Tag: freedom of expression

  • احتجاج

    احتجاج
    طه حسين
    جريدة الجمهورية
    ١ سبتمبر ١٩٥٤
    لست أدري أحقٌّ ما قرأتُ في بعض الصحف الباريسية من أنَّ فرنسا أبلغت مصر احتجاجها على ما يُذاع في الراديو من إنكار سياستها في شمال أفريقيا عامَّةً وفي مراكش خاصَّةً.

    ولكنَّ الشيء الذي ليس فيه شك هو أنَّ الصحف الفرنسية غاضبة أشدَّ الغضب، مُنكِرة أشدَّ الإنكار، لِما يصدر عن مصر من إذاعة تُؤيد المراكشيين والتونسيين في إبائهم للضيم، ومطالبتهم بالحق، ومُقاومتهم للظلم، وثورتهم على الاستعمار.

    وقد نشرت صحيفة الموند منذ أيام مقالًا افتتاحيًّا اتخذت له عنوانًا بغيضًا، قرنت فيه اسم رئيس وزرائنا باسم ذلك الإله الروماني ذي الوجهين الذي كان معبده يُفتح أيام الحرب ويُغلق أيام السِّلم. وزعمت فيه أنَّ لرئيس وزرائنا موقفين متناقضين مع فرنسا: أحدهما فيه السِّلم والدعة، والآخر فيه الخصومة والحرب؛ فرئيس وزرائنا — فيما روت صحيفة الموند — مُسالم لفرنسا حريص على أن تُقيم بينها وبين مصر صلات المودة والتعاون؛ فهو قد استقبَل في غبطة واستبشار ذلك الوفد الفرنسي الذي أقبل منذ حين يعرض على مصر استثمار أموال ضخمة فرنسية في تحقيق ما تُحاول من الإصلاح.

    وهو كذلك قد كلَّف مراسل الموند إدوار سابلييه أن يقول في باريس: إنَّ مصر تنظر إلى الحكومة الفرنسية القائمة — حكومة منديس فرانس — نظرة فيها كثير من الأمل والرجاء.

    وأوضح أنَّ رئيس وزرائنا إن كان قد قال هذا الكلام فهو إنَّما قاله مشيرًا إلى السياسة الفرنسية في شمال أفريقيا، وإلى محاولة منديس فرانس لإرضاء التونسيين بتحقيق بعض آمالهم.

    وواضح أنَّ رئيس وزرائنا إن كان له الكلام فهو قد أراد به أن يُوجه رئيس الوزارة الفرنسية توجيهًا رفيقًا إلى أن يصنع في مراكش شيئًا يُشبه كثيرًا أو قليلًا ما يحاول صنعه في تونس. فهذا الموقف من رئيس وزرائنا هو موقف السِّلم مع فرنسا، ولكنَّ له موقفًا آخر تراه صحيفة الموند موقف الحرب، وذلك حين يُخلي بين الإذاعة المصرية وبين ما تدعو إليه من إنصاف المراكشيين والتونسيين، وحين يُخلي بين الصحف المصرية، وبين ما تدعو إليه من تحقيق الاستقلال للمراكشيين والتونسيين أيضًا.

    وكذلك صورت صحيفة الموند رئيسَ وزرائنا مناقضًا لنفسه، يُسالم فرنسا ويحاربها في وقت واحد، وتمنَّت عليه أن يختار أحد الموقفين. وأغرب ما في هذا المقال أنَّ هذه الصحيفة الفرنسية التى عُرفت دائمًا بالقصد والاعتدال وتجنُّب الهوى فيما تكتب، بمقدار ما يُتاح لمثلها من الصحف أن تتجنب الهوى فيما تكتب من الفصول السياسية؛ أنَّها تُريد رئيس الوزراء المصري على شيء لا يُراد عليه رئيس وزراء في أي بلد من البلاد.

    فبين مصر وفرنسا صلات سياسية رسمية قوامها المودة والمجاملة والتَّعاون على الخير والسِّلم، وعلى ما ينفع النَّاس ويُحقِّق مصالح البلدين.

    ولهذه الصلات السياسية حدود مرسومة معروفة مُقرَّرة في الأوضاع الدَّولية، وهى لا تمنع مصر من أن تُنكر من أعمال فرنسا ما ترى من حقِّها أن تنكره، كما أنَّها لا تمنع فرنسا من أن تصنع هذا الصُّنع نفسه مع مصر، فما دامت السفارة المصرية مستقرة مُفتَّحة الأبواب في باريس، وما دامت السفارة الفرنسية مستقرة مُفتَّحة الأبواب في مصر؛ فالأمر بين البلدين قائم على المودة والمجاملة والتَّعاون، ولكنَّه لا يُفني إحدى الدولتين في الأخرى، ولا يجعل إحداهما ظلًّا للأخرى. وهو بعد ذلك لا يُلغي حرية النقد التى هي حق طبيعي للشعب المصري، وصحفه وإذاعته، حتى ولو كانت هذه الإذاعة خاضعة لسلطان الحكومة.

    والحكومة الفرنسية القائمة كغيرها من الحكومات الفرنسية التى سبقتها، ومن الحكومات الفرنسية التى ستليها غدًا أو بعد غدٍ، لا تُحب السياسة الروسية ولا تُقِرُّها ولا ترضى عنها، وهي مع ذلك تُقيم أمرها مع روسيا على هذه الأوضاع الرسمية المألوفة التى تقوم على المودة والمجاملة والتعاون، ما دامت لفرنسا سفارة مستقرة مفتَّحة الأبواب في موسكو، وما دامت لروسيا سفارة مستقرة مفتَّحة الأبواب في باريس.

    وما أكثر ما يجهر رؤساء الوزارات الفرنسية في البرلمان الفرنسي بنقد السياسة الروسية نقدًا مرًّا عنيفًا، والصحف الفرنسية والإذاعة الفرنسية تتجاوز حدود المجاملة فيما توجِّه إلى روسيا وسياستها من نقد وتشنيع، وروسيا تجزي فرنسا بمثل ذلك دون أن تحتجَّ إحدى الدولتين على الأخرى بالطرق الدبلوماسية أو من طريق الصحف والإذاعة.

    وبين فرنسا وبين حلفائها وأصدقائها الأقربين خصومات لا تنقضي، ولكنَّها لا تدعو إلى احتجاج بين هذه النَّاحية أو تلك. فما بال الفرنسيين — حكومة وشعبًا — ينتظرون من مصر ما لا ينتظرون من أصدقائهم وخصومهم جميعًا. وما لهم يضيقون بأيسر الأمر حين يَصدُر عن مصر، ولا يضيقون بالأمور الجِسَام حين تصدر عن غيرها من الخصوم والأصدقاء، وما بالهم يُطالبون مصر بما لا يستطيعون أن يُطالبوا به صحفهم الفرنسية نفسها، فبين الصحف الفرنسية التي تصدر في باريس وفي الأقاليم صحف توجه من النقد العنيف ومن الإنكار الشديد إلى السياسة الفرنسية في شمال أفريقيا ما لا يُقاس إليه النقد المصري مهما يبلغ من الشدَّة والعنف.

    وبين يديَّ — وأنا أُملي هذا المقال — صحيفة فرنسية باريسية صديقة لرئيس الوزراء القائم منديس فرانس، وهي تُوجه إلى السياسة الفرنسية في شمال أفريقيا تُهمًا كأخطر ما تكون التُّهم، وتشنيعًا كأعنف ما يكون التَّشنيع؛ فهي تُنبِئنا بأنَّ منديس فرانس هَمَّ أن يُحاول في مراكش مثل ما حاول في تونس، ولكنَّ نُصحاء السوء من الاستعماريين الذين تُسَمِّي بعضَهم صرفوه عن هَمِّهِ ذاك، وألقوا في رُوعِه أنَّ من الخير أنْ ينتظر حتَّى يهدأ العنف في مراكش، وحتى لا تُذعِن فرنسا لضغط الثائرين عليها والنَّاقمين منها.

    وتُنبِئنا بأنَّ الرئيس منديس فرانس قد خيَّب أمل الفرنسيين فيه حين استمع لأولئك النصحاء، وحين خلَّى بين المستعمرين وبين مراكش يفعلون بأهلها الأفاعيل.

    وهي تُنبِئنا كذلك بأنَّ هذه السِّياسة الجديدة للرئيس منديس فرانس هي التي أباحت للإدارة الفرنسية في مراكش أن تقترف الآثام الغِلَاظَ التى اقترفتها احتياطًا لما كانت تتوقع من المظاهرات أثناء العيد الأضحى، وفي اليوم العشرين من شهر أغسطس، وهو اليوم الذي أُقْصِي فيه السلطان الشرعي عن عرشه؛ فأجرت ما تُسميه الصحف الفرنسية كلها عمليات التنقية في المدن الكبرى، وهي أنْ يحتل الجيش هذه المدن، ويقبض على الذين يتوقع منهم إثارة المظاهرات. ونشأ عن هذه التنقية أنَّ الذين قبَض عليهم الجيش أثناء هذا الإجراء لا يُحصَوْن بالعشرات ولا بالمئات، وإنَّما يُحصون بالألوف الكثيرة.

    وهي تُنبِئنا أيضًا بأنَّ هذه السياسة الجديدة للرئيس منديس فرانس هي التي طوَّعت للإدارة الفرنسية أن تقتحم المساجد، وتقبض على العلماء المُوالِين للسلطان المنفي، وتحملهم إلى قصر السلطان القائم ليعلنوا إليه ولاءهم مُكرَهين على إعلانه إكراهًا.

    وهي تنبئنا أيضًا بأنَّ الإدارة الفرنسية قد حشدت النَّاس بقوة الجيش ليُقدِّموا إلى السلطان القائم تهنئتهم بالعيد. فلمَّا فعلوا أعطت كل واحد منهم ألفًا من الفرنكات، ومقدارًا من السُّكَّرِ والشاي.

    فهي تُقيم سياستها إذن على الرَّغَبِ والرَّهَبِ، في إحدى يديها السيف وفي يدها الأخرى الفرنكات والسكر والشاي، وأي شيء أشد إفسادًا للأخلاق وقطعًا للصلات بين الناس من سياسة تقوم على هذه الألوان المُنكَرة من الترغيب والترهيب، اللذين يُلغيان كرامة الإنسان، ويُقيمان أمره كله لا على رضا الضمير واطمئنان القلب، بل على الخوف من جهة، وعلى إرضاء الأفواه والحُلُوق والبطون من جهة أخرى.

    بهذا كله وبأكثر من هذا كله وأعظم منه نُكرًا تُنبِئنا الصحيفة المؤيِّدة للرئيس منديس فرانس، وهي ليست منفردة بهذا النكير، وإنَّما تُشاركها فيه صحف فرنسية أخرى عسى أن تكون أعنف منها نقدًا، وأكثر منها تشنيعًا وتشهيرًا. وأنا أعلم أنَّ الفرنسيين قد يحتملون النقد من مواطنيهم ولا يحتملونه من غيرهم، ولكنَّ الصحف الإيطالية والإنجليزية تنشر من أنباء الظلم الفرنسي في مراكش وتونس أكثر ممَّا تنشر الصحف المصرية والإذاعة المصرية.

    وما أعلم أنَّ فرنسا قد احتجت على إيطاليا أو على بريطانيا العظمى من أجل ذلك، ولست أذكر صحف البلاد المُنكِرة لسياسة الديمقراطية الغربية، وهي من غير شكٍّ تُصوِّر السياسة الفرنسية في شمال أفريقيا أبشع التصوير وأشدَّه نكرًا، وما نعلم أنَّ فرنسا قد احتجت على دولة من تلك الدول من أجل ذلك … فما بال فرنسا تختص مصر بهذا الاحتجاج من دون الدول الأخرى.

    أمَّا أنا فأُعِلِّل هذا بأمرين؛ أحدهما: أنَّ ما تكتبه مصر وتذيعه يقرؤه ويسمعه التونسيون والمراكشيُّون؛ لأنَّه يُكتب ويُذاع باللغة العربية على حين لا يكاد المراكشيون والتونسيون يقرءون أو يسمعون ما يُكتب أو يُذاع في اللغات الأجنبية الأخرى.

    ولكنَّ فرنسا خليقة أن تقبل مصر على عِلَّاتها، وأن تعلم أننا لا نستطع أن نُغيِّر لغتنا، وأن نكتب ونذيع بلغة أجنبية لا يفهمها إخواننا في اللغة والدين لترضى عنا فرنسا؛ فقد تكون لغتنا أكثر أهمية عندنا من فرنسا مهما تعظُم صلات الصداقة والمجاملة الرسمية بيننا وبينها.

    الأمر الثاني: أنَّ فرنسا فيما يظهر تُفرِّق بين الأوروبيين والشرقيين والعرب منهم خاصة؛ لأنَّها تعودت من الشرقيين ضعفًا قديمًا. ومن الحقِّ عليها أن تعلم أنَّ الأمم تضعُف وتقوى، وأنَّ القوة ليست مقصورة على وفرة السلاح وكثرة المال، وإنَّما القوة كل القوة هي التي تأتي من يقظة الضمير الإنساني في نُفُوس الشعوب، ومن الحق على فرنسا ومن الخير لها أن تعلم أنَّ الضمير الإنساني قد استيقظ في العالم الشرقي، وفي العالم العربي خاصة. وقد ذاقت هي وذاق بعض حُلفائها مرارةَ النتائج التي نشأت عن هذه اليقظة.

    فليس لها بُدٌّ إذن من أن تقبل مِصْرَ على عِلَّاتها مرة أخرى، وتعلم أننا لن نلغي ضمائرنا الإنسانية، ولن نسكت على هذه الآثام المُنكَرة التي يقترفها الاستعمار في أي قُطر من أقطار الأرض، وفي الأقطار العربية والإسلامية بنوع خاصٍّ؛ لأنَّ الساكتين على هذه الآثام إنَّما يسكُتون عن الحقِّ، وقد استقر في نُفوسنا منذ قُرون طِوال أنَّ السَّاكت عن الحقِّ شيطان أخرس، ونحن لا نريد أن نكون شياطين ولا أن نكون خرسًا. وخير من الاحتجاج على كلمة الحقِّ حين يُقال أن ترجع فرنسا إلى الحقِّ، وتثوب إلى الرشد، وترد إلى المراكشيين والتونسيين ما ينتظرون أن يُرد إليهم من الحقوق.

  • بين الإفراط والتفريط

    بين الإفراط والتفريط

    طه حسين

    مجلة المصور

    ١٨ أكتوبر ١٩٤٦

    أي الأمرين خير: الإفراط في الحرية أم التفريط فيها؟! تلك هي المسألة التي أحب أن يفكر القراء فيها.

    أريد اليوم أن أدعو القرَّاء إلى التفكير في موضوع خطير، وهو موضوع الحرية الأدبية. وهذا الموضوع يتصل بالسياسة إن شئت، وينفصل عن السياسة إن شئت؛ فهو أوسع منها مدًى وأبعد أثرًا … يتصل بالسياسة من حيث إن الدولة هي التي تُشرِّع القوانين التي تنظِّم حقوق الناس في التفكير والتعبير. فهي تستطيع أن تشرع القوانين سمحة يسيرة مرنة تُتِيحُ للناس أن يفكِّروا كما يشاءون، وأن يعبِّروا عن آرائهم كما يريدون، كما تستطيع أن تشرع هذه القوانين صلبة عابسة ضيقة ترهق الناس من أمرهم عسرًا حين يفكِّرون وحين يعبِّرون!

    وقد قال الفلاسفة — وسيقولون دائمًا — إن حرية التفكير مطلقة للناس جميعًا، لا يستطيع أحد أن يحدَّ منها ولا أن يسيطر عليها، ولا يمكن أن يخضع للقانون؛ لأن سلطان الدولة — مهما يشتد ويمتد — لا يستطيع أن يصل إلى أعماق الضمائر ودخائل النفوس.

    ولكن هذا كلام إن صوَّر الحق من الناحية النظرية الخالصة، فهو لا يصوره من الناحية العملية بحالٍ من الأحوال؛ ذلك أن التفكير الذي لا يتجاوز أعماق الضمائر ودخائل النفوس قد تكون له قيمته الفردية، ولكنه ملغى بالقياس إلى المنفعة الاجتماعية. فيستطيع الفرد أن يفكر كما يشاء، وأن يبني القصور الإسبانية في عمق ضميره ودخيلة نفسه، فلن يكون لتفكيره هذا خطر إلَّا إذا استطاع أن يخرج من عمق الضمير ودخيلة النفس ليبلغ أعماق الضمائر الأخرى ودخائل النفوس الأخرى!

    على أن الأمر لا يَقِفُ عند هذا الحد، بل يتجاوزه إلى ما هو أعظم منه خطرًا وأبعد منه أثرًا؛ فإن الفرد حين يستيقن أن تفكيره لن يتجاوز ضميره ولن يصبح شيئًا اجتماعيًّا يلقاه الناس بالرفض أو القبول ويتخذونه موضوعًا للجدل والخلاف، يزهد في هذا التفكير الذي لا ينفع أحدًا ولا يضر أحدًا، وينصرف عنه إلى غيره من الأشياء التي يمكن أن يُعْنَى بها نظراؤه. وهذا حق إلى حد أن الفرد قد يَأْلَفُ الحياة الضيقة التي تُحَدُّ فيها حرية التعبير؛ فلا يشعر بحاجته إلى أن يفكر في هذا الموضوع أو ذاك، بل لا يشعر أحيانًا بوجود هذا الموضوع أو ذاك إلَّا حين يقرأ كتابًا نشر في لغة أجنبية، وعرض فيه صاحبه لهذا الموضوع أو ذاك، فيعلم حينئذ أن هذا الموضوع موجود، وأنه يمكن أن يفكر فيه المفكرون، ويعبِّر عنه المعبرون، ويجد فيه القارئون لذةً ومتاعًا، أو يجد فيه القارئون ضيقًا واشمئزازًا.

    وأكبر الظن أن كثيرًا جدًّا من إعجاب القراء الشرقيين ببعض الكتب الأجنبية إنما يأتي من أنهم يجدون في هذه الكتب ألوانًا من التفكير لم يألفوها، ولم يجدوا في أنفسهم الحاجة إليها أو القدرة على التعرض لها. ولكنهم يقفون عند هذا ولا يسألون أنفسهم عن الأسباب التي تحول بينهم وبين التفكير في هذه الموضوعات والتعبير عنها. ولو قد سألوا أنفسهم هذا السؤال وتعمَّقوا الجواب عليه؛ لعرفوا أن أهم الأسباب هو نقصان حظِّهم من الحرية التي تُتِيح لهم أن يفكروا؛ لأنهم لا يملكون الحرية التي تتيح لهم أن يعبِّروا. ولو قد أُتيح للشرقيين من حرية التعبير ما أُتيح للغربيين لكان من الممكن جدًّا — بل من المحقق — أن يطرقوا موضوعات لا يطرقها إلى الآن إلَّا الأدباء والمفكرون من أهل الغرب.

    وربما كان من الخير أن نضرب الأمثال لهذه الظاهرة، فالمثقف المصري — مثلًا — يرى حياتنا الاجتماعية وما فيها من النقائص، فيفكر فيها تفكيرًا محدودًا، ويعبِّر عن تفكيره هذا تعبيرًا محدودًا … يطالب بمحاربة الفقر والجهل والمرض، وقد يقترح الوسائل اليسيرة التي تُتيح إزالة الفقر والجهل والمرض. ولكنه يقف من التفكير والتعبير عند هذا الحد! ثم هو يقرأ ما يكتبه الغربيون في نقد الحياة الاجتماعية؛ فيعجب بما يقرأ وقد يُفْتَنُ به فتونًا، وقد يقع في نفسه الحزن؛ لأن هذه الكتب لم تنشأ في اللغة العربية، أو لم تنقل إلى اللغة العربية، ولكنه يعلم حقَّ العلم أن إنشاءها في اللغة العربية ممنوع بالقانون، وأن نقلها إلى العربية ممنوع بالقانون أيضًا؛ فهو يريح نفسه إذن من تعمق التفكير في حياتنا الاجتماعية وفي آفاتها وفي وسائل التخلص من هذه الآفات، ويكتفي بالقراءة لما يكتبه الغربيون إن كان من أولي العزم … فإن كان من أوساط الناس شغل نفسه بما يشغل به أوساط الناس أنفسهم، فأكل كثيرًا، وشرب كثيرًا، وأُغرق في النوم، وتفكَّه بألوان النكت وفنون الحديث!

    وكذلك الأمر فيما يتصل بالموضوعات التي تمسُّ الفلسفة العليا وتمس الدين من قرب أو بعد … فالقارئ الشرقي يرى عند الغربيين أعاجيب قد تروقه وقد تروعه وقد تفتنه، ولكنه يعلم أنه مصدود عنها صدًّا؛ لأن هناك موضوعات قد يستطيع أن يفكر فيها، ولكنه ممنوع بالقانون من أن يعلن القراءة فيها إلى الناس. فهو إذن ممنوع بالقانون من التفكير، قد فرض القانون على عقله الخمود والجمود والكسل فرضًا.

    فأنت ترى مقدار الاتصال بين حرية الأدب وبين السياسة التي تشرع القوانين، فتوسع على الناس أو تضيق عليهم الحرية. على أن السياسة ليست وحدها هي التي تحدُّ من حرية المثقف والأديب، ولعل السياسة في كثير من الأحيان أن تكون مضطرة إلى هذا التضييق اضطرارًا يدفعها إليه العرف، ويدفعها إليه ما يملأ صدور الناس من الحرج إذا أوذيت بغير تألف من ضروب الفكر وفنون القول!

    فالحب مثلًا موضوع هذه الموضوعات الأدبية التي أفنى الشعراء والكتَّاب أعمارهم وجهودهم في درسها وتقصيها دون أن يبلغوا الغاية من هذا الدرس أو هذا التقصي. والقارئ العربي يستطيع أن يجد الأعاجيب من نتائج هذا الدرس والتقصي في كتب الغربيين: في شعرهم حين ينظمون الشعر، وفي قصصهم حين يكتبون القصص، وفي تمثيلهم حين يحاولون التمثيل، وفي فلسفتهم حين يعالجون الفلسفة … ولكنه ممنوع من أن يحاول أن ينشئ في الحب بلغته العربية مثل ما ينشئ الغربيون. يمنعه من ذلك العرف المألوف الذي يفرض على الأدباء والمثقفين حدودًا معينة من الوقار الصادق قليلًا والكاذب كثيرًا، لا ينبغي لهم أن يتجاوزوها. فإن فعلوا فهم خارجون على العرف، معتدون على الأخلاق، مفسِدون للشباب. وهنا تضطر السياسة إلى أن تتدخل لحماية العرف والأخلاق والشباب! وإذن فما حاجة الأديب إلى أن يدرس، وما حاجته إلى أن يستقصي، وما حاجته إلى أن يفكر أو يقول ما دام هذا كله قد ينتهي به إلى سخط الجمهور وإلى بطش السلطان؟!

    هذا كله يصوِّر لك ما يكون بين حرية الأديب وبين السياسة من اتصال وانفصال … فللحرية إذن خصمان: أحدهما يأتي من الدولة حين تُشرِّع القوانين الضيقة العابسة، والآخر يأتي من العرف حين يكون متزمتًا مسرفًا في التزمُّت، وعابسًا مغرقًا في العبوس. وهذا كله ينتهي بالأديب والمثقف إلى الإعراض عن التفكير ما دام عاجزًا عن أن يُذِيع ما فكَّر فيه؛ فيكون التفريط.

    ولكن الحرية لا تشكو من التفريط وحده، وإنما تشكو من الإفراط أيضًا؛ فقد يتحرَّر العرف من كثيرٍ جدًّا من القيود، ويصبح سمحًا يقبل كل شيء، وينتفع بما فيه النفع، ويهمل ما لا يرى فيه نفعًا. وهناك تحرر السياسة كما تحرر العرف، فتُشرع القوانين سمحة يسيرة، أو تهمل تنفيذ القوانين إن كان فيها شيء من العسر والضيق.

    والعقل الإنساني جامح دائمًا، وحرية التفكير لا تعرف لنفسها حدًّا، إلَّا أن يفرض عليها هذا الحد من خارج. ومن أجل ذلك تنتهي هذه الحرية الجامحة التي لا يحدُّها العرف ولا تقيِّدها السياسة إلَّا قليلًا إلى ألوان من الإسراف المؤذي؛ فهي لا تقف عند شيء، ولا ترجو لشيءٍ وقارًا، وإنما تزدري القيم كلها، وتسخر من الحقائق كلها، وتنتهي بالإنسان إلى شيءٍ من اليأس المهلك. ويكفي أن ينظر الإنسان في بعض ما ينشئه الأمريكيون والفرنسيون من الكتب في هذه الأيام — ومن قبل هذه الأيام — ليعرف ما تصل إليه الحرية حين ترسَل على سجيتها.

    فالمسألة الآن هي هذه: أي الأمرين خير؛ الإفراط في الحرية أم التفريط فيها؟

    هذه هي المسألة التي أحب أن يفكر القرَّاء فيها! وأكبر الظن أنهم سيرون كما يرى كل مفكر معتدل أن القصد خير من الإفراط والتفريط؛ لأن خير الأمور أوساطها … ولكن إذا لم يكن إلى القصد سبيل فأي الأمرين خير: الإفراط أم التفريط؟ هذه هي المشكلة.

  • رجوع

    حديث الوادي
    رجوع …
    يقال إن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، ويقال إن العدول إلى الصواب خير من المضي في الخطأ، ويقال إن العودة إلى الإنصاف والعدل خير من الإغراق في الظلم والجور، ومهما يكن مصدر الرجوع إلى الحق، والعدول إلى الصواب، والعودة إلى الإنصاف فهي خصال خير على كل حال، سواء أكان مصدرها الخوف أم كان مصدرها الشعور بالعجز والقصور.
    ذلك أن الرجوع إلى الحق يكف عن الناس شر التمادي في الباطل، فهو يجنبهم آلاماً وأثقالاً، ويصرف عنهم آثاماً وأوزاراً، وهذا خير مهما يكن مصدره.
    وقد أخذ الناس يتحدثون منذ أمس بأن الوزارة القائمة قد أخذت تتردد في أمر الصحافة والتشريع الجديد الذي كانت تريد أن تصدره لتنظيمها وأن تتعجل إصداره قبل أن ينقضي الصيف، وقبل أن يقبل الخريف، وقبل أن يظهر فيه رأي البرلمان.
    فمن الناس من يقول إن الوزارة قد أجلت أو أريد أن تؤجل هذا التشريع كله إلى الدورة البرلمانية المقبلة، ويعللون ذلك بأن هناك مفاوضات قد اتصلت بين الوزارة وبين الدول لينفذ هذا التشريع في الأجانب والمصريين جميعاً. فلا معنى لإصدار التشريع، قبل أن تنتهي المفاوضات.
    ومن الناس من يقول إن الوزارة قد قسمت هذا التشريع قسمين، وأزمعت أن تصدر أحد هذين القسمين معجلاً، وأن تصدر الآخر نسيئة، بعد أشهر. فأما القسم المعجل فهو ما يمس نقد الأشخاص من الأحياء بالكتابة والتصوير، وأما القسم المؤجل فهو ما يمس نقد الموتى في فصول الصحف وكتب التاريخ.
    ومهما يكن من شيء فإن في موقف الوزارة تردداً واضطراباً، فهي أشبه بقوم وقفوا في دهليز الدار لا يدخلون ولا يخرجون، وإنما ينظرون مرة إلى أمام، ومرة إلى وراء يهمون أن يتقدموا، ثم يبدو لهم فإذا هم يقفون، ويهمون أن يتأخروا ثم يبدو لهم فإذا هم يعودون إلى حيث كانوا لا يدرون أيقدمون أم يحجمون، وأكبر الظن أن موقف الصحفيين من هذا التشريع وإنكارهم له، واحتجاجهم عليه وإظهار ما فيه من سيئات واعتزامهم أن يذيعوا ذلك في أقطار الأرض كلها على نقابات الصحف، وأندية العلم، كل ذلك قد اضطر الوزارة إلى أن تفكر وتقدر، ولولا أنها كانت قد دخلت من الباب وانتهت إلى الدهليز لعدلت عن تشريعها عدولاً، ولانصرفت عنه انصرافاً. ولكنها تقدمت خطوات فيما يظهر، ثم أتاح الله للصحافيين من كشف السر، ورفع الستر، وأظهر ما كان يدبر بحرية الرأي وكرامة العلم، وأمانة التاريخ فكان الإنكار والاحتجاج وكانت الحيرة، ووقف الوزراء حيث كانوا لا يدخلون ولا يخرجون.
    ونحب ألا يشعر الوزراء بأننا نتحداهم أو نسجل عليهم ضعفاً وإحجاماً، فرب ضعف خير من قوة، ورب إحجام خير من إقدام.
    ونحن إنما نكتب ما نكتب لنلفت الوزراء إلى أن الأناة خير من الإسراع والمهل خير من التعجل، وقد كان يقال إن هذا التشريع قد ولد في الصيف الماضي، على ساحل البحر، ولكن لم يتح له أن ينشأ ولا أن يترعرع، ولا أن يستمتع بالحياة، ولا أن يعرض على البرلمان، في دورته الماضية.
    وأكبر الظن أنه لم يهمل إلا لأن الخير ظهر في إهماله، ولم يترك إلا لأن الشر ظهر في الإقبال عليه. فما الذي جد أثناء هذا الصيف، حتى يحاول قوم إحياء الموتى، ونشر هذا التشريع الذي لم يستطع أن يواجه الضوء منذ عام. والغريب أن مثل هذا التشريع إنما يكثر التفكير فيه، والحديث عنه في غيبة البرلمان، أي في الوقت الذي لا يسمح الدستور فيه بإصدار القوانين إلا حين تدعو إليها الضرورات الملجئة، فهل يفهم من هذا أن قوماً لا يستطيعون مواجهة الحياة الدستورية حتى حين تكون ضعيفة ضيقة، فهم ينتظرون ويستخفون، ويتمهلون وينتهزون الفرص ليشيروا على الوزارة بوضع البرلمان أمام الأمر الواقع وإصدار القوانين في غيبته دون أن يستطيع القضاء فيها برفض أو قبول. وهم يعلمون حق العلم أن القانون إذا صدر، ثم عرض بعد ذلك على البرلمان، كان من العسير رفضه، لأن في هذا الرفض خذلاناً للوزارة، وتنكراً لها، وخذلان الوزارة في هذه الأيام أمر لم تجر به التقاليد في عهدنا الدستوري السعيد.
    وكان يقال أيضاً أن من الناس من يضيق بالصحافة والمحاماة، إلى أبعد غايات الضيق. ويريد أن ينظم المحاماة تنظيماً يخضعها لسلطان الوزارة أشد الخضوع، وأن ينظم الصحافة تنظيماً ليس أقل شدة ولا حدة من تنظيم المحاماة، وقد كانت محاولات في تنظيم المحاماة، ولكنها لم تستطع أن تنفذ من البرلمان فأنفذ بعضها في غيبة البرلمان. وكأن الذين يريدون التضييق على الصحافة والمحاماة، أشفقوا من أن يكون حظ تنظيم الصحافة كحظ تنظيم المحاماة أمام البرلمان، فلم يقدموا تشريعهم في الدورة الماضية ولم يريدوا أن ينتظروا به الشتاء المقبل، وإنما هموا أن يسبقوا الحوادث وينتهزوا الفرص ويصدروا التشريع والبرلمان غائب، والناس مثقلون بآلام الصيف فلم يتح لهم هذا. وحيل بينهم وبين ما كانوا يشتهون، وظل الوزراء كما قلنا في الدهليز لا يدخلون ولا يخرجون.
    وكان بعض الناس يتحدث عن هذا كله في أسمار أمس، ويلتمس له العلل وضروب التأويل، ولكن واحداً منهم جعل يستمع للأحاديث مطرقاً، حتى إذا فرغ الناس منها أدلى هو برأيه في التعليل والتأويل، وكأنه كان موفقاً فلم ينكره أحد وإنما أقره السامعون جميعاً. وهذا الرأي هو أن بعض الموتى تراءى لبعض الأحياء، أثناء اليقظة أو أثناء النوم، وحذره في لهجة مزعجة وصوت مخيف من أن يعرض للتاريخ، أو لنقد الذين فارقوا الحياة. لأن الموتى ليسوا في حاجة إلى من يحميهم، وكأنه قال له في لهجته المزعجة، وصوته المخيف، دونكم منافعكم العاجلة، وأعراضكم الزائلة، وأمانيكم الباطلة، فاعبثوا بها إن شئتم العبث، وجدوا فيها إن أحببتم الجد، فأما شؤون الموتى فقد خرجت من أيديكم، وأصبح التعرض لها، إثماً محظوراً وحجراً محجوراً، لا يدنو منه أحدكم، إلا رد عنه أعنف الرد وصد عنه أشنع الصد، فإن كنتم في ريب من هذا فقيدوا نقاد الموتى وكتاب التاريخ، ثم انتظروا فسترون. قال الراوي: فلما سمع من ألقي إليه هذا الحديث لهجة هذه اللطائف المزعجة وصوته المخيف، اضطرب أشد الاضطراب، وقص الأمر على من يحسن تعبير الأحلام والتنبؤ ببعض شؤون الغيب فلم يزده إلا خوفاً وروعاً. هنالك أحجم ونصح بالإحجام، فانتهى أمر هذا التشريع إلى هذا الموقف الذي انتهى إليه الآن: موقف التردد بين التأجيل المطلق الذي يريح البال، وبين التأجيل الجزئي الذي يؤمن من سخط الموتى، ويظهر الوزارة على شيء من القوة، لأنه يعصمها من الإحجام كله، وماش خير من لاش…
    أما نحن فنؤكد للوزراء أنهم يستطيعون أن يعرضوا عن هذا التشريع كله إعراضاً، فقد يجدون من هذا الإعراض قوة لا ضعفاً، وأي قوة تشبه هذه القدرة على كبح الأهواء والشهوات، ورد النفس إلى الحق، بعد أن تبين لها في جلاء ووضوح. . .
    . طه حسين
    الوادي، ٩/٣/ ١٩٣٤ .

  • معصومون

    حديث الوادي
    معصومون… . . .
    هم سادتنا وحكامنا الذين تريد الوزارة القائمة أن تحميهم بالقانون، بعد أن يفارقوا هذه الحياة، وأن تحظر على الصحفيين والناقدين وكتاب الأدب والتاريخ أن يتناولوهم بما لا يحب لهم الحاكمون القائمون. والحق أن أمر هؤلاء السادة المعصومين سيكون مشكلاً أشد الإشكال، غامضاً أشد الغموض، مثيراً لضروب من الشك لا تحصى وألوان من الريب لا تستقصى. فما نظن أن الوزارة تريد أن تحظر على الكتاب والمؤرخين ذكرى الموتى، على أي حال من الأحوال. وإنما هي تريد أن تحظر فيما يظهر نيلهم بما يسوء، أو بما لا يرضى.
    وإذن فمن الذين يحكمون في أن ما قاله الكتاب فيهم يسوء أو لا يرضى؟ أهم الموتى أنفسهم؟ فما رأينا ميتاً يخرج من القبر ليقاضي حياً فيما كتب عنه أو قال فيه. أم هم الأحياء من الحكام والوزراء؟ فقد نحب أن نعلم كيف يستطيع الأحياء أن ينوبوا عن الموتى فيما لم ينيبوهم فيه فيقولوا إن من شأن هذا الحكم أن يرضيهم، ومن شأن هذا الحكم أن يسوءهم، ومن شأن هذا الحكم أن يمسهم بالأذى.
    هذا نوع من التحكم ومن التحكم القبيح لا في الأحياء وحدهم، بل فيهم وفي الأموات.
    فقد أكتب فصلاً عن حاكم من الحكام انتقل إلى الدار الأخرى، وقد يعجز هذا الفصل عن إرضاء الوزارة القائمة، وتراه مسيئاً إلى هذا الحاكم الذي مات فتقاضيني في هذا الفصل. ومن الممكن أن يكون رأي الحاكم الميت في هذا الفصل لو قرأه حسناً، ومن الممكن أن يكون رضاه عنه موفوراً، فمن يدري لعل الموت يمحو من نفوس الموتى كل استعداد للضغينة وكل ميل إلى الانتقام، أو لعل الموت يغير صور الأشياء وطبائعها وقيمتها في نفوس الموتى فإذا هم يرضون بعد الموت عما كانوا يكرهون أثناء الحياة، وإذا الذين كانوا يخافون الحق ويفزعون منه، ويحاربون أصحابه وهم أحياء، قد أصبحوا يرضون الحق ويطمئنون إليه، ويحبون دعاته بعد الموت. وإذن فقد تقاضيني الوزارة رغم هذا الحاكم الميت الذي لو أتيح له النشور لقبل رأيي فيه، ولغير سيرته كلها، ولاستغفر الله والناس من تفريطه في ذات الله والناس، ومن يدري لعل الموت يرد الناس إلى الرشد، ويلهمهم الخير، ويحبب إليهم المعروف ويصلح نفوسهم بعد فساد، فهم يقبلون النصيحة بعد الموت، وقد كانوا يستكبرون عليها وهم أحياء، وهم يؤثرون العفو بعد الموت، وقد كانوا يؤثرون الطغيان وهم أحياء. فالوزارة حين تزعم لنفسها حماية الموتى من النقاد والمؤرخين لا تتحكم في النقاد والمؤرخين وحدهم، وإنما تتحكم في الموتى، وتوشك أن تعتدي عليهم اعتداء لعلهم لا يرضونه ولعلهم يثورون به ولعلهم ينتقمون من الوزارة من أجله فيروعوا الوزراء في النهار ويسلطوا عليهم الأحلام المخيفة في الليل. والحياة الدنيا غرور تخيل إلى الأحياء أنهم فوق النقد وأنهم فوق النصيحة، وأنهم فوق الإرشاد، وأنهم معصومون من كل ما لا يليق بالعظماء المقدسين. ولكن الحياة الآخرة بريئة من هذا الغرور، نزيهة من هذه الكبرياء، مطهرة من هذا الفساد، فما بال الوزارة تريد أن تتبع الموتى بما في هذه الحياة الدنيا من شر وإثم؟ وما بال الوزارة تريد أن تحمل الموتى من الآثام والسيئات ما لا يحبون أن يحتملوا؟ وهل أقبل ميت من الموتى إلى رئيس الوزراء أو إلى غيره من زملائه أو إلى مشير من مشيريه في يقظة أو نوم، فأنبأه بأن ناقداً قد نقده فآذاه أو بأن مؤرخاً قد وصفه فألمه، أو بأنه في حاجة إلى أن ينتقم له السلطان من هذا المؤرخ أو ذلك الناقد فظهر هذا الميل الغريب إلى حماية الموتى بقانون من النقاد والمؤرخين؟
    وهل لجأ رئيس الوزراء أو زملاؤه، أو مشيروه، حين رأوا وسمعوا شبح هذا الميت، وهم أيقاظ، أو هم نائمون إلى الذين يحسنون تلاوة الرقى، وقراءة العزائم وتعبير الأحلام ليتبينوا في غير شك أن الموتى يطالبون بهذا القانون، ويلحون في هذه الحماية، ويضجون من النقد والتاريخ؟
    إن رئيس الوزارة وزملاءه ومشيريه فيما نعلم قوم لهم حظ من ثقافة ومن ثقافة حديثة عصرية، قد تكون واسعة جداً، وقد تكون معتدلة، وقد تكون ضيقة إلى حد ما. ولكنها ثقافة حديثة على كل حال تعلم أصحابها أن الإنسان إذا مات خرج من أطوار الحياة كلها وأصبحت أعماله وسيرته ملكاً للتاريخ يقضى فيها كما يرى لا كما يريد الناس، ولا كما كان يريد هو. ونظن أن وزراءنا والذين يشيرون عليهم، قد عرفوا شيئاً من أخبار هذه القضية العظيمة التي كثر الحديث عنها في فرنسا منذ أعوام. فقد عرض بعض مؤرخي الآداب للكاتبة المشهورة جورج ساند فوصفها بسوء السيرة في حياتها، وآثر في وصفه شيئاً من الصراحة، وضاقت حفيدة الكاتبة بهذا المؤرخ لأنه يسيء إليها حين يسيء إلى جدتها فرفعت أمره إلى القضاء وردها القضاء خائبة، لأن جورج ساند ليست ملكاً لأبنائها بعد أن ماتت، وإنما هي ملك للتاريخ. أم هل يصح ما يتحدث به الناس من أن الذين يشرعون هذا القانون أو يشيرون به لا يفكرون فيمن مات، وإنما يفكرون في الأحياء، ويتنبأون بما قد يكون ويريدون أن يجعلوا وزراءنا بمأمن من النقد، بعد أن ينتقلوا من هذه الدار بعد عمر طويل؟ فهذا إسراف في الاحتياط وغلو في الكبرياء، وغرور تسبق به الحوادث وإغراق في الإيمان بالنفس وفي الثقة بالسلطان. على أن الإنسان الذي لا يستطيع أن يحمي نفسه حياً من بعوضة تؤذيه لا يستطيع أن يحمي نفسه ميتاً من نقد النقاد، وتاريخ المؤرخين.
    ألا يوافقنا الوزراء والذين يزينون لهم شرع هذا القانون على أن هذا النحو من التفكير والتقدير ومن الفهم والحكم لا يليق بقوم مثقفين، يؤمنون إذا خلوا إلى أنفسهم وإذا تحدثوا إلى الناس بأن الحياة الدنيا لهو ولعب وغرور وبأن الإنسان إذا خرج منها فليس له على أهلها سبيل إلا أن يكون عظيماً قد سار فيهم سيرة حسنة وقدم إليهم من الخير ما يفرض عليهم حبه فرضاً.
    ثم ما بال الذين يريدون أن يمنعوا الناس من نقد الموتى في الصحف والكتب يقفون بغرورهم عند هذا الحد، والحق عليهم أن يمنعوا الناس من نقد الموتى بالألسنة وبالضمائر أيضاً، وأن يشرعوا قانوناً يحظرون فيه على الأحياء أن يذكروا الأموات كتابة أو لفظاً أو تصويراً أو إشارة أو تفكيراً بغير ما يحبون، وأن يهيئوا لتنفيذ هذا القانون جيوشاً من الإنس تراقب الناس إذا تكلموا أو كتبوا أو صوروا أو أشاروا وجيوشاً من الجن والشياطين تراقب الناس إذا فكروا أو تدبروا أو اضطربت نفوسهم بالخواطر التي يكرهها الأموات؟
    وأخرى لست أدري كيف لم يفطن لها الوزراء والذين يزينون للوزراء شرع هذا القانون الغريب وهي الإساءة الشنيعة إلى سمعة مصر في العالم المثقف كله فسيسجل الناس في جميع أقطار الأرض يوم يصدر هذا القانون أن كل ما يروى في مصر من الأنباء، وكل ما يكتب من النقد، وكل ما يؤلف فيها من التاريخ مزيف مدخول لا ينبغي قبوله، ولا الاطمئنان إليه، لأن النفاق والكذب، وتشويه الحقائق وتملق الأحياء والموتى؛ كل هذا يفرض في مصر بقانون.
    ما أجدر الوزراء أن يفكروا، وما أجدر الذين يزينون للوزراء، أن يفكروا فإن خوف الناس من النقد لا ينبغي أن يجشمهم هول الاعتداء على الحق والأخلاق.
    ولقد تحدثنا السير بأن ابن الزبير هاب الموت في بعض أيامه مخافة أن يمثل به الحجاج، فقالت له أمه أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهم جميعاً: يا بني إن الشاة إذا ذبحت لا تألم من السلخ.
    فليذكر الذين يشرعون هذا القانون أن الإنسان إذا خرج من هذه الدنيا لا يؤذيه النقد، ولا يؤلمه التاريخ.
    طه حسين
    الوادي، ١٩٣٤/٨/٣١ .

  • منذ اليوم

    حديث اليوم: منذ اليوم

    طه حسين

    جريدة السياسة

    ٦ يوليو ١٩٣٢

    من المحقق أننا أحرار كأحسن ما يتمنى الناس أن يكونوا أحرارًا؛ لأن الدستور قد كفل لنا الحرية على اختلاف ألوانها وتباين فنونها. نحن أحرار في التفكير؛ لأن حرية الرأي مكفولة في الدستور. وأحرار في القول والكتابة؛ لأن حرية القول والكتابة مكفولة في الدستور. وأحرار في الحركة والانتقال؛ لأن حرية الحركة والانتقال مكفولة في الدستور. نحن أحرار كأحسن ما يتمنى الناس أن يكونوا أحرارًا. ولو عرف المصريون ما يلقاه غيرهم من الناس في بلاد كثيرة من ألوان الاستبداد وفنون الإذلال؛ لما كفَّت ألسنتهم عن الثناء على رئيس الوزراء. وقد كدت أسميه الدكتاتور، ولكني أمسكت؛ لأن دكتاتوريته الفعلية إنما تبتدئ بعد يومين، حين يتفرق البرلمان فتستأثر الحكومة استئثارًا فعليًّا بالتشريع والتنفيذ حتى يعود البرلمان إلى الاجتماع. فهو إذن رئيس الوزراء إلى مساء الخميس، وهو الدكتاتور بعد ذلك. ولو عرف المصريون ما يلقاه غيرهم من استبداد واستعباد لأثنوا على رئيس الوزراء أحسن الثناء، ولكنهم يجهلون ذلك فلا يرضيهم ما هم فيه من النعيم والعزة والسعادة. وأخلق بهم مع هذا البطر والأشر أن يصيبهم ما يكرهون.

    أمرهم في الحرية كأمرهم في الرخاء، يحسبون أن في بلادهم أزمة، وقد أخبرهم رئيس الوزراء أن أزمتهم ليست شيئًا يذكر بالقياس إلى أزمات الأمم الأخرى، وأنها أقرب إلى الخيال منها إلى الحقيقة. ويحسبون أن حظهم من الحرية قليل، وقد أخبرهم رئيس الوزراء أن حظهم من الحرية كحظِّ غيرهم من الأمم الحرة المستقلة التي تستمتع بالنظام الديمقراطي الصحيح. والغريب من أمر هؤلاء المصريين أنهم يستمعون لرئيس الوزراء إذا خطب ويقرءونه إذا كتب أو تحدث إلى الصحف، ثم يشكون فيما يقول ولا يطمئنون إليه! يصدقون أنفسهم ولا يصدقون رئيس الوزراء، وحسبك بهذا إثمًا وبغيًا، وحسبك بهذا بطرًا وأشرًا. ماذا؟ ألأنهم يحسون العسر والضنك، وتألم كثرتهم من الخوف والجوع، يعتقدون أنهم مأزومون ولا يصدقون رئيس الوزراء حين ينبئهم بأن بلادهم لم تعرف العسر ولا الضنك بعد، وبأن الخوف والجوع لم يجدا بعد إليهم سبيلًا؟!

    اللهم إني أعوذ بك من هذه الفتنة، وأستعينك على هذه المحنة، وأضرع إليك في أن تعفيني مما تورط فيه هؤلاء المصريون الذين يرون أنفسهم أصدق من رئيس الوزراء. اللهم إني أعلن أن رئيس الوزراء صادق دائمًا، صادق حين يزعم لي الحرية وأنا مغلول، صادق حين يزعم لي الرخاء وأنا مأزوم. صادق حين يزعم لي الأمن وأنا خائف. صادق حين يزعم لي الشبع وأنا جائع. صادق في كل ما ينبئني به عن نفسي مهما أجد أنا ومهما أحس ومهما أشعر، ومهما تنبئني نفسي بغير ما يقول؛ ذلك لأنه رئيس الوزراء، ومعاذ الله أن أصيب أنا ويخطئ رئيس الوزراء، أو أصدق أنا ويكذب رئيس الوزراء!

    نحن إذن أحرار كأحسن ما يتمنى الناس أن يكونوا أحرارًا، ولو عاش مصطفى كامل رحمه الله في هذه الأيام التي نعيش فيها نحن؛ لكان أسعد الناس وأشدهم اغتباطًا حين يرى أمنيته الغالية حقيقة واقعة. فقد أصبحنا بفضل رئيس الوزراء أحرارًا في بلادنا مكرمين لضيوفنا، أحرارًا نفكر كما نشاء ونقول ما نشاء وننتقل كما نشاء. لا يجتمع البرلمان لينكر علينا ما نفكر أو ما نقول، ولا تطلب مشيخة الأزهر مصادرة كتبنا أو تحريقها. ولا تتعقبنا الشرطة حين نذهب أو نجيء، ولا تبلغ وزارة الداخلية أنباء ما يعترينا من حركة أو سكون. ولا يعدل بقطاراتنا عن الطريق العامة إلى الصحراء، ولا تحفر أمامنا الخنادق، ولا تهيأ لنا المكايد. نحن أحرار نفكر ونقول وننتقل كما نريد نحن لا كما تريد لنا الحكومة. ولا تصدق الأحرار الدستوريين ولا تصدق الوفديين، فأولئك وهؤلاء إنما يتجنون على الحكومة، ويقولون فيها غير الحق. ونحن مكرمون لضيوفنا. وما أشد إكرامنا لهم وسخاءنا عليهم! ننفحهم بالأموال ما أقاموا فينا، فإن رحلوا عنا تبعتهم أموالنا كما كان النظام القديم.

    انظر إلى عنايتنا بالأجانب سواء منهم الموظف وغير الموظف. ألسنا نفرض على الموظفين رسم الدمغة؟ فأما المصري فيؤديه صاغرًا وأما الأجنبي فيؤديه شكلًا، ثم يزاد في مرتبه ما يعوض عليه هذا الرسم. فإذا ارتحل الأجنبي عنا تبعته أموالنا في أشكال مختلفة. ألسنا نقرض السودان (أي الإنجليز) ونحن في حاجة إلى من يقرضنا؟! ألسنا ندفع كذا إلى الديلي تلغراف لتصدر ملحقًا خاصًّا عن مصر؟! نحن أحرار في بلادنا مكرمون لضيوفنا بفضل رئيس الوزراء الذي عرف كيف يجعل خيال مصطفى كامل حقيقة لا تتعرض لشك ولا ريب.

    ولكن الدستور الذي يكفل الحرية يأبى إلا أن ينظمها، وإذن فلا بد من أن تشرع لها القوانين، وتقام لها الحدود، ولا ذنب لرئيس الوزراء في أن يكون دستورنا كدساتير الأمم الأخرى ليقيم للحرية من الحدود والسدود ما يمنعها من الطغيان والعدوان، وقد جربنا الحرية التي لا يقام لها حد ولا سد، فرأينا نتائج هذه التجربة منكرة مرذولة. رأينا الناس يشكون فيما يقول رئيس الوزراء، فلا يصدقون أنهم أحرار ولا يصدقون أنهم أغنياء. رأيناهم يسيئون الظن بالحكومة فينكرون من أعمالها ويشكون في أقوالها وينقدون البرلمان، وأي إثم يعدل نقد البرلمان؟! وإذن، فلا بد من إقامة الحدود والسدود أمام هذه الحرية الطاغية. يجب أن يقتنع الناس في مصر بما يقتنع الناس به دائمًا في البلاد الراقية التي تعرف الحرية والديموقراطية من أن الحكومة مصيبة أبدًا لا يمكن أن تخطئ، صادقة أبدًا لا يمكن أن تكذب. ومن أن النواب والشيوخ مقدسون، مَن نالهم بالنقد فقد أسرف على نفسه واعتدى على وطنه وعرَّض نفسه لأشد العقاب.

    الأحرار في أوروبا يعرفون هذا؛ لأن عهدهم بالحرية والدستور قديم. أما المصريون فحديثو عهد بتلك وذاك، فلا بد لهم من التربية والتأديب، ولا بد من أن تعلمهم الحكومة ما كان ينبغي أن تعلمهم التجربة. ولا بد من أن يقوم التشريع الرسمي مقام الذوق والإحساس والشعور.

    أرأيت فرنسيًّا ينكر ما يقول هريو أو يسخر من البرلمان؟ أرأيت إنجليزيًّا يشك فيما يقول مكدونلد أو ينقد مجلس العموم؟ لا تصدق الصحف الفرنسية ولا الإنجليزية إذا نقلت إليك ما يقوله ترديو أو هندرسون أو أنصار هذا وذاك. فإن هؤلاء الفرنسيين والإنجليز قوم مكرة، يصدرون من صحفهم طبعتين مختلفتين: إحداهما صادقة تنشر في فرنسا وإنجلترا وتمثل المعارضة في صورتها الحقيقية مذعنة للحكومة، مؤمنة بها مصدقة لها، تمنحها كلَّ نصر وتأييد. والأخرى كاذبة مضللة ترسل إلى مصر خاصة وإلى الشرق عامة؛ لتفسد العقول والذوق والشعور. وهي تصور المعارضة مناوئة للحكومة وللكثرة البرلمانية. تنقدهما أشد النقد وتنكر عليهما أقبح الإنكار. وهل تنتظر من هؤلاء الأوروبيين أن يرسلوا إلينا من صحفهم ومجلاتهم وكتبهم إلا ما يفسد العقول ويعلمنا نقد الوزراء والنواب والشيوخ، والشك فيما يقولون ويفعلون. نحن إذن مسرفون على أنفسنا. وحكومتنا مخلصة في حبنا ناصحة لنا حين تؤدبنا بأدب الأمم الراقية، فتضع أمام حريتنا الطاغية من الحدود والسدود ما يعلمنا كيف نصدق رئيس الوزراء إذا قال، ونطيعه إذا أمر، وكيف نقدس النواب والشيوخ ونؤمن لهم بأنهم معصومون من الخطأ مضطرون دائمًا إلى الصواب.

    لقد شرعت لنا الوزارة شرعًا جديدًا. يعلمنا كيف نكون أحرارًا حقًّا، وقد أقر مجلس النواب هذا الشرع الجديد منذ أيام، وما أرى إلا أن مجلس الشيوخ سيقره الليلة. فليست غيرة الشيوخ علينا بأقل من غيرة النواب، وإذن فمنذ اليوم سنكون أحرارًا حقًّا. ومنذ اليوم سيعرف الكتاب والخطباء — إن كان للمعارضة أن تخطب — والصحفيون ما أقيم أمامهم من الحدود والسدود؛ ليوجهوا الشعب نحو الحرية الصحيحة والديمقراطية الصادقة.

    ولعل الكاتب الفرنسي بومارشيه قد صور هذه الحدود والسدود أحسن تصوير حين انتطق بطله فيجارو بها في قصته المشهورة «زواج فيجارو». فللصحفي حريته في القول والكتابة بشرط ألا يمس السلطة، ولا الدين، ولا السياسة، ولا الأخلاق ولا الأشخاص الذين يشغلون مكانات ممتازة، ولا الهيئات المحترمة، ولا الأوبرا، ولا التمثيل بوجه عام، ولا أي شخص يتصل بأي عمل. فإذا تجنب هذا كله وخضع لاثنين أو ثلاثة من المراقبين بعد ذلك فله أن يقول ما يشاء.

    أيها الكُتاب والخطباء والصحفيون، هذه الحدود قد رسمت لكم منذ اليوم، فاعرفوها واحذروا أن تتجاوزها، وقولوا بعد ذلك فيما تريدون. صفوا جمال الطبيعة وصفاء الجو واعتدال الإقليم، واحذروا أن تشكُّوا في أنكم أحرار! فأنتم أحرار كأحسن ما يتمنى الناس أن يكونوا أحرارًا. بذلك يخبرنا رئيس الوزراء، وإذا قال رئيس الوزراء، فقوله الحق مهما تحسوا ومهما تشعروا ومهما تعتقدوا.

    تعلموا منذ اليوم كيف تكون الكتابة الحرة والخطابة الحرة والصحافة الحرة. فمن اعتدى بعد ذلك فإنما يعتدي على نفسه، ومن أحسن فإنما يحسن إليها. أما أنا فقد عرفت طريقي فلن يسمع مني رئيس الوزراء منذ اليوم إلا الحمد والثناء، وأي الناس أحق بالثناء من رئيس الوزراء؟! أليس قد ضمن لنا الحرية الصحيحة والديمقراطية الصادقة في ظل دستوره الجديد؟!