Tag: Fine Arts Administration

  • في وزارة المعارف عند الوزير

    في وزارة المعارف: عند الوزير

    طه حسين

    جريدة السياسة

    ٥ نوفمبر ١٩٢٣

    لم يكن من المعقول أن أبطئ عن السعي إلى وزير المعارف بعد أن استحدث في وزارته هذه الحركة النافعة التي طالما دعوت إليها وألححت فيها، والتي كنت أدعو إليها وأُلِحُّ فيها دون أن يكون لي في تحقيقها أملٌ عظيم؛ لأني كنت أعلم أن وزارة المعارف أشد الوزارات جمودًا وأقلها ميلًا إلى التطور؛ ولذلك قلت في أول كلمة كتبتُها عن هذه الوزارة إني لا أرجو من هذه الحملة خيرًا عاجلًا، وإنما أعتمد الاعتماد كله على البرلمان، وأكتب ما أكتب تمهيدًا للبرلمان وإعدادًا للرأي العام قبل أن يتناول البرلمان مَسَائِلَ التعليم. كنت أدعو إذن إلى الإصلاح في وزارة المعارف يائسًا من هذا الإصلاح، وجاءت أعمال الوزارة مؤيدة لهذا اليأس. فقد كان يكفي أن تُدعى الوزارة إلى الخير لتعدل إلى الشر أو لتضع أصابعها في آذانها فلا تسمع. وكان إعراض الوزارة عما تُدعَى إليه من الخير لا يزيدنا إلَّا قوة وإلحاحًا في الدعوة، إلى أن جاء وزير المعارف القائم الآن. فكأن في يده عصًا سحرية مسَّ بها هذه الوزارة، فإذا الأمر فيها قد تغير، وإذا الحال فيها قد استحالت، وإذا اليأس منها قد تحوَّل إلى أمل قوي مبتسم. لم يكَد هذا الوزير يصل إلى وزارته حتى انفكت عنها الأغلال، وفتحت أبوابها ونوافذها على مصاريعها؛ فإذا الهواء فيها طلق، وإذا الناس يستطيعون أن يتنفَّسوا دون أن يخشَوْا الاختناق إذا المكتب الفني قد أُنشئ، وإذا مدرسة اللغات القديمة قد أُجِّلت إلى أن يُستشار الفنيون، وإذا الكفايات المضمومة قد أُنصفت، وإذا لجنة التعليم الأولي قد أُضيفت إليها العناصر النافعة القيمة، وإذا المدارس العليا قد ظفرت باستقلالها العلمي، وإذا المدارس العليا التي لا تتبع وزارة المعارف يُراد أن تضم إلى وزارة المعارف، وإذا الأقسام الليلية في المدارس العليا قد أُنشئت وإذا مدرسة المعلمين الثانوية قد أُنشئت أيضًا. كثيرٌ جدًّا كل هذا الإصلاح يقع في أقل من ثلاثة أشهر، ويقع في غير ضوضاء ولا جلبة، وفي غير إعلان ولا خداع للجمهور. أحسن وزير المعارف إلى وزارته، فلم نبخل عليه بالمدح والثناء، كما أننا لم نبخل على غيره بالنقد واللوم. وكنت أشعر بأني مدين لهذا الرجل بعد أن يعود من الإسكندرية، بأن أسعى إليه فأهنئه وأشكر له إقدامه وحرصه على الخير. وقد سعيت إليه صباح اليوم، ولست أريد أن أصِف لطف مقابلته وحُسن حديثه كما يفعل الصحفيون حين يتحدثون إلى الوزراء وأصحاب المكانات، فلم أذهب إلى وزير المعارف صحفيًّا، وإنما ذهبت إليه كما يذهب إليه أستاذ لزيارة وزير التعليم، ولقيني كما يلقى وزير التعليم أحد الأساتذة.

    لم يدع لي من الوقت ما يمكنني من أن أهنئه أو أشكر له حسن سعيه، فهو يعتقد أنه لم يعمَل بعدُ إلَّا قليلًا، وأنه مهما يعمل فلن يتجاوز الواجب، وإذن فلا حاجة إلى تهنئة ولا حاجة إلى شكر.

    ولِمَ ننفق الوقت في التهنئة والشكر، ونحن نستطيع أن نتحدث في غيرهما ممَّا هو أنفع وأجدى؟ نعم لم أكَد أستقر عند وزير المعارف حتى قال: سأفتح لك الحديث، وسأفتتحه بالمسألة التي تعنيني الآن بنوع خاص، وأظنها تعنيك بنوع خاص أيضًا، وهي مسألة الجامعة. فأنت تعلم أن وزارتنا تسعى في أن تضم إليها المدارس العليا التي تتبع وزارة الحقَّانية ووزارة الزراعة، وقد صرَّح المجلس الأعلى في جلسته الأخيرة بأنه إنما يسعى في هذا الضم توطِئةً لإنشاء الجامعة الأميرية التي تحتاج إليها البلاد حاجة شديدة جدًّا، وكلفني أن أعمل لإنشاء هذه الجامعة. وأنا بحكم النظام مضطر إلى تنفيذ قرار المجلس الأعلى. فليست الجامعة الأميرية أملًا ولا خيالًا، وإنما هي فكرة نبدأ في تحقيقها، وأنا أريد أن أشارك رجال الفن في كل ما يمس الفن. وليس إنشاء الجامعة شيئًا قليل الخطر، فلا بدَّ من أن أستعين فيه بالفنيين. وأين أجِد الفنيين القادرين على فَهم هذا الموضوع والمشورة فيه إلَّا في الجامعة المصرية. ففيها أساتذة خبروا الجامعات وعرَفوا نظامها وتعلَّموا فيها وأقبلوا يعلِّمون على نحو ما يعلم أساتذة الجامعات. فليس لي بدٌّ من أن أستشيرهم، وليس لي بدٌّ من أن أستعين بهم.

    وقد تحدثت في هذا الموضوع إلى زميلك الأستاذ الدكتور ضيف، وأنا سعيد بأن أتحدث فيه إليك الآن. ثم لم يدع لي وزير المعارف من الوقت ما يُمكِّنني من أن أشكر له حسن ظنِّه بالجامعة وأساتذتها، بل أسرع فسألني: أتظن أن من العسير أن نتخذ الجامعة المصرية كما هي الآن نواة للجامعة الأميرية؟ فأنت تعلم أن هذه مشكلة تحتاج إلى حل، فنحن مضطرون إلى إنشاء الجامعة الأميرية، وإذا لم نتعاون مع الجامعة المصرية فسيكون تنافس طبقي بين الجامعتين.

    وأحسب أن جامعة الحكومة أقدر على المنافسة من الجامعة المصرية، وعزيز علينا أن يتعرض عمل وطني كالجامعة المصرية لخطر هذه المنافسة. فهل تظُنُّ أن هناك ما يمنع من التعاون بين الجامعة والوزارة حتى يصبح قسم الآداب القائم في الجامعة المصرية الآن نواةً للجامعة الأميرية التي نريد إنشاءها؟

    – لا أظن أن هناك ما يمنع من هذا. فأعضاء إدارة الجامعة وأساتذتها لا يريدون إلَّا نشر العلم وتأييده، وهم يطلبون المعونة من كل قادرٍ عليها، فإذا تقدمت إليهم وزارة المعارف بهذه المعونة فضمنت لتعليمهم العالي أن يُنشر وينتج، فلن يتقدموا إلى وزارة المعارف إلَّا بالشكر والثناء.

    – وعلى أي نحو تظن أن من الممكن هذا التعاون؟

    – على نحو سهل، وهو أن تحتفظ الجامعة باستقلالها العلمي كما تحتفظ به المدارس العليا في عهدكم، وأن يكون لها مجلس إدارة تشترك فيها وزارة المعارف، وأن تعترف الوزارة بشهادة الجامعة، أو على أن تصبح شهادة الجامعة شهادة من الوزارة.

    قال الوزير: إذا كان الأمر كذلك فأنا أعتقد أن تحقيقه ميسور، وسأمضي في الاستشارة حتى إذا فرغت منها عمدت إلى العمل.

    ثم سألت الوزير كيف يتصور الجامعة الأميرية؟ وإنما ألقيت عليه هذا السؤال لأني كنت أعلم أن وزارة المعارف كانت تتصور الجامعة الأميرية تصوُّرًا عقيمًا، فنرى أنها تستطيع أن تتكونها بجمع المدارس العالية من حيث مدارس عالية. فلما أجابني الوزير لم يزِدْني جوابه إلا اطمئنانًا وإعجابًا، فهو يتصور الجامعة كما يتصورها الناس في البلاد الحرة الراقية التي تفهم التعليم حقًّا. يتصوَّرها مؤلَّفة من أقسام أربعة: قسم الآداب، وقسم العلوم، وقسم الطب، وقسم الحقوق. وهو يعتزم أن ينشئ قسمي الآداب والعلوم، ولا يفكر في أن يضم مدرسة المعلمين إلى الجامعة؛ لأن مدرسة المعلمين بطبيعتها كمدرسة الهندسة ومدرسة الزراعة، مدارس خاصة يُقصد بها إلى الحياة العملية أكثر ممَّا يُقصد بها إلى العلم النظري الخالص. ثم انتقلت من موضوع الجامعة إلى موضوع آخر هو موضوع مجلس المعارف الأعلى. لم أكَد أذكر له مجلس المعارف الأعلى حتى قال: أنا أعرف رأيك فيه، وقد أخالفك بعض المخالفة، فأنت تريد أن يكون عدد الأعضاء في هذا المجلس أربعين، ولست أدري لِمَ تستمسك بهذا العدد!

    قلت: إني لا أستمسك بعدد معين، وإنما أستمسك بنظرية أعتقد أنها صحيحة، وهي أن يكون هذا المجلس ممثَّلًا تمثيلًا صحيحًا لطبقات التعليم على اختلافها من جهة، ولرجال الفن المشتغلين بالتعليم من جهة أخرى. فإذا تحققت هذه النظرية فسواء عليَّ أبلغ عدد المجلس خمسين أم ثلاثين.

    قال الوزير: إذن فنحن متفقون، فليس من شك في أن مجلس المعارف الأعلى على صورته الحاضرة قد أدَّى للتعليم خدمات عظيمة جدًّا منذ أُلِّف إلى الآن، ولكن الحياة المصرية قد تغيرت، ولم يبقَ بدٌّ من أن يكون هذا المجلس ملائمًا للحياة الجديدة والحاجات العلمية الجديدة، بحيث يمثل التعليم وفروعه أكثر مما يمثل فروع الحكومة ومصالحها. ولست أتردد في أن أعلن إليك أني سأجتهد في أن يكون مجلس المعارف الأعلى كما نحب جميعًا صورة صحيحة لفروع التعليم على اختلافها.

    ثم انتقلت من هذا الموضوع إلى موضوع آخر طالما ألححتُ فيه، وهو إنشاء إدارة في وزارة المعارف للفنون، تجمع إليها المتحف المصري ودار الآثار العربية ومدارس الفنون على اختلافها والأوبرا الملكية، وتشرف على الموسيقى والتمثيل وغيرهما من الفنون الجميلة. فإذا الوزير يرى هذا الرأي ويعمل له، ويرى أن هذا الرأي لا بدَّ من تحقيقه؛ لأن الشعور بالحاجة إليه قوي ظاهر، وهو قد أحس قوة هذا الشعور غير مرة، ولكنه لم يتجاوز التمهيد لهذا الأمر. فقد أوفدت وزارة المعارف أستاذًا يدرس حال الفنون الجميلة في أوروبا، وعاد هذا الأستاذ وسيرفع تقريره إلى الوزير، فإذا قرأ الوزير هذا التقرير واستشار أهل العلم في هذا الموضوع، فسيبدأ في تحقيقه دون بطء.

    قلت: وهل تسمح بأن أذيع عنك كل ما تحدثت به إليَّ؟ أجاب الوزير: وكيف لا أسمح به وقد تحدثت به إليك؟ وأنا أعتقد أن قد انقضى في وزارة المعارف عصر التكتُّم والتحفُّظ، فإن أعمالنا كلهم تهم الجمهور وتعنيه. وما دام البرلمان لم ينعقد بعدُ فنحن مكلَّفون أن نُظهِر الجمهورَ على ما نعمل وعلى ما نريد أن نعمل، لنشعر بإرشاده ومراقبته. والصحف هي الواسطة الوحيدة بيننا وبين الجمهور، فلك إذن أن تذيع هذا الحديث، وأن تتناوله بما شئت من نقد. وللناس جميعًا أن يتناولونا بما يشاءون من النقد، وأن يقدموا إلينا ما يشاءون من النصيحة والاقتراح، فسنقدِّر هذا كله حق قدره.

    أعترف بأني لم أحسن شكر الوزير على هذا التصريح الأخير؛ لأني اعتقدت — وما زلت أعتقد — أن نشر هذا التصريح هو أحسن شكر لقائله.