من بعيد … ثورتنا (٣)
طه حسين
جريدة الجمهورية
١٧ يوليو ١٩٥٤
أعرف أن بيننا وبين الثورة الفرنسية دهرًا طويلًا أكثر من قرن ونصف قرن، وأعرف أن الحياة الإنسانية قد خَطَت في العلم والمعرفة والفن التطبيقي خطوات واسعة، لم يكن الفرنسيون يتصوَّرُونها أثناء ثورتهم، وأعرف أن هذا كله يقتضي أن يكون تفكيرنا في أواسط القرن العشرين غير تفكير الفرنسيين في أواخر القرن الثامن عشر، وأن من الحمق والخطل أن نطلب من ثورتنا أن تفكر كما فكرت الثورة الفرنسية أو أن تنهج نهجها في حياتها العاملة.
أعرف هذا كله، لكني أعرف أيضًا أن الظروف التي تحيط بنا تُشبه الظروف التي أحاطت بالفرنسيين أثناء ثورتهم من وجوه كثيرة؛ فقد كان الفرنسيون حين ثاروا يخضعون لظلم الملوك كما كنا نخضع له، وكانت كثرة الشعب تخضع لاستغلال طبقة بعينها من المواطنين؛ هي تلك التي استأثرت بالثراء والقوة والسلطان … كما كنا نحن نخضع لأسرة تشبه تلك الأسرة من وجوه كثيرة وإن لم تشبهها من كل الوجوه.
وكان الفرنسيون يحاولون أن يظفروا بحقوقهم في الحرية والكرامة بالقياس إلى الملوك والأشراف، وفي المساواة أمام القانون دون فرق بين الطبقات، وفي الإخاء بين المواطنين مهما تكن منازلهم ومراتبهم. وكانت الثقافة هي التي ألقت في روعهم وأقرت في نفوسهم كل هذه المعاني، وأقنعتهم بأن اللَّه قد خلق الناس أحرارًا، لا ينبغي لبعضهم أن يملك بعضًا، ولا ينبغي لأغنيائهم أن يستغلُّوا فقراءهم، ولا ينبغي لأقويائهم أن يستذلوا ضعفاءهم، وأنهم جميعًا يولدون على نحو واحد، ويموتون على نحو واحد، ويصيرون إلى مصير واحد، وأنهم جميعًا يشعُرون ويُفكِّرون ويعبِّرون ويألَمون ويأمُلُون ويعملون على أنماط متشابهة أشد التشابه، متقاربة أعظم التقارب، وأن استعلاء الأقوياء ظلم، وأن استئثار الأغنياء جَوْر، وأن اللَّه قد خلق الأرض للناس جميعًا ومنح الناس عقولهم وقلوبهم وذكاءهم وشعورهم وقوتهم المادية؛ ليعيشوا في الأرض إخوانًا يبتغون من فضل اللَّه، ويتعاونون على الخير والبر والمعروف، وأن ما يكون من بغي بعضهم على بعض واستئثار بعضهم بالخير من دون بعض، لا ينبغي أن يكون نتيجة لفساد في النظام الاجتماعي والسياسي، وضعف في الأخلاق، وتفريط فيما لا ينبغي أن يفرط فيه رجل كريم أو شعب رشيد.
ألقت الثقافة في رُوع الفرنسيين وأقرت في نفوسهم كل هذه المعاني. قرأها القادرون منهم على القراءة في كتب الفلاسفة والأدباء، وتحدَّثوا بها إلى الذين لا يقدرون على القراءة، ولاءموا بين ما كانوا يقرءون ويسمعون وبين الحياة التي كانوا يحيونها والنظم التي كانوا يخضعون لها، فثاروا وأخرجوا أنفسهم ووطنهم من حياة كان يملؤها الجور والبغي والإثم، إلى حياة حاولوا ما استطاعوا أن يجعلوا قوامها العدل والبر والتعاون على نشر الخير والمعروف.
وقد كُنَّا مثل الفرنسيين في هذا كله، أحيينا فيما بيننا أصول الإسلام الذي يأمر بالعدل والإحسان، وينهى عن الفحشاء والمنكر، ولا يُميِّز إنسانًا من إنسان إلا بالتقوى. نقلنا إلى لغتنا تلك الثقافة التي أَثَّرت في الحياة الفرنسية، وما أُضيف إليها من ثقافات جديدة، وجعل فريق من كتابنا وأدبائنا وزعماء الإصلاح فينا يُلِحُّون في الدعوة إلى إصلاح نظمنا الاجتماعية والسياسية، وتبرئتها من الطغيان والأَثَرة، ومن البغي والاستعلاء والعدوان.
وقرأ القادرون منا على القراءة هذا كله، وامتد ثوابه إلى الذين لا يقرءون، ووازنَّا بين ما أحييناه من قديمنا وما نقلناه من جديد أوروبا، ومن الحياة التي كنا نحياها والنظم التي كنا نخضع لها؛ فضقنا بما كنا فيه أشد الضيق، وحاولنا أن نُخرج من حياتنا تلك البغيضة إلى حياة خير منها، وأتاح الجيش لنا — وكان من الحق عليه أن يُتيح لنا هذا الخروج — لأنه يأتلف من أبنائنا وإخواننا ويجد مثل ما نجد من الألم، ويطمح إلى مثل ما نطمح إليه من الكرامة، وكانت في يده القوة التي تُتيح له تحرير الشعب، فلم يُقَصِّر حين تهيَّأت له الفرصة، وكتب الله له النُّجْح فيما حاول، فأصبحت ثورتنا حقيقة واقعة منذ عامين.
من كل هذه الوجوه تُشبه مصر في القرن العشرين فرنسا في القرن الثامن عشر، ومن كل هذه الوجوه تُشبه ثورتنا ثورة الفرنسيين في نشأتها وأسبابها، والغايات التي تسعى إليها، ولنا بعد هذا كله من الظروف المواتية ما لم يكن للفرنسيين.
فالفرنسيون ثاروا قبل أن يُستكشف الانتفاع بالبخار والكهرباء، وقبل أن يتيح للناس ما أتيح لنا من إلغاء المسافات في الزمان والمكان، وفي تذليل الصعب وتيسير العسير والتفوق في تسخير الطبيعة لأغراضنا ومنافعنا.
فواجباتنا أثناء ثورتنا أضخم وأقسى وأعظم خطرًا من واجبات الفرنسيين أثناء ثورتهم؛ لأننا نملك من الوسائل ما لم يكونوا يملكون.
وأنا أحب من تاريخ الثورة الفرنسية — إلى جانب ما حاولت من تحقيق العدل السياسي والاجتماعي — عنايتها بنشر العلم، وإذاعة المعرفة، وتكوين الصفوة المفكرة الحرة التي تدفع الشعب إلى أمام، وتتيح لأصول الثورة ومبادئها أن تتحقق وتستقر وتنتشر، لا في الوطن الفرنسي وحده، بل في القارة الأوروبية كلها، وفي غيرها من أجزاء العالم الأخرى.
فقد عُنِيَت الثورة الفرنسية بتنظيم البحث العلمي وتشجيعه وتهيئة الوسائل للعلماء الباحثين؛ فأنشأت المجمع العلمي بفروعه المختلفة، كما أنشأت تفكِّر عاملةً وتعمل مفكِّرةً، وتُشعِر الشعب بأنه عنصر خطير من عناصر الحياة الإنسانية العامة.
وقد ذكرت امتياز هذه الصفوة، وأحبُّ أن تكون هذه الكلمة واضحة كلَّ الوضوح في نفوس الذين يقرءون هذا الحديث.
فلست أريد أن تمتاز هذه الصفوة بالمولد، ولا أن تمتاز بالمال، ولا أن تمتاز بالسلطان لها وعطفه عليها، وإيثارها بالخير من دون المواطنين؛ فقد ذهب هذا كله، ويجب أن يذهب إلى غير رجعة.
ولست أريد كذلك أن تمتاز هذه الصفوة بهذا التحكم الذي يظنه الناس علمًا وليس هو من العلم في شيء، وأريد به هذا التحكم الذي يعتمد على مقاييس الذكاء وما يشبه مقاييس الذكاء من أوهام البيداجوجيا التي تُفهَم على غير وجهها، والتي يؤمن فريق منا بنصفها ويجحد نصفها الآخر.
وإنما أريد أن تمتاز بنفسها؛ بجدِّها وكفايتها ومواهبها، بعد أن تُتاح للمواطنين جميعًا فرص الامتياز في حرية كاملة لا تَحكُّم فيها ولا تَضييق.
هذه الصفوة ستمتاز من بين أبناء الشعب كله، لا من أبناء الأغنياء، ولا من أبناء الفقراء، ولا من أبناء الطبقة الوسطى، بل من أبناء المصريين جميعًا؛ لأنهم مصريون لا لشيء غير ذلك.
وأنا أعلم أن قومًا سيقرءون هذا الكلام، فيهزون رءوسهم، ويرفعون أكتافهم، وتمتلئ قلوب بعضهم موجدة وسخطًا، وقد يقول قائلهم كلامًا يُقال في قمم الجبال. لكني أعلم أيضًا أن كثيرين من القارئين لهذا الحديث سيقرءونه بقلوبهم وعقولهم، وسيجدون فيه حقائق أنفسهم وخلاصة آمالهم، وسيؤمنون به ويعملون له. وأنا أَعِدُ هؤلاء بأن يُتاح لهم النجاح غدًا وإن لم يُتح لهم اليوم، وإليهم وإلى قادة الثورة أسوق هذا الحديث على أنه لم ينته بعد.
Tag: French Revolution
-
يوم
حديث الوادي
يوم…
فيه عرف التاريخ أن الشعوب تستطيع أن تريد، وأن تنفذ ما تريد، بل فيه عرف التاريخ أن الشعوب تستطيع أن تستكشف نفسها، وتعرف أن لها حقوقاً يجب أن تُنال، وكرامةً يجب أن تُصان، وحُرمةً يجب أن تُرعى. بل فيه عرف التاريخ أن الشعوب تستطيع أن تنظر إلى نفسها في مرآة نفسها، فترى أنها أصل السيادة، وقد كانت موضوع الاستعباد، وترى أنها أصل العزة، وقد كانت مهبط الذلة، وترى أنها مصدر السلطان، وقد كانت خليقة بالطاعة والخضوع. وكان التاريخ قد رأى قبل ذلك اليوم أياماً كثيرة مختلفة ظهرت فيها حرية الجماعات، واحترمت فيها حقوق الشعوب، ورُوعيت فيها حُرمات النفس الإنسانية، ولكنه لم يكن قد رأى يوماً أبلغ من ذلك اليوم أثراً في حياة الناس، وأبعد منه مدىً في إشعارهم بكرامة أنفسهم، وتحقيق المساواة بينهم على اختلاف المنازل، وتفاوت الطبقات. فيه تمت المساواة بين الناس، كأقوى ما يمكن أن تتم، وزالت الفروق بين الناس كأقصى ما يمكن أن تزول، وكان أرفع الناس مكانةً، وأعلاهم قدراً، وأنبههم ذكراً، يسعى مع أحط الناس منزلةً، وأعظمهم من الضعة حظاً، وأبعدهم عن أن يُعبأ به أحد أو يُؤبه له إنسان، وكان هذان الرجلان المتباعدان في كل شيء، يسعيان أخوين متحابين لا يفرق بينهما شيء، ولا يبغيان إلا أن يهدما صرح الظلم، وينبِئا الأيام بأن الإنسان قد عرف آخر الأمر أنه خُلق ليعيش حراً، عزيزاً، كريماً.
كان الشعب الباريسي في ذلك اليوم، وفي الأيام القليلة التي سبقته من سنة ١٧٨٩، أعزل لا قوة له، ولا سلاح في يده، فقيراً مُعدماً لا يجد ما يُطعم، ولا يكاد يتقي عوادي الجو وأحداث الأيام. ولكنه مع ذلك استطاع أن يجد القوة، وأن يأخذ السلاح عنوةً، وأن يحاصر حصن الباستيل، وأن ينزل الجند فيه على حُكمه، وأن يُقنع الظالمين بأن عصر الظلم الذي لا عقاب عليه، والبغي الذي لا يُحاسب أصحابه، قد انقضى، وبأن عصر التفرقة بين الناس وتسلط بعضهم على بعض، وتحكّم بعضهم في بعض، قد انتهى، وبأن نظام الحق الإلهي قد زال، وبأن الملك لا يستمد سلطانه من الله، ولا يمثل الله في الأرض، وإنما يستمد سلطانه من الشعب، ويمثل الشعب أمام الدول والملوك.
ومن الإطالة التي لا تُجدي أن يفصل الكاتب في مقال كهذا حوادث ذلك اليوم، ومن الإسراف الذي لا يُغني أن يزعم الكاتب أن هذا اليوم قد كان خيراً كله، وأنه قد برئ من الشر المُنكر، والفساد العظيم. فقد كان يوماً مشهوداً، وكان شرّه عظيماً، وكانت آثامه لا تُحصى، ولكنه مع ذلك يوم مُخلّد في التاريخ، لأنه امتاز بما لم تتميز به الأيام التي سبقته، من إظهار الإنسان لكرامته، ولأنه أثبت ما عبرت الأيام السابقة عن إثباته، من أن الشعب مهما يظهر ضعفه، فهو قوي، ومهما تبدو ذلته، فهو عزيز، ومهما يعلن عجزه، فهو قادر، ومهما يظن به الظالمون من اليأس والقنوط، فهو عظيم الحظ من الأمل والرجاء.
والناس جميعاً يعلمون أن هذا اليوم قد فتح للتاريخ الإنساني باباً جديداً، دخلت منه الحرية والمساواة، وتغيرت له نظم الحكم في أوروبا أول الأمر، ثم أخذت تتغير في غير أوروبا من أقطار الأرض. والناس جميعاً يعلمون أن ما أصاب الفرنسيين من الأحداث، وما اختلف عليهم من الخطوب لم يغير من ثورتهم شيئاً، فهي ما زالت قائمة تعمل عملها، وتسلك طريقها إلى تحرير الجماعات والأفراد، وتؤدي رسالتها إلى الناس، فكل حدث يحدث، وله بنظام الحكم صلة قريبة أو بعيدة، وله في حرية الأفراد والجماعات أثر قوي أو ضعيف، إنما هو نتيجة من نتائج الثورة الفرنسية، وأثر من آثار ذلك اليوم العظيم الذي تغلب الباريسيون فيه على حصن الباستيل. وليس المهم أن يتحدث الكتاب بمجد هذا اليوم وآثاره التي تُحمد أو التي تُذم، وإنما المهم أن يتساءل الناس إلى أي حد استطاع هذا اليوم أن ينتهي بالإنسانية من الحرية الصحيحة، ومن المساواة التي تستحق هذا الاسم. إلى أين انتهى هذا اليوم بالإنسانية؟ إلى ما يُراد لها، من حفظ كرامتها كاملةً، ورعاية حرمتها موفورةً، والوصول بها إلى المثل الأعلى من العدل في أجمل صورةٍ وأنقاها، وأرقاها، وأبعدها عن الظلم والفساد.
أسئلة سيلقيها الناس في كل يوم، وسيجيبون عليها أجوبةً تختلف باختلاف البيئات والظروف، ولكن هناك شيئاً لا يمكن أن يختلف الناس فيه، ولا أن يكون بينهم حوله جدال. وهو أن الثورة الفرنسية إن كانت قد حررت الأفراد في أوروبا وأمريكا إلى حد بعيد، وحررت الجماعات في أوروبا وأمريكا إلى حد ما، فإنها ما زالت بعيدة كل البعد عن غايتها الطبيعية، قاصرة كل القصور عن بلوغ أمدها الذي ينبغي أن تنتهي إليه. فالأفراد أحرار في بعض أقطار الأرض دون بعض، والجماعات حرة في بعض البلاد دون بعض، ولكن الكثرة المطلقة من الناس ما زالت بعيدة كل البعد عن أن تستمتع بما يستمتع به هؤلاء الأوروبيون الممتازون من حريتهم الواسعة أو الضيقة. وما دام الاستعمار قائماً، وما دام الاستعمار نظاماً من نظم الحياة الإنسانية العامة، وما دام الاستعمار أصلاً من أصول العلاقة بين الأمم والشعوب، وما دامت في الأرض أمم قوية تستطيع كل شيء، وأمم ضعيفة لا تستطيع شيئاً، فالثورة الفرنسية لم تبلغ أمدها، ولم تحقق غايتها، ولم تؤدِّ رسالتها إلى الناس. ذلك أن حقوق الإنسان التي أعلنتها الثورة الفرنسية قد ذكرت الإنسان ولم تذكر الفرنسي، وذكرت الإنسان ولم تذكر الأوروبي، وذكرت الإنسان فلم تفرق بين جنس وجنس، ولا بين جيل وجيل، فما دامت مقصورةً إلى الآن على أجيال من الناس دون أجيال، فليست هي حقوق الإنسان، وإنما هي حقوق هذه الأجيال التي تنعم بها، وتستمتع بثمراتها، أو قُل إنها حقوق الإنسان كله، ولكن قوماً قد ظفروا بها، فهم سعداء، وقوماً آخرين لم يظفروا بها، فهم أشقياء، وهم مضطرون إلى أن يسعوا إليها، ويجدوا في السعي، حتى يبلغوها، وحتى يتمتعوا بثمراتها التي تسمى الحرية والإخاء والمساواة.
ليس صحيحاً أن الثورة الفرنسية قد حررت الإنسان، فما زال الإنسان يستعبد الإنسان، وما زال الفرنسيون الذين كانوا يرون أنفسهم رسل الحرية يستعبدون أجيالاً من الناس في أقطار الأرض على تباعدها، ويستعبدونهم باسم الثورة، ويستعبدونهم باسم الحرية والإخاء والمساواة. ليس صحيحاً أن الثورة الفرنسية قد محت الرّق، فالأفراد لا يُباعون ولا يُشترون في البلاد المتحضرة، ولكن الأمم الكبيرة، والشعوب الضخمة ذات الحضارة القديمة، والمجد المؤثّل تحيا حياة الرقيق، وتُسام ألوان الذل والخسف، بأيدي هؤلاء الأوروبيين الذين يرون أنفسهم رسل الحرية والإخاء والمساواة.
ليس صحيحاً أن الثورة الفرنسية قد أخرجت الناس من الظلمة إلى النور، فما زالت ظلمات البأس والبطش والقسوة والعنف، والجور والظلم حالكةً مدلهمةً على أممٍ من حقها أن تستمتع بالنور كما تستمتع به أوروبا، وكما يستمتع به الفرنسيون.
كلا، كلا. إن من الخير كل الخير أن يعرف الناس أنهم ارتقوا، وأن أمورهم قد صلحت، وأن حياتهم قد تغيرت، ولكن من الشر كل الشر أن يغتر الناس بهذا الرقي، وأن ينخدعوا بهذا الصلاح، وأن يُلهيهم هذا التغير. إن من الحماقة أن تسحرنا ألفاظ الحرية والإخاء والمساواة، ما دمنا لا نستمتع بها، ولا نستظل بظلها، ولا نشعر بأن ليس بيننا وبين الأوروبيين فرق عظيم أو يسير.
إن من الجنون أن نظن أننا أحراراً؛ لأن لفظ الحرية شائع بيننا، ولأن الفرنسيين يحتفلون اليوم بعيد حريتهم. إن من الغفلة أن ننتظر الحرية مؤمنين بها، واثقين بأنها ستتفضل ذات يوم فتُلِمّ بنا وتختار بلادنا لها داراً.
إن الحرية لا تُلِمّ ببلد إلا إذا دُعيت إليه، ولا تُقيم في بلد إلا إذا هُيئ لها المقام فيه. فإذا كنا نحب الحرية حقاً فلندعها، وإذا كنا نحب أن تُقيم بيننا فلنُقم لها داراً في مصر، فإن دارها فيما يظهر لم تُشيَّد بعد.
إن الثورة الفرنسية لم تصل بالناس إلى الحرية، ولكنها فتحت للناس أبواب الحرية. فمن الناس من يلج هذه الأبواب، ومنهم من يقف أمامها حائراً ذاهلاً مبهوتاً.
طه حسين
الوادي، 14 يوليو 1934.