تأديب …! (١)
طه حسين
جريدة البلاغ
٣١ يوليو ١٩٤٥
لعل أقوى ما يشعر به المصريون الذين لا يشملهم عطف الحكومة ورضاها في هذه الأيام — وهم بالطبع أكثر المصريين — هو أن الحكومة تقوم على تأديبهم أكثر مما تقوم على رعايتهم؛ فهي — والحمد لله — لا تأخذهم بالرفق ولا تسوسهم باللِّين، وإنما تمضي في سياستها لهم على الحزم والعزم وإظهار البأس الشديد.
وليس أدل على ذلك من تصوُّر حكومتنا للحرية وضربها على أيدي الذين يريدون أن يكونوا أحرارًا؛ لأن الله قد خلقهم ليكونوا أحرارًا. فالمصريون مراقبون، لا يجتمعون إلا إذا أذِنت لهم الحكومة في الاجتماع، ولا يخطبون إلا إذا أذنت لهم الحكومة في الخطابة، ولا يأمنون حين يكتُبون إلا إذا رضيت الحكومة عمَّا يكتبون، فإن كتبوا ما يحزنها أو يسوءها، فقد كانت الرقابة قائمة تمنع الإذاعة، فلما أُلغِيَت الرقابة قامت النيابة تُحقِّق وتواصل في التحقيق، وترسل إلى السجن الاحتياطي، وتفرض الكفالات المالية فرضًا متَّصِلًا لا يعرِف الانقطاع. وما أُحِبُّ أن أجادل النيابة فيما تدعو إليه من تحقيق، ولا فيما تُقدِم عليه من حبس احتياطي، ولا فيما تفرض من كفالات مالية؛ فالنيابة سلطة قضائية أمامها قانون تنفذه كما ترى، وهي مسئولة أمام ضميرها وأمام القانون عن هذا التنفيذ، وإنما أريد — ومن حقي أن أريد — لفتَ المصريين إلى أن الله لم يخلُق الحكومات لتأديب المحكومين، وإنما خلقها لرعاية حقوقهم والقيام على مصالحهم. فهي خادم لهم لا أكثر ولا أقل. وليس من حق الخادم أن يؤدِّب المخدوم، وإنما الحق عليه أن يطيعه وينفِّذ أمره وينزل عند إرادته ويتخلى عن عمله حين يريد الشعب، وهو سيد نفسه وسيد حكومته أن يتخلَّى عن هذا الأمر. ومن حقي أيضًا أن ألفت المصريين إلى أن لهم أن يطالبوا بتعديل القوانين القائمة إذا تبينت لهم مصلحة في تعديل هذه القوانين، أو تبيَّن لهم شَرٌّ في بقاء هذه القوانين كما هي. فاحترام القانون القائم شيء طبيعي، ولكن احترام القانون شيء وتقديسه شيء آخر. وقد وضعت القوانين لخدمة الشعوب، ولم تخلق الشعوب لتقديس القوانين، فإذا كان من حق النيابة ومن واجبها أن تنفذ القوانين كما ترى، فمن حَقِّنَا نحن أن نطالب بتعديل هذه القوانين حين تظهر حاجتنا إلى هذا التعديل.
وقد يكون من الظريف الطريف أن يلاحظ المصريون أننا لا نعرف بلدًا من بلاد الله في هذه الأيام يُحبس فيها الكتاب حبسًا احتياطيًّا في قضايا الرأي إلا مصر، مصر وحدها؛ فمصر التي لم تشارك في الحرب إلا بعد أن وضعت أوزارها، مصر التي احتملت أوزار الحرب، ولم تجنِ من ثمارها إلى الآن إلا هذا التضييق على أبنائها لا في أرزاقهم وحدها، بل حرياتهم أيضًا.
وقد كان زيد يتحدث إلى أهل البصرة فيسألهم أن يدعو الله لأئمتهم الذين يؤدبونهم ويسوسونهم بسلطان الله الذي أعطاهم، ولكن هذا كان منذ اثني عشر قرنًا، وأصبحنا نحن الذين نعطي الحكومة ما في يدها من سلطان، ونستطيع أن نسترد ما أعطينا.
فمن حقنا إذن أن نكلف الحكومة ما ترى المصلحة في أن نكلفها إياه.
ونحن نرى المصلحة الآن في أن نطلب إليها تعديل القوانين بحيث لا يُسمح للنيابة بالحبس الاحتياطي في قضايا الرأي.
وقد اتخذت الحكومة قانونًا — أستغفر الله، بل مرسومًا بقانون — منعت فيه المحاكم من أن تسمع للقضايا التي تُرفع بشأن الاستثناءات. وهذا القانون ما زال مشكوكًا في دستوريته، ولكن الحكومة اتخذته على كل حال.
ونحن نطلب أن تتَّخذ الحكومة الخطوات الدستورية لتعديل القوانين التي نطلب تعديلها؛ فإن لم تفعل فإن البرلمان لم يوجد ليذهب ويجيء ويخطب ويسمع الخطب، وإنما وُجِدَ ليكلف الحكومة ما يريد الشعب، وليفرض على الحكومة ما يريد الشعب، فليَقُم البرلمان بتعديل القوانين إذا لم تستجب الحكومة إلى ما يدعوها إليه. وليعلم الشيوخ والنواب أن ليس مما يشرف مصر أن يتحدَّث الناس عنها في الخارج بأن كُتَّابَهَا ومفكريها يُلقَوْن في أعماق السجون احتياطًا قبل أن تصدر عليهم الأحكام؛ لأنهم كتَبوا ما لا يسر الحكومة أو يرضيها.
فإذا لم تفعل الحكومة ما ندعوها إليه، وإذا لم يفعل البرلمان ما نطلب إليه؛ فمن حق المصريين أن يعتقدوا أن ديمقراطيتهم كلام، وأن حريتهم لغو، وأنهم يعيشون في ظل حكومة تريد أن تؤدبهم وتحملهم على ما تعتقد هي، لا على ما يعتقدون هم أنه الحق والخير.
وقد قررت صحف الوفد ألا تَصدُر غدًا لتلفت الحكومة ولتلفت البرلمان ولتلفت الشعب إلى أن في مصر شرًّا يجب أن يُرفَع، وإلى أن هذا الشر واقع على الحرية التي يكفُلُها الدستور، والتي كانت الحرب في سبيل حمايتها وتقريرها، وهي حرية الرأي.
وقد يقول القائلون كلامًا كثيرًا في احتجاب صحف الوفد غدًا، ولكن المهم هو أن يعلم الشعب أن حرية الرأي فيه تؤذى إيذاءً متصلًا، وقد يكون من المهم أن يمضي يوم لا تحتاج فيه النيابة إلى تحقيق، ولا تقرأ فيه الحكومة ما يسوءها، ويخلو فيه الميدان للذين يطلبون الطعن والنزال إذا خَلَوْا إلى أنفسهم.
ومن يدري لعل احتجاب الصحف الوفدية غدًا أن يُلهِم الحكومة شيئًا من الجِد، ويحملها على أن تستأنف النظر في سياستها، ويبين لها أن القوة قد تعظُم وتشتد، ولكن الحرية ستظل أقوى منها دائمًا، ولا سيما حين تلجَأ إلى السلب، وحين تؤثر الاحتجاب على الظهور، وحين تؤثِر الصمت على الكلام.
ولتحذر الحكومة أن يكثر احتجاب الصحف، ولتحذر الحكومة أن يتصل صمت الكُتَّاب.
Tag: freedom of speech
-
تأديب٢
-
خوف
حديث الوادي
خوف…
يعلن الوزاريون أنه يملأ قلوب الصحافيين المعارضين من هذا النظام الجديد القديم الذي يقال إن الوزارة تهيئه في هذه الأيام لتأخذ به الصحف بعد حين، ونؤكد نحن مطمئنين أن هذا الخوف لا يملأ قلوب الصحفيين الذين يخاصمون الوزارة ولا يبلغها، ولا يرقى إليها، وإنما يملأ قلوب الوزراء وأنصار الوزراء وأتباع الوزراء من هؤلاء الصحفيين الذين يدبر لهم الكيد، وتتربص بهم الدوائر، وتلقى أمامهم الشباك.
نعم نؤكد نحن أن الكتاب الذين يخاصمون الوزارة ويعارضونها لا ينفقون من هذا النظام الذي يهيأ لهم في هذه الأيام أو كان يهيأ لهم من قبل، أثناء الصيف الماضي، قبل أن تزل بصدقي باشا قدمه أو قدم الأقدار. وحين كان صدقي باشا مقيمًا في أوروبا يستشفي ويستريح، وتهيئ الظروف له أسباب السقوط، لقد تحدث إلينا من تحدث في تلك الأيام حين كان صدقي باشا معلقًا بين البقاء في الحكم، والنزول عنه بأن نظامًا جديدًا للصحف قد هيئ، وبأنه صارم، وبأنه مسرف في الصرامة، وبأن إصداره كان شيئًا مرغوبًا فيه، ولكن الظروف لم توات أصحابه، فلم يستطيعوا أن يصدوه. وقد يظهر أن الظروف واتت أصحابه في هذه الأيام، فهم يجدون في إصداره أن صح ما تذيعه المقطم من الأنباء. وقد يظهر أن هذا النظام يحب الصيف، ويحب جو الإسكندرية، ونسيمها العليل، فهو قد ظهر في الإسكندرية أثناء الصيف الماضي، وأكبر الظن أنه قد ولد من اتصال الأحاديث بين الذين تعنيهم الحرية وحمايتها، والنظام وإقراره. وأكبر الظن أن هذه الأحاديث كانت على ساحل البحر، حيث يجلس الناس، أو حيث يمشون، ينظرون إلى الماء والسماء، ويستمتعون بالنور والهواء. ومن هذه الأحاديث ولد هذا النظام فيما يظهر أثناء الصيف الماضي على ساحل البحر كما ولدت آلهة الحسن والجمال، والقد والاعتدال – فيما يقول العامة – من زبد البحر. ثم حالت حوائل، وعرضت شؤون، فلم يتح لهذا المولود الشقي أو السعيد أن يرى الضوء، وينعم بالحياة، وإنما ظل عامًا كاملًا مدفونًا في درج من الأدراج عند صاحبه الذي تمخض عنه رأسه العظيم.
حتى إذا كان صيف هذا العام وعاد سادة اليوم إلى الإسكندرية ومسهم هواء البحر، فرد إليهم شيئًا من نشاط، وفضلًا من حياة، ووصل من أحاديثهم ما كان مقطوعًا، ذكروا ذلك المولود الموؤود، ففكروا في أن يردوا إليه الحياة. واتخذوا المقطم طريقًا إلى التبشير بمقدمه السعيد، فلما أنكره الكتاب المعارضون، ظنت صحف الوزارة أنهم ينكرونه إشفاقًا منه، وفرقًا مما يدبر لهم من الكيد، فليعلم الوزراء وأصحاب الوزراء، والذين يشيرون على الوزراء، والذين يؤيدون الوزراء، أن الكتاب المعارضين لا ينكرون هذا النظام خوفًا منه، ولكن خوفًا على الذين يفكرون فيه، وأن الخوف إن كان قد اتخذ من قلوب بعض الناس له مستقرًا، فهو لم يتخذ مستقره هذا في قلوب المعارضين، وإنما اتخذه في قلوب الذين يكيدون للحرية، ويمكرون بها، ويريدون التنكيل بالأحرار.
هؤلاء هم الذين يخافون، ولولا ذلك ما كادوا للحرية. هؤلاء هم الذين يشفقون، ولولا ذلك ما مكروا بالحرية. هؤلاء هم الذين يهلعون، ولولا ذلك ما فكروا في التنكيل بالأحرار. إن الكتاب المعارضين لم يخافوا من طغيان صدقي باشا وعسفه، وقسوته، ولا مما شرع من قانون، واستحدث من نظام، وإنما ابتسموا لصدقي باشا وأحداثه التي استحدثها ابتسامة الإشفاق عليه، والازدراء لما كان يأتي من السيئات. ثم جاهدوا صدقي باشا ما وسعهم الجهاد وقد هوى صدقي باشا، وما زالوا قائمين، وقد حنى صدقي باشا رأسه وما زالت رؤوسهم مرفوعة، وقد عقد صدقي باشا أو عقدت الظروف لسانه، وما زالت ألسنتهم منطلقة، وقد انزوى صدقي باشا، ونسجت عليه العنكبوت رداءها وما زالوا هم في ميدان الجهاد يرفعون لواء الحرية خفاقًا، يظلون به ملايين الأحرار من أبناء هذا الشعب العزيز. فهم إذن لا يخافون، وهم إذن لا يشفقون، والذين ثبتوا لصدقي باشا وانتصروا عليه، يعرفون كيف يثبتون لعبد الفتاح باشا، وكيف ينتصرون عليه.
كلا. إن الخوف لم يستقر في قلوب المعارضين، وإنما هو مستقر في قلوب هؤلاء الذين رأوا أن بأس صدقي باشا لم يغن عنه شيئًا، فظنوا أنهم يستطيعون أن يغنوا عن أنفسهم بعض الشيء إذا ذهبوا في القسوة والعنف إلى أبعد مما ذهب إليه ذلك الطاغية المسكين. فهم يستزيدون من القوة، وهم يبالغون في الاحتياط، وهم يسرفون في استعمال الشدة، وهم يأبون أن يتعظوا بالمثلات التي خلت من قبلهم، وهم يأبون أن ينتفعوا بالدروس التي ألقتها الأيام على صدقي باشا، وعليهم حين كانوا يعاونون صدقي باشا، وهم يأبون أن يصدقوا أن الإسراف في محاربة الحرية لا يزيد الحرية إلا قوة وشدة
وثباتًا، وهم يأبون أن يصدقوا أن نور الحرية لا يطفأ بالأفواه، وأن نار الحرية لا تخمدها اللوائح والقوانين، وأن قلوب الأحرار لا يعرف الضعف إليها سبيلًا، وهم من أجل هذا يريدون أن يضيفوا شدة إلى شدة، وقسوة إلى قسوة، ونظامًا إلى نظام، لعلهم يعقدون ألسنة لا تريد أن تنعقد، ويحطمون أقلامًا لا تريد أن تخاف. هم يجهلون أن الحق واجد منفذه إلى نفوس الناس، مهما يقم حوله من الأنوار الشاهقة، لأنه أقوى من أن يفلت، وأمهر من أن يحصر، وأعز من أن تناله الأغلال والقيود. إنما يخاف الضعفاء الذين يخاصمون الحق، ويمانعون طبائع الأشياء، فهم في حاجة إلى التحصن والتحرز، وهم في حاجة إلى الاستزادة من النظم والقوانين. فأما الأقوياء الذين لا يريدون إلا الحق، ولا يرضون إلا الحرية، ولا يستبيحون لأنفسهم حياة الذل، فهؤلاء لا يخافون شيئًا مهما يكن بأسه شديدًا.
إني لأبسم حين أقرأ هذا الفصل البديع الذي كتبه صديقنا الأستاذ عزمي في الجهاد صباح اليوم، أراه يشفق على التاريخ، وأراه يشفق على حرية النقد، وأراه يدافع عن التاريخ وحرية النقد، بحجج المنطق وبراهين التفكير المستقيم. لقد أضاع الصديق وقته وجهده، في غير غناء، إن الذين يكيدون للتاريخ ولحرية النقد، يعلمون أنهم يكيدون، ويعلمون أنهم يظلمون، ويؤمنون إذا خلوا إلى أنفسهم وإلى ضمائرهم بكل ما قال الصديق. فمحاولة إقناعهم ضرب من العبث، لأنهم مقتنعون أن خير نقد يساق إليهم إنما هو تشجيعهم على الإمعان في الشدة وحثهم على الاستزادة من القسوة، وإغراؤهم بالإسراف في محاربة الحرية. فهذا وحده هو الذي يريهم الحق ساطعًا لا شك فيه يوم يفشلون عما يريدون كما فشل صدقي باشا عما كان يريد، ويوم يعجزون عن إذلال مصر. كما عجز صدقي باشا عن إذلال مصر.
فليكف المعارضون عن لوم هؤلاء الذين يأتمرون بالصحف، وليدفعوهم إلى هذا الائتمار دفعًا، فلن تخسر الصحف منه شيئًا، ولن يربحوا هم منه شيئًا، ولن يزال لواء الحرية خفاقًا في جو مصر مثل ملايين الأحرار من أبناء هذا الشعب العزيز الذي لا يعرف قلبه الخوف.
طه حسين
الوادي، ١٤ أغسطس ١٩٣٤. -
تحريض٢
حديث الوادي
تحريض…
نبأ تحدث به إلينا من تحدث، وكتب إلينا فيه من كتب، وهو أن صح كان خطيرًا حقًا، وكان جديرًا بالعناية والتفكير العميق، وأكبر الظن أنه صحيح. فالذين تحدثوا إلينا به، وكتبوا إلينا فيه، مختلفون، متباعدون لا يعرف بعضهم بعضًا، ولا يمكن أن يكونوا قد التقوا، وائتمروا ودبروا كيدًا بليل أو بنهار، وألخص هذا النبأ ليظهر عليه القراء وليعلمه الذين يشرفون على تصريف الأمور في مصر، والذين ينبغي أن يسألوا عن حماية الأمن والنظام. كان ذلك يوم الجمعة الماضي، وكان في مسجد من مساجد المسلمين، هو مسجد الرفاعي، وكان على منبر من منابر المسلمين، وهو منبر هذا المسجد، وكان على لسان خطيب من خطباء المسلمين، وإمام من أئمة الصلاة فيهم، هو هذا الذي خطب الناس وصلى بهم، في ذلك المسجد وفي هذا اليوم.
وقف هذا الخطيب ليعظ الناس ويذكرهم بأيام الله ويحدثهم بنعم الله عليهم، وحسن بلائه فيهم، ويخوفهم ما أعد الله للأثمين من عذاب ولكنه لم يصنع من هذا كله شيئًا، وإنما هاجم كتابًا من الكتب، وكاتبًا من الكتاب ولسنا نسمي هذا المؤلف ولا ذلك الكاتب فقد يكون أمرهما أيسر من أن يُعنى به الناس، ونحن لم نكتب لتسميتها، وإنما نمضي في رواية النبأ كما تحدث به من تحدث، وكما كتب فيه من كتب. أخذ هذا الخطيب إذن يذم الكتاب وصاحبه، ويكذب على الكتاب وصاحبه ويضيف إلى الكتاب ما ليس فيه، وإلى صاحب الكتاب ما لم يقل. وكان زياد يقول «إن كذبه المنبر بلقاء مشهورة» ونحن نظن، ولعل شيخ الأزهر يوافقنا على ما نظن، أن المنابر لم تقم لتكون مصدرًا للكذب، وإشاعة الإثم عن الأبرياء.
ولكن لنمضِ في رواية النبأ كما تحدث به المتحدثون وكما كتب فيه الكاتبون. ومضى الخطيب في ذم الكتاب وصاحبه حتى زعم للناس أن الكتاب دسيسة على الإسلام، وأن صاحب الكتاب يعمل متأثرًا بيد خفية تمنحه المال، ليفسد على المسلمين دينهم. ثم لم يقف الخطيب عند هذا الحد، ولو وقف عنده لكان آثمًا في دينه، لأنه قال بما لم يعلم، وأذاع من منبر المسلمين غير الحق، ودعا إلى الفتنة،
والمنابر لم تقم للدعوة إلى الفتنة، ولكنه مضى إلى أبعد من هذا فزعم للناس أن من ألف مثل هذا الكتاب، وسعى مثل هذا السعي، يجب قتله. ثم استدل للناس على ذلك بآية من القرآن لم تُرْوَ لنا فيما كتب إلينا الكاتبون.
فنحب أن نعلم قبل كل شيء أصحيح هذا النبأ أم غير صحيح. وقد قلنا إنما نرجح صحته، لأن الذين تحدثوا إلينا به، وكتبوا إلينا فيه، مختلفون لا يعرف بعضهم بعضًا، وتواطؤهم على الكذب مأمون. ويقال أن مسجد الرفاعي من مساجد الأوقاف الخصوصية، فنحب أن نعلم رأي صاحب السعادة زكي الإبراشي باشا في خطبائه هؤلاء الذين يختارهم ليدعوا الناس إلى الخير، ويصرفوهم عن الشر، وليأمروا الناس بالمعروف، وينهوهم عن المنكر، فلا يتحرج بعضهم أن يمعن في الشر والفتنة إمعانًا، ويدعو إلى الإثم والمنكر دعاءً صريحًا.
ونحب بعد هذا أن نعرف رأي صاحب العزة النائب العام في رجل يقف على منبر من منابر المسلمين في مسجد من مساجد المسلمين، في جمع من جموع المسلمين، وفي يوم مشهود من أيام المسلمين فيُغري بالقتل، ويرغب فيه، ويصوره للناس على أنه تقرب إلى الله. أخليق هذا الرجل أن يُسأل أم غير خليق؟ أهو أجدر بالسؤال والتحقيق أم كتاب الصحف، الذين يخاصمون الحكومة، فيما أباح الله لهم أن يخاصموها فيه. ومتى كان من حق أئمة المساجد وخطبائها أن يتحدثوا إلى الجماعات في القتل، وأن يبيحوا للجماعات وللأفراد أن يقتصوا بأنفسهم وبأيديهم الدين، حتى من الذين تقوم الأدلة الواضحة القاطعة على أنهم يسيئون إلى الدين؟ وماذا يصنع السلطان في بلد منظم، وماذا تصنع النيابة والقضاء إذا أبيح للناس أن يأخذوا الآثمين بآثامهم ويعاقبوهم على خطاياهم دون أن يلجأوا للنيابة والقضاء.
ثم نحب أن نعرف رأي صاحب السعادة وزير الداخلية، الذي يقال إنه حفيظ على الأمن، وإنه أبرع الناس وأمهر الناس في حماية هذا الأمن، وإنه أقدر الناس وأحرص الناس على حماية هذا الأمن. ما رأيه في خطباء المساجد الذين يتخذون منابر المسلمين أداة للإغراء بالقتل والتحريض على الإخلال بالأمن؟ وأي الأمرين أشد خطرًا على السلام والنظام في هذا البلد، أن يطوف رئيس الوفد في بعض الأقاليم فيتحدث إلى الناس في شؤون وطنهم، ويذاكرهم حقوق هذا الوطن، لا يدعوهم إلى إثم، ولا يغريهم
بفتنة، ولا يحرضهم على فساد، أم أن يقف خطيب من خطباء المساجد ترزقه الدولة ليدعو إلى الله، فإذا هو لا يدعو إليه، ترزقه الدولة ليأمر بالمعروف، فإذا هو يأمر بالمنكر، ترزقه الدولة ليصرف الناس عن الإجرام، فإذا هو يفتح لهم أبواب الإجرام.
ثم نحب أن نعرف آخر الأمر رأي صاحب الفضيلة مولانا الأكبر شيخ الجامع الأزهر ورئيس هيئة كبار العلماء في رجل من رجال الدين، يدعو جهرة إلى ما ينهى عنه الدين، ويمعن جهرة وعمدًا، فيما يكرهه الله ورسوله وصالح المؤمنين. أخليق هو أن يبقى في زمرة العلماء، وأن يشرف بالانتساب إلى الدين، وأن يعيش بالانتساب إلى الدين أيضًا، أم خليق هو بأن يُمحى من زمرة العلماء محوًا ويُقصى عن جماعات رجال الدين إقصاءً، لأن دين الله أكرم على الله وأطهر في نفوس المسلمين، وأرفع عند رجال الدين أنفسهم من أن ينتسب إليه ويعيش على حسابه رجل يسلك مثل هذه الطريق. نظن أن صاحب السعادة زكي الإبراشي باشا، وصاحب السعادة محمود القيسي باشا وصاحب العزة لبيب عطية بك، وصاحب الفضيلة الأستاذ الشيخ الظواهري يوافقوننا في غير مشقة على أن هذا النبأ في حاجة إلى تحقيق، وعلى أن صاحب هذه القصة إن صحت في حاجة إلى تأديب، وعلى أن مساجد المسلمين، في حاجة إلى أن تُحمى من هذا الفساد، وعلى أن قلوب المصريين في حاجة إلى أن تُعصم من هذا التحريض.
طه حسين
الوادي، ٦ أغسطس ١٩٣٣. -
فتنة٢
حديث الوادي
فتنة…
يقال أن فتنة أخرى يراد لها أن تثور، وإن محنة أخرى يراد لها أن تفرض على بعض المصريين في هذا الصيف كما ثارت في الصيف الماضي فتنة منكرة، وكما فرضت في الصيف الماضي محنة آثمة ما زال الناس في أعقابها إلى الآن.
ولعلك قرأت ما نشر في الوادي أمس من أبناء بورسعيد. جماعة من البهائيين ينشرون الدعوة لمذهبهم فيما يقال، ويسلكون إلى ذلك طرقا ملتوية، مموجة، ليس فيها اعتداء على أعراض الناس وليس فيها استغواء للأطفال، ولا اغراء للضعفاء، ولكن فيها عبثا بالقرآن الكريم، ومسخا لألفاظه المقدسة، وتحريفا لكلمه الذي يجب أن يرتفع عن التحريف. فهم فيما يقال يتلون قول الله تعالى «وأشرقت الأرض بنور ربها» ثم يزعمون أن الراء في ربها زائدة. ويتلون قوله عز وجل «ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها» يفتحون أفواههم حين ينطقون بباء الجر ليثبتوا أن القرآن قد بشر بالبهائية، وأشار إليها.
فهذا العدوان إن صح ينكره القانون، ويعاقب عليه لأن إباحة الحرية للناس محدودة بأن تظل هذه الحرية بعيدة كل البعد عن أن تكون عدوانا وطغيانا وإهانة، وأي عدوان أو طغيان أو اهانة يشبه هذا العبث بنصوص القرآن فيما لا يحتمل تأويلا ولا تعليلا، ولا شبهة في أنه عبث منكر.
وأغرب من هذا ما نشر أمس في الوادي أيضا من أن رجلا من علماء المسلمين ووعاظهم في بورسعيد أبى أن يلقي الشر بالشر، وكره أن يواجه العبث بالعبث، وأنفذ أمر الله تعالى، فرد على الشر بالخير، وقاوم الفساد بالصلاح ودعا إلى الله بالتي هي أحسن، وحاول أن يعصم عامة المسلمين من أن يؤثر فيهم هذا الفساد. فإذا الإدارة تدعوه إليها، ثم تنهاه عن أن يمضي فيما بدأ، ويستمر في هذه الطريق التي سلكها وتأمره أن يكف عن إلقاء ما أخذ في إلقائه من المحاضرات. ومعنى هذا كله إن صح ما كتبه نائب بورسعيد إلى الوادي، أن بعض الناس لا يجد بأسا من أن يذيع البهائيون دعوتهم، ومن أن يتخذوا العبث بالقرآن، والتحريف لكلمه، والإفساد لألفاظه وسيلة إلى إذاعة هذه الدعوة، ولكنه يجد البأس كل البأس، والحرج كل الحرج في أن يقوم رجل من رجال الدين ليمحو هذا الشر، ويزيل هذا العبث، ويصلح هذا الفساد. فنحب أن نعلم من الذي أباح الإفساد للبهائيين الذين يفسدون في بورسعيد، وحرم الإصلاح على المسلمين الذين يريدون الإصلاح في بورسعيد؟ ونحب أن نعلم أين نص الدستور الذي يبيح حرية الرأي والدعوة إليه للبهائيين، ويحظر حرية الرأي والدفاع عنه على المسلمين؟ ونحب أن نعلم أين نص القانون الذي يجعل الإسلام غريبا في بلده، والذي يكف دين الدولة عن أن يدافع عن نفسه بالمعروف، والذي يسلط رجال الدولة ليمنعوا رجال دين الدولة من أن يحموا أعداء الدين ويحوطوه؟
إن وزير الداخلية خليق أن يفكر ويطيل التفكير، فليس لأحد من الناس منفعة في أن تثور بين الناس فتنة كالتي ثارت في العام الماضي، وليس ينبغي لدولة تزعم أن دينها الرسمي هو الإسلام أن تصر على الاعتداء على هذا الدين الرسمي، وألا تسمح لرجال هذا الدين بالذياد عنه، والقيام من دونه. نحن أبعد الناس عن أن نطلب إلى وزير الداخلية، أو إلى غيره من رجال السلطان، مصادرة حرية الرأي، فليدع البهائيون إلى مذهبهم ما وسعتهم الدعوة، ولكن في حدود القانون، وليدافع رجال الدين الإسلامي دين الدولة الرسمي عن الإسلام ما وسعهم الدفاع في حدود القانون أيضا. ولتقف الإدارة موقف من يفهم القانون حق الفهم، ويقدر العدل حق قدره، ويخضع الناس جميعا لنصوص الدستور، لا يؤثر فريقا على فريق ولا يفضل فئة على فئة، ولا يظلم دينا معترفا به، بل دينا رسميا هو دين الدولة لمصلحة مذهب لم يعترف به في مصر بعد.
أما بعد فهؤلاء جماعة من العلماء قد كتبوا إلى رئيسهم شيخ الأزهر، لا يستعدونه على أحد، ولكنهم يطلبون إليه أن ينهض بالواجب، ويؤدي الحق إلى أهله، ويسعى عند السلطان، في أن ترد الحرية إلى المسلمين ليذودوا عن الإسلام، وفي أن يؤذن لهذا الواعظ أن يمضي في وعظه، ويدفع عن دينه، ويرد هذه الألفاظ القرآنية التي يفسدها البهائيون إلى أصلها الصحيح، الذي لا ينبغي أن يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والذي لا ينبغي أن يعتدي عليه، حتى من البهائيين. أفيسمع شيخ الأزهر لهؤلاء العلماء؟ أفيسعى شيخ الأزهر عند وزير الداخلية ليرضي هؤلاء العلماء؟ أفنقرأ غدا أو بعد غد أن قد أبيح لعلماء المسلمين حماية الإسلام في بلد من بلاد الإسلام؟
طه حسين
الوادي، ٥ يوليو ١٩٣٤.