Tag: Fatalism

  • الكارثة

    الكارثة
    طه حسين
    جريدة الجمهورية
    ٤ نوفمبر ١٩٥٧

    أعلم أن الموت رصد لكل إنسان مقيم أو ظاعن، مطمئن أو عامل، متيقظ له أو غافل عنه. وأعلم كذلك أن كل نفس ذائقة الموت، وأعلم أن الله أنبأنا بذلك، وأنبأنا أن نفسًا من نفوس الناس لا تدري بأي أرض تموت.

    كل هذا أعلمه ويعلمه الناس جميعًا؛ لأن الموت من أَوَّلِيَّات الحياة، ولكن هؤلاء الذين صُبَّ عليهم الموت ذات ليلة وهم وادعون آمنون، قد ناموا ونامت معهم آلامهم ولذاتهم، ونامت معهم آمالهم وأحلامهم، ونام معهم نشاطهم وجِدُّهم في سبيل الحياة لأنفسهم وأهلهم وللناس عامة.

    ناموا ونام معهم كل أولئك وهم يقدرون أنهم سيُفيقون بعد ساعات؛ ليسلك الكبار منهم سُبُلَهم إلى العمل، ويسلك الصغار منهم سُبُلَهم إلى اللعب، وليأملوا ويحققوا ما يستطيعون تحقيقه من آمالهم، وليألموا ويخففوا ما يستطيعون من آلامهم.

    ينتظرون الحياة!
    أقول كل أولئك الذين صُبَّ عليهم الموت ذات ليلة وهم آمنون وادعون لا ينتظرون الموت وإنما ينتظرون الحياة، لهم علينا الحق كل الحق أن نسأل عن موتهم فيمَ كان؟ ولماذا كان؟! وعلى من تقع تبِعة هذه الكارثة التي دفنت آمالًا كثيرة وآلامًا كثيرة وأعمالًا كان من الممكن أن تكون وأن تنفع الناس قليلًا أو كثيرًا.

    وما أقل اعتبار الناس بالموت الذي يرونه في كل لحظة من لحظات الليل والنهار والذي يقطع ما بين الموتى وما بين الدنيا من أسباب كثرت مشاهدتنا له، فألِفناه واطمأنَنَّا إليه وعرفنا أنه مكتوب علينا جميعًا فأعرضنا عنه وأقبلنا على جِدِّنا ولَعِبنا ننتظر أن يلقانا حين لا نستطيع له دفعًا ولا نستطيع منه إفلاتًا!

    من قتلها؟
    وألفنا كذلك أن نقول كلما رأينا الموت أو سمعنا به: «إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون.» ثم نمضي بعد ذلك لما نحن في شئوننا كأننا لم نَرَ شيئًا ولم نسمع شيئًا، وكأننا لا نرجو أن يُلِمَّ بنا ما أَلَمَّ بغيرنا من الناس. وما أعرف أسخف من الإنسان الذي يرى الموت في كل لحظة من لحظات حياته فلا يكاد يُلقِي إليه بالًا إلا حين يُحِسُّ سَعْيَ الموت إليه، والموت ساعٍ إليه دائمًا صحيحًا كان أم مريضًا، قويًّا كان أو ضعيفًا، غنيًّا كان أو فقيرًا، عزيزًا كان أو ذليلًا.

    وقُلْ إن شئت إني أحدِّثك بأشياء كثُر الحديث فيها حتى أصبحت وليس للحديث عنها معنى. قُلْ هذا وأنا أقوله معك ولا أجادلك فيه. ولكن سَلْ نفسك كيف وقعت بها أنباء هذه الكارثة التي يتحدث الناس عنها منذ أمس والتي روَّعت قومًا كانوا آمنين وأثكلت أمهات وآباء وأخوات وإخوانًا وبنات وأبناء، والتي وقعت فجأة، نام عليها الذين أثاروها ونامت عنها الحكومة أيضًا، فلم تحسب لها حسابًا، ولم نُلْقِ إلى أسبابها بالًا ولم تَحْتَطْ لحياة فريق من المواطنين.

    ونحن نقرأ في القرآن الكريم أن (مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا)، فمن الذي قتل هذه النفوس؟ ومن الذي يُسِّر له قتلها؟ وكيف السبيل بعد هذه الكارثة وبعد كوارث كثيرة أمثالها إلى أن يطمئن المواطنون إلى أنهم يعيشون في وطن متحضر، وأن لهم حكومة تقوم على حمايتهم ورعايتهم وتأمينهم أن يختطفهم الموت في غير حرب ولا مرض بطيء أو سريع.

    كيف ناموا؟!
    أما أنا فقد أُنبِئت بهذا النبأ صباح أمس، ولم أكن قرأتُه في صحيفة، وإنما ألقاه إليَّ بعض الناس، فلم أصدقه ولم أحفل به، حتى ألحَّ عليَّ مُنْبِئٌ بأنه لا يكذب ولا يغلو، فأسرعت إلى حيث وقعت الكارثة لأشهد بنفسي مكانها وآثارها. وعدتُ واللهُ يشهد ما اطمأنَّت نفسي إلى رضى ولا استقر هذا الشعور الثائر في قلبي نهار أمس وليلة اليوم.

    ثم قرأت ما نشرت الصحف، فلم يزِد هذا الشعور إلا اضطرابًا واضطرامًا.

    ولست أدري كيف نام أولئك الذين وَكَّلت إليهم الدولة حماية المواطنين من أن تَخِرَّ عليهم سقوف بيوتهم وأن يأتيهم الموت من فوقهم ومن تحتهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم، وهم آمنون مطمئنون لا ينتظرون الموت ولا يخشونه، وإنما ينتظرون الحياة وما يملؤها من آمال وآلام!

    ولست أدري ما يضطرب في نفوس هؤلاء السادة ولا ما تحدثهم به ضمائرهم حين يخلون إليها، ولكني أقطع بأن كثيرًا منهم سيمرون بهذا الموت كما يمرون بالموت دائمًا لا حافلين به ولا آبهين له ولا مفكرين فيه، وسيقولون كما يقول الناس: آجال حلَّت ولم يكن منها بُدٌّ، وعسى أن ترتسم الابتسامات على شفاههم حين تعرض لهم أسبابها، وعسى أن تمتلئ حلوق بعضهم وأفواههم بالضحك حين يعرض لبعضهم ما يدعوه إلى الضحك. ولو قدروا تبعاتهم حق قدرها لما وجد النوم والضحك والابتسام والهدوء إليهم سبيلًا.

    الشهداء
    وقد أنبأنا النبي الكريم أن الذين يموتون محاربين أو يموتون في الحريق أو يدركهم الغرق أو يموتون تحت الردم شهداء. والشهداء مخاصِمون؛ يلقون الله يوم القيامة على الحال التي فارقوا عليها حياتهم الدنيا ويتهمون قاتليهم أمام ربهم، فيجزيهم الله ما يجزي الشهداء من نعيمه ورضوانه، ويجزي قاتليهم ما يجزي القاتلين العامدين إلى القتل من العذاب الذي لا مَرَدَّ له ومُنصرف عنه.

    لقد كنت أظن أن في مصر وزارة لا تأذن بإقامة الدُّور ولا تأذن خاصة بإقامة الصروح الضخمة المشيدة، إلا أن تستوثق للذين سيسكنونها والذين سيقيمون حولها والذين سيمرون بها ليلًا أو نهارًا. وكنت أظن أن هذه الوزارة لا ينبغي لها أن تستوثق قبل أن تأذن ثم ترضى عن نفسها، وإنما تلاحظ وتفتش وتتحقق بين حين وحين من أن هذه الدور وهذه الصروح ما زالت صالحة ليسكنها الناس ويقيموا حولها ويمروا بها.

    كنت أظن هذا كله، وكنت أطمئن إليه كما يطمئن إليه غيري من الناس، ولكن هذه الدور الكثيرة التي تنهار على من فيها فيُقتل تحت ردمها من يُقتل ويُجرح من يُجرح وينجو من ينجو؛ كل ذلك ينبئني وينبئ غيري من المواطنين بأن هذا الظن كان كاذبًا وبأن هذا الاطمئنان كان اطمئنانًا إلى الوهم.

    وإذن فليحتطِ المواطنون لأنفسهم ولتنظر الحكومة في وزاراتها هذه؛ عسى أن يهديها الله إلى أن تصلح من أمرها فتصدُق فيها الظنون، ويمكن الاطمئنان إليها، ويأمن الناس أن يخطفهم الموت ذات نهار وهم آمنون أو ذات ليل وهم نائمون.

  • ضحك

    ضحك
    طه حسين
    جريدة صوت الأمة
    ١ سبتمبر ١٩٤٦
    لا يصدر عن الشعب المصري بالطبع؛ لأن الشعب المصري في شغل عن الضحك بهذه الخطوب التي تأخذه من جميع أقطاره.
    الشعب المصري مشغول بالفقر والجهل والمرض وغيرها من النكبات التي يداويها الوزراء بألسنتهم، وما يصدر عنها من الأقوال ويستبقونها بقلوبهم، وما يصدر عنها من الأعمال. والشعب المصري مشغول بهذه المحنة التي يمحص الله بها قلبه، فيرسل إليه الشر من حيث تعود أن يلقى الخير، ويسلط عليه صديقه النيل أن يزيد إلى فقره فقرًا، ويضيف إلى بؤسه بؤسًا، ويبيِّن له أنه لم يذُق من الجوع إلَّا أقله، وأن البؤس لا يأتي من الجوع وحده، وإنما يأتي من انهيار الدُّور والتعرض للموت وإيفاق الليل والنهار بالعراء وانتظار المرحمة تنجم له من الأرض أو تهبط عليه من السماء.
    والشعب المصري مشغول بهذا الاستقلال الذي لا يستكمل، وإنما ينتقص، وبهذه الحماية التي لا بد أن تعود؛ لأنها اشتاقت إلى مصر، وإن لم تشتق مصر إليها. وبهذا البلاء النازل الذي قبل فريق من المصريين أن يكتبوه على وطنهم حين قبلوا تأسيس الشركة المصرية البريطانية المساهِمَة للدفاع عن مصر، وللدفاع عن بريطانيا العظمى أيضًا.
    الشعب المصري مشغول بهذا كله وبأشياءَ أخرى أكثر من هذا كله، وهو من أجل ذلك لا يستطيع أن يضحك ولا أن يبتسم إلَّا أن يضحك ضحِك المتنبي الذي هو أشبه شيء بالبكاء.
    ولكني لا أتحدَّث عن هذا الضحك الحزين، ولا عن هذه الابتسامات الصُّفر التي تصور الكآبة واليأس أكثر مما تصور الابتهاج والرجاء. وإنما أتحدث عن ضحك صريح لا يشوبه حزن ولا اكتئاب، ولا يتسلى به أصحابه عن الظنون الكاذبة والآمال الخائبة والهموم الثِّقال، وإنما هو ضحك ضاحك كأحسن ما يكون الضحك، وهو ضحك عريض كأعرض ما يكون الضحك أيضًا. ضحك أعرض من النهار حين يملأ العالم ضوءًا وجمالًا، وأعرض من الليل حين يملأ العالم ظلمةً واكتئابًا، ضحك لا يصدر عن فرد ولا عن جماعة ولا عن شعب، وإنما هو أضخم وأفخم وأنفذ وأبقى من هذا كله؛ لأنه يصدر عن الأقدار.
    وضحك الأقدار كما تعلم يملأ ما بين الأرض والسماء، وهو إن صَوَّر شيئًا فإنما يصوِّر سخف الإنسان أمام حكمة القضاء. والأقدار ضاحكة دائمًا؛ لأنها ترى سخف الإنسان واعتداده بنفسه وبكائه على أمسه واحتياطه لغده، وترى أن هذا كله لا يغني عن الإنسان شيئًا. ولكن الأقدار قد ضحِكت في أيام العيد ضحكًا جديدًا ما تزال مغرقة فيه. وكان أقطاب هذا العهد السعيد هم الذين أخذوا أنفسهم بتلهية الأقدار وإضحاكها حين فكَّروا وقدَّروا ودبَّروا ورسموا الخطط فأتقنوا رسمها؛ ليمسكوا هذا العهد السعيد من أن يطير، ويحفظوه من أن ينهار، ويقيموه بعد أن أراد أن ينقضَّ، فقد قيل إن بناء الوزارة القائمة سيدعم بنفرٍ من السعديين ليكون الائتلاف متينًا لا يسعى إليه ولا يدب فيه الضعف.
    وقد ظهر لرئيس الوزراء فيما يقال إن الائتلاف بين الدستوريين والمستقلين لم يحسن مقاومة الخطوب ولا الثبات للأحداث. فقد عرضه النقراشي باشا للخطر من أول يوم أُلِّفَتْ فيه الوزارة، ثم عرضه مكرم باشا للخطر من أول يوم بدأت فيه المفاوضات. ثم عملت فيه المعاول في كل ناحية حين جدَّ الجِدُّ، وقيل للمصريين إمَّا أن تقبلوا الحماية وإمَّا أن تُقطع المفاوضات، ثم تداعت أركانه في الاجتماع الأخير لهيئة المفاوضات حين انفضَّ المتفاوضون على ذلك النحو المعروف، وخرج خمسة منهم يملأ قلوبهم السخط واليأس، وبقي سبعة منهم يملأ قلوبهم الخوف والأمل. هنالك تبيَّن لرئيس الوزراء ولرئيس السعديين أن الائتلاف خير من الاختلاف، وأن الوفاق خيرٌ من الشقاق، وأن المستقلين لا يقدِّرون التبعات لأنهم ليسوا مسئولين إلَّا أمام أنفسهم، على حين أن رؤساء الأحزاب يقدِّرون التبعات حق قدرها لأن لهم أتباعًا في الحكم يريدون أن يبقوا فيه وأتباعًا تحت الحكم يريدون أن يرقوا إليه.
    وهم من أجل ذلك يقدِّرون لأرجلهم قبل الخطو موضعها، ويديرون في أنفسهم كلمة ألف مرة ومرة قبل أن يقولوها؛ لأنهم يخشون عواقبها ويحسبون لها الحساب كل الحساب. ولعلَّ هذا يبيِّن للذين لم يتبيَّنوا فِيمَ انصرف المنصرفون، وفيم أقام المقيمون. فقد انصرف المنصرفون ليجترُّوا ما يملأ قلوبهم من السخط وليستمسكوا بما أظهروا من رفضٍ لما عرضه الإنجليز، وأقام المقيمون لينظموا الصفوف ويدعِّموا البناء ويتهيَّئوا للموقعة الحاسمة، ويضيقوا إلى ثوب الوزارة بعض الرقاع التي تمنع الهواء أن ينفذ إلى جسمها العليل، وهي رقاع متينة حقًّا ستصد الهواء مهما يكن حارًّا وباردًا عن جسم الوزارة، وستمكن البناء من أن يثبت للريح مهما تعصف ومهما تقصف. سينهض السعديون بشئون وزارة الخارجية وبشئون وزارة العدل وبشئون وزارة أخرى تُبتكر ابتكارًا للنهوض بالشئون العربية الجسيمة. ويقال إنهم سينهضون بشئون وزارة المواصلات، وسيُزحزح عنها وزيرها القائم لينهض بالصحافة والإذاعة والتمثيل والسينما وما شئت من روائع الأدب وبدائع الفن. وكان أستاذنا الجليل وزير الخارجية يريد أن يستريح، ويفرغ للمجمع اللغوي وترجمة أرسطاطليس. فيستريح في منصب مريح هو النيابة عن رئيس الوزراء. أمَّا النقراشي باشا فسيشرب الكأس إلى الثمالة، سيحتمل أثقال الحكم الصدقي دون أن يشارك فيه، وسيعلل برياسة مجلس النوَّاب إن أذن لمجلس النوَّاب أن يستأنف الانعقاد.
    دُبِّر هذا كله بليل، أو دُبِّر هذا كله بنهار. وهذا كله إن دل على شيء فإنما يدل على أن سحبًا تتجمع في آفاق السماء، وعلى أن ريحًا تريد أن تعصف، وعلى أن أمواجًا تصطخب وقلوبًا تضطرب، وسفينة تُوشِكُ أن تهوي إلى القاع، وعلى أن الربان يبذل آخر ما يملك من الجهد لتثبت للأحداث، وتمتنع على الخطوب، وعلى أن الأقدار تنظر من قريب أو من بعيد إلى هذا الذي يدار، فترسل ضحكتها العريضة التي تملأ ما بين الأرض والسماء، وينشد منشدها ذلك البيت الذي كان المغفور له الشيخ علي يوسف يُكثر إنشاده في قديم الزمان وسالف العصر والأوان:
    تقفون والفلك المحرك دائر وتقدرون فتضحك الأقدار