فوز
الناس مصروفون في هذه الأيام بالأحداث السياسية وبما يصيبهم من المحن المختلفة في حياتهم العامة والخاصة عن أشياء ما كانوا لينصرفوا عنها لو أنهم يحيون حياة طبيعية قوامها الهدوء والاطمئنان ولكنهم قد حرموا هدوء النفوس وحيل بينهم وبين اطمئنان القلوب فهم لا يخرجون من خطب إلا إلى خطب، وهم لا يخلصون من حدث إلا إلى حدث. وهم لا يتحدثون إذا لقي بعضهم بعضا، وخلا بعضهم إلى بعض إلا عن هذه الكوارث الملمة والحوادث التي لا تُرى ولا تُسر. فكيف يتاح لهم مع ذلك من رضا النفوس وفراغ البال ما يمكنهم من أن يفرحوا بما يوجب الفرح ويغتبطوا بما يبعث الغبطة ويبتهجوا بما يدعو إلى الابتهاج. ومع ذلك فالله – عز وجل – لا يريد أن تكون حياة الناس شرًّا كلها ولا حزنًا كلها، وهو لا يريد أن يخليها مما يسر ويبعث على الرضا.
ولقد حدث في الحياة المصرية منذ أسابيع حدث لو أن المصريين ينعمون بحياتهم الطبيعية لما مر في هذا الصمت العميق الذي مر فيه. فهذه الجامعة المصرية قد أهدت إلى مصر لأول مرة الطبقة الأولى من الفتيات اللاتي أتممن دراسة الآداب والحقوق، وظفرن فيها بدرجة الليسانس. ولو قد حدث هذا الحادث منذ ثلاثة أعوام لاغتبطت به مصر أشد الاغتباط، ولأثار في مصر أشد ما تثيره الحوادث من عناية الأفراد والجماعات، ولكنه لم يثر شيئًا في هذا العام، لأن الناس عن الخير القليل في شغل بهذا الشر الكثير الذي يأخذهم من كل ناحية، ويفسد عليهم حياتهم كلها.
لأول مرة أخرجت كلية الآداب فتاة مصرية قد درست اللغة العربية واللغات الشرقية وآدابها، وظفرت بدرجة الليسانس، وهي الآنسة سهير القلماوي، ولأول مرة أخرجت كلية الآداب فتاة درست اليونانية واللاتينية وآدابها وظفرت فيهما بدرجة الليسانس وهي الآنسة فاطمة سالم، ولأول مرة أخرجت كلية الآداب فتاتين درسَتا الفلسفة وعلوم الاجتماع ونالتا فيها درجة الليسانس وهما الآنسَتَان زهيرة عبد العزيز، وفاطمة فهمي.
ثم لأول مرة أخرجت كلية الحقوق فتاة درست علوم القانون وظفرت فيها بدرجة الليسانس وهي الآنسة نعيمة الأيوبي. وعما قليل تخرج كلية العلوم وكلية الطب فتيات أخريات درسن العلوم الخالصة ودرسن الطب وفروعه وظفرن في هذا كله بالدرجات الجامعية.
فأي حدث خطير هذا الحدث في حياتنا المصرية العقلية والاجتماعية، وأي فوز عظيم هذا الفوز لأنصار الرقي والنهوض وأصحاب تحرير المرأة والتسوية بينها وبين الرجل في الحقوق والواجبات. وأي أمل عظيم يبسط هذا الحادث أمام المصريين في أن يروا أنفسهم كغيرهم من الأمم الراقية، لا يختص فيهم بالعلم فريق دون فريق، ولا يحتكر الثقافة فيهم جنس دون جنس، ولا يحتفظ الرجل فيهم بما كان يحتفظ به من أسباب التفوق والعلو والسلطان.
رحم الله قاسمًا فلو قد عاش إلى هذه الأيام لسعد حين يرى جهوده قد وُفّقت، وآماله قد حُقّقت، وكفاحه قد انتهى إلى غايته. رحم الله قاسمًا لو عاش إلى هذه الأيام لوجد في هذا الفوز العظيم عزاء عما لقي في حياته من أذى وما احتمل في دعوته من مكروه، ولكن الله – عز وجل – يريد أن يبتلي المصلحين بالفتنة والمحنة، وقلما يتيح لهم أن يتعزوا في حياتهم عما يصيبهم من فتنة ومحنة كأنه يؤثرهم بإعظام الأجر لهم في حياتهم الثانية هذه التي لا يتعرض فيها النعيم لما يشوبه في حياتنا الأولى من كدر أو سوء.
هؤلاء فتياتنا قد ظفرن بما يظفر به فتياننا من التعليم العالي، وانتهين إلى ما ينتهي إليه فتياننا من نيل درجاته والنجاح فيه فلنهنئ مصر بهذا الفوز ولنهنئ المرأة المصرية بهذا التوفيق ولنهنئ الجامعة المصرية بأنها هي التي مهدت السبيل إلى هذا الفوز والتوفيق، ولكننا لا نحب أن نكتفي بتسجيل الفوز، ولا نريد أن نقف عند تهنئة مصر والمرأة المصرية وآنساتنا الناجحات، وإنما نريد أن نعرف ماذا أعدت مصر، أو ماذا تريد أن تعد لهؤلاء الفتيات اللاتي خرجن من الجامعة واللاتي سيخرجن منها يتبع بعضهن بعضا. فقد تغيرت حياتنا كلها وعقليتنا كلها، ولم تصبح المرأة فيها كما كانت ترفًا وزينةً، وإنما أصبحت مقومًا لها كالرجل، ليس بينهما في ذلك فرق قليل ولا كثير. وقد تغيرت حياتنا كلها وعقليتنا كلها وأصبحنا لا نعلم الفتاة على أن يكون تعليمها ترفًا وزينةً لها ولأسرتها وبيئتها، وإنما نعلمها لتنتفع بالعلم كما ينتفع به الفتى فترقى كما يرقى، وتعمل في الحياة كما يعمل، وليس يكفينا أن يقال إن فتياتنا قد ظفرن بالدرجات الجامعية، وإنما نريد أن ينفع ظفرهن بهذه الدرجات وأن تفتح هذه الدرجات لهن أبواب النشاط في فروع حياتنا المختلفة. وكانت الجامعة قد فكرت في بعض ذلك منذ عامين فاتفقت مع وزير المعارف السابق على أن تفتح للجامعيات أبواب معهد التربية كما فتحته للجامعيين. وكانت هذه الفكرة قد وجدت من وزير المعارف السابق استعدادًا حسنًا، فألف لجنة نظمتها ووضعت لها الحدود، وبالغ في العناية بهذه الفكرة فقرر أن يأخذ على الطالبات عهدًا بالالتحاق بهذا المعهد، وأن يعتبرهن بعثةً في الجامعة، تعينهن وزارة المعارف بالمكافآت. ومضى وزير المعارف السابق في تنفيذ هذه الفكرة إلى أقصى حدوده، فقدم الطالبات إلى الكشف الطبي، وأخذ على بعضهن تلك العهود فلما ترك وزارة المعارف، وجاء الوزير القائم غير ما كان قد اتخذ من قرار، وفكر في أن يُنشِئ للفتيات معهدًا خاصًا، غلوًا منه في المحافظة، وإصرارًا منه على التقاليد، وأنكرنا عليه تلك الخطة لأن فيها عبثًا وإسرافًا، ولأن فيها تناقضًا واضطرابًا. فما دامت التقاليد قد أذنت أن يختلف الطلاب والطالبات إلى دروس العلم في الجامعة فإنها تأذن – من غير شك – في أن يختلف الطلاب والطالبات إلى دروس العلم في معهد التربية على أن وزير المعارف لم يصنع شيئًا، فلا هو أنشأ معهدًا للفتيات، ولا هو أذن لهن في الالتحاق بالمعهد القائم، ومع ذلك ففي مصر تعليم ثانوي للبنات. وهذا التعليم محتاج إلى معلمات. وهؤلاء المعلمات تخرجهن الجامعات الأوروبية التي ترسل إليها وزارة المعارف فتيات مصريات يتعلمن فيها ويظفرن بدرجاتها. وقد أخذت الجامعة المصرية تمنح درجاتها لفتيات مصريات. فأيسر أصول الحق والعدل والمنفعة والاقتصاد تقضي على وزارة المعارف بأن تعتمد على هؤلاء الفتيات في إمداد المدارس الثانوية للبنات بمن يقمن فيها بأمور التعليم، وليس على التقاليد حرج في هذا، فمن اليسير أن تُقبل هؤلاء الفتيات في معهد التربية على ألا يخضعن لنظامه الداخلي حتى تستطيع وزارة المعارف أن تُهيئ ذلك لهن على ما يلائم التقاليد والدين والآداب، أي تستطيع وزارة المعارف أن تجد لهن دارًا يأوين إليها وحدهن إذا فرغن من الدرس.
وقد ظفرت الفتاة الفرنسية خلسة منذ أعوام بالنجاح في مسابقة مدرسة المعلمين العليا، فاضطرت وزارة المعارف الفرنسية أن تفتح لها هذا الباب الذي كان مغلقًا في وجهها من قبل. وقبلت الفتاة في هذه المدرسة على ألا تخضع لنظامها الداخلي فليخط وزير المعارف هذه الخطوة فإن فيها الخير كل الخير، وليس فيها على التقاليد بأس ولا جناح.
كوكب الشرق ٢٦ – ٦ – ١٩٣٣
Tag: Feminism
-
ملكة الجمال
ملكة الجمال
للدكتور طه حسين
هناك ابتسامة تتردد كثيراً قبل أن ترتسم على بعض الثغور، وتتألق في بعض الوجوه، أو قل إن هناك ثغوراً ووجوهاً تتردد كثيراً قبل أن تقبل أن ترتسم عليها وتتألق فيها بعض الابتسامات، أو قل إن هناك نفوساً تتردد كثيراً قبل أن تتخذ ثغورها ووجوهها مظاهر لهذا الذي يعرب عنه الابتسام في بعض الظروف. وقد فكرتُ في هذه الابتسامة المترددة، وفي هذه الثغور والوجوه والنفوس التي تتردد بين الرضا والسخط، وبين ما يظهرهما ويدل عليهما من الابتسام والعبوس، حين قرأتُ في الصحف أخبار ملكة الجمال وتشريفها لمصر بزيارتها السعيدة الموفقة.
فكرتُ في هذه الابتسامة المترددة لأني أحسستُ ترددها على شفتيّ، فرأيتهما تحاولان الانبساط ثم تعودان فتنفرجان وتنبسطان بالابتسامة، ثم تستقر عليهما هذه الابتسامة التي كانت مترددة؛ ولكنها تستقر في سخرية إن لم تكن شديدة المرارة فليس فيها شيء من حلاوة الرضا. ذلك لأني لا أدري أوفقت الإنسانية حين فتحت على نفسها هذا الباب الظريف السخيف، الذي يدخل عليها منه ظرف كثير ويدخل عليها منه سخف كثير؟ ومن يدري لعل الظرف والسخف صديقان لا يفترقان، وحليفان لن يختصما، أو تتغير الأرض ومن عليها وما عليها. وهذا الباب الظريف السخيف الذي يبعث الرضا ويبعث السخط، والذي يغيظ ويلهي هو باب المسابقة إلى الفوز بسلطان الجمال!
خطرت هذه الفكرة لكاتب فرنسي، ليس هو من المتعمقين في الجد، ولا هو من المتهالكين على الهزل، وإنما هو كاتب خفيف ظريف، يرضى في سهولة، ويرضي الناس في يسر، وتنفق عندهم سوقه في غير مشقة. وأكبر الظن أنه يسخر من الناس ومن نفسه، وأكبر الظن أنه إنما يرضي الناس ويعجبهم لأنه يسخر منهم؛ يستهزئ بهم ويخيَّل إليهم أنه يجدّ كل الجد حين يسوق إليهم الأحاديث، مع أنه لا يزيد على أن يهزل أشد الهزل وألطفه. ولعله إنما يفعل هذا كله، فيهزل جاداً ويجدّ هازلاً لأنه صحفي، أو قل لعله إنما أصبح صحفياً رائجاً نافق السوق لأنه يفعل هذا كله. وأنا أعتذر إلى الصحفيين ولكني أعتقد أن صاحبة الجلالة الصحافة إنما أقامت عرشها العظيم على هذه الدعائم المتينة الصلبة من سياسة الجمهور. وإنما تُساس الجماهير في ظل الديمقراطية أحسن سياسة وأجداها حين تلبس لها ثوب الجد وأنت تهزل، وترتدي لها رداء الهزل وأنت تجدّ، وتظهر لها على كل حال من نفسك ما تريد أن تظهر لا ما ينبغي أن تظهر.
هذا الكاتب الفرنسي اللبق الذي فتح للإنسانية باب الجمال على مصراعيه وأثار في الرؤوس الفارغة فكرة المسابقة إلى سلطان الحسن هو (موريس دواليف). خطرت له هذه الخاطرة ذات يوم وهو يمزح، أو ذات ليل وهو يلهو، فتحدث فيها إلى صديق أو صديقين ثم إلى زميل أو زميلين ثم إلى إدارة الجرنال. وما أصبح الصباح حتى ملأت الفكرة باريس، وما أمسى المساء حتى ملأت الفكرة فرنسا، وما كان الغد حتى ملأت الفكرة أوروبا، وما مضت أيام حتى ملأت الفكرة الأرض كلها ولعبت برؤوس الناس جميعاً.
وهذا مصدر آخر من المصادر المادية لسلطان صاحبة الجلالة الصحافة؛ هو أنها ترى الرأي فإذا هو أمام الناس جميعاً أو أمام جماعات ضخمة منهم في وقت واحد أو في أوقات متقاطبة، ومن حوله المغريات والمرغبات والمثيرات للميل، فيلقى الناس بعضهم بعضاً وقد قرأوا الصحيفة وإذا هم يتساءلون: "وما رأيكَ في هذه الفكرة الطريفة الظريفة معاً؟" فكرة موريس دواليف في هذه المسابقة التي ستُدعى إليها الفتيات لإظهار ما لهن من جمال بارع وحسن فتان. ثم تعود أصداء الدعوة من باريس وفرنسا وأوروبا وأطراف الأرض إلى الجورنال، وإذا الفكرة قيمة، وإذا التجربة الأولى تُهيّأ ثم تتم، وإذا للجمال ملكة في فرنسا، وإذا البلاد الأخرى تسير مسيرة فرنسا، وإذا لكل بلد ملكة للجمال، وإذا المسابقة أوروبية بين صاحبات الجلالة القومية، وإذا لأوروبا ملكة، ثم للعالم كله ملكة. وإذا نظام جديد قد أُقيم، وإذا الديمقراطية المتطرفة والاشتراكية الغالية والأرستقراطية المعتدلة والأوتوقراطية المسرفة… كل هذه النظم المختلفة المتباعدة قد اتفقت على الإذعان لسلطان الجمال.
ولكن سلطان الجمال – وإن استعار ألقاب الملكية، وأحاط نفسه بألوان القوة وضروب الأبهة – ضعيف نحيف، فاتر قصير المدى كالجمال نفسه. فهو ملك ولكنه أشبه بالجمهورية؛ وأي جمهورية؟ أشبه بالجمهورية القديمة، جمهورية اليونان والرومان لا يدوم السلطان فيه لصاحبته أكثر من سنة. وهو ملك ولكنه لا يُورث، وإنما يُكسب بالانتخاب؛ وأي انتخاب!! انتخاب ضيق محدود متأثر بالأغراض والأعراض السياسية في كثير من الأحيان، فيجب أن يكون ملك الجمال قسمة بين الشعوب تتبادل سلطانه فيما بينها؛ تظفر به فرنسا ثم تُمِرُّه إلى بلجيكا، وهذه تُمِرُّه إلى هولندا، وعلى هذا النحو حتى يكون لكل شعب حظه من هذه السيادة العالمية البريئة.
البريئة؟ مسألة فيها نظر! فهي سيادة بريئة بالقياس إلى الشعوب والأقاليم والمدن والقرى، ولكن براءتها تتعرض للشك والخطر في كثير من الأحيان. ذلك أن هذا الملك الطارئ السريع الزوال يعبث برؤوس الملكات وأسرهن، ومن طبيعة الملك أن يعبث برؤوس الناس إلا إذا اعتمد على دستور صحيح متين، وليس لملك الجمال دستور. وملك الجمال لا يعبث برؤوس الملكات وحدهن، وإنما يعبث برؤوس كثير من الرعية أيضاً؛ من الشبان والشيوخ وأصحاب الملاعب والمراقص والسينما، ثم ملك الجمال فصيح على هذا العبث؛ فهو يجري أقلام الكتاب في الصحف، ويطلق ألسنة السيدات في الصالونات، ويزيد هذا كله في الدوار واضطراب العقول. لذلك لا تكاد ملكة ترقى إلى عرش الجمال حتى يصبح مصيرها بعد الخلع – أستغفر الله – بعد الاعتزال مشكوكاً فيه، وأكبر الظن أنها صائرة إلى ملعب من ملاعب اللهو، أو نادٍ من أندية الرقص، أو دار من دور السينما، أو إلى هذه جميعاً. فملك الجمال في حاجة إلى دستور يضمن للملكة ألا يكون ارتقاؤها إلى العرش وسيلة إلى ابتذالها.
على أن ناحية أخرى من نواحي هذا العبث الذي يعبثه ملك الجمال بالعقول خليقة بالملاحظة؛ فملكات الجمال يؤمنّ بملكهن عادة، ويصدقن أنهن ملكات حقّاً، وكثيراً ما تؤمن لهن الجماعات بهذا الملك، فيصبح المزاح جداً واللعب حقّاً لا شك فيه. وينشأ عن هذا الجد الطارئ وعن هذه الحقيقة الإضافية الموقوتة – التي لم يفكر فيها أينشتاين بعد – لون من الحياة الذي يبعث هذه الابتسامات المترددة التي تحدثتُ عنها أول هذا الفصل.
أنظر إلى ملكة الجمال التي شرفت مصر بزيارتها هذه الأيام، لم تكد تهمّ بهذه الزيارة حتى سبقتها الأنباء فطربنا واستشعرنا شيئاً من الغبطة لا حد له، وتفضلت صاحبة الجلالة الصحافة فقامت لزميلتها في الملك بما يجب من الإعلان ونشر الدعوة. ثم وصلت ملكة الجمال فلم يكن بد لصاحبة الجلالة الجميلة من أن تتناول الشاي عند صاحبة الجلالة الفصيحة البليغة، وكانت دار (الجهاد) ملتقى الملكتين على مائدة صديقي توفيق دياب. وتفضلت الملكتان – ملكة الجمال وملكة الكلام – بشيء من العطف الغالي الكثير على طائفة من الرعية المولهة المفتونة، وكنتُ ممن مسهم هذا العطف. ولكن ملكة أخرى ثقيلة ممقوتة تبسط سلطانها الآثم على الناس في الشتاء – وهي صاحبة الجلالة البغيضة الإنفلونزا – حالت بيني وبين الاستمتاع بهذا العطف السامي من صاحبة الجلالة الجميلة وصاحبة الجلالة الفصيحة، فأسفتُ وما أشد ما أسفتُ!
وملكة الجمال ظريفة كما ينبغي أن تكون؛ فلم تكد تصل إلى مصر حتى أدت طائفة من الواجبات يفرضها عليها جلال الملك وسماحة الجمال، فقيدت اسمها في قصرها الملكي العالي ثم ثنّت فزارت رئيس الوزراء. فلما فرغت من السلطة التنفيذية تعطفت على السلطة التشريعية فتفضلت بزيارة البرلمان، فأدّى وكلاء الأمة واجبهم بين يدي جلالتها كأحسن ما تكون التأدية.
ثم لم تكد صاحبة الجلالة تفرغ من مصر الرسمية حتى تفضلت ففكرت في مصر المعارضة – والملك فوق الأحزاب – فتعطفت بزيارة حضرة صاحب الدولة رئيس الوفد المصري، ثم فكرت في مصر التي لا تشتغل بالسياسة وإنما تشتغل بالإصلاح الاجتماعي والاقتصادي فتفضلت بزيارة حضرة صاحبة العصمة رئيسة الاتحاد النسائي، وزارت دار الاتحاد وشهدت فيه التمثيل وزارت دور الصناعة والتجارة، وهي في هذه الزيارات تؤدي لكل حقه بما فُطرت عليه من جمال وظرف وأدب ورشاقة وخفة روح.
وإذ جلالة أخرى رسمية تشرف مصر وهي الجلالة الإيطالية، فينقطع حديث الجمال ويبتدئ حديث السياسة. وليست هذه الصحيفة من السياسة في قليل ولا كثير؛ فلتكتفِ إذن بأن ترحب في صدق وإخلاص بصاحبي الجلالة الإيطالية، ثم لتعد إلى ملكة الجمال فلتتمنّ لها التوفيق بعد الملك كما وُفقت أثناء الملك، ولتلتفت بعد ذلك إلى القارئ الكريم فننصح له بأن يقرأ قصة تمثيلية بديعة أنشأها الكاتبان الفرنسيان جورج بيرولويس وفرنويل، موضوعها ملكة الجمال وعنوانها (مس فرانس)؛ فسيجد القارئ في هذه القصة جداً وهزلاً وفكاهة وصراحة ولذة قوية على كل حال.
الرسالة ١ – ٣ – ١٩٣٣