أهل الكهف
طه حسين
جريدة الجمهورية
٢٦ مارس ١٩٥٨
والكهف الذي هم نائمون فيه عميق أشد العمق، بعيد القرار إلى أقصى غايات البعد، لا يبلغ أهله ما تمتلئ به باريس من الضجيج والعجيج والصخب المتصل في آناء الليل والنهار. وهم من أجل ذلك مغرقون في نومهم، لو خُلي بينهم وبين النوم أو خلي بين النوم وبينهم للبثوا في كهفهم نيامًا، حتى يرث اللَّه الأرض ومن عليها، وحتى يبعثهم فيمن يبعث من أهل القبور. ولكن ظروف الحياة لا تخلي بينهم وبين النوم، ولا تخلي بين النوم وبينهم؛ فالأحداث تجري، والنوائب تنوب، والانتخابات تتجدد من حين إلى حين، والوزارات تسقط من شهر إلى شهر أو من يوم إلى يوم. وأهل الكهف يحلمون في كهفهم ذاك العميق، وفي نومهم ذاك الذي هو أعمق من كهفهم، والناس فيما يظهر يرقبون نومهم، ويسجلون أحلامهم، وتذيعها الصحف، ويحملها البرق إلى أقطار الأرض على اختلافها.
وعلى هذا النحو وحده يستطيع العقلاء والأيقاظ من الناس أن يفسروا سيرة الوزراء الفرنسيين، والنواب الذين يقيمونهم ويسقطونهم بين حين وحين، والذين يحاسبونهم في الأحلام حسابًا عسيرًا مرة ويسيرًا مرة أخرى، ولكنه حساب لا ينتهي إلى شيء؛ لأن ما يعمل الحالمون وما يقولون وما يقررون لا ينتهي إلى شيء، إنما هو كله لغو من اللغو وفن من فنون الهذيان.
هذه الخطبة التي ألقاها رئيس الوزراء الفرنسيين، وزعم فيها أن فرنسا إنما تقترف ما تقترف من الآثام، وتَصب ما تصب من الجرائم على أهل الجزائر دفاعًا عن العالم الحر كله من جهة، وحماية لاستقلال تونس ومراكش من جهة أخرى. هذه الخطبة حديث نائم يحلم ويهذي في حلمه، لا حديث رجل يقظان يعقل ما يعمل وما يقول، فمن ذا الذي يستطيع أن يصدق أو أن يقبل أن يفهم أن الولايات المتحدة الأمريكية ودول الغرب الأوروبي تتعرض لخطر عظيم، إذا لم تقترف فرنسا آثامها، ولم ترتكب جرائمها في الجزائر. ولِمَ لا يكون الخطر العظيم الذي تتعرض له هذه الدول العظمى ذات القوة والبأس والأيدي، في بلد آخر من البلاد المستقلة التي تستطيع أن تأتي ما تأتي من الأمر دون أن تبلغها جرائم فرنسا وآثامها؛ لِمَ تكون الجزائر وحدها موطنًا لهذا الخطر العظيم، دون غيرها من أقطار الأرض؟ وما حاجة الذين يأتمرون بالغرب إلى هذا الوطن الضعيف الأعزل … الذي صُب عليه هول الاستعمار قرنًا ونصف قرن؛ ليجعلوه مركز مؤامراتهم ومركز ما يهيئون للعالم الحر من الكوارث والنكبات.
مع أن المؤتمرين الذي يشفق منهم رئيس الوزارة الفرنسية في حلمه، لا يبلغون الجزائر ولا يستطيعون أن يستقروا فيها ليكيدوا ويأتمروا وينظموا ما يريدون أن يشهروا على هذا العالم الحر من الحروب، وما عدا الدفاع عن العالم الحر يقتل الأبرياء العزل، وانتهاك الحرمات، وتيتيم الأطفال، وتأتيم النساء، وتثكيل الأمهات، وتوجيع الذين كانوا يجدون بشق الأنفس ما يقيم الأود؛ فأصبحوا الآن نهبًا للجوع، يُفتك بهم في الليل والنهار. وأي عالم حر هذا الذي يحتاج في الدفاع عنه إلى اقتراف الآثام، وارتكاب الجرائم، ومخالفة أيسر ما تقضي به الديانات كلها، وما تقضي به الأخلاق كلها، وما تفرضه الحضارة، وما ابتكرت من قوانين. وما حرية هذا العالم التي لا تقوم ولا تحمي إلا بإذلال الأحرار، والقضاء على النساء بالموت، والقضاء بالموت أيضًا على الصبية الذين لم يبلغوا الرشد، ولم يطيقوا حمل السلاح. وما هذه الحرية وما قيمتها، وما حاجة العالم إليها، وما فائدة الإنسان وحضارته ودياناته وقوانينه من هذه الحرية، التي لا بقاء لها، إلا إذا سُفكت الدماء وأُزهقت النفوس، وشُردت اليتامى والأيامى والرضعاء، وهل تقبل الدول الغربية الكبرى والصغرى أيضًا هذا الهذيان الذي يهذي به رئيس الوزراء الفرنسيين في حملة هذا الغرب؟ فهل ترضى الولايات المتحدة الأمريكية أن تكون مدينة ببقائها وبحريتها وأمنها لما يُقترف في الجزائر من المخزيات؟ وهل يرضى حلفاء الولايات المتحدة في غرب أوروبا أن يكونوا مدينين بحياتهم وحريتهم وأمنهم لهذه المخزيات؟ ومع ذلك فيخيل إليَّ وإلى غيري من الأيقاظ أن العالم الحر وغيره من العوالم، قد أنكروا هذه الآثام، وما زالوا ينكرونها، وأكرهوا فرنسا منذ أيام إكراهًا على أن تعدل عن قتل تلك الفتاة التي قضت عليها فرنسا بالموت. إن فرنسا تقترف آثامًا جسامًا في الجزائر وتقترفها رغم أنفها؛ لأن رجال الجيش فيها وأصحاب رءوس الأموال يأبون أن يفلت منهم شمال أفريقيا، وأن تفلت منها الجزائر خاصة، وفيها ما فيها من مصادر المال، ووراءها ما وراءها من البترول، وأن الشعب الفرنسي يرسل أبناءه إلى الموت، ويشتري هذا الموت لأبنائه بما يؤدي من الضرائب المبهظة، مكرَهًا على ذلك لا راضيًا به ولا راغبًا فيه، بل ساخطًا عليه أشد السخط. ولكنه لا يستطيع أن يذعن ويستكين؛ فقَدَ حريته وتعزى عنها بلذاته وبما هو غارق فيه من الرغد والنعيم. ومن يدري لعله أن يكون كساسته نائمًا مغرقًا في النوم، يحلم كما يحلم النواب والوزراء، ليس فيه من الأيقاظ إلا المجرمون من رجال الجيش وأصحاب رءوس الأموال. وأغرب ما نقرأ في هذا الهذيان الذي هذى به رئيس الوزراء الفرنسيين، أن فرنسا تحمي تونس ومراكش بما تَصبُّ من الهول على أهل الجزائر.
وإذن ففيم الخصومة القائمة بين فرنسا وتونس؟! ولِم تتوسط أمريكا وبريطانيا لتزيلا هذه الخصومة؟! أتكون تونس جاحدة للجميل، جاهلة بأن فرنسا قد قتلت من قتلت من أبنائها في الشهر الماضي، لتحمي استقلالها من الضياع؟! ونحن نعلم أن مراكش لم تفرغ من خصوماتها المختلفة مع فرنسا، أتكون هي الأخرى جاحدة للجميل غافلة عن أن فرنسا تحمي استقلالها من الضياع؟!
صدقني إن فرنسا الآن لا يحكمها الأيقاظ، وإنما يحكمها النيام، أو قل إن شئت: إن فرنسا لا يحكمها العقلاء، وإنما يحكمها قوم أُلقي بينهم وبين عقولهم حجاب كثيف.
Tag: French colonialism
-
أهل الكهف
-
بيع الدماء
بيع الدماء
طه حسين
جريدة الجمهورية
٧ يناير ١٩٥٦
كان ذلك في الأيام الأخيرة من شهر أغسطس المَاضي، حين تسَامع الناسُ في أقطار الأرض بذلك الصراع العنيف البغيض بين الفرنسيين وإخواننا من أهل مراكش والجزائر، وبما كان له من أثر خطير في اضطراب الرأي العام الفرنسي، وتفرُّق الفرنسيين شيعًا وأحزابًا؛ يُريد الصادقون الأوفياء منهم للثورة الفرنسية أنْ يَكُفَّ وطنُهم عن هذا البغي الآثم، الذي يُنكِر أصولَ تلك الثورة إنكارًا، ويريد الطامعون الجَشِعون إلى المال أنْ تبسط فرنسا سُلطانَها على تلك البلاد مهما كانت وسائلها إلى ذلك، ومهما تُهدَر فيه من دماء أبنائها ودماء الوادعين من أهل تلك البلاد، ومهما تُلقِي في سبيله من قِيَم الحق والعدل والإنصاف.
وكانت الصُّحُف في أقطار الأرض مُتنبِّهةً لتلك الأحداث الجِسَام، حريصة على أنْ تتلقَّى أنباءها في كل ساعة من ساعات الليل والنهار، ولم يكن المُنْتِجون لأفلام السينما أقل تَنَبُّهًا لتلك الأحداث وتحرُّقًا على أخبارها … فالصحف تُروِّع بالأنباء والصور، ولكن الناس يقرءونها مُتفرِّقين حين يَخْلُون إلى أنفسهم، فيُرَوَّعون فيما بينهم وبين ضمائرهم، ويتحدثون بذلك حين يلقى بعضُهم بعضًا.
فأمَّا أفلام السِّينما فهي تُحْدِث الروعَ الاجتماعيَّ حين تفجأ الجماعاتِ الضَّخمةَ بصور هذه الأحداث تتحرَّكُ أمامهم، وتقع بمَرأى مِنْهُم ومَسْمَع، فهم يشهدونها وإن بعدت بينهم وبينها آماد الزمان والمكان، وهم يتأثَّرون بها تأثُّر الشاهد لا تأثر الغائب، كأنهم يُشارِكون فيها، ويحتملون أثقالها وأوزارها، وهي تُثير في قلوبهم أقصى ما يُمكن أن تُثير منَ الرَّوع الذي لا أعْقَابَ له ولا إثم فيه.
والناس لا يُحِبُّون شيئًا كما يُحِبُّون الروعَ وهم آمنون، ولا يَكْلَفون بشيء كما يَكْلَفون بالقلق وأجسامهم مستقرة في أماكنها، وقلوبهم هادئة في صدورهم، وضمائرهم راضية لا تتعرَّض لبأس أو مكروه. ومن أجل ذلك، يحرص المنتجون لأفلام السينما على أن يلتقطوا صور هذه الأحداث حين تقع، ويعرضوها على الجماعات؛ ليثيروا في نفوس الناس هذا الخوف الآمن، وهذا الروع المطمئن.
وقد حرصَتْ شركةٌ من شركات الأفلام على أنْ تُصوِّر بعضَ الهَوْلِ الذي كان يُصَبُّ على أهل الجزائر في تلك الأيام؛ فأبرقت إلى أحد مُمَثليها أن يبتغي الوسائل إلى تصوير بعض ذلك، وأنْ يَكون إلى ذلك سَابقًا مُجلِّيًا لتستأثر منه بما تُحب، وتتفوَّق على مُنَافِسيها بالسبق إلى إرضاء الناس.
ولكنَّ أَمْرَها وصل — فيما يظهر — بعد فوات الوَقت إلى مُمَثِّلها، والمُمثِّل حريصٌ على أن يبلغ منها موقع الرضا، والمالُ أيسرُ الوسائلِ إلى ذلك وأبْلَغُها أثرًا، فمَا يَمْنَعُه أنْ يُنفق آلافًا قَليلَةً أو ألوفًا كثيرة ليبلغ من ذلك بعض ما يُحب إن فاته منه كل ما يريد.
وقد فعل فأسرع إلى بعض الجُند وفاوضه في الأمر، وعرض عليه قليلَ المالِ أو كثيرَه، وقَبِل الجنديُّ في غير مشقة ولا عناء. وما يمنعه من ذلك والأسرى كَثِيرونَ والرصاص مَيْسُور، والمَالُ قليلٌ، والحاجات لا تُحْصَى ولا تنقضي؟!
وكذلك اختار الجنديُّ أحدَ الأسرى في المَوعد المَضروب لذلك، وأمر مُمَثِّلَ شركةِ الأفلام أنْ يتهيَّأَ للصور، وأَمَرَ الأسيرَ أن يمضي أمامه، وأمر أداةَ الموتِ أنْ تُطلِق بعضَ ما فيها من الرَّصاص، وسقط الأسيرُ يتشحَّط في دمه، واندسَّت يدُ المُمَثِّل في جيبه، ثم اندست يدُ الجُنديِّ في جيبه، وقُضِي الأمر!
وسُفِك دم البريء، قد بِيعَ بأوراق معدودة من آلاف الفرنكات، وكأنَّ أحدًا لم يرَ شيئًا، وكأنَّ أحدًا لم يسمع شيئًا، وكأن دماء الناس لم تُحَرَّم على النَّاس بغيرِ ذَنبٍ! وكأنَّ نفُوسَ الأسرى مِلْكُ للجند يُزهقونها حين يشاءون، وحيث يشاءون، وكيف يَشَاءونَ! وكأنَّ قوانين الحرب — إن كانت هناك حرب — لم تكفل أمن الأسرَى على نفوسِهم ودِمَائهم حتى يَقْضِيَ القضاءُ في أَمْرِهم فيأذن لهم بالحياة أو يفرض عليهم الموت.
ولكنَّ الناسَ رأوا وسمعوا وأسرَّ بعضُهم إلى بعض، ثم جهَّز بعضهم لبعض، ثم شَاعَ النَّبأ واستفاض حتى ارتفع إلى قائد الجيش، ثم إلى الحاكم العام. وأمرت الحكومةُ بالتحقيق كما أَمَرَتْ بالكتمان، وحَظَرت النشر وحرَّمَت الإذاعة. ومضى التحقيق بطيئًا يتعثر إنْ كان أحد قد أخذ فيه.
وفي أثناء ذلك، أُرْسِلت الصُّور إلى شركة الأفلام، ونُشرت في شمال أمريكا وجنوبها، ونُشِرت في بعض الصحف الأمريكية والفرنسيون ساهون لاهون أو أيقاظ متنبهون، ولكنهم لا يقولون شيئًا، ولم يشقوا على أنفسهم بالقول ولم يكلفوها اللوم والإنكار، وإنما هو دم رخيص بِيعَ بثمن بخْسٍ، فهو أهونُ من أن يستأهل لومًا أو إنكارًا! ومتى حفل السادة بدماء العبيد؟! ومتى اهتم المُتحضِّرون الممعنون في الحضارة بنفوس الهمج من عرب الجزائر وبربرها؟!
ومضت شهور خمسة لم يُذكَر فيها هذا الحدث ولم يُنكَر، ولكن الحرب الانتخابية تشب في فرنسا، وتبلغ أقصى ما يمكن من العنف، وليس بد لمنديس فرانس من أن يُسقِط إدجار فور ليستأثر من دونه بالحُكم حين تجتمع الجمعية الوطنية، وله صحيفة سيارة تُروِّج له في الانتخابات، فما يمنعها من أن تُذيع نبأ هذا الحدَث الآثم لتثير الناس على رئيس الحكومة قبل الانتخاب بيومين أو بثلاثة أيام؛ ليذكر الناس هذا الإثم يوم يسعون إلى صناديق الانتخاب؟!
وكذلك نشرت صحيفة الإكسبريس هذا النبأ؛ فثارت له الجماعات وثارت له الحكومة، وخاضت فيه الصحف الفرنسية كلها، ثم جاء يوم الانتخاب فلم يسقط إدجار فور، ولم يسقط منديس فرانس، وإنَّما نجَحَ الخَصْمَان ليَمضيا في صِرَاعِهما أمَام النواب حين يجتمعون. وكانَ طبيعيًا ألا يسقط هذا أو ذاك؛ فدم رجل من أهل الجزائر أهون من أن يَضِيع فيه كرسي على مرشح فرنسي للجمعية الوطنية الفرنسية كائنًا هذا المرشح من يكون، وكائنًا ذاك الجزائري من يكون!
هذه هي القصة التي تَسْتَطيع أنْ تقرأهَا في جميعِ الصُّحف الفرنسية، والتي أذاعها البرقُ في جميع أقطار الدنيا، وكتبت فيها بعضُ الصحف المصرية، ولا ينبغي أن تسأل كيف هان دم الإنسان على الإنسان إلى هذا الحد، ولا أن تسأل كيف تعثر التحقيق خمسة أشهر كامِلَة دون أن ينتهي إلى غاية، ولا أن تسأل كيف لم يُحاسب قائد الجيش في الجزائر ولا الحاكم العام في الجزائر عن تعثر التحقيق بهذه الأشهر الطوال، ولا أن تسأل كيف سكتت الحكومة الفرنسية وسكت خصومها، وسكت الذين عرفوا هذا النبأ من الفرنسيين في الجزائر وفي فرنسا نفسها، كيف سكت هؤلاء جميعًا على هذا الفكر البغيض خمسة أشهر كاملة، ولم يذكروه إلا حين احتاج إليه أحدهم لِيُسْقِط خَصْمَه في الانتخاب؟! ولا أن تسأل عن هذه القيم العليا المقدسة؛ قيم الحق والعدل والحرية والمُساواة وإنصاف المَظْلُومين من الظالمين، والأخذ للضعفاء من الأقوياء!
ماذا صنع بها المتحضرون المتفوِّقون في الحضارة من الفرنسيين الذين سبقوا إلى الاعتراف بحق الإنسان منذ أكثر من قرن ونصف قرن، لا تَسَلْ عن شيء من هذا! فأنتَ تعيشُ في عصرٍ قدْ أُهدِرَتْ فيه كل هذه القيم؛ أهدرتها القُوَّة الجَامِحَة حين لا تجد من يَرُدُّها عن البغي أو يصدها عن الظلم والطغيان.
وأهدرها حب المال الذي لا يعدل بامتلاء الخزائن شيئًا، ولا يتردد في سفك الدماء وإزهاق النفوس، وتيتيم الأطفال، وتأييم النساء؛ ليُتاح لقلة قليلة من الناس أن يعيشوا آمنين وادعين في حياة ناعمة قوامُها اللذة والمَتاع، وأهدرتها الأثرة التي تُبيح لجندي أن يَسْفِك دم أسير لينعم يومًا أو أيامًا بحياة خير من حياة الجند.
لا تسأل عن شيء من هذا؛ لأنَّك تعيش في عصر قد هوَّنَت الحضارةُ فيه على الأقوياء كُلَّ شيء، وجعلتْ دماء الضعفاء أرخص ما يجري عليه البيع والشراء، وسَلْ إن شئتَ عن شيء آخر هو الجدير بأنْ تَسأل عنه، وأنْ تُفَكِّر فيه، وأنْ يُنَغِّص عليك يقظتك أثناء النهار، ويذود عنك النوم أثناء الليل: كيف تَصْبِر الإنسانيَّةُ على الاستعمار الذي يَجُرُّ عليها كلَّ هذا الهوان؟! -
مثل …!
مثل …!
طه حسين
جريدة الجمهورية
٧ سبتمبر ١٩٥٥
كانت الدار آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدًا من كل مكان، وكان أهلها ينفقون حياتهم وادعين لا يؤذون أحدًا ولا يؤذيهم أحد، وإن شجَر بينهم شيء من الخلاف الهادئ أو العنيف من حين إلى حين. وكانوا يختلفون ويأتلفون فلا يدخل الناس في اختلافهم أو ائتلافهم؛ لأن شيئًا من ذلك لم يكن يعني أحدًا غيرهم، ولكنَّ رزقهم هذا الذي كان يأتيهم رغدًا من كل مكان أثار في نفوس بعض الناس من الحسد والطمع ما تثيره السعة عادة في نفوس الطامعين الجشعين الذين يحبون أن يؤثروا أنفسهم بكل شيء وألا يتركوا لغيرهم شيئًا. وفي ذات يوم شجر الخلاف بين أهل الدار واشتد بأسهم بينهم، ولم يعلموا أكان لهذا الخلاف مصدر من هذه المصادر التي تُحْفِظُ الإخوة على الإخوة، أم كان له مصدر خارجي جاء من بعض هؤلاء الطامعين الجشِعين الذين ملأ قلوبهم الحسد والأثرة، فأغرَوْا بعضهم ببعض وحرَّضوا بعضهم على بعض، ثم أقبلوا عليهم باسمين يُظْهِرُونَ لهم المَوَدَّةَ ويُضْمِرُونَ المكر بهم والكيد لهم.
وما زالوا يرفقون بهم ويتكلفون الإصلاح بينهم، حتى اطمأنُّوا إليهم ووثقوا بهم وحكَّموهم فيما شجر بينهم من خلاف. وما هي إلا أن أقبلوا عليهم فرِحين مستبشرين، وزيَّنوا لهم الاطمئنانَ إليهم والاعتماد عليهم، وأعطَوْهم المواثيق والعهود؛ لِيَكُفَّنَّ بأس بعضهم عن بعض، ولِيَكْفُلَنَّ لهم الدعة والسعة، ولِيَرُدَّنَّ عنهم عدوان المعتدين وغارة المُغِيرين. والحر يخدع أحيانًا فينخدع، وكذلك انخدع أهل الدار لهؤلاء الماكرين بهم الكائدين لهم. وجرت الأمور يسيرة هيِّنة أعوامًا، ثم لم يلبث يُسْرُها أن استحال إلى عسر، ولم يلبث لِينُها أن استحال إلى شدة، ولم يلبث الشر أن صرَّح عمَّا فيه من النُّكر وبيَّن عمَّا كان يُخفِي من المكر والكيد. ونظر الأحرار المنخدعون فإذا حُماتهم لم يريدوا إلا أن يتخذوهم رقيقًا، يُسخِّرونهم لمنافعهم ويستذلُّونهم لإرضاء أهوائهم وشهواتهم. وقد نَدِمَ المنخدعون بعد أن فات وقت الندم وسبق السيف العزل كما يقول المثل القديم، وهَمُّوا يستردوا أنفسهم ويستعيدوا حريتهم ويبسطوا أيديهم على ما يملكون في الدار ومن حول الدار، فلم يجدوا إلى شيء من ذلك سبيلًا، وإنما وجدوا حُماتهم قد استأثروا بهم من دون أنفسهم، واستأثروا بأرضهم وغَلَّاتها ومرافقها من دونهم، واضطروهم إلى الجوع بعد الشبع وإلى الذلة بعد العزة وإلى أن يصبحوا خَدَمًا بعد أن كانوا سادة. ثم لم يكتفوا بذلك، وإنما أسرفوا عليهم في الاستذلال والاستغلال، ودخلوا بينهم وبين أَخَصِّ شئونهم، فجعلوا يُغَيِّرُونَ ما ألِفوا من نظام وما توارثوا من سُنَنٍ، لا يؤامرونهم في ذلك ولا يشاورونهم فيه. ثم أجلَبوا عليهم بخيلهم ورَجْلِهم، فاحتلوا ما كانوا يملكون حول دارهم، ثم احتلوا الدار نفسها وآثروا أنفسهم بخير ما فيها من الغرفات والحجرات والمرافق. ثم لم يكتفوا بذلك، وإنما حكَّموهم حكمًا مباشرًا في اليسير من أمرهم والخطير. ثم لم يَرْعَوْا فيهم إلًّا ولا ذمة، وإنما نقضوا مَنْ أعطوهم من موثق وعهد في غير تحفُّظ ولا تحرُّج ولا احتياط، وجعلوا ينزعون رؤساءهم يغيِّرون منهم ويبدِّلون حسب ما تمليه عليهم منافعهم لا منافع أهل الدار. ثم تجاوزوا في الطغيان والعدوان كل حَدٍّ وخلعوا العذار، ولم يبقَ لشيء ولا لأحد وقار، وإنما خَلُّوا بين طائفة من شرارهم وبين هؤلاء البائسين، فاتخذوهم تجارة ومكسبًا يبيعونهم كما كان يُباع الرقيق فيما مضى من الزمان.
وما زالوا في هذا البغي واليائسون يَصبِرُونَ ويُصابِرُونَ، ويَذكرون ماضيهم ويُذكِّرون به، ويَذكرون المواثيق التي أعطيت لهم ويُذكِّرون بها، فلا يجدي عليهم ذلك شيئًا، وإنما يُغري بهم سادتهم وحُماتهم فيضيفون نُكرًا إلى نكر وتنكيلًا إلى تنكيل.
ولكل شيء حد، وللصبر غاية ينتهي إليها، وكرام الناس قد يُسامون الضيم فيصبرون عليه ولكن إلى حين. فإذا بلغ الصبر أقصاه خرج الصابرون عن أطوارهم، وثاروا للكرامة المفقودة والحرية المغصوبة والمنافع المضيعة والحرمات المستباحة والأعراض المهدَرة والدماء المُرَاقة والنفوس المزهقة.
فدعا الحُماة بالويل والثبور وعظائم الأمور، واتهموا هؤلاء المظلومين المهضومين بالجحود والعقوق وكفر النعمة، وبالتعصب المنكر والبُغض الذي لا يُبقي على شيء، ثم أذاعوا بهذا كله حتى ملَئُوا به أقطار الأرض في الشرق والغرب. ولكن بعض أقطار الأرض قد ذاق أهلها مثل ما ذاق أولئك المظلومون المهضومون من ألوان العسف والخسف ومن ضروب الذل والهوان؛ فهم يَرِقُّونَ لكل مظلوم ويعطفون على كل مهضوم، وهم ينكرون الظلم على كل ظالم ويبغضون العدوان من كل معتدٍ. يجدون ذلك في أعماق نفوسهم ودخائل قلوبهم، ويرونه حقًّا عليهم، ولو استطاعوا لفعلوا أكثر من الرقة والعطف والإشفاق، وإن كَرِهَ البُغاة وسخط الطُّغاة، فقد ينبغي أن يكون لدعاء المظلومين صدًى في بعض النفوس، وأن يكون للعدل أنصار ولو بالألسنة والقلوب في هذا العالم الذي ملأه الجور وأفسد أقوياءه الطمعُ والجشعُ والبطرُ والغرورُ.
***
هذا بالضبط هو الذي حدث في شمال أفريقيا وفي مراكش خاصة، وهذا بالضبط هو الذي يغيظ الفرنسيين ويملأ صدورهم حفيظة ومُوجِدَةً على الذين يطلبون بحقوقهم ويثورون في سبيلها أولًا وعلى الذين يَرِقُّونَ لهم ويعطفون عليهم ثانيًا.
واللهُ يشهد ما وصفتُ سيرة الفرنسيين في مراكش إلا ببعض ما قرأت وما أقرأ في كثير من الصحف الفرنسية، وبأقلام كثير من كبار الكتاب والعلماء الفرنسيين؛ فأنا لم أذهب إلى مراكش ولا إلى أي قُطر من أقطار أفريقيا الشمالية، وأنا أتحفَّظ دائمًا حين أسمع شكاة الشاكين وتوجُّع المظلومين، وأخشى ألا تبرأ شكاتهم ولا يبرأ توجُّعُهم من بعض المبالغة. ولكني أقرأ في الصحف الفرنسية اليومية والأسبوعية أكثر جدًّا مما ذكرتُ؛ فالفرنسيون أنفسهم يعترفون بأنهم نقضوا عهد الحماية وحكموا المراكشيين حكمًا مباشرًا، ويعترفون بأن طائفة من مستعمريهم قد استأثروا بكل ثمرات الأرض من دون المراكشيين، واستقرُّوا لا على أنهم ضيف على أهل البلاد بل على أنهم سادة يأمرون وينهَوْن ويزرعون الأرض ويستخرجون ما فيها من كل ما يعود على صناعتهم وتجارتهم بالربح والثراء.
والفرنسيون يتهمون فريقًا منهم بأنهم يبيعون بعض المراكشيين رجالًا ونساء، كما تُباع السلع وكما كان الرقيق يُباع فيما مضى من الأيام. ويكفي أن يقرأ الناس صحيفة الأوبسترفاتور والإكسبريس وصحيفة الموند؛ ليجدوا من هذا كله أشنع وأبشع ممَّا ذكرتُ. فلست متجنيًا عليهم إذن، وإنما يتجنى عليهم كُتَّابُهُم وعلماؤهم إن كان في هذه السيئات من التجني. والكُتَّابُ والعلماء الفرنسيون الذين يسجلون على وطنهم هذا الظلم الذي يستخذي منه كل رجل حُرٍّ في هذا العصر، يمضون ما يكتبون بأسمائهم صريحة، ويحتملون تبعات ما يُسجِّلون على وطنهم من الآثام، ويتعرضون للمحاكمة إن كانوا كاذبين أو متكلِّفين. ولست أعلم أن أحدًا منهم قُدِّم إلى القضاء، ولست أعلم أن صحيفة من الصحف التي تنشر هذه المظالم تعرَّضت لِلَوْمٍ أو تأنيب. ولا ينبغي أن يُقال إن حرية الصحافة مطلَقة لا يستطيع أحد أن يعتدي عليها؛ فحرية الصحافة لا تُبيح للناس أن يكذبوا على أوطانهم ولا أن يتهموها زورًا باقتراف الآثام والتورُّط في المُخْزِيَات. وما أكثر ما تُصادَر بعض الصحف في فرنسا ويُحاكم أصحابُها وكُتَّابُهَا لأمور أقل من هذا خطرًا وأهون منه شأنًا. وأغرب من هذا أن بعض كُتَّابِ الصحف الفرنسية يُصَرِّحُونَ ببعض الأسماء وبعض الهيئات المالية والتجارية والسياسية التي تقترف هذه الآثام، ثم لا يتعرضون رغم هذا كله حتى للمحاكمة المدنية، كأنهم واثقون بكل ما يقولون، وهم من أجل ذلك لا يخشون محاكمة ولا يرهبون بأسًا.
***
وإذن فليغضب الفرنسيون على أنفسهم قبل أن يغضبوا على غيرهم، ولْيَلُومُوا أدباءهم وعلماءهم وساستهم قبل أن يلوموا المصريين أو السوريين أو غيرهم من أهل الشرق والغرب؛ فالفرنسيون يستطيعون أن يطلبوا من مواطنيهم ما يشاءون، ولكنهم لا يستطيعون أن يطلبوا مِنَّا السكوت على ما لا يسكت عنه أبناؤهم. وهم يقولون فينا بالحق وبالباطل، بل وهم يقولون بالباطل أكثر ممَّا يقولون بالحق ما يسوءنا متكذِّبين متكلِّفين، فلا أقل من أن يقبلوا مِنَّا أن نقول فيهم أيسر ما يقول بعض أبنائهم.
والمهم هو أن الشر انتهى إلى أقصاه بين الفرنسيين وبين إخواننا في شمال أفريقيا. وقد اعترف الفرنسيون بظلمهم فهموا بشيء من الإنصاف قليل في تونس، وهم يحاولون أن يعترفوا بظلمهم في الجزائر ومراكش، فلا يجدون الشجاعة إلى الآن على هذا الاعتراف، ولكن الأحداث ستمنحهم هذه الشجاعة في يوم قريب:
أما غدا زعموا أو لا فبعد غد
ومن يدري لعل هذا الحديث لا يصل إلى مصر إلا وقد سجَّل الفرنسيون على أنفسهم أنهم كانوا ظالمين في مراكش، وكانوا مُسْرِفِينَ في الظلم على أنفسهم وعلى المراكشيين، وعلى حق الإنسان الذي أعلنته ثورتهم منذ قرن ونصف قرن.
فعزْلُ السلطان القائم أو اضطرارُه إلى الاعتزال، وإقامة مجلس للوصاية على العرش المراكشي، وتأليف حكومة تُمثل كل النزعات السياسية في مراكش، والأخذ في مفاوضة هذه الحكومة؛ كل ذلك إذا قرره الفرنسيون — وسيقررونه ما في ذلك شك ولعلهم أن يقرروه اليوم — اعترافٌ بأنهم كانوا ظالمين، وبأنهم قد أخذوا يثوبون إلى أنفسهم ويجنحون إلى شيء من العدل والإنصاف ورَدِّ بعض الحق إلى أهله. وإذن فما غضبهم علينا وما إنذارهم لنا؟! ولا ينبغي أن يستغرب القارئ كلمة الإنذار هذه، فإني أقرأ في بعض الصحف الفرنسية — وفي صحيفة الفيجارو خاصة — سخطًا على مصر وسوريا والعراق، دعوة صريحة للحكومة الفرنسية أن تأخذ هذه البلاد وغيرها باحترام فرنسا، وهي قادرة على أن تفرض على هذه البلاد وغيرها احترام فرنسا. وأعترف أني لم أكَد أقرأ هذا الكلام في صحيفة الفيجارو حتى أغرقت في الضحك وقلت كما يقول الناس عندنا حين يسخرون: العفو. -
ولو …
ولو …
طه حسين
جريدة الجمهورية
١ أكتوبر ١٩٥٤
كان مما يضحك حقًّا موقف ذلك النائب في الجمعية الوطنية الفرنسية منذ أسابيع حين طالب رئيس الوزراء مسيو منديس فرانس بالاحتجاج على الحكومة المصرية؛ لأن إذاعتنا تؤيد المجاهدين في سبيل الاستقلال من التونسيين والمراكشيين، وحين طالب بإنذار مصر بأنها إذا لم تكُف عن هذه الإذاعة فسينشأ في الإذاعة الفرنسية قسم خاص، يُسمى قسم مصر الحرة ويقاوم حكومة الثورة في مصر.
كان مضحكًا حقًّا موقف ذلك النائب؛ لأنه إن دل على شيء فإنما يدل على سذاجة تشبه سذاجة الأطفال، أو يصور غضبًا يُخرج الناس عن أطوارهم ويُطلق ألسنتهم بالسخيف من القول ويردهم أطفالًا، وإن كانوا شيوخًا أو كهولًا، فلسنا نعرف نحن وليس الفرنسيون أنفسهم يعرفون أن شيئًا خارج مصر يمكن أن يُسمى مصر الحرة؛ وإنما الشيء الذي نعرفه نحن ويعرفه الفرنسيون وغيرهم من شعوب الأرض، أن مصر الحرة إنما توجد في وطنها المقسوم لها وداخل حدودها الطبيعية وهى حرة بطبعها؛ لأنها قاومت الطغيان الملكي الداخلي حتى ظفرت به وانتصرت عليه وقاومت الاحتلال الأجنبي حتى مهَّدت لخروج جنوده من مصر في أقرب وقت ممكن.
فمصر الحرة تلك التي أراد ذلك النائب أن يدعو لها في الإذاعة المصرية وأن يغيظ بها حكومة الثورة، لا توجد إلا في خياله وفي خيال رئيس الوزراء منديس فرانس الذي استجاب له فيما يظهر.
كان ذلك الكلام مضحكًا، ولكنه كان محزنًا أيضًا؛ لأنه يثير في النفوس ذكريات قريبة العهد جدًّا لم ينسها الفرنسيون وإن نسيها المصريون؛ لأن المصريين يحسنون وينسون إحسانهم، يصدرون في هذا الإحسان عن طبيعتهم الكريمة الخيرة، ويعلمون أنهم يؤدون به واجبًا إنسانيًّا، وهم من أجل ذلك لا يعتمدون به على أحد ولا ينتظرون عليه من أحد جزاءً ولا شكورًا.
فقد كان يوجد منذ عهد قريب جدًّا شيء يُقال له فرنسا الحرة، وكانت مصر في مقدمة البلاد التي آوت فرنسا الحرة تلك، ومنحتها من العون والتأييد ومن العناية والرعاية ما مكَّن لها في الأرض، وأتاح لها أن تكون حقيقة واقعة بعد أن كانت كلامًا يُقال.
في ذلك الوقت كان الجيش الفرنسي منهارًا أمام الجيش الألماني، وكان الوطن الفرنسي محتلًّا، تفعل به جنود هتلر أشنع الأفاعيل، وكان الشعب الفرنسي منقسمًا قسمين؛ أحدهما مشرَّد في أقطار الأرض يرفض الهزيمة ويأبى الإذعان، والآخر مستقر في أرض الوطن مستسلم للأقدار، يُضمر فريق منه البغض للمحتلين ويتهيأ للمقاومة، ويُظهر فريق منه حب المحتلين ومسالمتهم وتمكينهم من التنكيل بالأحرار من الفرنسيين.
في ذلك الوقت كانت مصر تأوي فريقًا من الفرنسيين المدنيين المستقرين فيها واللاجئين إليها، وفريقًا آخر من الفرنسيين العسكريين الفارين إليها من جيش فرنسا في سوريا ولبنان. وفي ذلك الوقت كانت مصر تشمل هؤلاء الفرنسيين جميعًا بحبها لهم وعطفها عليهم، وتيسير العسير من أمرهم، وتُسخر إذاعتها لرفع صوتهم الخافت الضئيل ونشره في أقطار الأرض. والفرنسيون لا ينسون من غير شك أن أول تنظيم لجيشهم المقاوم إنما كان في أرضها حين ألفت قلوبهم المنهزمة أول فرقة شاركت الحلفاء في حرب ألمانيا وإيطاليا.
في ذلك الوقت كانت حكومة مصر كريمة لا تبخل بالمعونة على شعب كريم أصابته المحنة وعبثت به الخطوب، وكان شعب مصر كريمًا يجود بالمال والجهد وبالحب والعطف لشعب صديق؛ ألمَّت به الكارثة واضطرته إلى أن يطلب معونة الأصدقاء. في ذلك الوقت لم تبخل مصر على صديقتها فرنسا البائسة بمال بذلته سخية به، ولا بجهد أنفقته غير مترددة في إنفاقه، وفي ذلك الوقت أقبل رئيس فرنسا الحرة الجنرال دي جول فتلقته مصر حفية به، مكرمة له، وأتاحت له أن يتحدث إلى مواطنيه من الإذاعة المصرية يدعوهم إلى المقاومة ويحرضهم على أن يثوروا بالمحتلين.
كان هذا كله أثناء الحرب العالمية الثانية حين خفَت صوت فرنسا وحين سخَّرت إذاعتها لخدمة المحتلين، وحين كان صوت فرنسا الحرة يرتفع من مدينتين اثنتين إحداهما لندرة والأخرى القاهرة.
كانت فرنسا الحرة حقيقة واقعة أتيح لها بفضل المعونة التي شاركت مصر فيها أن تنظم المقاومة وأن تصبح شيئًا مذكورًا بعد أن لم تكن شيئًا ذا بال، وأن تشارك في النصر بعد أن انفردت فرنسا بالهزيمة في أول الحرب، وكان طبيعيًّا أن تنسى مصر ما قدَّمت من خير وما أسدت من جميل؛ لأن مصر لا تبيع المعروف ولا تأخذ له ثمنًا، وكان طبيعيًّا أيضًا أن تذكر فرنسا هذا المعروف ولا تنساه ولا تجزي مصر به عقوقًا وجحودًا ونكرانًا.
والشيء الذي أحققه ولا أشك فيه، هو أن الشعب الفرنسي يذكر لمصر هذا المعروف ويحفظ لها هذا الجميل، ويُقدِّر ما قدمت إليه من يد أثناء المحنة، ولكن الشعب الفرنسي شيء، والحكومات الفرنسية على اختلافها شيء آخر.
وقد لاحظت منذ وضعت الحرب العالمية أوزارها أن في فرنسا ظاهرة خطيرة، هي إخلال التوازن فيها بين الشعب والدولة؛ فالشعب الفرنسي لا يكاد يعرف الدولة الفرنسية والحكومة، لا يكاد يؤمن لهما، وإنما هو يحيى حياته مستسلمًا للظروف التي تحيط به غير حافل بالحكومة ولا آبه للبرلمان، يرى أن شعبًا مثله لا بد من أن يكون له برلمان فينتخب النواب والشيوخ حين يدعو إلى انتخابهم، ولا بد من أن تكون له حكومة فيعرف الحكومة حين تؤلَّف له. ولكنه يمضي بعد ذلك في سبيله غير حافل بالنواب والشيوخ الذين انتخبهم، ولا آبه للوزراء الذين يديرون أموره العامة. وهو يخضع لسلطان الدولة كارهًا لهذا الخضوع، ولو استطاع لأعلن الثورة والعصيان، فمن الظلم للشعب الفرنسي أن تحمل عليه كثرة الآثام التي تقترفها حكوماته المختلفة في أقطار الأرض على تباعدها. لقد كان الشعب الفرنسي يكره الحرب في الهند الصينية أشد الكره؛ لأنها كانت تزهق نفوس أبنائه وتسفك دماءهم وتُضيع عليه أمواله في غير نفع، وما زال يقاوم هذه الحرب حتى ظفر بوقفها. وما أشك في أن الشعب الفرنسي يكره السياسة التي تصطنعها حكوماته في شمال أفريقيا؛ لأنها تكلفه أثقالًا لا يحب أن يحتملها، لا أستثني من ذلك إلا المستعمرين الذين يقيمون في شمال أفريقيا، ورجال المال الذين يستغلون أموالهم في استذلال الأفريقيين، وأولئك وهؤلاء قلة ضئيلة بالقياس إلى الشعب الفرنسي المغلوب على أمره.
ولست أقول هذا عن الظن، وإنما أقوله عن العلم اليقين، فاقرأ الصحف الفرنسية إن شئت؛ فسترى صحف المال والاستعمار تؤيد الحكومة في عبثها، وسترى صحف الشعب على اختلاف أحزابه تناهض الحكومة في هذا العبث. وقد خُدع الشعب الفرنسي برئيس وزارته القائم منديس فرنس حين أمره يمضي الهدنة في الهند الصينية ويريد أن يخرج من مشكلات أفريقيا الشمالية، ولكنه لم يلبث أن رأى تسلط المستعمرين والماليين على السياسة الخارجية الفرنسية، فأدركه كثير من خيبة الأمل، وقال القائلون: حكومة كغيرها من الحكومات تخرج من مشكلة لتتورط في مشكلة أخرى.
وقد تحدثتُ في غير هذا المقال بما كان من تفاؤل بعض الصحف الفرنسية حين حلَّت مصر مشكلاتها مع الإنجليز، ومن انتظار هذه الصحف أن يكون ذلك مقدمة لحل المشكلات في تونس ومراكش. ولكن هذا التفاؤل لم يدُم، وإنما مضى مسرعًا وترك مكانه لتشاؤم بغيض؛ لأن المستعمرين ورجال المال والأعمال كانوا أقوى قوة وأعظم نفوذًا من الشعب الفرنسي العامل الكادح، الذي يشقى بالحرب ولا ينعم بالسلم إلا قليلًا.
وفي نفس رئيس الوزارة الفرنسية القائم منديس فرانس عقدة عسيرة الحل؛ فهو إسرائيلي، وهو من أجل ذلك لا يستطيع أن يجحد إسرائيل، وهو من أجل ذلك دعا رئيس الجيش الإسرائيلي إلى زيارة فرنسا، وهو من أجل ذلك يدعو رئيس الحكومة الإسرائيلية لزيارة فرنسا فيما يُقال. وللإسرائيليين في فرنسا وفي بيئات المال والأعمال خاصة نفوذ بعيد المدى. ولكن الذي نعلمه أن الشعب الفرنسي شعب مسيحي كاثوليكي، وأن فرنسا ترى نفسها ابنة الكنيسة الكبرى، وأن الشعب الفرنسي يغالب سخطه على النفوذ الإسرائيلي هذا مغالبة شديدة، ويوشك أن يعجز عن هذه المغالبة، وأن كثيرًا من أعلام المسيحيين الفرنسيين من كتابهم وعلمائهم وأساتذتهم ينكرون السياسة الفرنسية في شمال أفريقيا، ويجاهرون بهذا الإنكار ولا يستخفون به.
ومن أجل ذلك لا أحفل ولا أحب أن يحفل أحد بهذا السخف الذي يتورط فيه رئيس الوزارة الفرنسية حين يبدي ما يبدي من التقرب إلى إسرائيل، فهذا التقرب لا يخيف أحدًا ولا ينبغي أن يثير في نفوس المصريين والعرب عامة إلا الهزء والسخرية. وسياسة فرنسا الخارجية ليست إليها وحدها ولا سيما في الشرق الأدنى، وإنما هي إليها وإلى حلفائها من الإنجليز والأمريكيين.
ولن تستطيع فرنسا أن تعطي إسرائيل من الأسلحة إلا ما يأذن به حلفاؤها، وما ينبغي أن ننسى أن أسلحة فرنسا إنما تأتيها من أمريكا أو تُصنع بالمال الأمريكي في فرنسا نفسها.
فهذا الخداع الذي يعمد إليه رئيس الوزارة الفرنسية لا يخدع أحدًا؛ لأننا نعرف ما تستطيع فرنسا أن تصنع لإسرائيل وما لا تستطيع أن تصنع.
والخير كل الخير للحكومة الفرنسية القائمة أن ترتفع بنفسها عن هذا السخف الذي يُضحك ولا يخيف، فتقربها إلى إسرائيل لا يُقوي إسرائيل؛ لأن فرنسا نفسها محتاجة إلى القوة، وتَقرُّب إسرائيل إلى فرنسا لا يُقوي فرنسا؛ لأن إسرائيل نفسها محتاجة إلى القوة أيضًا، وتَهجُّم الإذاعة الفرنسية على مصر لا يخيف مصر؛ لأن فرنسا لن تضر مصر شيئًا.
والخير كل الخير أن يثوب رئيس الوزارة الفرنسية إلى نفسه وأن يقدر عاقبة أمره؛ فهو أذكى وأحصف من أن يجهل أن لفرنسا مصالح كثيرة خطيرة في مصر، وأن إصراراه على سياسته هذه الحمقاء قد يُعرِّض هذه المصالح الكثيرة الخطيرة لما لا يحب الفرنسيون أن تتعرض له.
لن تكف مصر إذن عن تأييد التونسيين والمراكشيين في مطالبتهم بالاستقلال، بل لن تكف مصر عن تأييد الجزائريين في مطالبتهم بالاستقلال، وإن زعمت فرنسا أن الجزائر جزء من الوطن الفرنسي؛ لأن مصر لا تؤمن بحق الفتح، ولأن أهل الجزائر ليسوا من فرنسا وليست فرنسا منهم في شيء.
ومصر مؤمنة بأن الاستعمار مهما تكن صوره آثم لا يقره إلا الظالمون، وبأنه خزي لا يليق بالحضارة والإنسانية الحديثة، وهي من أجل ذلك ستقاومه وستؤيد مقاوميه في كل مكان، لا يردها عن ذلك شيء، حتى حنين رئيس الوزارة الفرنسية إلى إسرائيل وتقربه من إسرائيل وإطلاقه ألسنة السوء في مصر.
فإن المكر السيئ لا يحيق إلا بأهله، والحق منتصر وإن كره المبطلون. -
فرنسا … والإسلام
فرنسا … والإسلام
طه حسين
جريدة الجمهورية
٢٤ أغسطس ١٩٥٤
لم تكد فرنسا تَفرغ من مأساتها المنكرة في الهند الصينية، حتى أخذت تواجه مأساة أخرى أقل منها نُكرًا في شمال أفريقيا. والغريب أنها تواجه هذه المأساة الأفريقية بنفس المراوغة والمداورة اللتين واجهت بهما مأساتها في الشرق الأقصى. فهي تقوم لتحجم، وتعزم لتتردد، وتقدم الصلح بإحدى يديها والحرب بيدها الأخرى.
وهي في أثناء هذا التردد والاضطراب تسفك دماء أبنائها ودماء الأبرياء من غير أبنائها، وتنفق في سَرَفٍ خلاصة أموالها وخلاصة أموال غيرها من الأمريكيين، ويشغلها الحرص على منافعها القريبة عن التفكير في منافعها البعيدة، فضلًا عن التفكير في الحق والعدل والإنصاف. ومع ذلك، فما أكثر ما قدم إليها وإلى غيرها من الأمم المستعمرة من النذر فلم تحفل بها، ولم تأبه لها غيرها من المستعمرين!
وأخص ما يمتاز به الظلم أنه قصير النظر، لا يفكر في العواقب ولا يحفل إلا بالمنافع القريبة العاجلة والساعة التي هو فيها، لا ينتفع بالمواعظ التي سبقته ولا يفكر في النُّذُر التي تدعوه إلى الاحتياط، ولا ينظر إلى غدٍ أو بعد غدٍ؛ ذلك شأن الظلم حين يقع من بعض المواطنين على بعض، وهو شأن الظلم حين يقع من المواطنين على غيرهم من الأمم والشعوب.
وإذا استقصيت أمر المستبدين في أوطانهم والظالمين لمواطنيهم، رأيتهم جميعًا مُمْعِنِينَ في الحُمق مُغْرِقِينَ في الغفلة، يأتيهم النُّذُر من بين أيديهم فلا ينظرون إليها ولا يسمعون لها، لا يعتبرون بما حاقَ بالظالمين من قبلهم ولا بما يحيق بالظالمين من حولهم، حتى تأخذهم القارعة وتدور عليهم الدائرة ويصبح أمرهم كله عليهم وبالًا ولغيرهم نكالًا.
وكذلك شأن الشعوب حين يستعلي بعضها على بعض، وحين يظلم بعضها بعضًا. لا تنتفع الشعوب الظالمة المستعلية بما حاق بغيرها من شعوب أخرى ظلمت الناس، واستعلت في الأرض، وكانت عاقبة أمرها وبالًا ونكرًا. بل لا تنتفع بالتجارب التي خضعت هي لها في تاريخها الطويل أو القصير. وإنما تركب رأسها وتستجيب للغرور والكبرياء، وتفتنها منافعها العاجلة حتى تتورط فيما لا بد من أن تتورط فيه، فتندم حين لا يُغني عنها الندم قليلًا ولا كثيرًا.
والفرنسيون قد جرَّبوا الظلم والاستبداد في بلادهم، حين ظلمهم ملوكهم وأشرافهم فيما مضى من تاريخهم، ورأوا مَصَارِعَ الظالمين من حولهم، وذاقوا ظلم الأجنبي حين احتل وطنهم فملأه فسادًا وشرًّا.
وهم أقرأ الناس للتاريخ، وأفقه الناس لحقائقه، وأقدر الناس على استخراج عِبَرِهِ ومواعظه. ولكنهم لا ينتفعون بشيء من ذلك في سيرتهم حين يستعمرون، وإنما يملك الغرور عليهم سياستهم، فيتورطون في الخطأ بعد الخطأ، ويقترفون الآثام في أثر الآثام.
كأنما تغريهم أغلاطهم بارتكاب أغلاط أخرى أشد منها نُكرًا.
رأوا ما أصابهم في الهند الصينية حين استعلوا واستكبروا وأَبَوْا أن يسمعوا الثائرين، لا يريدون إلا العافية وإقامة الأمر بينهم وبين فرنسا على شيء من الحق والعدل والإنصاف. ثم انتهى أمرهم إلى هذه الكارثة المنكرة التي ألمَّت بهم منذ أسابيع حين طلبوا الهدنة إلى الذين لم يسمعوا لهم ولم يحفلوا بهم منذ أعوام قليلة. وهم يسيرون هذه السيرة نفسها في شمال أفريقيا، تأتيهم النُّذُر من عقلائهم وتأتيهم النذر من خارج بلادهم، ويرون مصارع الشعوب المستعمِرة من حولهم ويرون انتصار الشعوب المغلوبة من حولهم أيضًا. فتأخذهم العزة بالإثم وتشغلهم الكبرياء عن الانتفاع بالعبرة والموعظة، وتصرفهم المنافع القريبة العاجلة عن التفكير حتى في الأوليات التي لا ينبغي أن تكون موضع خلاف أو نزاع.
هم يذكرون كيف أُخرجوا من سوريا ولبنان، وهم يرون كيف دارت عليهم الدائرة في الشرق الأقصى، وهم يرون كيف اضطرت بريطانيا العظمى — وهي أقوى منهم قوة وأكثر منهم مالًا وأوسع منهم سلطانًا — إلى أن تستجيب للهند والباكستان ودول أخرى كانت خاضعة بها مُذْعِنَةً لسلطانها، فعرفت لها الحق ونزلت لها عن استقلالها طوعًا أو كرهًا. ولكن الفرنسيين على ذلك كله لا يحفلون بشيء ولا ينتفعون بما يرون من المواعظ والعبر.
ويمضون في مأساتهم هذه المنكرة في شمال أفريقيا، غير مقدرين للعاقبة ولا حافلين بالنتائج، يكررون في شمال أفريقيا خطأهم في سوريا ولبنان، وخطأهم في الهند الصينية؛ تغريهم الكوارث بالكوارث، وتدفعهم الخطوب إلى الخطوب، يقرءون في صحفهم كل يوم أن دماءهم ودماء غيرهم تُسفك في شمال أفريقيا كما سُفكت في غيرها من المواطن. فيعيدون سيرتهم القديمة ويُلِحُّونَ في إقرار النظام وإخضاع الثائرين به والخارجين عليه، والاحتفاظ بسمعة فرنسا في العالم وهيبتها أمام الشعوب يرددون نفس الألفاظ ونفس المعاني ونفس الأوهام التي طالما ردَّدُوها بالقياس إلى سوريا ولبنان وبالقياس إلى الهند الصينية، ولا يخطر على بالهم أنهم سيلقون في شمال أفريقيا مثل ما لقوا في تلك الأقطار، وأن استجابتهم للغرور واعتدادهم بالقوة واعتزازهم بالأوهام، كل ذلك لن يُغني عنهم شيئًا غدًا كما أنه لم يغنِ عنهم شيئًا في أمس القريب ولا في أمس البعيد.
والفرنسيون يُكثِرُون الكلام عن الصلة بينهم وبين الإسلام، وعن الصلة بينهم وبين المسلمين، كما أكثروا الكلام من قبلُ عن أنهم حماة المسيحية في الشرق الأقصى، وكما أكثروا وما زالوا يُكثِرون الكلام عن أنهم دعاة الحضارة وحماتها في أقطار كثيرة من الأرض، يُغرون أنفسهم بهذا الكلام الذي لا يدل على شيء.
فهم قد حلوا عن الشرق الأدنى فلم تتعرض المسيحية بعد جلائهم لخطر قليل أو كثير، وهم يُجلون عن الهند الصينية ولن تتعرض الحضارة في الهند الصينية بعد جلائهم لخطر قليل أو كثير.
وهم يُسرِفون على أنفسهم وعلى الناس حين لا يفرقون بين بلاد لها سابقتها في الحضارة ولها سابقتها في العزة والمجد — كشمال إفريقيا — وبين بلاد أخرى لا حَظَّ لها من حضارة، ولم تعرف العزة والمجد؛ لأنها لم تخرج بعدُ أو لم تكد تخرج من طور الإنسانية الأولى التي تجهل كل شيء، أو تكاد تجهل كل شيء.
ومحنة الفرنسيين في شمال أفريقيا تأتي من أنهم حين غَزَوْا تلك البلاد في غفلة من أهلها عن أنفسهم وعن حقهم، لم يقدروا أن تلك الغفلة كانت موقوتة، وأنها زائلة عن أصحابها في يوم قريب أو بعيد، فلم يكتفوا بالتسلُّط السياسي وإنما هاجر كثير منهم إلى تلك البلاد أفواجًا في إثر أفواج، فاستقروا في أرضها واستأثروا بخير ما فيها، وكوَّنوا لأنفسهم ولمواطنيهم ثراء ضخمًا وجاهًا عريضًا. وهم الآن حائرون قد اختلط عليهم كل شيء. تَنَبَّهَ الأفريقيون إلى حقهم فطالبوا به، وذكروا سابقتهم في المجد والحضارة فأرادوا إحياءها، ورأوا أرضهم وثروتهم في أيدي هؤلاء الطارئين فأرادوا أن يقوم الأمر بينهم وبين هؤلاء الطارئين على الحق والعدل والإنصاف، وألا يكونوا غرباء في بلادهم، وألا يستأثر الطارئون من دونهم بالخير كله.
فأمر الفرنسيين مختلط، ليس من اليسير عليهم أن ينزلوا عمَّا في أيديهم كله أو بعضه، وليس من اليسير عليهم أن يحتفظوا بما في أيديهم كله أو بعضه، تدعوهم المنفعة العاجلة وتدعوهم الكبرياء إلى أن يفرضوا أنفسهم فرضًا. ولا عليهم في سبيل ذلك أن تُسفك الدماء وتُزهَق النفوس وتُقتَرف الآثام، وتدعوهم الضرورة المُلجِئَة وظروف الحياة الحديثة وتنبُّه الشعوب إلى حقوقها، وإيذان الاستعمار القديم بالزوال، إلى أن يردوا إلى هذه البلاد من حقها كله أو بعضه؛ فهم مضطربون بين أمرين أحلاهما مُر وأيسرهما عسير: استعمار لا سبيل إليه ولا أمل فيه، وجلاء يشق على النفوس ويُضحَّى معه بكثير من المنافع المادية، وبكثير من الغرور الذي لا تطيب به النفوس إلا في مشقة وعناء.
وكذلك تشقى فرنسا بالصلة بينها وبين هذا الجزء من العالم الإسلامي، ويشقى هذا الجزء من العالم الإسلامي بالصلة بينه وبين فرنسا، ولا سبيل إلى أن تخلُص فرنسا من هذا الشقاء الذي تنشره في وطنها وتنشره خارج وطنها، إلا بشيء من حمل النفس على ما تكره والتضحية عن رِضًى بما لا سبيل إلى الاحتفاظ به وإقامة الأمر بينها وبين هذا الجزء من العالم الإسلامي، بل بينها وبين العالم الإسلامي كله، على المودة والصداقة والتعاون، لا على البُغض والعداء والخصام الذي لا يُغني عنها شيئًا، والذي هو مُنْتَهٍ من غير شك إلى أن يضيِّع كل شيء.