Tag: Foreign Minister

  • استقالة

    استقالة
    لم يقدمها رئيس الوزراء، وما ينبغي لرئيس الوزراء أن يقدمها، فصحته — والحمد لله — موفورة، والشفاء مقبل عليه — والحمد لله — في خطى واسعة سراع. وما ينبغي لرئيس الوزراء أن يقدمها حتى ولو كانت صحته من الضعف والوهن بحيث لا تسمح له أن ينهض بهذه الأعباء الثقال التي يسمونها أعباء الحكم. فاسم رئيس الوزراء يغني عن صحته، واسم رئيس الوزراء خليق أن ينهض الوزراء بأثقال الحكم، فيتحملوا جهده، ويصرفوا أموره كأحسن ما يُحتمل الجهد وتُصرف الأمور!!
    فاسم رئيس الوزراء قوة تُدك لها الجبال، وتُزلزل له الأرض. وفي اسم رئيس الوزراء بركة يستحيل لها الجدب خصبًا، وتصبح بها الأزمة ثروة، ويصير بها الشقاء والبؤس سعادة ونعيمًا. وإذا اجتمعت للوزارة من أسباب الحياة والبركة في اسم رئيس الوزراء، فقد اجتمعت للوزارة من أسباب الحياة وطول البقاء أمتنها وأقواها. وإذن فليس رئيس الوزراء هو الذي قدم الاستقالة، لأنه ليس في حاجة إلى تقديمها، ولأنه واثق كل الثقة، ونحن واثقون معه كل الثقة، بأنه سينفع مصر صحيحًا وعليلًا، وسيخدم مصر قريبًا وبعيدًا، وسينقذ مصر مشتركًا في الحكم بالفعل وغير مشترك فيه. ولو قد أزمع رئيس الوزراء أن يرفع استقالته إلى جلالة الملك لأنه مريض عليل، أو لأنه ناءٍ بعيد، لسعت مصر كلها سعيًا تلح عليه وتتوسل إليه في أن يمسك استقالته أو يستردها. فمصر حريصة على رئيس الوزراء، ومصر مشغوفة برئيس الوزراء! تحبه حب الأم الشفيقة البرّة لابنها الوفيّ الوحيد! مصر قد ذاقت من ألوان السعادة والنعيم في عهد رئيس الوزراء ما تستعذبه وتستلذه، وتحرص كل الحرص على أن يدوم ويتصل. وهل ذاقت مصر لذة الحرية قبل رئيس الوزراء؟! وهل استمتعت مصر بالعزة والكرامة قبل رئيس الوزراء؟! وهل عرفت مصر الرخاء والثروة قبل رئيس الوزراء؟ وهل شكت مصر من كثرة المال حتى كادت تكتظ به قبل رئيس الوزراء؟ فكيف تريد أن تفرط مصر في رئيس الوزراء؟ أو أن تسمح مصر لرئيس الوزراء بأن يستقيل؟ كلا، لن يستقيل رئيس الوزراء، ولن تأذن مصر في ذلك! ولن تشك في أن رئيس الوزراء إن قدم استقالته أو أوهم بتقديمها فلن يفعل ذلك إلا مكرهًا عليه، مضطرًا إليه من هؤلاء الإنجليز الذين لا يحبون مصر، ولا يحبون لها الخير، والذين يظهرون التأييد لرئيس الوزراء، ويسرّون الكيد له والجد في تأييد الوفديين!! ولا بد لمصر من أن ترد إلى الإنجليز كيدهم، وتصرف عن نفسها شرهم، وتحوط رئيس وزرائها بالنفوس والقلوب، وتألى على الإنجليز إكراههم إياه على أن يستقيل. فذلك ليس من شؤون الإنجليز، وإنما هو من شؤون مصر وحدها. وقد ضرب رئيس الوزراء لمصر في العزة والكرامة، وفي الأنفة والإباء مثلًا لن تنساه، يوم أفحم المستر مكدونالد ووقفه عند حده، حين أراد أن يعرض لشؤون مصر الخارجية. وقد انتفعت مصر بهذا المثل، واستفادت مصر من هذا الدرس، فستقول للإنجليز يوم يريدون رئيس وزرائها على الاستقالة: مكانكم، لا تتقدموا، بل تأخروا. وإن شئتم فلن تسمح لكم مصر القوية العزيزة أن تمسوا بسوء رئيس وزرائها القوي العزيز!
    لم يقدم رئيس الوزراء إذن هذه الاستقالة التي عنونا بها هذا الحديث، وإنما قدمها رجل آخر ليس له خطر رئيس الوزراء، ولا يمكن أن يكون له خطر رئيس الوزراء، وإنما هو رجل كغيره من الناس، لا يشارك رئيس الوزراء إلا في شيئين: في الوزارة، وفي المرض.
    فهو وزير الخارجية كما أن رئيس الوزراء وزير المالية، وهو مريض كما أن رئيس الوزراء مريض، ولكن الحوادث أظهرت أن رئيس الوزراء قد أخطأ، وأي الناس لا يخطئ؟ وهل أكثر خطأ من عظماء الرجال حين اختار نخلة باشا المطيعي ليكون له زميلًا في الوزارة وشريكًا في الحكم؟ أخطأ لأن وزير الخارجية لم يكد يصيبه المرض حتى استقال أو تحدث في الاستقالة. وقد تقدم إليه من تقدم في أن الاستقالة لا تليق بوزراء هذا العهد لأنها ضعف في النفوس وخور في الطبيعة. فقبل النصيحة وعدل عن حديث الاستقالة، ثم طال عليه المرض بعض الشيء فعاد إلى هذا الحديث، وعاد ناصحوه يذكرونه بأن الاستقالة آفة قد برئ منها وزراء هذا العهد السعيد. فسكت الرجل على مضض، ثم طال عليه المرض فاضطر إلى أن يخرج من الصمت ويذكر الاستقالة من جديد. وأظهرت التجارب أن النصح لا ينفعه، وأن الموعظة لا تعني عنده شيئًا، وأنه لم يكن من الرجال الذين يصلحون لهذا العهد، وإنما هو من رجال العهد القديم الذي كان يستقيل فيه الوزراء إذ مرضوا وألم بهم من العلة زائر ثقيل.
    وقوم آخرون فيهم مكر وفيهم شدة حتى في الدعاية، يزعمون أن وزير الخارجية لم يستقل أول الأمر، وإنما أثبت أنه من رجال هذا العهد، وأنه قادر كرئيس الوزراء على أن يجمع المرض والحكم في غمد، لكنه أراد أن يسافر ليستشفي كما سافر رئيس الوزراء ليستشفي، واستأذن في ذلك فلم يؤذن له، فغضب لكرامته وغضب لصحته واستقال. وإذ كان هذا النبأ صحيحًا فهو دليل أيضًا على أن وزير الخارجية لم يكن من رجال هذا العهد، وإنما هو من رجال العهد القديم الذين كانوا يغضبون إذ استأذنوا فلم يؤذن لهم، أو طلبوا شيئًا فلم يجابوا إليه، والذين كانوا يستقيلون إذ أبى عليهم رئيس الوزراء بالأصالة فضلًا عن رئيسهم بالنيابة بعض ما كانوا يطلبون.
    أثبت وزير الخارجية أنه من تلك الدقة القديمة التي تمرض فتستقيل، وأي خطر تتعرض له مصر لو أن جميع الوزراء كانوا من تلك الدقة القديمة يستقيلون للمرض ويستقيلون للغضب! ومع ذلك فقد خلت المثلات من قبل وزير الخارجية، وكان عليه أن يستفيد من وزراء قبله غضبوا وألح عليهم الغضب فلم يستقيلوا، وإنما ثبتوا في أماكنهم حتى استقال رئيس الوزراء نفسه فأخرجهم من الحكم، وهم يعلمون أو لا يعلمون. ثم ألّف وزارته الثانية فلم يردهم إلى الحكم وهم يريدون أو لا يريدون.
    والغريب أن وزير الخارجية غير موفق حتى في مرضه، فهو مشارك في هذا المرض لرئيس الوزراء، ولكنه أراد أن يمضي بهذه الشركة إلى أبعد حدودها، فظن أنه يستطيع هو أيضًا أن يسافر إلى أوروبا كرئيس الوزراء، وأن الذي يؤذن فيه للوزراء إنما هو الراحة إذ تعبوا وهم أصحاء، كما يستريح وزير التقاليد بعد أيام لأنه متعب لا لأنه مريض. وعلى كل حال فقد كان مرور نخلة باشا المطيعي بالوزارة درسًا إن لم ينفعه هو فقد ينفع زملاءه، وقد ينفع الوزير الذي سيخلفه على وزارة الخارجية.
    وخلاصة هذا الدرس أن الوزير الذي يفكر في أن يقيس نفسه برئيس الوزراء لا يصلح للوزارة، وإنما الوزير الذي يصلح للوزارة حقًا هو الذي يضعه رئيس الوزراء على كرسيه فلا يبرحه حتى يدفعه عنه رئيس الوزراء دفعًا! والوزير الذي يصلح للوزارة هو الذي يعرف أن للناس مقامات، وأن مقام الوزير رفيع بالقياس إلى موظفيه، ولكنه على كل حال لا ينبغي أن يرقى إلى ما فوق ذلك أو أن يسامي مقام رئيس الوزراء.
    فلعل المصريين أن يشاركوا الوزراء والمستوزرين في الانتفاع بهذا الدرس السياسي القيم الذي تلقيه عليهم ظروفنا السعيدة في هذا العهد السعيد.
    كوكب الشرق في ٩ – ٧ – ١٩٣٣.

  • إذن

    إذَن
    سأل سائل في مجلس النواب الإنجليزي عن أمر المبشرين أمس، فأجابه وزير الخارجية جوابا نحب أن نقف عند آخره، لأن آخره خليق بالتفكير، جدير بأن يزيل بعض الغموض الذي يحيط بموقف الوزارة المصرية من مسألة التبشير. فالناس يذكرون أن المبشرين أثاروا غضب الناس في العام الماضي، وأن هذا الغضب استطاع أن يصل إلى البرلمان وأن يثير لنفسه صدى في مجلس النواب. والناس يذكرون أن رئيس الوزراء أراد أن يرد على هذا الصدى فأعلن أن الحكومة تفكر في إصدار قانون يمكن الدولة من مراقبة التعليم، ويمكنها بعد ذلك من اتقاء التبشير.
    وانتظر الناس أن يصدر هذا القانون في الدورة الماضية فلم يصدر، وانتظر الناس أن يذكر هذا القانون في خطبة العرش لهذا العام البرلماني فلم يذكر، وانتظر الناس أن يعرض هذا القانون على البرلمان في دورته الأخيرة فلم يعرض.
    وأثار المبشرون غضب المصريين مرة أخرى، وكان غضب المصريين في هذه المرة عنيفا، وكان إجماعيا. فلم يكن بد من أن يصل إلى البرلمان، ومن أن يحدث لنفسه صدى في المجلسين، ولم يكن بد من أن تتكلم الوزارة ومن أن تعمل لتسكت غضب المصريين وترد على صداه في البرلمان. وانتظر الناس أن تتحدث الوزارة عن هذا القانون الذي وعدت به منذ عام فلم تتحدث، وكتبنا نحن وكتبت الصحف الأخرى تطلب إلى الحكومة أن تصدر هذا القانون فلم تقل الحكومة شيئا، ولكن صحيفتها لامتنا على ذلك أشد اللوم، وأنبتنا على ذلك أشد التأنيب، وزعمت أننا نطالب الحكومة بما لا قبل لها به، وأننا نتحداها ونتعمد تعجيزها وإحراجها. ونسيت أن رئيس الوزراء نفسه هو الذي وعد بإصدار هذا القانون. ثم ألح المصريون في المطالبة بهذا القانون، ووضع الوزراء أصابعهم في آذانهم وأعرضوا عن هذا الأمر إعراضا. فالآن يخيل إلينا أن وزير الخارجية البريطانية قد حل بجوابه أمس هذا اللغز، وأزال بجوابه هذا الغموض. فهو يعلن إلى سائله في مجلس النواب الإنجليزي أنه أذن للمندوب السامي في أن يتحدث إلى ولاة الأمور من المصريين في إمكان وضع نظام لمراقبة مركزية على بعض النواحي لأعمال المبشرين. ومعنى ذلك، إن فهمنا لغة السياسة البريطانية، أن المندوب السامي مفوض من حكومته في أن يدرس مع حكومتنا أمر هذا التشريع الذي وعد به رئيس الوزراء منذ أكثر من عام، والذي انتظره الناس منذ صدور هذا الوعد عن رئيس الوزراء فلم يظفروا به إلى الآن، والذي كانت صحيفة الوزارة ترى مطالبة الحكومة به إسرافا عليها وتعجيزا لها، وتعمدا لدفعها إلى الحرج والضيق.
    وإذن فقد تفضلت وزارة الخارجية البريطانية فأذنت بالكلام في هذا الموضوع، وهي بالطبع لم تأذن للوزارة المصرية. فالوزارة المصرية أكبر وأكرم وأعز وأجل خطرا وأحرص على الاستقلال من أن تحتاج إلى مثل هذا الإذن، أو من أن تتلقى هذا الإذن من حكومة أجنبية مهما تكن، ومن الحكومة الإنجليزية بنوع خاص. وأنت تذكر ذلك الرد التاريخي الخالد الذي أفحم به رئيس وزرائنا صدقي باشا رئيس وزراء الإنجليز رمزي مكدونالد.
    لم يصدر إذن وزارة الخارجية لحكومتنا، وإنما صدر للمندوب السامي. وهنا نحب أن نبين موقف الوزارة من المندوب السامي بعد هذا الإذن، ما هو؟ وكيف يكون؟ وأي الفريقين يبدأ فيتحدث إلى صاحبه في وضع هذا النظام الذي يمكن الدولة من مراقبة التبشير والمبشرين؟ أهو المندوب السامي الذي سيتقدم، أو تقدم بالفعل، إلى الوزارة فقال لها إن أمر المبشرين قد عظم خطره، واشتد شره، وأصبح مضيعا لسيادة الدولة المصرية، معرضا أمنها للاضطراب ونظامها للفساد، والرأي أن تستطيع الدولة المصرية مراقبة المبشرين في بعض ما يأتون من الأمر، فتعال نتحدث في هذه المراقبة كيف تكون؟ وإلى أي حد ينبغي أن يتسع سلطانها، وما الثمن الذي يمكن أن تدفعه مصر لتكون هذه المراقبة؟ أم هي الحكومة المصرية قد تقدمت إلى المندوب السامي فقالت له: أمر المبشرين قد عظم، وشرهم قد انتشر، وضاق به المصريون جميعا، وأن المعارضة، وهي الأمة كلها كما تعلم، تلح في أن يصدر قانون يمكن الدولة من مراقبة التبشير والمبشرين؟
    والظاهر أن المعارضة محقة فيما تطلب، وأن الحكومة ستضطر إلى حرج شديد إذا لم تقبل هذه المعركة ولم تصدر هذا القانون. فهل لك في أن تستأذن الحكومة البريطانية لعلها لا تكره أن نبدأ بالحديث في هذا الموضوع؟ أم سكت المندوب السامي وسكتت الحكومة المصرية حتى خطر هذا الرأي لوزارة الخارجية البريطانية بعد ما رأت من غضب المصريين وإلحاحهم، فكلفت مندوبها السامي أن يتصل بالحكومة المصرية ويتحدث معها في أمر هذا القانون. ونحب أن نعلم: أبدأ المندوب السامي بالفعل هذا الحديث أم لا يزال صامتا يراقب المبشرين من كثب وينتظر؟ وقد ظهر تصريح وزير الخارجية في الصحف، أن تقول للوزارة: لقد نشرت الصحف أن وزير الخارجية صرح في مجلس النواب بأنه أذن لك في كيت وكيت. وقد وقع هذا الخبر من النفوس موقعا حسنا، لأنه سيمكننا من أن نقول للمعارضين: ها نحن أولاء نقبل المعركة، ونجد في إصدار القانون الذي كنتم تطلبونه تعجيزا لنا وإحراجا. فهل تسمح بأن نبدأ الحديث في هذه المراقبة كيف تكون وإلى أي حد ينبغي أن تتسع وإلى أي حد ينبغي أن تضيق؟ كل هذه الأشياء يجب أن نتبينها وأن نعلم وجه الحق فيها. ونريد أن نعتقد أن الحكومة المصرية هي التي بدأت الحديث في أمر هذا القانون وأن إذن وزير الخارجية لم يصدر إلى المندوب السامي إلا إجابة لطلب الحكومة المصرية. نريد أن نعتقد هذا، ولكننا نأسف حقا لأن الحكومة المصرية آثرت هذا الصمت العميق، وتركت صحفها تذكر التعجيز والإحراج، وتظهر هذا القانون كأنه شيء لا سبيل إليه ولا أمل فيه، حتى ساءت الظنون وشعر الناس بعجز الحكومة عن الوفاء بوعد رئيس الوزراء للبرلمان. وإنه لمن المؤلم حقا أن يطلب المصريون شيئا لهم الحق في أن يطلبوه، وأن يلحوا في الطلب، فلا تنبؤهم الحكومة حتى بأنها آخذة في السعي إلى تحقيق ما يرجون وإجابتهم إلى ما يطلبون، حتى إذا استشعر المصريون اليأس من تحقيق هذا الأمل أنبأهم وزير الخارجية البريطانية بأن الأمر ليس مستحيلا، وأنه قد أذن للمندوب السامي في أن يتحدث إلى الحكومة المصرية فيه.
    وشيء آخر نحب أن نعرفه: باسم من يتحدث المندوب السامي؟ أباسم الحكومة الإنجليزية وحدها؟ وإذن فهل بدأت حكومتنا تتحدث إلى الحكومات الأجنبية حديثا مباشرا في هذا الموضوع؟ أم باسم الأجانب جميعا؟ وإذن فهل قبلت حكومتنا مذهب الإنجليز في أنهم هم الذين ينبغي أن يتحدثوا عن الأجانب وينوبوا عنهم فيما قد يكون بيننا وبينهم من حديث؟ وإذن فوزارة خارجيتنا إنما أنشئت لتتحدث إلى الإنجليز لا إلى غيرهم، وإذن ففيما المفاوضات هنا وهناك؟ وفيما المراسم التي لا تحصى؟ وفيما النفقات التي لا تطاق؟ أم هل تقف الحكومة الإنجليزية من هذه المسألة موقفها من مسألة الدين، فتؤيد وجهة النظر المصرية وتسند مصر الضعيفة حين تريد أن تتحدث إلى الدول في هذا الموضوع؟
    كما كنا نود لو سلكت الحكومة المصرية في هذا الموضوع مسلكها في غيره من الأمور التي تمس الأجانب، فهيأت قانونها ثم عرضته على الجهات الأجنبية المختصة، وفاوضت فيه على أنه موضوع عادي لا يحتاج إلى أن تعقده السياسة القائمة بيننا وبين الإنجليز. والطريف الظريف أن الأمر لا يقف عند هذا الحد، فوزير الخارجية البريطانية ينبئنا بأن مباحثات تجري الآن مع مجلس اتحاد المبشرين في هذا الموضوع. فمن الذي يجري هذه المباحثات مع مجلس اتحاد المبشرين؟ أهي الحكومة المصرية، وإذن فعلى أي قاعدة؟ ومتى كان اتحاد المبشرين هيئة سياسية تفاوضها الحكومة المستقلة ذات السيادة في إصدار ما تريد إصداره من القوانين؟
    أهي الحكومة الإنجليزية؟ وإذن فمن الذي وسطها في هذا الأمر؟ وهل بلغ من أمر المبشرين من الخطر في مصر أن لا نراقبهم لندفع عدوانهم إلا بعد مفاوضة يتوسط فيها الإنجليز؟
    إن هذا الموقف غامض جدا، يحتاج إلى توضيح، فهل للحكومة أن تصدر بيانا يمحو هذا اللبس ويزيل هذا الغموض، ويؤكد للناس أن الوزارة التي أفحمت رئيس الوزراء الإنجليزي لا تعجز عن إقناع الدول الأجنبية بحقها في مراقبة التعليم وغير التعليم مما يقع في أرضها، لأن هذا الحق نتيجة طبيعية للسيادة والاستقلال.
    كوكب الشرق في ٦ – ٧ – ١٩٣٣