حديث الوادي
صبريات…
يعجبني من وزير ماليتنا العظيم، أنه حازم جداً، حازم لا نظير له في الحزم، لا يُقرن إليه فيه وزير الداخلية ولا وزير التقاليد، فضلاً عن رئيس وزرائنا الرجل الطيب، حازم قد انفرد بالحزم، عازم قد استبد بالعزم، قوي قد استأثر بالقوة.
ولكن هذا كله مقصور على القول، وعلى القول وحده، فوزير المالية إذا قال، زلزلت الأرض بمن عليها، واضطربت القلوب في الصدور أشد اضطراب، وامتلأت النفوس هلعاً وفزعاً وجزعاً، ولكنه إذا هم بالعمل لم يعمل شيئاً، فحزمه كلام في كلام، وعزمه ألفاظ في ألفاظ، وقوته محصورة في هذا الصوت، الذي يحسن رفعه، وإشاعة الرهبة فيه، وإسباغ البأس عليه. وهذا الصوت قد يخيف سامعه، وقد يشيع الخوف منه في كلام الوزير إذا كتب على القرطاس، ونشر في الصحف، فيخاف منه بعض القراء. ولكن هيبة وزير المالية لا تستطيع أن تتجاوز هذا الحد، بل تقف عنده وقوفاً مؤسفاً حقاً، فما أسرع ما يأمن الخائف، وما أسرع ما يطمئن القلق، وما أسرع ما يبسم هذا وذاك، وما أسرع ما يقول هذا وذاك: كلام سمعناه من قبل، كما نسمعه اليوم، وكما سنسمعه ما دام صبري بك مسيطراً على وزارة المال.
منذ عام صرح وزير المالية، بأنه ما دام وزيراً فلن يدفع الدين العام وفوائده إلا ورقاً، ولن يفاوض في ذلك، ولن يسمح بالمفاوضة، وقد مضى العام، واتصلت المفاوضات في مصر أولاً، ثم انتقل لها مندوب مصر إلى باريس، ثم ترك أمرها إلى المندوب السامي يعالجه كما يشاء، وصبري بك وزير المالية، لم يستقل، ولم يكره الدول على أن تنزل عند رأيه، بل لم يحمل زملاءه الوزراء على أن يروا رأيه أو يشاركوه فيه.
ومنذ عام قال وزير المالية صبري بك أنه ما دام وزيراً فلن يسمح ببقاء الأزمة العقارية، ولن يرضى من المصارف، أن تشتط على المدينين، أو تتحكم فيهم، ولن يسمح للوزارة أن تقدم على الحلول النصفية التي لا تحل شيئاً أو التي تحل نصف الأزمة، وتدع نصفها الآخر معقداً غير محلول، وقد مضى العام، والأزمة العقارية قائمة، والمصارف تشتد على المدينين، والوزارة لا تقدم على الحلول النصفية، بل على الحلول الجزئية، التي لا يمكن أن تنسب إلى الربع، أو إلى الثلث، وصبري بك ما زال وزيراً للمالية، لم يستقل ولم يكره المصارف على شيء، ولم يحمل زملاءه على أن يروا رأيه أو يشاركوه فيه، بل صرح هو أو رضي أن يصرح عنه رئيس الوزراء في مجلس النواب بأن الوزارة قد فعلت ما تستطيع.
ومنذ عام أثار وزير المالية أزمة حادة، عنيفة، في وزارته بينه وبين الموظفين، كباراً وصغاراً، وصرح لبعض الصحف بأنه ما دام وزيراً، فلن يسمح للموظفين في وزارة المالية كباراً وصغاراً بأن ينسوا أن لهم وزيراً يجب أن يرجعوا إليه في كل شيء.
ولم يكن الموظفون في وزارة المالية قد نسوا أن لهم وزيراً، ولكن صبري بك خُيّل إليه ذلك، وقد مضى العام، والأمر في وزارة المالية كما كان، قبل أن يشرف عليها صبري بك، لم يزد علم الموظفين، ولم ينقص، بأن لهم وزيراً يرجعون إليه، وما زال صاحب السعادة عبد الوهاب باشا وكيلاً للمالية، وما زال صاحب العزة الفلكي بك وكيلاً آخر، وما زال كبار الموظفين وصغارهم حيث كانوا يصرفون الأمور، كما كانوا يصرفونها من قبل، وسلطان صبري بك عليهم كسلطان غيره من الوزراء. ولم يستقل صبري بك، ولم يفكر في الاستقالة، مع أنه لم يغير شيئاً، أو لم يحاول أن يغير شيئاً على كثرة ما أعلن رغبته في التغيير.
ومنذ عام، صرح صبري بك بأنه ما دام وزيراً فلن يسمح بمثل ما كان يقع في الوزارة السابقة من المحاباة في مصلحة الأملاك، في بيع الأرض وشرائها، ولكن الأمر اتصل كما كان من قبل، فاشترى فلان واستبدل فلان، وأجاز صبري بك شراء فلان واستبدال فلان دون أن يستقيل أو يفكر في أن يستقيل.
وأمس قال وزير المالية صبري بك لمندوب الأهرام:
«إني أرجو أن تنقل عني هذا التصريح الحاسم.
إنني ما دمت وزيراً للمالية – فلن أسمح مطلقاً بأن تقعد وزارة المالية عن تحصيل الأموال في مواعيدها. ولن أسمح بأن تفقد وزارة المالية مليماً واحداً من الأموال الأميرية. ولن أعير استصراخ الذين يلتمسون الإعفاء من جزء منها أي التفات، مهما كانت مراكزهم الاجتماعية».
أسمعت إلى هذا التصريح الحاسم الحازم، العازم، الحازم المخيف، أنه مع ذلك لا يزيد على أن يكون تصريحاً كغيره من التصريحات التي ملأ بها صبري بك، جو مصر منذ عام، فهو ما دام وزيراً لن يسمح، ولكنه مع ذلك سيسمح وسيظل وزيراً. وهو ما دام وزيراً لن يرضى، ولكنه مع ذلك سيرضى وسيظل وزيراً، لأنه سمح بأشياء، ولم يكن يريد أن يسمح بها، ورضي عن أشياء، ولم يكن يريد أن يرضى عنها، ومع ذلك فإن الأدب والمجاملة وحسن الذوق تقضي عليهما بأن نظهر لوزير المالية أن تصريحه قد أخافنا، فليعلم إذن أننا خفنا، وليعلم إذن أننا أشفقنا، وليظهر له كبار الزراع أنهم خائفون، وأنهم مشفقون، ولكن ليظهر له كبار الزراع أيضاً أنهم طامعون، في عفوه وحلمه، وكرمه، فعفوه آت لا شك فيه، وحلمه واقع لا جدال فيه، وكرمه محتوم لا نزاع فيه.
وكبار الزراع سيستمتعون إن شاء الله بكل ما كانوا يستمتعون به من قبل من الرحمة والرأفة ولين الجانب، لا يشترط عليهم إلا أن يكونوا أولياء للوزارة يظهرون الميل إلى سياستها، وسيظل صبري بك مع ذلك وزيراً.
لندع إذن هذا الحزم الذي لا حزم فيه، وهذا الوعيد الذي لا وعيد فيه، ولنقف مع وزير المالية موقف جد، عند أمر واحد لا ثاني له، فوزير المالية يصرح بأن خير ما كسبته مصر في هذا العصر الحديث، هو سمعتها المالية. وبأنه سيحافظ على هذه السمعة، وبأن المحافظة على هذه السمعة، تضطره أن يتقاضى الضرائب ممن يجب عليهم أداء الضرائب.
وهذا كله صحيح. ولكن ما رأي وزير المالية في أن هناك شيئاً آخر صحيحاً، لا ينبغي لمثله أن يجهله، فحسن السمعة ليس رهيناً بجمع المال فحسب، ولكنه رهين قبل كل شيء، بحسن القيام على هذا المال، وبحسن الاقتصاد في إنفاقه، فإذا كان وزير المالية حريصاً حقاً على جمع المال احتفاظاً بالسمعة المالية لمصر، فقد يجب عليه أن يكون حريصاً حقاً، على حماية هذا المال من التبذير، ومن إنفاقه في غير مواضع الإنفاق، احتفاظاً بهذه السمعة المالية، وإذا كان وزير المالية لا يسمح بالتقصير في جمع المال، ولا بالتقصير في أداء الضرائب، فقد يجب على وزير المالية أن لا يسمح لزملائه، بالإسراف في إنفاق المال، ولا بالغلو في إنشاء المناصب والمصالح، وإرسال الوفود والبعثات، وإقامة المباني، والعمارات ومنح الإعانات وما يعرفه وزير المالية من ضروب الإسراف الذي تقدم عليه الوزارات في غير تحرج ولا احتياط.
من الخير جداً يا سيدي أن تجمع المال من دافعي الضرائب، ولكن من الخير جداً كذلك أن تذكر أن هذا المال الذي تجمعه ليس لك ولا لزملائك، وإنما هو أمانة في يدك وفي أيدي زملائك تجمعه من المصريين كافة لتنفقه على المصريين كافة، في غير إسراف ولا تبذير، وفي غير إيثار ولا محاباة. فهل تستطيع أن تقول لمندوب الأهرام إنك ما دمت وزيراً للمالية فلن تسمح بأن ينفق المال في غير موضعه.
نعم أنت تستطيع أن تقول ذلك ولعلك قلته، ولكنه كلام كغيره من الكلام يخيف من يسمعه أو يقرؤه ثم يقف الخوف منه عند هذا الحد، فلا يمنع إسرافاً، ولا يكف عن تبذير، ولا يحول دون إيثار ولا محاباة.
قل ما شئت يا سيدي الوزير فقد عرف الناس أقصى ما ينتهي إليه الكلام.
طه حسين
الوادي، ١٩٣٤/٩/١٣.
Tag: financial policy
-
صبريات٤
-
صبريات٢
حديث الوادي
صبريات. . .
نعم صبريات، وقد طال الصمت عن وزير المالية، لأنه هو آثر الصمت، وأغرق فيه، وأحب السكون، واطمأن إليه. ويظهر أنه ضاق بالصمت والسكون، فخرج عنهما إلى الحركة أولًا، وسيخرج إلى الكلام غدًا أو بعد غد. وإذا نشط وزير المالية نشط معه الناس. وإذا قال وزير المالية قال معه الناس. فما أعرف بين وزرائنا النابهين رجلًا أحب إلى الكتاب، وآثر عندهم، وأقدر على تنشيطهم إن فتروا، وعلى إنطاقهم إن سكتوا، وعلى إلهام الفصول الطوال من هذين الوزيرين الخطيرين، وزير المالية حين يعالج المال، ورجال المال، ووزير التقاليد حين يعالج التعليم، ورجال التعليم.
ودع رئيس الوزراء الرجل الطيب، فإنه هادئ وديع، ومتواضع مطمئن، قلما يلهم أو يوحَى. أعماله وأقواله كلها منسقة تنسيقًا يزهد في النظر فيها، والتفسير لها، والتعليق عليها. ودع زملاءه الآخرين، فهم رجال طيبون يشبهونه في الدعة والهدوء، والعجز عن الوحي والإلهام. دع هؤلاء الوزراء الطيبين، وقف عند وزير المالية، ووزير التقاليد، وأطل الوقوف عندهما، فلن تزهد فيهما، ولن يزهدا فيك، ولن تشبع منهما، ولن يشبعا منك، لأنهما لا يقولان، ولا يعملان، ولا يفكران، ولا يحلمان، إلا أتيا بالأعاجيب، ودفعاك إلى التفكير والقول والكتابة دفعًا.
هذا وزير التقاليد قد طاف به طائف مفاجئ من حب اللغة الإنجليزية، فآثرها بالعطف، واختصها بالمودة، وأزمع أن يأخذ الطلاب لدرسها في الصيف والشتاء، واصطناعها في الخريف والربيع، وأمر أن تذاع فيهم الكتب، يتدبرونها ويستظهرونها، أثناء الصيف، حتى إذا عادوا أثبتوا بالامتحان أن حظهم من العلم باللغة الإنجليزية قد اتسع وامتد، وقد ارتفع وعمق، حتى أصبحوا إنجليزًا أو كالإنجليز. وليس من شك في أن هذه الحركة سترضى المندوب السامي، وستبلغ من رضاه مدى لا يبلغه المستبقون. فليهنأ وزير التقاليد بهذا النشاط الخصب، وليهنأ الإنجليز بهذه العناية المنتجة، ولتترك اللغة العربية أمرها إلى الله، فقد يُعنى بها وزير آخر في الصيف المقبل.
ولكن ما لنا ولوزير التقاليد، ونحن إنما نريد الحديث عن الصبريات، والثناء على وزير المالية، فهو خليق بالثناء حقًّا. لقد كان الناس يظنون به الظنون، ويحسبون أنه قد عدل عن كل حركة، وانقطع عن كل كلام، وأذعن لقضاء الظروف، وخضع لما لا بد من الخضوع له، فإذا هو بعيد عن هذا كله، أشد البعد، يحسبه الناس هادئًا وهو يضطرب، ويظنونه ساكنًا وهو يتحرك، ويقدرون أنه صامت، وصمته أبلغ من الكلام. وها نحن أولاء نفاجأ بهذا الخلاف العنيف بينه وبين جماعة من النواب، يبلغون ثلث المائة، يريد هو أن تُجبى الضرائب على وجهها، لا يفرق فيها بين الأغنياء والفقراء. ولا بين الشعب والنواب، ويطلب هو إلى المديرين أن يمضوا في ذلك جادين غير مقصرين، ويكره النواب منه ذلك، فيطالبونه بالاعتذار، وينذرونه بنزع الثقة منه إن لم يفعل. وكنا نظن أن قومًا يأتمرون بالوزير ليخرجوه، ويكيدون له ليخلصوا منه، ولكن ماذا نسمع اليوم من الناس، وماذا نقرأ اليوم في الأهرام؟ يقول الناس وتذيع الأهرام، إن الأمر لم يقصر بين الوزير وهؤلاء النواب على هذا المنشور الغريب، ولو وقف الأمر عنده لما ضاق النواب به، ولكنهم استكشفوا منشورًا آخر أو تعليمات أخرى أذاعها الوزير، بين المديرين، وأذاعها المديرون بين المأمورين، وأذاعها المأمورون بين العمد، وأذاعها العمد بين الناس في قرى الريف، وهذه التعليمات خطيرة حقًّا، تنذر بالشر المستطير. فالوزير فيما يقول الناس وتذيع الأهرام، لا يطلب إلا شيئًا يسيرًا هو إحصاء الضرائب التي تأخرت عند النواب. وأقرباء النواب والتبيين عن درجة هذه القرابة. بين الذين تأخرت عندهم الضرائب وبين النواب. ماذا؟ أتحقيق سريٌّ يُراد، ومن الذي أمر به ومن الذي دفع إليه؟ أهو الوزير، فما له لم يأمر به إلا في هذه الأيام؟ أهو رئيس الوزراء، فما له لم يفكر فيه منذ نهض بأعباء الحكم. ماذا؟ أليس يكفي تحقيق الكورنيش وتحقيق الاستبدالات، وتحقيق البلدية حتى يبدأ في تحقيق جديد واسع النطاق، تمتد أسبابه في أطراف الأرض كلها في المدن والقرى، وفي الحضر والريف. ماذا؟ أليس يكفي التحقيق حول الوزراء والموظفين حتى يمتد التحقيق إلى النواب، والشيوخ. من الذي أمر بهذا التحقيق؟ ومن الذي دفع إلى هذا التحقيق؟ وماذا يُراد من هذا التحقيق؟ ماذا؟ أجماعة من النواب يأتمرون بالوزير، ليخرجوه من الوزارة. أم هو الوزير يأتمر بالنواب ليقيم الدليل على أن هذا العهد الحاضر لم يخل من إيثار ومحاباة، واستغلال للنفوذ، وأيُّ الفريقين يفوز؟ أيخلص النواب من هذا الوزير الذي يتخذهم موضوعًا للتحقيق، ويشترك في تبعات الحكم، ثم يمضي في عمل من شأنه أن يفسد على الوزارة أمرها؟ أم يعجز النواب عن هذا الوزير، فيبقى في منصبه يصرف الأمر كما يريد، ويلتمس الضرائب عند من التوى بها، أو تأخر في أدائها، مهما يكن، ومهما يكن أولياؤه، وأصدقاؤه؟ أما الوزير فلم يتعدَّ حدوده، ولم يتجاوز حقه، ولم يخرج عن طوره الذي يجب له، فمنصبه يحمله أمانة العناية بالضرائب وجبايتها بالعدل من المصريين جميعًا. وتخليص هذه الجباية من المجاملة والمحاباة، فليس للنواب عليه سبيل، ولا ينبغي أن يكون للنواب عليه سبيل، وإذا لم يكن بد من أن يفوز أحد الخصمين، فالقانون والدستور، يريدان أن يفوز الوزير على النواب في هذه الخصومة. ولكن النواب، وهم عماد الحكومة وجُنَّتها، قد آزروها حين تنكر لها صدقي باشا رضحوا في سبيلها بصدقي باشا، ومما قُدم إليهم من يد واصطنع فيهم من جميل، وهم يؤازرونها في كل مشكلة. ويؤيدونها في كل ملمة لا يلقونها بالشك، ولا يضنون عليها بالثقة، وإذا التوى بعضهم بالضرائب، فليس منهم من يلتوي بالنصر والتأييد. وإذن فكيف يسمح لوزير المالية أن يثير حولهم الشك، ويسلط عليهم الظنة، ويملأ الجو من حولهم بالشبهات؟ مشكلة أثارها وزير ماليتنا النابغة. ومن للمشكلات يثير غبارها، ويُذكي نارها، إلا وزير ماليتنا النابغة؟ ولكن إثارة المشكلات شيء، وحلها شيء آخر. وزير المالية بارع في إثارة المشكلات، ولكن براعته في حلها شيء مشكوك فيه. وإذن فأيُّ المختصمين يفوز؟ أيفوز النواب فيسقط الوزير؟ أم يفوز الوزير فيخضع النواب لهذا التحقيق الخطير؟ ما أشد إشفاقنا على الرجل الطيب، فإن حل هذه المشكلة العنيفة سيحمله من الجهد، ويكلفه من العناء ما لا قبل للمترفين به، في هذا الصيف الثقيل.
أما نحن فقد نحب أن نعين الرجل الطيب على التماس حل لهذه المشكلة، ولغيرها من المشكلات، على التماس حل شريف، يريحه ويريح غيره من الناس، وهذا الحل هو ألا يحاول صلحًا بين المختصمين، ولا تأجيلًا للمشكلة على حساب المصلحة العامة، وإنما يؤيد وزير المالية في موقفه تأييدًا حازمًا، واضحًا، صريحًا. فإما أن يذعن خصوم الوزير للحق، والقانون، وإما أن يأبوا فتخذلهم الكثرة، وإما أن تتضامن الكثرة معهم فتستقيل الوزارة، ويفتح الباب، للإصلاح الصحيح. . .
طه حسين
حديث الوادي، ١٠ يونية ١٩٣٤. -
حظوظ
حديث الوادي حظوظ . . .
لا أريد أن أعرض لهذه الحظوظ التي توزعها المصادفة والظروف بين الناس توزيعًا غريبًا، فترفع الخامل وتضع النابه، وتسعد الجاهل وتشقي العالم، وتسود الغبي الأحمق، وترد الذكي العاقل إلى مكان المقهور المسود.
هذه الحظوظ معروف، وكلام الناس فيها كد وإيمان الناس بها شائع، والناس جميعًا يشفقون منها ويطمعون فيها، كل يريد أن يكون مجدودًا يناله الحظ بما يشتهي ويتمنى. إن أدركه الحظ لم يؤمن به، ولم يذعن له، وإنما زعم أنه أكفأ الناس، وأذكى الناس، وأحق الناس بالسؤدد والرفعة والرخاء. وإن لم يدركه الحظ ذم الدنيا، ولعن الظروف، وأنكر على المجدودين كل كفاية، ورماهم من العيب بما يكون وما لا يكون.
لا أريد أن أتحدث عن هذه الحظوظ التي تمس الناس، فالحديث عنها لذيذ في نفسه، ولكنه معاد. إنما أريد أن أتحدث عن حظوظ أخرى، ما أرى أنها تخطر لك على بال، وما أرى أنك تهتدي إليها، أو تظفر بها، مهما تفكر وتقدر، ومهما تقلب أمور الأحياء والأشياء، طوال الليالي والأيام. ذلك أني أريد أن أتحدث عن حظوظ الصناديق. ستدهش لهذه الكلمة وسينتهي دهشك إلى شيء من الضحك، يقل ويكثر بمقدار استعدادك، واعتدال مزاجك حين تقرأ هذا المقال. ولكني مصر مع ذلك على أن أتحدث إليك عن حظوظ الصناديق. فهناك صناديق يدركها الحظ، ويبسم لها الدهر، وتسعدها الأيام بالتأييد والعون، فلا يدنو الناس منها، ولا ينظر الناس إليها، ولا يتحدث الناس عنها إلا في حذر واحتياط، وفي تحفظ وتدبر، وفي حساب دقيق، لكل ما يقولون. وهناك صناديق أخرى يتنكر لها الحظ، وتدبر عنها الأيام، وينظر القضاء إليها في شيء من السخرية والإعراض، فإذا الناس ينظرون إليها نظر الطامع، ويدنون منها دنو الراغب، ويمدون إليها أيديهم بالتحطيم والتدمير. وما أظنك فهمت عني إلى الآن ما أريد أن أقول، فأنت تمعن في الدهش، وقد تمعن في الضحك، وقد يغيظك مني هذا التطويل، في غير انتهاء إلى الغاية، فتلقي الصحيفة وتعدل عن قراءة هذا الفصل، إلى قراءة شيء آخر أقل منها لفًّا ودورانًا. وأؤكد لك أني لا أريد أن ألف ولا أن أدور، وإنما أريد أن أتحدث عن صندوقين: أحدهما سعيد مجدود، والآخر شقي منكوب، وكلاهما في القاهرة، وكلاهما يتحدث الناس عنه في هذه الأيام.
فأما أولهما فصندوق الدين العام، وأما ثانيهما فصندوق القبلة القديمة في الأزهر الشريف. أفطنت الآن إلى ما أريد؟ أعلمت الآن أن من الصناديق ما يتاح له البقاء، ومنها ما يُقضى عليه بالفناء! أما صندوق الدين العام، فقد عرضت له اللجنة المالية في مجلس النواب أثناء دراستها للميزانية وكتبت فيه وفيما يحتويه من أموال الدين تقريرًا هو آية بين ما تكتبه اللجان في مجلس البرلمان. آية في الإقدام والإحجام معًا، آية في الرجاء واليأس معًا، آية في الهجوم والفرار معًا، ثم آية في الطلب والرفض وآية في القرب والصد، لا يشبهها أو لا يصورها، إلا قول بشار في صاحبته:
صدّت بخد وجلت عن خد
ثم انثنت كالنفس المرتد
ولو أنك قرأت هذا التقرير البديع، لأعجبك منه ما أعجبني، ولراعك منه ما راعني، فاللجنة تريد أن تعرض لظروف النزاع القضائي السياسي القائم حول مسألة الدين العام، ولكنها لا تريد أن تعرض لها من الوجهة القضائية لتظل أمور القضاء، في حرز حريز، ولا من الوجهة السياسية ليستطيع المفاوض أن يمعن في المفاوضات، وهو هادئ مطمئن، إنما تريد أن تعرض من الوجهة المالية العامة، فتطلب إلى الحكومة ألا تدفع إلا ورقًا، ولك أن تفهم وألا تفهم، هذا شيء لا خطر له. . ولك أن تقول إن موضوع النزاع القضائي والسياسي، هو بالضبط ما تحدثت فيه اللجنة، من وجوب الدفع ورقًا لا ذهبًا. فهذا صحيح، ولكن اللجنة مع ذلك، لم تعرض لهذا النزاع من الوجهة القضائية، ولا من الوجهة السياسية، وإنما طلبت إلى الحكومة، ألا تدفع إلا ورقًا، سواء أقرها القضاء أم لم يقرها، وسواء أقرتها المفاوضات، أم لم تقرها. واللجنة ضيقة بصندوق الدين العام، لأن وجوده لا يلائم السيادة المصرية، ولا يتفق مع الاستقلال، ولا يوافق مقدرتنا المالية، وتأديتنا لما علينا من دين، وإذن فاللجنة تريد أن تطلب إلغاءه ولكنها تحتاط في ذلك أشد الاحتياط، فتطلب إلى الحكومة أن تتهيأ للمفاوضة في ذلك، وتطلب إلى المجلس أن يقر ميزانيته في الوقت نفسه، فهي تلغيه بالقول وتبقيه بالفعل، وهي تغري به، وترغب فيه. وهي تؤلب عليه، وتدعو إلى تأييده، بما يحتاج إليه من المال. ألست ترى أن هذا الصندوق مجدود سعيد حسن الحظ؟!
فدعه ينعم بسعادته وحظه الحسن، وانظر إلى هذا الصندوق الآخر، فسيمتلئ قلبك رحمةً له وبرًّا به وعطفًا عليه. كان قائمًا في هذا المكان المبارك، منذ مئات السنين، ترتفع الأبصار إليه وملؤها الإكبار والإجلال، وتفكر العقول فيه وملؤها العجب والحيرة والدهش، ينظر الناس إليه على اختلافهم، ويتساءلون ما خطبه، ما سرّه، علامَ يشتمل، ثم يجيبهم هذا القدم وما يحيط به من البركة والجلال والإكبار: إن فيه سرًّا مصونًا، هو سر مجد الأزهر ورفعته. لا تقربوه ولا تمسوه، فإنكم إن تفعلوا هدمتم الأزهر هدمًا، وطردتم منه البركة طردًا، ومحوتم كل ما يحيط به من مظاهر العظمة والجلال. ثم يمضي هذا القدم في حديثه، فيقول للناس: لا تسألوا عن هذا الصندوق، ولا عن مادته، ويكفي أن تعلموا أن بين أجزائه قطعة من سفينة نوح، لتمتلئ قلوبكم له حبًّا، ونفوسكم له إكبارًا. ثم يمضي القدم في أحاديث أخرى تستطيع أن تقرأها في الكتب، وأن تسأل عنها شيوخ الأزهريين، أولئك الذين لم يفسدهم العلم الحديث، ولم تغيرهم الحضارة الحديثة، أولئك الذين لا تمتد أيديهم إلى القديم، إلا لتمسه تبركًا به وإعظامًا له. ولكن انظر ماذا أصاب هذا الصندوق في هذه الأيام.
أراد عالم من علماء الآثار – وويل للقدم من علماء الآثار – أن يفضح سرّه ويهتك ستره ويتبين حقيقته، وحقيقة ما فيه. فما هي إلا أن يطلب فيجاب. وما هي إلا أن تمتد يده المدمرة إلى الصندوق المبارك الكريم العتيق، فيزال عن مكانه ثم يفتح ويستخرج ما فيه. فإذا هي صحف من القرآن الكريم، قد كتبت بخط قديم. فأما الصحف فستستقر في مكتبة الأزهر، وأما الصندوق فالله يعلم أين تستقر مادته، وأما القبلة القديمة فستعطل من حليتها، وأما الأزهر الشريف فستنزع منه بركته. لماذا؟ لأن عالمًا من علماء الآثار أراد أن يبحث ويطلع، ويرضي حاجة العلم إلى البحث والاطلاع. ولأن هذا الصندوق الكريم العتيق، قد ساء حظه في هذه الأيام، فاستطاعت الأنظار أن ترتفع إليه بالجشع والطمع، واستطاعت الأيدي أن تمتد إليه بالتحطيم والتخريب. أما صندوق الدين فترعاه المعاهدات، وتصونه حماية الدول الأجنبية، فلا يستطيع أحد أن ينظر إليه، أو يطمع فيه، أو يتحدث عنه، أو يطلب إلغاءه إلا بما يضمن بقاءه، كما فعلت اللجنة المالية حين كتبت تقريرها إلى مجلس النواب.
أراك حزينًا كئيبًا كاسفَ البال، وقد كنت تضحك في أول المقال. أتراك ترثي مثلي لصندوق الأزهر الشريف، وتحسد مثلي صندوق الدين؟ إن كان هذا شأنك، فقد بلغت ما أريد!
ما أجدر صندوق الأزهر بالرثاء، وما أجدر صندوق الدين بالحسد. والأيام دول، لا يداولها الله بين الناس وحدهم، وإنما يداولها بين الصناديق أيضًا.
[طه حسين]
حديث الوادي، ٣ يونية ١٩٣٤.