عجز
لو أنه ظهر على أي وزارة من الوزارات في أي بلد من البلاد الحرة لما استطاعت أن تبقى ولا أن تسيطر على تصريف الأمور، ولكنه في مصر سبب من الأسباب التي تمد حياة الوزارة القائمة، وتطيل بقاءها. ولعله أن يكون السبب الأول لما تستمتع به الوزارة من حياة متصلة، وبقاء طويل. فلو قد كان لهذه الوزارة حظ من قوة أو نصيب من قدرة أو استعداد للحزم ومضاء العزم ومقاومة الأجنبي والذود الصحيح عن المنافع المصرية لضاق بها مؤيدوها من الإنجليز وأصدقاؤها من الأجانب ولتألب عليها أولئك وهؤلاء، ولخلقوا لها المصاعب وبثوا أمامها العقاب، واضطروها إلى أن تستقيل. ولكنهم – والحمد لله على الخير والشر – راضون عنها كل الرضا، مغتبطون بها كل الاغتباط. فمن الطبيعي أن يحرصوا عليها كل الحرص، وأن يحوطوها بالعناية والرعاية ويقرأوا عليها العزائم ويهيئوا لها التمائم كلما اشتد بها الضعف أو تعرضت لخطر السقوط. وماذا يكرهون من وزارة نهضت فيما يقال لحماية مصر وتحقيق منافعها، والذود عن مرافقها بإزاء الأجانب قبل كل إنسان فلم تستطع أن تحتفظ لها من دون الأجانب بشيء، ولم تستطع أن ترد عنها عادية ولا أن تصرف عنها مطمعا. وإنما حققت للأجانب وما زالت تحقق لهم ما أرادوا وعجزت كل العجز عن أن تحقق لمصر مصلحة ما عند الأجانب هؤلاء.
دارت وأطالت الدوران حول وزارة الخارجية البريطانية لتظفر بالمفاوضة فلم تجد إلا ردا كان رفيقا أول الأمر، ثم أخذ يشتد شيئا فشيئا حتى انتهى إلى العنف وأصبح أشبه شيء بإغلاق الأبواب في الوجوه. وثارت بعض المسائل بينها وبين الإنجليز فلم تستطع فيها إلا التسليم المطلق، والإذعان الذي لا حظ فيه لمقاومة أو ثبات. وثارت بعض المسائل بينها وبين غير الإنجليز من الأجانب فلم يكن موقفها منهم خيرا من موقفها من الإنجليز، وهي مع ذلك فيما تزعم وزارة العزة والكرامة، ووزارة الإباء والاستقلال. وإن المصريين ليشهدون موقفها من مسألة الدين منذ ثارت فيستحون لها ويستحون لأنفسهم من هذا الضعف الذي لا يليق بوزارة تشعر لنفسها بشيء من الكرامة في هذا العصر الحديث.
أعلنت منذ ثارت مسألة الدين أنها لن تؤدي إلا ورقا، وكان من الحق عليها لنفسها ولمنفعة البلاد التي جعلت الظروف أمرها إليها أن تتبع هذا القول بالعمل، وأن تجعل الأداء بالورق أمرا واقعا لا يحتمل جدالا ولا نزاعا. ولكنها لم تصنع شيئا وما كان لها أن تصنع شيئا وليس لها حظ من قوة ولا نصيب من قدرة على المقاومة والثبات للأجنبي.
لم تصنع شيئا – نستغفر الله – بل صنعت ما يجعل إعلانها عبثا من العبث، وكلامها لغوا، لا يخيف ولا يفيد. قبلت الخصومة أمام المحاكم المختلطة وهي تعلم حق العلم، وتصيح ما وسعها الصياح أن هذه المسألة لا تصلح موضوعا للخصومة أمام المحاكم ولكنها على ذلك قبلت هذه الخصومة ومضت فيها. والغريب أنها مضت في هذه الخصومة ومضت في الوقت نفسه في مفاوضات سياسية فأتاحت للدول أن تقول لها: لم لا تنتظرين حكم القضاء؟ ثم قضت عليها المحاكم فمضت في الخصومة واستأنفت ومضت أثناء ذلك في المفاوضات وأتاحت للدول أن تقول لها مرة أخرى ولم لا تنتظرين حكم القضاء؟ ولا سيما وقد ظهر الحكم الابتدائي مؤيدا لرأينا مغنيا لنا على ما نريد.
كذلك أوحت إليها الكفاية الخارقة والمهارة البالغة والبراعة الفائقة في تصريف أمور السياسة والمال جميعا أن تقول ولا تفعل، وأن تعد ولا تفي، وأن تخاصم أمام القضاء وتزعم أنها لن تنفذ أحكام القضاء، وأن تذهب إلى المحكمة وتذهب في الوقت نفسه إلى وزارات الخارجية. مواقف أقل ما توصف به أنها متناقضة مضطربة لم تصدر عن خطة مستقيمة واضحة وإنما صدرت عن حيرة وتردد وعجز.
وهذه المفاوضات لقد طالت ويظهر أنها ستطول وستسرف في الطول. بدئت في مصر واستمرت في أوروبا حين سافر رئيس الوزراء في العام الماضي للرياضة والراحة، ثم اتصلت في مصر، ثم استمرت في أوروبا حين وفد كبير المستشارين الملكيين إلى إيطاليا وفرنسا وإنجلترا، ثم اتصلت في مصر واستمرت في باريس حين سافر مدير البنك العقاري إليها ثم اتصلت في باريس حين ذهب رئيس وزرائنا ليستشفى ويستريح، ثم استؤنفت في لندن والله يعلم متى تنتهي وإلى أي نتيجة تنتهي، ولكن الشيء الذي لا يقبل شكا ولا جدالا هو أنها لن تنتهي إلى ما يحقق المنفعة المصرية أو يحفظ الكرامة المصرية. فإن المفاوضة في هذه المسألة معناها المساومة، معناها الأخذ والعطاء، معناها أن تنزل مصر عن بعض حقها وينزل الأجانب عن بعض ما يزعمون لأنفسهم من حق فيلتقي المختصمون في وسط الطريق، وقد كان يجب ألا تنزل لهم عن شيء.
كان يجب ذلك لو أن في مصر وزارة قوية قادرة على أن تقول فتعمل وتعد فتفي، وتريد فتنفذ ما تريد. ولكن في مصر – والحمد لله على الخير والشر – وزارة قوية مسرفة في القوة بالقياس إلى المصريين، ضعيفة مسرفة في الضعف أمام الأجانب. ولذلك لا تريد هذه الوزارة من المصريين شيئا إلا جدت في تنفيذه، وأنفقت من الجهد ما يطاق وما لا يطاق، وانتهت أحيانا إلى أن تثير الضحك والابتسام. فإذا أرادت من الأجانب شيئا فسل عن اللين والرفق، وسل عن الظرف واللطف، وسل عن الخفة والمجاملة، ثم سل بعد ذلك عن الإذعان والتسليم.
ولو أن وزارتنا اصطنعت مع المصريين بعض ما تصطنع مع الأجانب من الظرف والمجاملة لهان احتمالها بعض الشيء ولكن أنى لها ذلك، وهي إن فعلته عرضت نفسها للفشل وخطر الاستقالة. لو أنها صبرت وصابرت في أمر جبل الأولياء، لو أنها تمهلت واصطنعت الأناة في أمر بحيرة تانا، لو أنها فكرت وتروت في غير هذين الأمرين من أمور الشركات، لو أنها تريثت في أمر التعليم لأمكن احتمالها بعض الشيء ولكنها متعجلة شديدة التعجل حين تطلب إلى المصريين شيئا وهذا معقول فليس للمصريين من القوة والبأس مثل ما للأجانب وليس المصريون قادرين قدرة الأجانب على إحراج الوزارة واضطرارها إلى ترك الحكم. فمن الحق على الوزارة أن تحاسن الأجانب وتخاشن المصريين. والإنصاف يقضي بأن نسجل لها أنها قد بلغت من ذلك أقصى ما تريد، وظفرت للأجانب من المصريين بكل شيء، ولم تظفر للمصريين من الأجانب بشيء. وستنتهي مسألة الدين هذه إن مدت للوزارة أسباب الحياة إلى ما لا يحب المصريون. وستؤدي مصر ذهبا أو ستؤدي مصر ورقا بشرط أن ترفع الفوائد ويعوض على الأجانب بعض ما يخسرون من العدول عن الذهب في الأداء.
وليس للمصريين أن يقولوا شيئا ولا أن ينكروا شيئا فقد أنعم الله – عز وجل – عليهم بأعظم الوزارات حظا من القوة والكفاية وأوفرها نصيبا من الرفق بهم والعطف عليهم والرعاية لمصالحهم. فمن قال غير هذا فقد ألغى عقله وتعلق بالأماني والآمال.
وأي غرابة في هذا؟ أليس من الواجب على المصريين أن يؤمنوا بأن لهم وزارة تدبر أمورهم وتشرف على منافعهم وإن كان رئيسها عاجزا عن تصريف الأمور وتدبيرها منذ أشهر طوال، وسيظل عاجزا عن تصريف الأمور أشهرا أخرى، وهو يستشفى في القاهرة، ويستشفى في فرنسا، ويستشفى في سويسرا دون أن يجد أحد بذلك بأسا، لأن الأمور تجري هادئة مطمئنة، لا عوج فيها ولا اضطرابا. وإذا كان العجز السياسي المطلق لم يضطر رئيس وزرائنا إلى أن يستقيل، ولم يضطره العجز المادي إلى أن يستقيل؟ ومن يدري؟ لعل قوما يرون من الخير ألا تكون لمصر إلا وزارة صورية يختلف فيها الوزراء إلى الدواوين ويجلسون إلى المكاتب ولا يعملون شيئا. من يدري؟ لعل قوما يرون في هذا خيرا لأنه يقضي لهم المآرب ويحقق لهم المنافع ولا يكلفهم احتمال التبعات ولكن هذه التبعات قد تكون ثقيلة خطيرة في يوم من الأيام حين يفسد كل شيء ولا بد من أن يفسد كل شيء إذا حكمت مصر على هذا النحو الذي تحكم عليه الآن، وأهملت مرافقها على النحو الذي تهمل عليه الآن، وظل العجز السياسي والمادي قواما لحياة وزرائها كما هو الآن.
يومئذ يفكر الذين يرضون عن حالنا الحاضرة فلا يجدون فائدة للتفكير. ويومئذ يقدرون فلا يجدون نفعا للتقدير. ويومئذ يلتمسون الإصلاح فلا يجدون إليه سبيلا. والله وحده قادر على أن يعصم مصر من أن تصل من السوء إلى هذه المنزلة فيلهم رئيس الوزراء، أو يلهم من ينصح لرئيس الوزراء بأن يستقيل قبل أن يأتي يوم لا تنفع فيه استقالة ولا إقالة.
كوكب الشرق ٨ – ٧ – ١٩٣٣
Tag: foreign debt
-
عجز
-
غموض
غموض
كان الناس يتهامسون في الأسبوع الماضي بأن شيئًا جديدًا قد طرأ في مسألة الدين، وأداء فوائده ذهبًا أو ورقًا. وكانوا يتهامسون بألوان من الأحاديث في تفسير هذا الشيء الطارئ، وأشرنا نحن إلى هذا كله حين أخذنا الوزارة القائمة بالمواقف المريبة التي تقفها بإزاء المفاوضات والامتيازات والدين. ولم نرد أن نفصّل، ولم نرد أن نبسط القول، فقد زعموا أن من الحق على الصحف إذا عرضت لبعض المسائل السياسية الخارجية أن تصطنع الدقة وتحرص على الاحتياط، وألا تقول كل ما تعلم حتى لا تُحرج الذين يشتغلون بهذه السياسة الخارجية، ولا تُثير من المشكلات ما لا خير في أن يُثار.
لذلك لمحنا ولم نصرّح، وأجملنا ولم نفصّل، وقدّرنا أن في هذا التلميح ما يكفي. ولكن يظهر أن «الأهرام» تريد أن تخطو خطوة أوسع من خطوتنا نحن؛ فهي تلمح أيضًا، ولكن تلميحها أقرب إلى التصريح، وهي تُجمل ولكن إجمالها أدنى إلى التفصيل.
وهي تُحدّثنا صباح اليوم بأن مسألة الدين قد طرأ عليها تعقيد سياسي له قيمته وخطره. فالظاهر أن المندوب السامي قد ذهب إلى لندرة ليُقنع حكومته بمعونة مصر في ألا تدفع ذهبًا. وكانت حكومته قد أظهرت استعدادها لهذه المعونة، وموافقتها على وجهة النظر المصرية. والظاهر أيضًا أن إيطاليا قد أظهرت ميلًا إلى إجابة مصر إلى ما تريد. وإذن لم تبقَ إلا دولة واحدة هي التي لم تغيّر موقفها، وهذه الدولة هي فرنسا.
والأهرام تتساءل عن الأسباب التي تدعو فرنسا إلى التشدد في موقفها هذا، وتمنعها أن تُظهر لمصر ما أظهرته دائمًا من المودة وحسن الاستعداد لتوثيق الصلات بينها وبيننا على قاعدة التعاون الصادق الخالص من الشوائب بمقدار ما تستطيع الصلات السياسية بين الأمم أن تخلص من الشوائب.
وتحاول الأهرام أن تُجيب عن هذا السؤال، فلا تُصدّق أن فرنسا تتشدّد في موقفها لأن الفرنسيين الذين يملكون السندات المصرية كثيرون جدًّا، وتلاحظ الأهرام—ولها الحق—أن منفعة فرنسا إنما هي في حسن الصلة بينها وبين مصر، وفي المحافظة على تقاليدها في معاملة مصر، وفي الظفر بما ظفرت به دائمًا من حب المصريين لها، وإيثارهم إياها بالمودة حين يُقيمون في بلادهم، وبالزيارة حين يرحلون عنها.
وإذن فليس هذا السبب هو الذي يضطر فرنسا إلى أن تتشدّد في موقفها بإزاء مسألة الدين، ويكون حظها من حسن الاستعداد أقل من حظ إنجلترا وإيطاليا، فيجب أن يكون هناك سبب آخر. وهذا السبب تستنتجه الأهرام بالظن والحدس، ونريد نحن أن نستنتجه بالظن والحدس أيضًا كما فعلت الأهرام، لأن الظن والحدس هما أقرب وسائل الاستنتاج وأصدقها في مثل هذه المسائل.
وهو أن فرنسا ليست قليلة الحظ من حسن الاستعداد بالقياس إلى مصر، ولعلها شديدة الحرص جدًّا على أن تحتفظ بتقاليدها، وتؤثر حب المصريين ومودّتهم على هذه المبالغ المالية اليسيرة التي لا تُلائم حقًّا ولا عدلًا.
ولعلها كانت تريد أن تقبل وجهة النظر المصرية، ولكنها على أن تقبلها هي، وعلى أن تُسدي هي إلى مصر هذا الصنيع، وعلى أن يشعر المصريون شعورًا واضحًا بأنها قد آثرت مودّتهم على منفعة فريق من أبنائها.
فأما أن تغيّر موقفها لأن الإنجليز أرادوا ذلك، وأشفعوا فيه، فتخسر هي من الناحية المادية، ولا تربح شيئًا من الناحية المعنوية، ويستأثر الإنجليز بهذا الربح المعنوي، ويعتقد المصريون أن إنجلترا هي التي وضعت عنهم ثقل الدفع ذهبًا، فذلك شيء تنفر منه فرنسا ولا ترضاه، لا لكرامتها ولا لما تريده لأعمالها من حسن الموقع في نفوس المصريين.
وتدافع الأهرام بعد ذلك عن توسط الإنجليز بما ليس يعنينا أن نقف عنده الآن. إنما الذي يعنينا هو أن تحرج فرنسا من أن تُسدي إلى مصر صنيعة بإرادة الإنجليز أو بشفاعتهم، أمر قد تحدّث فيه الناس منذ أيام، وكرهنا نحن أن نفصّل القول فيه. وما كنا لنعود إليه لولا أن استنتجته الأهرام صباح اليوم بالظن والحدس والتخمين كما تقول.
ومن المعقول جدًّا أن تجد دولة عظيمة كفرنسا مثل هذا الحرج، ولكن من المعقول أن يتساءل الناس عن الذي اضطر فرنسا إلى هذا الحرج. فالمعروف أن الإصبع الإنجليزية لا تدع أمرًا من أمور السياسة الخارجية المصرية إلا مسته ولعبت فيه. والمعروف أن فرنسا وغيرها تعلم هذا حق العلم، وتعلمه بنوع خاص منذ سنة ١٩٠٤، وتعلمه بنوع أخص منذ أرسلت إلى الدول تبليغها بعد صدور تصريح فبراير ١٩٢٢.
وإذن فأيّ شيء جدّ في الأمر؟ أهي حكومتنا التي لم تُحسن تصريف هذا الأمر الدقيق، ومراعاة ما يحيط به من الظروف، فاضطربت فيه اضطرابًا مريبًا، أظهرت للفرنسيين استقلالًا لم تستطع أن تحتفظ به وتمضي فيه، وأظهرت للإنجليز تهالكًا لم تستطع أن تخلّص منه أو تتراجع عنه؟ فصدقها الفرنسيون وهمّوا أن يعاملوها معاملة الحكومة المستقلة، وأسرع الإنجليز فاستغلوا تهالكها عليهم، وإسرافها في الاستعانة بهم، ونشأ عن هذا الموقف المريب ما كان موضوع حديث الناس منذ أسبوع، وما استنتجته الأهرام بالظن والحدس والتخمين صباح اليوم.
أم هو شيء آخر لم يصل إليه حظ الأهرام من الظن والحدس والتخمين؟ قد يكون هذا وقد يكون ذاك، وكلاهما يُحزن، وكلاهما يسوء.
ولكن وراء هذا وذاك شيئًا لا يُحزن ولا يسوء، بل يسرّ ويرضي، وهو أن موقف الأمة المصرية بإزاء مسألة الدين قد أحدث آثاره الطبيعية، فأخذت الدول تُظهر استعدادها لقبول الرأي المصري، وكلها يحرص على أن يشعر المصريون منها بحسن هذا الاستعداد.
ووراء هذا وذاك شيء آخر، هو أن من الخير أن تتخذ الحكومة في السياسة الخارجية طريقًا واضحة، وخطة صريحة جليّة، لا يظهر فيها عوج ولا التواء. فقد يدعو فساد الظروف السياسية الداخلية للحكومة إلى أن تدور وتضطرب، فتمضي حينًا وترجع حينًا، وتمضي مرة ذات اليمين وأخرى ذات الشمال، وتسرف مرة في القوة، ومرة في الضعف، وتصانع مرة، وتصارح مرة أخرى. كل هذا يحدث—مع الأسف—وكل هذا يمكن تفسيره وتأويله في السياسة الداخلية.
أما في السياسة الخارجية فشرّه إن حدث عظيم، لأن السياسة الخارجية لا ينبغي أن تعتمد على مداورة الأحزاب، ولا مصانعة الأصدقاء ومدافعة الخصوم.
وسواء أصحّت كل هذه الأحاديث أم لم تصح، فإن الذي يُلاحظ دائمًا على سيرة وزارتنا القائمة في مسائل السياسة الخارجية هو أنها لا تخلو من غرابة، وإيثار للغموض والإبهام.
والواقع أننا لم ننتظر خيرًا منذ ارتحل رئيس الوزارة إلى أوربا، فأخذ يظهر في سياحته تلك بهذه المظاهر الفخمة الضخمة التي هي أشبه شيء بالإعلان التجاري منها بالزيارات السياسية.
لم ننتظر خيرًا من هذا الإعلان، بل توقّعنا منه شرًّا كثيرًا. فقد يكون من الحسن أن يظهر رئيس وزرائنا في إيطاليا وفرنسا مظهر رئيس الوزراء لبلاد مستقلة حقًّا، ولكن على شرط أن يجد من نفسه القوة على أن يظل كذلك، وبشرط ألا يستحيل هذا الاستقلال متى وصل رئيس الوزراء إلى جنيف، فأخذ ينتظر وزير الخارجية الإنجليزية، ويصطنع المقبول وغير المقبول من الوسائل ليظفر برؤيته والتحدّث إليه، ثم إذا عاد إلى القاهرة اتخذ المقبول وغير المقبول من الوسائل ليُظهر أنه متمتع بعطف وزير الخارجية الإنجليزية.
هذا التناقض نفسه مريب، وهو إن كان مريبًا بالقياس إلى المصريين—مع أنهم يعلمون من أمر رئيس الوزراء ما يعلمون—فهو أكثر ريبة بالقياس إلى الأجانب الذين إن عرفوا شيئًا فقد تخفى عليهم أشياء.
لقد زار رئيس وزرائنا روما وفرنسا، وتحدّث إلى الحكومتين الإيطالية والفرنسية في مسألة الدين حديث الوزير المستقل، ولكنه لم يلبث أن ذهب إلى جنيف فدار حول وزير الخارجية الإنجليزية دوران الوزير غير المستقل، ثم عاد إلى القاهرة وإذا الإنجليز يتوسطون عند فرنسا وإيطاليا فيما كان يُحدّثهما فيه رئيس الوزراء من غير واسطة.
فإحدى اثنتين: إما أن يكون رئيس وزرائنا مستقلًّا فيسير سيرة المستقلين، أو تابعًا فيسير سيرة التابعين.
أما الاضطراب بين هاتين السيرتين فهو الذي لا خير فيه، وهو الذي يُثير الريب والشكوك، ويملأ الجو بهذه الأحاديث التي أفاض الناس فيها منذ أيام، والتي استنتجتها الأهرام بالظن والحدس والتخمين صباح اليوم، والتي لا تفيد أحدًا من الأجانب ولا من المصريين.
كوكب الشرق ٢ – ٤ – ١٩٣٣