Tag: Foreign Intervention

  • شراء الشعوب

    شراء الشعوب

    طه حسين

    جريدة الجمهورية

    ١٥ يناير ١٩٥٧

    والمشتري بالطبع هي الولايات المتحدة الأمريكية، والشعوب التي تراد على أن تبيع نفسها والتي يساومها المشتري فيما يمكن أن تطلب من ثمن، هي شعوب الشرق الأوسط. ولن يكون هذا البيع حرًّا، ولكنه سيكون محاطًا بكثير من الترغيب وبكثير من الترهيب أيضًا. فالدولة المشترية هي أغنى دول الغرب الديمقراطي وأقواها، أموالها لا تُحصى، وقوتها لا تُقاوم ولا تُطاق. والشعوب التي يمكن أن تبيع نفسها فقيرة وضعيفة بالقياس إلى دول الغرب كلها، فضلًا عن هذه الدولة الغنية كأوسع ما يكون الغنى، القوية كأشد ما تكون القوة.

    هذه هي الخلاصة الدقيقة للاقتراح الذي يعرضه رئيس الولايات المتحدة على البرلمان الأمريكي مجتمعًا أو مفترقًا، أو يطلب مزيدًا من المال ليستطيع مساومة الشعوب في الشرق الأوسط في استقلالها وحريتها أو في حياتها إن شئت، فالشعوب التي تفقد استقلالها وحريتها إنما تفقد حياتها الصحيحة بأدق معاني هذه الكلمة وأعمقها وأوسعها.

    والرئيس الأمريكي لا يطلب المزيد من المال فحسب، وإنما يطلب الإذن له في استعمال القوة إن احتاج إليها، فقد ينبغي أن يكون الترغيب مصحوبًا بالترهيب، وقد ينبغي كذلك ألا ينقق المال على معونة الشرق الأوسط في غير طائل وأن يعود هذا المال على من ينفقه بشيء من الربح؛ لأن إنفاق المال في غير طائل سرف وسفه وتبذير، والمبذرين هم إخوان الشياطين، وما ينبغي لدولة مسيحية مؤمنة أن يكون بينها وبين الشياطين إخاء أو حلف.

    وكذلك ترى الإنسانية لأول مرة في تاريخها — إن ظفر الرئيس الأمريكي من برلمانه بما يريد — فنًّا جديدًا من فنون الاستعمار. وليكن الفن الثالث من فنونه بعد أن مضى الفن الأول إلى غير رجعة، وأوشك الفن الثاني أن يمضي إلى غير رجعة أيضًا.

    فقد عرف التاريخ القديم نوعًا من الاستعمار كانت له بقية في أول هذا العصر الحديث، وهو أن تعمد دولة قوية إلى شعب ضعيف فتسحقه سحقًا وتمحقه محقًا، تقتل القادرين من رجاله ونسائه على حمل السلاح، حتى تفنيهم عن آخرهم، وتستعبد الصبية والضعفاء، وتستأثر بالأرض والثروة من دون أصحابهما، وتنشئ مكانهم دولة متحضرة قوية تنعم بالسعة والثراء.

    كذلك فعل اليونان حين استعمروا بعض الأرض في آسيا الصغرى وفى إيطاليا، وفعل شيئًا من ذلك الأوروبيون في أول عهدهم بالاستعمار. ثم تقدمت الحضارة واستكشف العلم وارتقى العقل ورقت القلوب وسَمَت الأخلاق؛ فعرف التاريخ نوعًا ثانيًا من الاستعمار، وهو أن تعمد دولة غنية قوية إلى شعب فقير ضعيف، فلا تسحقه ولا تمحقه ولا تبيده؛ وإنما تفرض عليه سلطانها فرضًا، وتقهره بقوتها وبأسها على أن يكون لها عبدًا مطيعًا تسخره فيما تشاء وتستأثر من دونه بما يملك من سعة وثراء، وتزعم له مع ذلك أنها لا تريد استذلاله ولا استغلاله، وأنها تريد أن تحرره وتحضره وتمهد له إلى الرقي سبيلًا. وهذا فن جديد من الاستعمار تخترعه الولايات المتحدة الأمريكية في هذه الأيام، وهو فن يسير كل اليسر، فشعوب الشرق الأوسط تحب الاستقلال وتريد أن تتمسك به وتحرص عليه، وهي تطمح إلى الرقي وتريد أن تبلغ منه أقصى ما تستطيع؛ فلتعرض عليه الولايات المتحدة الأمريكية حماية استقلاله حتى لا يُغِير عليه الشيوعيون، ولتعرض عليه كذلك ما يحتاج إليه من المال ليستكشف ما في أرضه من ثروة، وليستثمر هذه الثروة ويشتري ما قد يحتاج إليه من وسائل الغنى والقوة من حيث يشاء ومن الولايات المتحدة الأمريكية خاصة، والمهم ألا يشتريها من الشيوعيين.

    ومعنى هذا كله أن الولايات المتحدة الأمريكية — إن أجاز البرلمان للرئيس ما يريد — ستعرض على الشعب في هذا الجزء من الأرض شراء استقلاله وحريته لا أكثر من ذلك ولا أقل. فالشعب الحر المستقل حقًّا هو الذي يملك أمر نفسه ويدبره كما يشاء ويتصرف فيه كما يحب، يلزم الحياد إن أراد الحيدة، ويحالف من الدول أية دولة يشاء دون أن يحول بينه وبين ذلك حائل، ويشتري ما يحتاج إليه من وسائل القوة والغنى والرخاء من حيث يريد هو لا من حيث يُراد له ويُفرض عليه.

    والشعب الحر المستقل حقًّا هو الذي يقيم حياته كما يريد هو لا كما يُراد له، يختار لنفسه من النظم الاجتماعية والسياسية ما يشاء، لا يمنعه من ذلك مانع أجنبي مهما يكن، ولا يصده عن ذلك صاد أجنبي مهما تكن قوته ومهما تكن ثروته ومهما يكن مذهبه السياسي أو الاجتماعي.

    وليس استقلالًا صحيحًا هذا الذي يمكن أن يتعرض للخطر أو رهبة، ولن يحميك من الذل من جاء يبيع لك العزة بالمال، فعزةُ الشعوب لا تُشترى من الأجنبي، وهي لا تأتيها من خارج وإنما تأتيها من أنفسها؛ تنبع من أرضها وتجري في عروق أبنائها، وتسيطر على قلوبهم وعقولهم وملكاتهم كلها.

    وهب أن دولة من الدول الشيوعية عرضت على الشرق الأوسط مثل ما يريد أن يعرضه رئيس الولايات المتحدة من الحماية والمال، وتصور نتيجة هذا العرض الذي يأتي من دولتين مختصمتين، وافترض أن شعبًا من شعوب الشرق الأوسط قد قَبِل هذا العرض من الدولة الشيوعية، وأن شعبًا آخر من شعوبه قَبِل هذا العرض نفسه من الولايات المتحدة الأمريكية، وقدِّر ما سيكون لذلك من آثار.

    سيكون هذا الشرق الأوسط ميدانًا للتنافس أولًا ثم للحرب آخر الأمر، وسيصبح استقلاله وحريته لعبة بين الدولتين المختصمتين، وسيتعرض أهله وما يملكون من ثروة وأرض وما يديرون في أنفسهم من آمال وما يتمنون لأنفسهم من ثراء ونعيم؛ سيصبح هذا كله وقودًا للحرب بين هاتين الدولتين المختصمتين.

    ولست أعجب لشيء كما أعجب لأن الرئيس الأمريكي لم يفكر في أن روسيا السوفييتية تستطيع أن تعرض على الشرق الأوسط مثل ما يعرض عليه، وأن اقتراحه هذا ليس وسيلة إلى السلم وإنما هو وسيلة إلى الحرب.

    وشر من هذا كله أن الرئيس الأمريكي لا يريد أن يعرض على شعوب الشرق الأوسط أن يحميها من العدوان، مهما يكن مصدره من عدوان الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي على السواء. إذن لكان لاقتراحه حظ من منطق ونصيب من استقامة ظاهرة تصلح للإغراء، وإن كانت الشعوب الحرة المستقلة حقًّا تكره الحماية الأجنبية وتأبى إلا أن تحمي نفسها بنفسها.

    ولكن الرئيس يعرض حماية الشرق الأوسط من الشيوعية، وما نعلم أن دولة شيوعية قد اعتدت على الشرق الأوسط أو أنذرته بالعدوان. ولكنا نعلم أن حلفاءه من دول الغرب الرأسمالي قد اعتدوا بالفعل على مصر أمس، وهم يعتدون على اليمن والجزائر بالفعل اليوم، وهم يستذلون شعب العراق على رغمه، وهم يدبرون العدوان على سوريا.

    فماذا يقول الرئيس الأمريكي في كل هذا؟! أيراه خطرًا على استقلال هذا الشرق الأوسط أم لا يراه؟ فإن تكن الأولى فلِمَ لا يعرض حماية الشرق الأوسط من هذا الخطر؟

  • حماية (٣)

    حديث المساء: حماية (٣)

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٣ مارس ١٩٣٤

    إذا كان مُكَاتِب التيمس صَادقًا فيما بينه وبين نفسه، فإنَّ رَأي الإنجليز في المصريين سيئ حقًّا، لا يدعو إلى التفاؤل ولا يحيي الأمل، ولا يقرب مَسافة الخُلْف بين البلدين المُخْتَلِفَينِ؛ فقَدَ زَعَمَ مُكاتِب التيمس في مقاله الذي نشر منذ أسبوع وكثر الحديث عنه في مصر، والذي يعيد الكوكب نشره بنصه اليوم، أنَّ المصريين ينظرون إلى أيسر كلمة يُلقيها المندوب السامي إلى وزير مصري كأنها بلاغ نهائي من بريطانيا العظمى.

    وزعم مكاتب التيمس أن المصريين يُعْنَونَ أَشَدَّ العِنَايَةِ وأعظمها بأيسر عمل يأتيه المندوب السامي، وزَعَمَ مكاتب التيمس أنَّ المَنْدُوب السامي الجديد لنْ يَجِدَ مَشَقَّةً ولا عُسرًا في تحقيق ما تنظره منه مصر من الخدمة والإنقاذ، ثُمَّ زَعَمَ مكاتب التيمس آخر الأمر أن المندوب السامي يستطيع أن يدبِّر شئون مصر بخنصره.

    فإذا كان هذا رأي مكاتب التيمس حقًّا، وإذا كان كثيرٌ من الإنجليز يُشاركونه في هذا الرأي، ويُؤمنون فيما بينهم وما بين أنفسهم بأن المصريين قد بلغوا من الهوان إلى هذا الحد، فأصبحوا لا يثبتون لكلمة يقولها المندوب السامي في حديث يلقيه إلى أحد الوزراء، وأَصْبَحَ المندوب السامي قَادرًا على أن يُدِير أمورهم بخنصره، فلسنا نَدْرِي في حَقِيقة الأَمْرِ لماذا يحفل بنا الإنجليز، ويظهرون من العِنَايَةِ بالاتفاق معنا وعقد معاهدة بينهم وبيننا مثل ما يظهرون، ويضمرون من ذلك أكثر مما يظهرون؟! فإنَّ الأُمَّة الهيِّنة اللينة التي تخاف من الكلمة اليسيرة، والتي تدار أمورها بالخنصر لا بالسبابة ولا بالإبهام، ليست خليقة أن يحفل بها أحد، أو يفكر فيها أحد، أو يُعْنَى بالاتفاق معها أحد، وإنَّما هي خليقة أن تُحْكَم وتُسْتَذَلَّ كما يحكم أضعف الأمم وأهون الشعوب.

    ومن المُحَقَّق أنَّ مكاتب التيمس يخدع نفسه ويخدع شعبه حين يكتب هذا الكلام وحين يذيعه في صحيفته الكبرى، ومن المُحَقَّق أيضًا أن مكاتب التيمس معذور في أن يضلل نفسه وشعبه هذا التضليل، فلولا أنَّ في مصر رِجالًا مُستضعفين يؤمنون للمندوب السامي بهذه القوة الخارقة، وينظرون إلى كلمته اليسيرة كأنها بلاغ نهائي من بريطانيا العظمى، ويعقدون بالمندوب السامي آمالهم، ويسخِّرون للمندوب السامي ما يملكون من قوة وجهد، ويخيلون إلى المندوب السامي أنهم قادرون على أن ينفذوا أمره ويذعنوا لرأيه ويكونوا له أداة في تصريف الأمور، لولا أن بين المصريين رجالًا مستضعفين تَهُونُ عليهم نفوسهم وأمتهم إلى هذا الحد المُهين، لما استطاع مكاتب التيمس أن يظنَّ ما ظن، ولا أن يقول ما قال.

    نعم، ولولا أنَّ بين المصريين رجالًا مُستضعفين يبلغ بهم الصَّغَارُ والذِّلَّةُ أنْ يَتَحَدَّثُوا إلى مكاتب التيمس وأشباهه بمثل هذا الحديث الذي يصور أمتهم من الضعف والهوان بحيث ينبغي أن يطمع فيها الطامعون، ويهزأ بها الهازئون، ويَعْبَثَ بمصالحها العَابثون، لما استطاع مكاتب التيمس أن يظن ما ظن، أو يقول ما قال.

    ولكن لكل شعب مهما تكن عزته وقوته، ومهما يكن حرصه على الكرامة وإباؤه للضيم، نقمة من بعض أبنائه يُمْتَحَنُ بها في حياته الخاصة كما يُمتحن بها في حياته العامة.

    وإن الإنجليز ليعلمون من ذلك مثل ما نعلم، وإن الإنجليز ليشقون من ذلك بمثل ما نشقى به، فأين الشعب الأوروبي الذي لا يوجد بين أبنائه الجواسيس الذين يتصلون بالأجنبي في أثناء السلم، ويُعينون العدو في أثناء الحرب، والذين تعرف الشعوب الرَّاقية الحرة كيف تجزيهم جزاء العدل على ما يرتكبون من الإثم، وما يقترفون من السيئات؟ ولو أنَّ الإنجليز يخضعون لمِثْلِ مَا نَخْضَعُ نحن له من الاحتلال الأجنبي لرأوا بينهم أفرادًا ينظرون إلى الكلمة اليسيرة يُلقيها ممثل الدولة المُحْتَلَّة إلى وزير من وزرائهم كأنها بلاغ نهائي من هذه الدولة المُحتلة.

    ولكن الإنجليز لا يشقون بالاحتلال الأجنبي، وإنما يفرضون الشقاء باحتلالهم على أمم لا ينبغي لها هذا الشقاء … فليس عند الإنجليز إذن أفراد كهؤلاء الذين صورهم مكاتب التيمس، ولكنهم لا يعدمون من حين إلى حين أفرادًا آخرين يخدمون الأجنبي أثناء السلم، ويخدمون العدو أثناء الحرب، وهم يحتاطون لهؤلاء الأفراد كما تحتاط لهم كل الأمم الحية الراقية.

    والفرق بيننا وبين الإنجليز وأشباه الإنجليز من الشعوب المستقلة أنهم مستقلون حقًّا؛ فهم لا يجدون من القوة الأجنبية ما يحمي منهم أمثال هؤلاء الأفراد، وهم لذلك يستطيعون أنْ يَقِفُوهم أمام القضاء المدني أو العسكري، وأن ينزلوا بهم ما يستحقون من العِقَاب. أَمَّا نَحْنُ فلسنا مُسْتَقِلِّين حقًّا، والإنجليز هم الذين يغصبون استقلالنا، والإنجليز هم الذين يحمون منا ومن قوانيننا هؤلاء الأفراد الآثمين الذين يرون كلمة المندوب السامي مهما تكن يسيرة بلاغًا نهائيًّا من بريطانيا العظمى، والذين يخيلون إلى المندوب السامي وإلى غيره من الإنجليز أن أمور أمتهم يسيرة هينة يمكن أن تُدار بالخنصر ولا بالسبابة ولا بالإبهام.

    كل هذا شيء لا شك فيه، وهو مُؤلم حقًّا، ولكن العزاء عنه يسير؛ فإنَّ الله قد أبى أن تكون السيادة للإثم أو أن يكون الانتصار للذلة أو أن يكون الشذاذ مِنَ الشَّعب هم الذين يمثلون الشعب. وهُنَا يَظْهَرُ ما قُلْنَاه ونقُولُه مِنْ أَنَّ الإنجليز يَخْدَعُون أنفسهم إنْ صَدَّقُوا مثل هذا الكلام الذي يكتبه لهم مكاتب التيمس، والذي قد يُلْقِيه إلى مكاتب التيمس بعض الشذاذ من المصريين، يخدعون أنفسهم حقًّا؛ فهم يعلمون حق العلم أن بين المصريين وزراء ثبتوا وسيثبتون دائمًا لكلمة المندوب السامي يسيرة كانت أو عسيرة، وقد أبوا — وسيأبون دائمًا — أن يذعنوا لأمر المندوب السامي أو يسلموا للإنجليز على قوتهم وبأسهم بما لا يلائم حقَّ المصريين ولا منافع المصريين، هم يعلمون ذلك حق العلم، وهم يُؤْمِنُون بذلك أشدَّ الإيمان، ولولا هذا لما وجد الخلاف بينهم وبين مصر، ولولا هذا لما اتصل الجهاد، ولولا هذا لما كانت الأزمة العنيفة القائمة بينهم وبينا، ولولا هذا لما أُلغي دستور وأصدر دستور، ولولا هذا لما حُوربت مصر هذه الحرب المُنكرة في حقوقها ومرافقها، وفي كراماتها وحرماتها، ولولا هذا لما قُسِّم المصريون إلى فريقين؛ فريق ضئيل يُصْطَفَى منه الحكام والمتسلِّطون، وفريق عظيم لا ينبغي أن يصل إلى الحكم ولا أن يطمع فيه.

    لو أنَّ أُمُور مِصْرَ هينة حقًّا على الإنجليز لما كانَتْ كثرة ولا قلة، ولما كانت هناك أحزابٌ تُصْطَفَى وتُخْتَار، أو تُنْشَأ وتُخْلَقُ خَلقًا، وشعبٌ يتقي ويخاف وتنزع أموره منه نزعًا، والغريبُ أنَّ هؤلاء المصريين الذين يصورهم مكاتب التيمس بهذه الجمل المهينة لا يستحون من أنفسهم ولا يستحون من الناس، ولا يتحرَّجون من أن يلقوا مكاتب التيمس، حين تسنح لهم الفرصة أو يخلقوا الفرصة للقائه ولقاء أمثاله، فيلقوا إليهم بمثل هذا الحديث.

    والغريب مع هذا أنَّ الوزراء الذين يقرءون مثل هذا الكلام لا يبذلون ما يملكون وما لا يملكون من الجهد، ليثبتوا لأنفسهم ولأمتهم وللإنجليز أنَّ هذا الكلام الذي يكتبه مكاتب التيمس سخيف فارغ لا يصور أحدًا ولا يدل على شيء، ولا يمثِّل الصلات التي تكون بالفعل بين المندوب السامي والوزراء. ومع ذلك فأَوَّلُ ما يَجِبُ على الوزراء المصريين مهما يكونوا هو أنْ يَرْفَعُوا أنفسهم أمام أنفسهم بالقول والعَمَلِ على أن تظن بهم الظنون أو يقول فيهم القائلون أنهم ينظرون إلى كلمات المندوب السامي كأنها بلاغ نهائي من بريطانيا العظمى.

    لقد نشرت المُقطمُ منذ أيام أن المندوب السامي تخلَّف في باريس ليتحدث مع الفرنسيين في مسألة الدين العام، فأنكرنا ذلك أشدَّ الإنكار وعبناه؛ لأنَّ المندوب السامي حين مَرَّ بباريس لم يكن قد أوجد الصلات الأولى بينه وبين الوزارة المصرية؛ ولأنَّ وزارة الخارجية المِصْرِيَّة لم تنشأ عبثًا، وإِنَّما أنشئت لمثل مسألة الدين؛ ولأن توسط الإنجليز بين مصر وبين فرنسا شيء وتولي الإنجليز الشئون المصرية فيما يتصل بفرنسا شيء آخر.

    وكنا نظن أن الوزارة المصرية ستقول أو ستعمل شيئًا يَدُلُّ على أنها لا ترضى عما نشرت المُقطم إن كان قد وقع بالفعل، أو تُكَذِّب ما نشرت المُقطم إن لم يكن قد وقع بالفعل. ولكن الوزارة لم تقل شيئًا، ولم تعمل شيئًا، وعادت المقطم فنشرت مساء أمس ما نشرته منذ أيام، ثم زعمتْ أَنَّ الحُكومة الإنجليزية ستفاوض الحكومة المصرية في مسألة الدين بعد أن تحدَّث فيها المندوب السامي إلى الفرنسيين حين مَرَّ بباريس.

    ومعنى هذا إن كنا نفهم اللغة العربية التي تتحدث بها المُقطم أنَّ الإنجليز يُريدون أنْ يتولوا بأنفسهم مسألة الدين، وأنْ يَتَحَدَّثوا فيها إلى المصريين عن الفرنسيين وإلى الفرنسيين عن المصريين، ومعنى هذا أن المفاوضات في هذه المسألة لن تكون مُباشرة بين المصريين والفرنسيين، ولكنها تُريد أن تكون بواسطة دار المندوب السامي. ففيم أنشئت إذن وزارة الخارجية المصرية؟ وهل عدنا إلى مثل ما كنا عليه أيام الحماية؟ لقد كان صدقي باشا نفسه يفاوض الفرنسيين والإيطاليين، ويستعين في ذلك بتوسط الإنجليز، فهل يُرَادُ أَنْ نفهم أنَّ الوزارة القائمة قد تأخرت عن وزارة صدقي باشا خطوتين أو خطوات فهي لا ترى بأسًا بأن تنتظر حتى يحلَّ لها الإنجليز مسألة الدين.

    إن هذا التصرف وأمثاله إن صح ما نشرت المقطم — ونرجو أن لا يكون صحيحًا — هو الذي يطوع لمُكاتِب التيمس أن يقول إن المندوب السامي يستطيع أن يدبر أمور مصر بخنصره، فليُفِق النائم ولينتبه الغافل، وليعلم المصريون أن الاستقلال ليس كلامًا يُقال ولا فصولًا تُكتب في الصحف، وإنما هو أعمال تأتيها الأمم وأعمال تأتيها الوزارات؛ فتثبت أنها حرة حقًّا، وقُل ما شئت؛ فلست أدري لِمَ أجمع دائمًا في نفسي بين هذين الخاطرين: المندوب السامي يتحدث إلى الفرنسيين في مسألة الدين ويُريد أن يفاوض فيها المصريين، والمندوب السامي يصيد البط ثم يوزع صيده على الفقراء.

    ما أجدر المصريين أن تستغني وزارتهم عن معونة المندوب السامي في مسألة الدين، وأن يستغني فقراؤهم عن البط الذي يصيده لهم المندوب السامي في أكياد أو غير أكياد، وأن تستحي صحفهم من نشر مثل هذا الكلام.