معلقة، فهو لا يستطيع أن يتخلَّص من بعض زملائه، وهو لا يستطيع أن يحمل زملاءه وبعض صحفهم على احترام القانون. وإذن فالدستور والقوانين العامة معلقة في مصر مرتين: معلقة بالأحكام العرفية، وهذا تعليق شرعي نبغضه، ونود أن نخلص منه، ولكنه تعليق شرعي على كل حال، ومعلقة بهذه الظروف التي تهدر السلطات الثلاث في بعض اختصاصاتها بالقياس إلى بعض المصريين. فما عسى أن تكون هذه الظروف الخفية التي أنشأت في مصر نظامًا دكتاتوريًّا يعيش جنبًا لجنب مع النظام الديموقراطي الشرعي ويتحيَّف هذا النظام شيئًا فشيئًا، ويأكله قليلًا قليلًا من يومٍ إلى يومٍ؟ ومن عسى أن يكون هذا الدكتاتور الذي فرضته هذه الظروف الخفية على مصر، ففرض هو إرادته على الذين يمثلون السلطات الثلاث؟
يقول الناس إن هذه الظروف الخفية ليست إلَّا الائتلاف الذي تقوم عليه الوزارة؛ لأن استمتاع رئيس الوزراء بحقه الدستوري الكامل الذي يمكنه من أن يُخرِج من وزارته من تحوم حوله الريب والشكوك؛ هذا الاستمتاع يعرِّض الائتلاف الوزاري للتصدع، وإذا تصدَّع الائتلاف انهارت الأمور القائمة كلها انهيارًا. فمصر إذن مخيَّرة بين أن تصبر على تعليق السلطات الثلاث وعصيان أمر مجلس النواب جهرة، وعصيان أمر النيابة جهرة، وضياع الشعور باحترام السلطات والقانون ليبقى لهذا الائتلاف ويستطيع الوزراء أن يحكموا والنواب أن يشرِّعوا، وبين أن تأبى هذا الصبر وتحرص على الدستور والقانون واحترام النظام، فيتصدع الائتلاف وتسقط الوزارة وينحل مجلس النوَّاب.
مصر مخيَّرة بين هاتين الخصلتين، ومن المحقق أنها تختار الخصلة الثانية لو أن لرأيها وزنًا، ولكن رأيها نفسه معلق في هذه الأيام كما أن السلطات الثلاث معلقة في هذه الأيام أيضًا.
فإلى أن يتيح الله لمصر ذلك اليوم الذي تصبح فيه كلمتها هي العليا، يمكن أن نظنَّ أن نقترح على رئيس الوزراء رأيًا أقلَّ ما يوصف به أن يستر هذا الإخلال الخطير بالنظام الديموقراطي في مصر، ويجعل لمصر حكومة ذات رأسٍ واحدٍ لا ذات رأسين. وهذا الرأي بسيطٌ جدًّا، يطالب به السعديون أنفسهم، وهو أن يسترد رئيس الوزراء حقَّه في تأليف وزارته كما يجب أن تكون، وفي أن يبسط سلطان القانون والدستور على المصريين جميعًا من غير تفريق، وفي أن يمكَّن مجلس النوَّاب من أن تكون قراراته محترمة. وكل هذا لا يكلف رئيس الوزراء إلَّا أن يكون كعهد الناس به، رجلًا جازمًا حازمًا صارمًا، لا يخشى في سبيل رأيه لوم اللائمين، ولا يصطنع في تنفيذ هذا الرأي مرونةً ولا لينًا.
إن له الكثرة في مجلس النواب، فليستقل حزبه بالحكم إذن ليعرف كيف يحمل التبعات، وكيف يواجه المصاعب، وكيف ينفذ من المشكلات، وليحتمل أوزاره دون أن يحتمل معها أوزارًا أخرى. وإذا لم يكن بد من الائتلاف، فليأتلف مع المسالمين الذين لا يجهلون قدر أنفسهم، ولا يطمحون إلى التسلط ولا يطمعون في غير الحكم، والخير له أن ينفرد حزبه بالحكم؛ فإن لرئيس الوزراء وزملائه السعديين مزاجًا خاصًّا ينفر من الائتلاف وينفر منه الائتلاف.
ومن الحق أن أخذ رئيس الوزراء بهذا الرأي سيفتح عليه أبوابًا خطيرة من المداورات والمناورات والمشاغبات لا حدَّ لها، فسيعارضه حزب الكتلة لا معارضة الصديق، فليس لحزب الكتلة صديق، وستضاف هذه المعارضة المعادية إلى المعارضة الشعبية القاسية التي يصلى نارها رئيس الوزراء الآن. ولكن رئيس الوزراء يعلم حق العلم أن النهوض بأعباء الحكم ليس رياضة جميلة ولا نزهة مرهفة على النفس، وإنما هو جهد وجهاد وصبر واحتمال، وأخذ للنفس بما لا تحب، وإجشام لها على ما تكره.
ورئيس الوزراء يوافقنا على أن كل شيء يهون إلَّا أن تكون سلطته معلنة، فيحمل التبعة ولا يتمتع بما يلائمها من الحرية. وعلى أن كل شيء يحتمل إلَّا أن تُعصى قرارات مجلس النوَّاب أو مكتبه جهرة وإعلانًا. وعلى أن كل شيء يُطاق إلَّا أن تخالف أوامر النيابة ولا تُطاع قرارات السلطة القضائية.
فليتوكل رئيس الوزراء على الله، وليحزم أمره، وليؤلف وزارة حزم وعزم وجد، وليجمع السلطان الدستوري كله في يده، وليجنِّب نفسه ووطنه هذا الوضع الذي يخيِّل إلى الناس أن في مصر حكومة ظاهرة وأخرى مستخفية، وأن في مصر نظامًا ديمقراطيًّا من ورائه نظام دكتاتوري خفي، وأن للحكم في مصر رأسين: رأسًا يظهر باسمًا حينًا وعابسًا حينًا، ورأسًا آخر تظهر آثاره في القول والعمل.
ليعتمد رئيس الوزراء على الله، وليجتهد في ألَّا يتغير رأي الناس فيه؛ فقد كان اسمه دائمًا إذا ذُكِر فهم الناس منه جدًّا لا يعرف العَبَثَ، وصراحةً لا تعرف المزاح، واستقامةً لا تحبُّ الالتواء.
Tag: executive authority
-
دكتاتورية
-
تسوية
حديث الوادي
تسوية…
تمت أمس في غرفة من غرفات البرلمان، ولكنها تمت بين أحد الفريقين المختصمين بالأصالة، وبين أحدهما الآخر بالنيابة. فقد شهدها وقبلها واطمأن إليها النواب الغاضبون، وقد سكت عنهم الغضب، وشملهم الهدوء، ولم يسحبوا إعذارهم وإنذارهم، ولكنهم أهملوهما إهمالًا. وأعرضوا عنهما إعراضًا. أما وزير المالية فلم يشهد جلسة التسوية هذه، ولم يشترك فيها يقول ولا يفعل، وإنما ترك لرئيس الوزراء، ووزيرين آخرين، أن يهدئوا النواب ويعينوهم على ابتلاع هذه الحبة المرة. وقد أعانوهم بالفعل، فأهدوا إليهم جملًا عذبة، وألفاظًا حلوة رائقة، كهذه الأشربة الحلوة التي تقدم إلى المريض، ليمحو بها ما يبقى في فمه من مرارة الدواء. وانصرف النواب راضين أو مظهرين للرضى، وأرسل رئيس الوزراء نفسًا طويلًا حارًا، كمن زال عن كتفيه عبء ثقيل، وانجلت هذه السماء الصغيرة الضئيلة الضيقة. سماء السياسة الرسمية، من تلك السحب التي كانت تبدو كثيفة صفيقة، وإن كانت في حقيقة الأمر رقيقة شفافة، لا تحجب شيئًا، ولا تكدر صفوًا، ولا تخيف إلا الذين يخافون من الأوهام والخيالات. ولبث وزير المالية حيث كان مستقرًا هادئًا في حديثه المنشور الذي أذاعه في الأقاليم، وفي شماله الرد الذي كان قد هيأه ليلقي به خصومه إن عرضوا له في مجلس النواب، وأكبر الظن أن أنباء الصلح قد انتهت إليه، فرد المنشور إلى مكانه، وحفظ الرد في حرز أمين، لأنه قد يحتاج إليه. ثم استقر كل شيء، واطمأن كل إنسان، ولعب النسيم بسطح البحيرة مداعبًا ملاطفًا، ولكن هذا النسيم على رفقه، ولينه، ورقته، أطار بعض الأوراق من مكانها، وحملها مداعبًا، ملاعبًا، إلى مكان آخر. ثم أشرق الصباح، وأضاء بنوره ولاح، وسكتت شهرزاد عن الكلام المباح، ولكن الأهرام تكلمت مكان شهرزاد. فقصت على الناس أنباء التسوية، ثم روت للناس نص المنشور الذي أغضب النواب، وأملى الاستجواب، وأثار الوزير، إلى الكتابة والتحرير. فإذا هو منشور له ما بعده حقًا، منشور تتمثل فيه البطولة، ويقطر من أطرافه النبوغ، وتتجلى في جمله القصار معانٍ كثيرة، وأغراض سياسية خطيرة. منشور من شأنه أن يغضب النواب حقًا، وإن أعلنوا إلى رئيس الوزراء أنهم لم يغضبوا منه، وإنما غضبوا مما أشيع عن تعليمات أخرى سرية، يقال إنها سبقته، ولحقته، وأحاطت به. وقل ما شئت، فالمنشور نفسه مغضب للنواب،
ولا سيما في هذه الظروف التي نعيش فيها. ولو كنت نائبًا وأذيع هذا المنشور لغضبت منه فإن كان صادقًا غضبت من نفسي وكرهت لها البقاء في مجلس النواب، لأن الذين يلتوون بالضرائب، ويستفيدون من الاستثناء الذي لا يسمح به ليؤخروا أموال الدولة، لا ينبغي أن ينوبوا عن الشعب، وإن لم يكن صادقًا غضبت لنفسي وأنكرت على الوزير أن يهين النواب بغير حق، ويبسط عليهم قلمه ولسانه في غير مقتضى لبسط القلم واللسان. فالوزير يزعم أن للدولة عند جماعة من كبار الممولين وأعضاء الهيئات النيابية خاصةً مقدارًا من المال، يبلغ أربعمائة ألف من الجنيهات. تأخر بها أصحابها عن وقت الأداء. والوزير يزعم أن صغار الملاك قد أدوا دينهم إلى الدولة، كأحسن ما تكون التأدية، وإن كبار الملاك وجماعة من أعضاء الهيئات النيابية، هم الذين أبطأوا وتلكأوا، والوزير يزعم أن تأخر هذه الأموال عند كبار الملاك وعند جماعة من أعضاء الهيئات النيابية لم ينشأ عن قصور في القانون ولا عن قصور في النظم والتعليمات. وإنما نشأ عن استثناء لا يبيحه القانون، ولا تسمح به النظم والتعليمات. فالوزير يسجل إذن تسجيلًا صريحًا قاطعًا أن كبار الممولين وجماعة من أعضاء الهيئات النيابية. قد ميزوا أنفسهم أو ميزتهم الإدارة بشيء من الاستثناء الذي لا يباح. فهذا مغضب للنواب من أنفسهم إن كان حقًا. ومغضب للنواب من الوزير إذا لم يكن حقًا. ولكن النواب يقولون أنهم لم يغضبوا، وهم بالطبع أحرار فيما يريدون لأنفسهم من الغضب والرضى. على أن الوزير لم يقف بمنشوره عند هذا الحد الإخباري، كما يقول أصحاب البيان، وإنما تجاوزه إلى الإنشاء، فأصدر أوامر لحكام الأقاليم، وهذه الأوامر نفسها حازمة ملائمة للعدل، ولكن من طبعها أن تغضب الذين تعودوا أن يؤذيهم خطرات النسيم، ويؤلمهم مس الحرير. فالوزير يأمر في نفس هذا المنشور الذي لم يغضب منه النواب بأن يؤخذ الناس جميعًا بأداء الضرائب في غير تفرقة بينهم وبأن يوقع الحجز عليهم جميعًا من غير تفرقةً أيضًا بين الصغار والكبار وبين النواب وغير النواب، إن هم قصروا في الأداء. وأن ترفع أمورهم كلهم إلى النيابة، من غير تفريق، كذلك بين الصغار والكبار، وبين النواب وغير النواب إن وقع منهم التبديد. ثم يأمر الوزير بأن تراعى النظم والتعليمات، بالعدل والقسط والمساواة في تحصيل الضرائب التي آن أوانها. أرأيت إلى هذه الأوامر الحازمة الصارمة التي أصدرها وزير المالية وهو هادئ مطمئن، والتي لم يغضب منها النواب، وما ينبغي لهم أن يغضبوا منها، وهم الذين ينبغي أن يلوموا الوزير ويسقطوه إن لم يصدرها ولم يقم على تنفيذها بالدقة والحزم والمضاء.
لم يغضب النواب فيما قالوا لأنهم أكرم على أنفسهم من أن يلتووا بالضرائب، أو يفروا من التكاليف العامة، أو يغضبوا من كلمة الحق، حين تقال، فلم يبق لنا إلا أن نتمنى لهم حلمًا إلى حلم، ورضى إلى رضى، ونتمنى للوزير حزمًا إلى حزم، وشجاعة إلى شجاعة، ونبوغًا إلى نبوغ، ونتمنى لرئيس الوزراء، دهاء إلى دهاء، وكياسة إلى كياسة، ونتمنى للمنشورات أن يظل ورقها خفيفًا لطيفًا، يحب أن يحمله النسيم إلى دور الصحف، لتذاع هذه المنشورات بين الناس، فيرى المصريون كيف تؤدى الضرائب من الصغار، وتبقى عند الكبار، وكيف يجد الوزراء في الحزم، ويذعن النواب للحق، وتجرى الأمور بين النواب والوزراء على ما يقول البحتري:
أغتدي راضيًا وقد بت غضبان وأمسى مولى وأصبح عبدًا
طه حسين
حديث الوادي، ١٣ يونية ١٩٣٤. -
مغضب …
حديث المساء: مغضب …
طه حسين
كوكب الشرق
٤ أكتوبر ١٩٣٣
رئيس الوزراء مغضبٌ، مغضبٌ جدًّا، مغضب إلى حد يوشك أن يبلغ الثورة، ولكنَّا والحمد لله لسنا موضوع هذا الغضب إلى الآن.
أولم يظهر أننا موضوع هذا الغضب إلى الآن؟! ومن لنا بالصبر والاحتمال إن غضب علينا رئيس الوزراء، أو تنكر لنا رئيس الوزراء؟! فرئيس الوزراء رجل حليم، وغضب الحليم شيء يُخاف.
ومع ذلك فهو مغضب على صديقه وخصمه، على رئيسه وزميله، مغضب على صدقي باشا.
والناس يعلمون أن غضب رئيس الوزراء اللاحق على رئيس الوزراء السابق قديم يرجع إلى أول هذا العام، حين بطش صدقي باشا بزميليه في الوزارة، فأخرجهما من الحكم إخراجًا. ولكن ذلك الغضب القديم كان غضبًا هادئًا لا يزعج، وأفلاطونيًّا لا يخيف، كان غضب المخالف في الرأي من جهة، وغضب الموتور المغيظ من جهة أخرى.
ثم مضت أيام جاءت بعدها أيام، والتقى المختصمان في باريس — نستغفر الله! — بل التقى المختصمون في باريس. فتم بينهم جميعًا صلح بريء شريف غير له رئيس الوزراء الجديد رأيه في رئيس الوزراء القديم، واسترد له رئيس الوزراء الجديد استقالته من حزب الشعب، وجرت المياه صافية لا يشوبها الكدر، مضطردة لا تعترضها الصخور.
ثم ماتت وزارة وتمخضت الأيام عن وزارة أخرى، وكان صدقي باشا رئيس الوزارة الميتة، وكان عبد الفتاح يحيى باشا رئيس الوزارة الوليدة؛ فاستُؤْنِفَت الخصومة بين الصديقين، والخصومة مألوفة بين القبر والصدر، والخصومة مألوفة بين الموت والحياة. اختصم الرئيسان فأنكر صدقي باشا أن يكون عبد الفتاح باشا من حزب الشعب، وأنكر عبد الفتاح باشا أن يكون قد خرج من حزب الشعب!
وكثر في ذلك الجدال وانتهى الأمر بعد أن ظهر أن القوة للحياة لا للموت وللصدر لا للقبر، إلى أن اعترف حزب الشعب ومعه رئيسه صدقي باشا بأن عبد الفتاح يحيى باشا عضو في الحزب، بل نائب لرئيس الحزب. ولكن هذا الاعتراف لم يصدر كما كان ينبغي أن يصدر في شيء من الرقة والظرف يلائمان رئيس الوزراء ويليقان بمكانته، وإنما صدرا في شيء من العنف والغلظة يلائمان رئيس حزب الشعب، ويصوران ما يملأ قلبه من إذعان المحنق وخضوع المغيظ؛ فقد قال صدقي باشا إن رئيس الوزراء طلب إليه العودة إلى حظيرة الحزب. ورئيس الوزراء لم يطلب شيئًا فيما يقول، وإنما طلب إليه صدقي باشا حين كان في باريس أن يعدل عن استقالته؛ ففعل. والله يعلم أي الرجلين كان الطالب، وأي الرجلين كان المطلوب.
وأنا أرجح صدق رئيس الوزراء؛ فالأصل أن رؤساء الوزارات لا يطلبون، وإنما يأمرون. ولو أن رئيس الوزراء لم يسترد استقالته في باريس وأراد أن يلغيها بعد أن تولى الحكم لما احتاج إلى أن يلتمس، ولا إلى أن يرجو، ولا إلى أن يطلب، وإنما كان يكفيه أن يصدر إلى رئيسه في الحزب أمرًا بإلغاء استقالته إلغاءً، واعتباره نائبًا لرئيس الحزب، أو رئيسًا للحزب إن أراد، ولكن تواضعه وظرفه ومجاملته تمنعه من أن يريد مثل هذا.
على أن في تصريح صدقي باشا لفظًا آخر لعله أغضب رئيس الوزراء، فهو مجاز مألوف، ولكنه لا يلائم الظرف، ولا يلائم الرقة، وهو لفظ «حظيرة الحزب»؛ فالأصل في الحظيرة معروف إن رجعت إلى معجم من معاجم اللغة، ومهما قصدت بهذا اللفظ إلى المجاز فإنه يشعر بمعناه القديم. وهذا المعنى لا يليق برؤساء الوزارات، وبرئيس الوزارة القائمة خاصة؛ لأنه الإنسان المهذب بأدق معاني هذه الكلمة. والإنسان المهذب لا يُحشَر في الحظائر حشرًا، وإنما يُستقبَل في الصالونات، ويُسعَى إليه في مكاتب الرياسة، ولا هو يخالط الذين يُحشَرون في الحظائر، وإنما يصدر الأمر إلى الذين يسوسون الحظائر ومن فيها وما فيها.
فصدقي باشا إذن لم يُوفَّق إلى حسن الذوق حين ذهب إلى هذا النحو من المجاز، ورئيس الوزراء مغضب من شيء آخر صدر عن صدقي باشا وهو لا يلائم كرامته ولا يلائم كرامة زملائه الوزراء، وأنا أؤيده في ذلك أشد التأييد، فقد نام التوفيق عن صدقي باشا حين كان يعرض لهذه المسألة الدقيقة التي تحتاج إلى اليقظة وحسن التعبير، فقد زعم صدقي باشا أن حزبه سيؤيد الوزارة إذا رضي عن خطتها وكفايتها، وأغضب هذا التعبير رئيس الوزراء، ومن حقه أن يغضب وأن يثور؛ فخطة الوزارات في الحكم من شأنها هي لا من شأن الأحزاب، أو قُلْ كما يقول رئيس الوزراء إنها من شأن السلطة التنفيذية وحدها، وليس لصدقي باشا في السلطة التنفيذية الآن ناقة ولا جمل، وليس لحزبه في السلطة التنفيذية نعجة ولا كبش.
وإذن؛ فما تعرضه للخطة؟! وما تحكمه فيها؟!
هذا اعتداء من سلطة على سلطة، والدستور يقرر الفصل بين السلطات، ومنتسكيو يدافع عن هذا الفصل، ولك أن تسأل رئيس الوزراء: فِيمَ وجود البرلمان؟! ولماذا تعرض الوزارات عليه برامجها؟! ولِمَ تُلقَى خطبة العرش؟! ولِمَ يناقشها الشيوخ والنواب؟! فسيقول لك رئيس الوزراء: كل هذا شيء وخطة الوزارة شيء آخر! فإذا أردت أن تعرف هذا الشيء الآخر؛ فسيجيبك رئيس الوزراء بذلك الجواب المشهور: هذا شيءٌ لا نعلمه نحن ولا أنتم، أما نحن فمن المحقق أنَّا لا نعرف خطة الوزارة لأنها لم تُنشَر بعد، وأما الوزراء فمن المحقق أنهم لا يعرفون خطتهم لأنهم لم يرسموها بعد، وإنما هم ينتظرون حتى إذا فرغوا من قهر الوفد وإذلال حزب الشعب درسوا الشئون العامة، ثم رسموا لها خطتهم، أما قهر الوفد فسيتم بعد أسبوع، وأما إذلال حزب الشعب فسيتم بعد يوم أو يومين، إن لم يكن قد تم بالفعل.
وعلى كل حال، فليس لصدقي باشا وأصحابه أن يذكروا خطة الوزارة؛ لأن ذكرهم إياها اعتداء، ورئيس الوزراء آخر من يقبل الاعتداء، ولأن ذكرهم إياها مخالف للدستور، وغريب أن تصدر مخالفة الدستور عن واضع الدستور الجديد.
ولم يقف صدقي باشا في عدوانه عن خطة الوزارة، بل ذكر كفاية الوزراء، وجعل نفسه وحزبه ممتحنين، يحكمون على الوزراء بالكفاية فيرضون عنهم، أو بالعجز فيسقطونهم. وهذا إسراف في الشطط لا يقره عقل، ولا تقره فلسفة حديثة ولا قديمة. فالكفاية صفة ثابتة لا تزول عن أصحابها، ورئيس الوزراء وحده هو الحكم في تقدير هذه الكفاية، وما دام رئيس الوزراء قد اختار زملاءه فهم أكفاء، ولو لم يكونوا أكفاء لما أخذهم كما يقول لمعاونته.
وأنت تعلم أن رئيس الوزراء رجل كغيره من الناس قبل أن تُسنَد إليه الرياسة، فإذا أُسنِدَت إليه فهو معصوم، لا يجوز عليه الخطأ!
وإذن؛ فليس من حق صدقي باشا وأصحابه أن يعرضوا لكفاية الوزراء. فمن شك في ذلك أو أنكره فليسأل أساتذة الفلسفة في الجامعة المصرية، أو في الأزهر الشريف عن الصفات الثابتة: هل تنتقل؟ وعن الصفات المتنقلة: هل تثبت؟ فذلك فن من فنون العلم لا يحسنه إلا النابغون النابهون الراسخون.
رئيس الوزراء مغضب آخر الأمر لشيء ثالث أو رابع، وهو ما ذكره صدقي باشا عن سعي المديرين في صرف الشعبيين عن حزبهم، فصدقي باشا — فيما يقول رئيس الوزراء — قد حرَّفَ كلام الحكومة تحريفًا؛ لأن رجال الإدارة لا يزيدون على تنفيذ القانون بأمانة وإخلاص. وهذه لغة يجب أن يفهمها صدقي باشا حق الفهم؛ لأنه هو الذي وضعها، فقد كان رجال الإدارة ينفذون القانون في أمانة وإخلاص حين اقترفوا آثام البداري، واضطروا عبد الفتاح باشا إلى أن يخاصم فيهم صدقي باشا، وكانوا ينفذون القانون في أمانة وإخلاص، وما يزالون ينفذونه في أمانة وإخلاص حين يسلطون بأسهم وبطشهم على خصوم الحكومة من المعارضين. وإذن؛ فما ينبغي لصدقي باشا أن يشك في إخلاص رجال الإدارة وأمانتهم وهم تلاميذه الذين شهد منهم الأمانة والإخلاص.
فأنت ترى أن رئيس الوزراء مغضب ثائر، وأنت ترى أن رئيس الوزراء مغيظ محنق، وأنت تشاركني إن كان قلبك رحيمًا في الإشفاق على صدقي باشا من غضب رئيس الوزراء وثورته، ومن غيظه وحنقه، ومع ذلك فقد كان يُقال إن الوفاق قد تم بين الرئيسين: رئيس الوزارة الميتة، ورئيس الوزارة الوليدة.
أفنصدق ما كان يُقال صباح أمس أم نصدق ما نشرته لنا الأهرام عن رئيس الوزراء صباح اليوم؟ أما أنا فأصدق الأمرين جميعًا؛ فالرئيسان متفقان اتفاقًا لا شك فيه تقضي به الظروف، ما دام كل واحد منهما إنسانًا يشعر ويحس ويحرص على الجاه والسلطان، ويأبى الخضوع والإذعان. وقد تسألني: وكيف يجتمع على هذين الرجلين العظيمين أن يأتلفا ويختلفا في وقت واحد وحول موضوع واحد هو الحكم؟ فأجيبك بأن هذه مزايا العظماء تجتمع فيهم النقائص وتصطلح عليهم الأضداد.
وبَعْدُ، فما أنت وذاك؟! وما سؤالك والإلحاح فيه؟! قوم يقدمون لك الفكاهة ويسلون عنك الهم، يسرونك إذا أصبحت ويسرونك إذا أمسيت؛ فما ينبغي لك إن كنت حكيمًا إلا أن تتفكه وتتسلى وتضحك، ولا تسأل عن أشياء إن تُبدَ لك تحمل إليك السوء، فابتسم للأيام فإنها تبتسم لك عن ثغر جميل منذ تمخضت لك عن هذه الوزارة البديعة.