الاصلاح والعمران
طه حسين
مجلة الهداية
؟؟؟
الآن كثر القول في مسألة المرأة، فاقتحمها الكاتب والشاعر والخطيب، ولم تبقَ صحيفة من الصحف العربية إلا طرقت هذا البحث وسلكت فيه سبيلًا، وكذلك الأندية العامة ومجالس السمر، لم يبقَ منها ندي ولا مجلس إلا اتخذ هذا الحديث من شئونه وأسماره. وهذه مقدمة لازمة لكل فكرة عامة تريد أنْ تأخذ نصيبها من الوجود الكامل، وتنال قسطها من الحياة الدائمة؛ فإن الناس لا يعدلون طريفًا بتليد ولا يميلون عن قديم إلى جديد إلا إذا أهابت بهم من المصلحين أصواتٌ لها قصيف الرعد وزئير الأسد، تزلهم عما كانوا عليه وتحملهم على ما يُدعَوْن إليه.
سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلًا.
وإذا عُني الرجال في هذه الأيام بمسألة المرأة، فإنما يُعنَون بمسألتهم قبل كل شيء؛ إذ كان ما ينالهم وينال أنسالهم من هوى أو رقي نتيجة لازمة لما تكون عليه حال المرأة من صلاح أو فساد.
كيف لا، والمرأة هي قالب النوع الإنساني يفرغه الله فيه ويصوغه على مثاله؟!
تحمل وليده تسعًا وترضعه شفعًا، وتربوه طفلًا، وتُأدِّبه يانعًا، وترشده غلامًا وكهلًا.
أفلا يكون حقًّا على الرجل بعد ذلك أنْ يختص مسألة المرأة بالبحث والتمحيص، ويُصفِّي جوهرها من أخلاط الشك وأدناس الوهم، حتى تخلص من كل شائبة وتصير من قلبه إلى مكان اليقين.
بلى، إنَّ هذا حق لا شك فيه ولا مندوحة عنه؛ ولذلك لم نجد بدًّا من أنْ نلقي دلونا في الدِّلاء، ونضرب مع القائلين بسهم في مسألة المرأة؛ رغبة في تأييد الحق والذود عنه، واستجابة لهذا الدعاء المحزن الذي يصدر عن بنات النيل، وفيهن أخواتنا وأهل مودتنا الآن، ومنهن زوجاتنا وبناتنا في مستقبل الدهر ومستأنف الأيام.
ذلك الدعاء المحزن الذي يرسلن به أصواتًا فاترة على أنها تنال من نفوس الرحماء وتبلغ من قلوب الصالحين، غير أنَّ لكل كاتب في أي مسألة من المسائل حدًّا يجب أن لا يتعداه، ومدى يجب أنْ ينتهي إليه وحدنا في هذه المسألة، إنما هو دين الله الذي أنزله شفاء لأدواء الأفراد والأمم وإصلاحًا للفاسد من أمورهم؛ فعلينا أنْ نقف عنده ولا نتعدَّى حدَّه، ومن يتعدَّ حدود الله فأولئك هم الظالمون.
على هذا الأصل الصحيح، نقول: إنَّ رُقيَّ المسلمين رهين بأن يرجعوا إلى أصول دينهم الذي أهملوه، وكتابهم الذي أغفلوه، فيتمسكوا بأسبابها، ويتعلقوا بأهدابها، وعلى غير ذلك لا تقوم لهم قائمة ولا يصلح لهم جيل.
حرية المرأة
ليست مسألة المرأة منحصرة في الحجاب أو السفور، كما يظن بعض الكاتبين، وإنما ترجع في الحقيقة إلى أصلين كبيرين؛ أحدهما: تربية المرأة، والثاني: حريتها. ولسنا بقائلين في الأصل الأول شيئًا اليوم، وإنما نرجئه إلى الفصول التالية؛ لأنه يحتاج إلى كلام كثير، وسنكتب الآن في الأصل الثاني، فنقول:
الحرية المطلقة ظل الحياة المطلقة، فحيثما وُجِدت الأولى يجب أنْ تُوجَد الثانية. ومعنى ذلك أنَّ الحرية المطلقة حق فطري للذكر والأنثى من الحيوان على السواء، وليس الإنسان إلا فردًا من أفراد الحيوان، وفرعًا من فروعه؛ فالرجل والمرأة إذن قسيمان في الحرية المطلقة، والمنفعة وحدها هي التي تحد هذه الحرية العامة بحدود العقل والعادة والدين؛ فكل ما يفيد حرية الرجل من هذه الحدود يفيد حرية المرأة كذلك.
هذا شيء متفق عليه لا معنى للبحث عنه والجدال فيه، وإنما نبحث عما جعل للرجل سلطانًا على المرأة، وميَّزه عليها وقيَّدها بقيود خاصة لا ينال الرجل منها شيء، ونقول: ليس لهذه القيود مصدر إلا نظام الأسرة؛ فهو الذي اقتضى أنْ يكون للرجل قيامة على المرأة، فيكسب لها القوت ويجمع من أسباب الراحة والدعة ما يُمكِّنها من أنْ تقضِيَ حاجَ المنزل، وتقوم على تربية البنين والبنات، وليس من الممكن غير ذلك؛ لأنه مقتضى الفطرة والطبيعة، ولكن هل قيام المرأة بحاج المنزل وفروض التربية يقضي بأن تُسلَب حريتُها، وتُقصَر في القيود كما تُقصَر الأمتعة.
هذا ما لا يمكن القول به، بل يجب القول بنقيضه؛ فإن المرأة إذا لم تكن مطلقة اليد، حرة في أعمالها وأقوالها، يستحيل أنْ تقوم بما يجب عليها حق القيام.
لذلك لم يأتِ الدين الإسلامي بما يُقيِّد هذه الحرية أو يقص جناحها، وإنما جاء بما يجعل هذه الحرية صالحة نافعة يقوم بها أمر المرأة وتنتظم أحوالها.
ما الذي فرضه الإسلام على المرأة؟ وما الذي أمرها به؟
فرض عليها العفة، كما فرضها على الرجل، وأمرها بأن تتجنب سبيل الظنة، كما أمر بذلك الرجل. عرف أنَّ في المرأة وجمالها فتنة للرجل هي مظنة الفسوق؛ فنهاها عن أنْ تبدي من زينتها ما تستطيع إخفاءه وهو غير الوجه واليدين؛ فقد قال القرآن الكريم: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا)، وفهم المسلمون من هذه الزينة الظاهرة الوجهَ واليدين، فأي تكلف في هذا الأمر؟! وأي عناء ينال المرأة من اتباعه؟!
ما الذي تريده المرأة إذا أباح الله لها أنْ تظهر من زينتها مثل ما يظهره الرجل.
لم يأخذها الإسلام بحجاب ولا نقاب، ولئن سألتَ الذين ينتحلون ذلك على الإسلام من أي آية في كتاب الله، وأي حديث في سُنة نبيه أخذتم حكم الحجاب والنقاب لَينالهم الإعياء والقصور!
أباح الإسلام للمرأة أنْ تخرج من منزلها، فتغشى مجالس العلم ومساجد الصلاة، ومواضع الرياضة في غير ما فتنة ولا فسوق.
عرف الإسلام من طبيعة الرجل والمرأة أكثر مما نعرف، فحظر عليها أنْ تخلو بالأجنبي، كما حظر ذلك على الرجل، وأي مصلحة عامة أو خاصة ينالها الإنسان من خلوة الأجنبي بالأجنبية؟! ليست هناك مصلحة ما، ولكن هناك مفاسد كثيرة، إنْ لم تكن متحققة فهي مظنونة التحقق، والمظنة مبنى الأحكام في الأديان والشرائع قديمًا وحديثًا. ومن اختبر النساء وابتلى طبيعتهن عرف أنَّ المرأة مهما كانت طاهرة الذيل نقية الجيب عفيفة النفس؛ فإنها مظنة الانخداع بأماني الرجال ووعودهم، ولا سيما إذا قُرِنت إلى الثناء. ولله در «شوقي» حيث يقول:
خدعوها بقولهم حسناءوالغواني يضرهن الثناء
عرف الإسلام ضعف المرأة عن المقاومة البدنية والنفسية؛ فحظر عليها أنْ تسافر إلا مع زوج أو محرم يدفع عنها ختل الخاتل وشر الغائل، فما الذي تسمو إليه المرأة بعد ذلك؟!
وكيف يُعد هذا تقييدًا لحريتها، وهو في الحقيقة مبالغة في العناية بها؟! هل أخطأ الإسلام في أن عُنِي بأمر المرأة، ورفع من شأنها حتى جعلها لا تسافر إلا مع الحرس والمحافظين عليها؟!
من هذا كله تنتج نتيجة لازمة، وهي أنَّ الإسلام قد جاء للمرأة بأحسن نظام تسمو إليه، وسنَّ لها أقوم سُنَّة تطمع فيها، وإنها لو اتبعت ذلك النظام واستنت هذه السُّنَّة، لبلغت أقصى ما تطلبه وتطمع فيه من الرقي والكمال.
ولنُلخِّص في كلمات قليلة حكم الإسلام في المرأة وحريتها، فنقول:
لا فرق بين المرأة والرجل في الحرية، وكلاهما مأمور بمكارم الأخلاق، منهي عن مساوئها، محظور عليه أنْ يتعرض لمظان الشبه؛ فالمرأة لا تخلو بالأجنبي، ولا تسافر وحدها، ولا تتبرج تبرج الجاهلية الأولى، ولها بعد ذلك أنْ تفعل ما تشاء في غير إثم ولا لغو. لها أنْ تطرح النقاب وترفع الحجاب، وتتمتع بلذات الحياة كما يتمتع الرجل، وليس عليها إلا أنْ تقوم بما أخذت به من الواجب لنفسها وزوجها والنوع الإنساني كافة.
هذا هو حكم الإسلام في المرأة، وهو رأينا الذي لا نحيد عنه، ولا نعدل به رأيًا آخر.
Tag: Gender Equality
-
الاصلاح والعمران
-
تجنٍّ
تجنٍّ
طه حسين
جريدة الجمهورية
٣١ يناير ١٩٥٦
لقد أحسنت الثورة الإحسان كله حين ردت على المرأة حقها السياسي؛ لأنها ارتفعت بنفسها من ظلمٍ سَمِج كان مألوفًا مقررًا من قبلُ في أقطار الأرض كلها. وقد أخذت الأمم المتحضرة تطهر نفسها من هذا الظلم منذ حين، وتأخرت مصر في ذلك، فكان إحسان الثورة مضاعفًا؛ لأنها برَّأت مصر من هذا الظلم أولًا، وأشركتها مع الأمم المتحضرة في رفعه ثانيًا، فأنصفت المرأة وأنصفت مصر.
أحق أن المرأة تصنع شيئًا لإصلاح حياتنا الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، كما يقول الأستاذ سامي داود في المقال الذي نشرتْه له جريدة الجمهورية يوم الخميس، وأنها ملأت الدنيا ضجيجًا وعجيجًا ومطالبة وإلحاحًا؛ لتظفر بحقوقها السياسية، فلما رُدت إليها هذه الحقوق زهدت في الاستمتاع بها، ونكلت عما ينبغي لها من احتمال ما تفرضه عليها من التبعات …
قال صديقنا هذا كله؛ لأن ثلاثًا أو أربعًا من زميلاته أنبأنَه بشيء من ذلك، وزعمْن له أن المرأة راضية؛ لأن حقها قد رُدَّ إليها، وأن هذا الرضى شيء، والإقبال على الحقوق المردودة والانتفاع والنفع بها شيء آخر.
كانت مغيظة لأنها كانت محرومة، فقد ذهب عنها الغيظ وانجاب عنها الحرمان؛ فاطمأنت إلى المساواة، ثم لم تزد — أو هى لا تريد أن تزيد — على الاطمئنان شيئًا. ومتى أُتيح للثلاث أو للأربع أن يُعربن عن الملايين المملينة من السيدات إعراب الممثلات لهنَّ، الناطقات بلسانهن، المصورات لما يضطرب في صدورهن من العواطف، وما يدور في رءوسهن من الخواطر والآراء؟!
وهل وثق الصديق بأن أولئك الزميلات كن جادات حين زعمن له ما زعمن؟! وما يمنعهنَّ من العبث في القول والرجال من حولهن في القول والعمل جميعًا؟! أليس للمرأة حق المزاح هذا الذي يسرف الرجال في الاستمتاع به غير مقدِّر لعواقبه، ولا حاسب لنتائجه حسابًا؟!
ومتى أقبل الرجال صادقين مخلصين على حقوقهم السياسية يستمتعون بها في جد وحزم وإيمان بأن استمتاعهم بها ليس حقًّا فحسب؛ ولكنه واجب لا يقصر في أدائه إلا الذين يستخفون بالمصالح الوطنية العليا؟!
متى أقبل الرجال على النفع والانتفاع بالحق السياسي، غير عابثين به ولا بائعين له ولا مداحين فيه ولا متخلفين عنه، يكسلون مرة ويسخرون مرة أخرى، وينسون في كثير من الأحيان؟! أليس الحق على الرجال لأنفسهم ولوطنهم أن يُقوِّموا ما في سيرتهم من عوج قبل أن يحاولوا تقويم غيرهم؟!
إن الصديق يعلم حق العلم أن تقصير الرجال في أداء الواجبات السياسية شائع ذائع لا يحتمل خلافًا ولا جدالًا، وأن هذا التقصير ليس عيبًا في المصريين وحدهم، ولكنه عيب فيهم وفي غيرهم. وهم حين يستجيبون لدعوة الانتخاب يوم يُدعون إليه، إنما يستجيبون لشهواتهم وأهوائهم في كثير من الأحيان. أليس من الإنصاف أن يُنتظر بالمرأة يوم الانتخاب؛ ليُرى أتُقبل عليه أم تعرض عنه، ثم يتحدث في ذلك عن علم وثقة لا عن شك وتجنٍّ.
لقد أحسنت الثورة الإحسان كله حين ردت على المرأة حقها السياسي؛ لأنها ارتفعت بنفسها عن ظلم سَمِج كان مألوفًا مقررًا من قبلُ في أقطار الأرض كلها. وقد أخذت الأمم المتحضرة تطهر نفسها من هذا الظلم منذ حين، وتأخرت مصر في ذلك، فكان إحسان الثورة مضاعفًا؛ لأنها برَّأتْ مصر من هذا الظلم أولًا وأشركتها مع الأمم المتحضرة في رفعه ثانيًا، فأنصفت المرأة وأنصفت مصر، وما ينبغي أن يُشاب هذا الإنصاف بما تورط فيه الصديق من الاستعجال بالسيئة قبل الحسنة، وبهذا التشاؤم الذي يغرق فيه كثير من كتَّابنا في هذه الأيام، ويتخذونه قِوامًا لآرائهم في الناس وفي الحياة.
وما هذه المشاركة في الإصلاح السياسي والاجتماعي والاقتصادي، التي أحجمت عنها المرأة، مكتفية بالإلحاح في المطالبة بحقوقها السياسية؟!
ومتى مُكِّنت المرأة المصرية من المشاركة المنتجة في الإصلاح على اختلاف ألوانه؛ لِتؤخذ بالإحجام عنها والتقصير فيها؟! إن الصديق يعترف بأن المرأة حين أُتيح لها التعليم تعلَّمت على أحسن وجه، وعلَّمت على أحسن وجه أيضًا، وحين أُتيح لها العمل في بعض المناصب العامة أدَّت واجبها كأحسن ما تُؤدَّى الواجبات.
فلْينتظرْ بها حتى يُتاح لها الاشتراك الفعلي في الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ثم يحدثنا بعد ذلك عن بلائها في هذا الإصلاح. وما أشك في أنه سيحدثنا عن ذلك حديث الرضى والاغتباط والإعجاب والحزن على ما فات مصر من هذا البلاء فيما مضى من العهود.
والصديق ظالم للمرأة ظلمًا كنت أحب ألَّا يتورط فيه؛ يرى أنها لم تشارك في علاج ما عرض للحياة المصرية من العلل والأدواء، فهي لم تعالج غلاء الأسعار مثلًا، وما أرى إلا أن العجلة وخطف الآراء هما اللذان اضطراه إلى هذا الظلم؛ إن المصريين قد احتملوا أثقال هذا الغلاء كِرامًا بفضل المرأة أولًا، فهي التي احتملت أعباءه، ونفذَتْ من مشكلاته، وأتاحت للرجال أن يعيشوا وأن يؤدوا أعمالهم وينهضوا بتبعاتهم؛ لأنها هي التي دبرت اقتصاد البيت، وأتاحت للأفراد الكثيرين فيه أن يعيشوا بالدخل القليل، ولو خُلِّي بين الرجال وبين دخولهم القليلة وحياتهم الغالية وحاجاتهم التي لا تنقضي ولا تُطاق؛ لوقعوا ولوقعت مصر معهم في شرٍّ عظيم.
تدبير المرأة هو الذي أتاح للساسة أن ينهضوا بأعباء السياسة، وأتاح لأصحاب الاقتصاد أن ينهضوا بأعباء الاقتصاد، وأتاح للذين يحاولون الإصلاح الاجتماعي أن ينهضوا بأثقال هذا الإصلاح. والمرأة بعد هذا كله هي الأم التي تنشئ الطفل، وتتيح له أن يتعلم وأن يشارك في الواجبات الاجتماعية، وهي الزوج التي تحمل عن زوجها هذه الأثقال السخيفة الممضَّة التي لا تقوم الحياة إلا بها، والتي لو احتملها الرجل لما استطاع أن يفرغ لعمل من أعماله فضلًا عن أن يحسنه. وفي حياة كل رجل — كائنًا من يكون — أثر خطير للمرأة، لا ينكره ولا يغض منه إلا العاقُّون الجاحدون الذين ليسوا أهلًا للحياة ولا أهلًا للاستمتاع بما فيها من خير والاحتمال لما فيها من شر.
لم أحب للصديق ولأمثاله من كتابنا الذين تعجلهم الصحافة عما ينبغي لهم من الأناة والتفكير؛ أن يقاوموا هذه العجلة ما استطاعوا، وأن يعلموا أن عواقب الأناة خير دائمًا وأن عواقب العجلة شر دائمًا، وأنهم ينشرون ما يتعجلون به من الأحاديث فيتلقاه الناس ويقرءونه ويتأثر به كثير منهم بإرادة وعن غير إرادة؛ فتصيبهم عدوى التفكير السريع الذي تنقصه الرويَّة والأناة.
ولم أحب للصديق ولأمثاله من كتَّابنا أن يقاوموا هذا التشاؤم الذي يفسد عليهم وعلى قرائهم آراءهم في الحياة وسيرتهم فيها أيضًا. إن في حياتنا شرًّا كثيرًا، ولكن الشر لا يُعالج بالتشاؤم؛ لأن التشاؤم يُدني إلى اليأس، ويصد عن المقاومة، ويفل العزائم، ويثبط الهمم. وكل هذه خصال أقل ما توصف به أنها تفسد الحياة ولا تصلحها، وتدفع إلى الانحلال والهزيمة لا إلى التماسك والانتصار على الخطوب. -
سمعة مصر
سمعة مصر
طه حسين
جريدة الأهرام
٢٦ سبتمبر ١٩٤٦
نظيف المظهر لطيف المخبر، يُبرق ويُرعد، ويقصف ويعصف، ولكن سماءه دائمًا صاحيةٌ صافيةٌ، ونفسه دائمًا مشرقةٌ متألِّقةٌ، وقلبه دائمًا رقيقٌ رفيقٌ. وقد يظن كثيرٌ من الناس أن سيف الأحكام العربية العرفية المسلولة في يده يحيطه بسياج مفزع مفظع، ولكن السياج الذي يحيط برئيس الوزراء سياج أنيق، ظاهره فيه القسوة والعنف، وباطنه من قبله الرحمة واللين.
ولست أدري أتسرُّه هذه المقدمة أم تسوءه، ولكني أعلم أني لا أكتب لأسرَّه أو لأسوءه، وإنما كتبت لأسوق إليه بعض الحديث، مطمئنًّا إلى أنه لن يمنع نشره كما كان يفعل غيره من رؤساء الوزارات الذين سبقوه، ولن يصادر الأهرام إذا نشرته كما كانت تفعل وزارة الداخلية قبل عهده، وكما فعلت بعد عهده عن رضًا منه أو عن سخط لا أدري.
بل أنا أكتب لأسوق إليه بعض الحديث مطمئنًّا إلى أنه لن يمد إليه يده بما أكره، ولو قد أراد لم تصل إليَّ يده، فقد تقصر يده وقد تطول، ولكنها لن تبلغني من وراء بحر الروم. وهو كما يعلم وكما يقول قصَّاص ألف ليلة وليلة: بحر عجاج متلاطم الأمواج. بل أنا أزعم أني سأسوق إليه بعض الحديث مطمئنًّا إلى أن يده لن تنالني بما أكره حين أعود إلى مصر إن شاء الله. وليس من شك في أني حين يأذن الله لي بالعودة إلى مصر سأزوره، وليس من شك كذلك في أنه سيلقاني في عنف وعبوس، ثم يستحيل عنفه إلى رفق، وعبوسه إلى الابتسام، فأمكث معه ما شاء الله أن أمكث، ثم أخرج من عنده إلى داري لا إلى السجن.
ليس عليَّ بأس إذن من أن أقول في صراحة ما أريد أن أقول، وأول ذلك أن من بين زملائه وزيرًا لا تعجبني سياسته. وليس معنى هذا أن سياسة غيره من الوزراء تروقني أو تشوقني، بل معناه أن سياسة غيره من الوزراء لا تكاد تعنيني ما دمت بعيدًا عن مصر. فأمَّا سياسة زميله ذاك فإنها تُحْفِظني وتُغِيظني، غائبًا وشاهدًا. وأحسبها تحفظ وتغيظ من المصريين كلَّ من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. وسياسة هذا الوزير الخطير لا تحفظني ولا تحفظ غيري من المثقفين لأنها تأتي أمورًا لا ينبغي أن تؤتى وتترك أمورًا لا ينبغي أن تُترك فحسب، وإنما هي تُحفظ وتغيظ لأنها تضرُّ ولا تنفع، وتسوء ولا تسر، ولأنها عبث لن يغير من حقائق الحياة المصرية شيئًا، ولكنه يضايق الناس في غير حاجة إلى المضايقة، ويؤذي سمعة مصر وهي في حاجة إلى ألَّا تُؤذى.
وقد فهم رئيس الوزراء بالطبع أني أريد أن أتحدث عن وزير المعارف وعن سياسته هذه التي لا تمتاز حتى بالطرافة أو الفكاهة، والتي كانت تُضحِك وتدعو إلى المزاح منذ عشرين سنة، ولكنها الآن لا تضحك ولا تدعو إلى مزاح، وإنما تملأ الصدور حرجًا والنفوس ضيقًا؛ لأنها تضيع الوقت والجهد وتؤذي سمعة مصر، ولا تغني عن الوزير ولا عن غيره من الناس شيئًا. تشدد الوزراء قبل وزير المعارف القائم في المحافظة، فلم يقدموا ولم يغيِّروا من حقائق الحياة الحديثة في مصر شيئًا. فما استئناف عبث قد مضى وانقضى؟ وما الرجوع إلى سيرة قد ظهر أنها لا طائل تحتها، وأنها لا تزيد على أن تضيع من وقت مصر وجهدها ما هي في حاجة إليه؟!
ولقد نقدت سياسة الوزير الخطير مداعبًا له منذ حين، فأمَّا الآن فإني لا أجد حتى الميل إلى الدعابة، إنما أبذل كثيرًا من القوة، وأُنفِق كثيرًا من الجهد حتى أملك نفسي، وحتى لا يخرجني الغضب عن الطور الذي لا ينبغي أن أتعداه حين أتحدث إلى رئيس الوزراء عن بعض زملائه الوزراء.
هناك فرق بين العبث الذي يمعن فيه المصريون حتى يغرقوا فيه إلى أذقانهم، أو إلى آذانهم، دون أن تتجاوز أنباؤه الحدود المصرية وتعبر البحر إلى أوروبا وأمريكا، وبين العبث الذي لا يكاد المصريون يأخذون فيه حتى يذيعه البرق والبريد في أقطار الأرض كلها، وحتى يتحدث به الناس في العالمين القديم والجديد. المصريون يغرقون في العبث مثلًا حين يضيعون جهودهم وأوقاتهم، ويملئون صحفهم مصبحين وممسين بقصة الدوائر وتقسيمها الجغرافي أو الاجتماعي، وبعمر مجلس النواب الذي ينبغي أن يقصر أو ينبغي أن يطول. ولكن أنباء هذا العبث لا تعني العالم الخارجي، وهي من أجل ذلك لا تنقل إليه، فليغرق المصريون فيه إلى أذقانهم أو إلى آذانهم، ولينفقوا فيه بياض أيامهم وسواد لياليهم، فذلك شيء يعنيهم وحدهم من دون الناس، وليس على المصريين بأس إن أحبوا أن يستبقوا هذه الحمَّى وما تستتبع من الخطرفة والهذيان.
ولكن عبث وزير المعارف لا يكتفي بأرض مصر ولا بأهل مصر، وإنما هو يتجاوز تلك الأرض وهؤلاء المصريين إلى أوروبا وأمريكا، فيجعل مصر وأهلها وحكومتها فكاهة لمن أراد أن يتفكَّه، وموضوع دعابة ومزاح للذين يحبون الدعابة والمزاح. هل يعلم رئيس الوزراء أن شركة من شركات الأنباء أذاعت في أوروبا وأمريكا أن وزير المعارف المصري يشتد أعظم الشدة وأقساها في حماية التقاليد العتيقة، فيمنع الفتاة المصرية أن تعبر البحر أو المحيط إلى أوروبا وأمريكا؛ لأنه يخاف عليها الفساد، ثم هو لا يفعل ذلك بالقياس إلى الفتيات المصريات كافة، وإنما يفعله بالقياس إلى الفتيات المسلمات دون المسيحيات، كأن الفساد خطر على المسلمات خاصةً أو كأن المسيحيات لا يستأهلن من عناية الوزير أن يصدهن عن الشر ويردهن عن الإثم ويحميهن من الفساد.
وهل يعلم رئيس الوزراء أن العالم الخارجي قد عرف أن وزير المعارف المصرية يتقدم إلى المعلمات في أن يطلن الأكمام ولا يقصرنها، وفي أن يتجنبن الأصباغ، وفي أن يكنَّ قدوة حسنة لتلاميذهن في الاحتشام والمحافظة على التقاليد، وأن وزير المعارف المصرية يتقدم في إلغاء الرقص التوقيعي في مدارس الدولة ومعاهدها، ولا يرى بأسًا من أن تتعلم الفتاة من الرقص ما شاءت في بيتها وعلى نفقة أسرتها، كأن الرقص التوقيعي إثمٌ في المدرسة ومباح في البيت. ورئيس الوزراء يعرف العالم الخارجي خيرًا مما يعرفه وزير المعارف، وهو من أجل ذلك يتصور الفرنسيين والإنجليز والأمريكان حين يقرءون هذه الأحاديث، وحين يتندرون بها ويتخذونها موضوعًا للفكاهة، وينتهون منها إلى أن مصر ما زالت في القرون الوسطى، وما زال حظها من الرقي بعيدًا كلَّ البعد عما يزعمه ساستها وفقهاؤها والذين يدعون لها من الكتَّاب.
وما أحب أن أغضب المحافظين، وما أحب أن يظن بي أني أبيح التبرج والخروج عمَّا ينبغي للفتاة من الاحتشام والتحفظ والوقار، ولكن وزير المعارف كان يستطيع فيما أظن أن يتأتى لذلك في شيء من التحفظ والقصد، وفي شيء من المهل والرفق. وفي غير هذا الإعلان الذي يشعر بأن الوزير يحرص على أن يعرف الناس أنه حريص على التقاليد أكثر مما يحرص على حماية التقاليد نفسها. فحماية التقاليد لا تكون بالإعلان، ولا بالتحدث إلى الصحف، ولا بنشر القرارات فيها، وإنما تكون بإحدى اثنتين: أولاهما، لا يستطيع الوزير إليها سبيلًا، ولا يستطيع رئيس الوزراء إليها سبيلًا، ولا يستطيع أحد من الساسة إليها سبيلًا، وهي إقرار الفتيات في بيوتهن، وصدُّهن عن الاختلاف إلى المدارس والمعاهد والجامعات، وأخذهن بألا يخرجن من بيوتهن إلَّا حين تقضي الضرورة الملجئة، وفي الحدود الضيقة التي يبيِّنها المتشددون من المحافظين. وأنا أتحدى وزير المعارف هذا القائم، ومن يمكن أن يأتي بعده من الوزراء، وأزعم أن أيهم يحاول ذلك، أو يهم بمحاولته، سيضطر إلى أن يترك الوزارة وإلى أن يعود إلى داره ليستقر فيها بعيدًا عن الحكم وعن تصريف الأمور.
أمَّا الطريقة الثانية التي تُحمى بها التقاليد، وهي الطريقة المجدية التي لم يسلكها وزير المعارف، وما أظن أنه يستطيع سلوكها؛ لأنه فيما يظهر يؤثر القول على العمل، ويؤثر السرف على القصد، ويؤثر العنف على اللين؛ هذه الطريق هي الدعوة إلى المحافظة على الاحتشام والوقار بالحكمة والموعظة الحسنة، والنصح الرفيق، والتعليم المستقيم. ليصدقني رئيس الوزراء ووزير المعارف أن في حياة الناس لسخفًا كبيرًا، إن الفتاة المصرية لا تتعرض للخطر في أوروبا أكثر مما تتعرض له في مصر، ولا تتعرض للخطر في القارة الأوروبية أكثر مما تعرض له في الجزر البريطانية. وإن الفتى المصري ليس أقل استحقاقًا لعناية الوزير ورعايته وحماية الوزير من الفتاة. والفتى المصري يتعرض لفتنة عظيمة حين يعبر البحر أو المحيط إلى أوروبا أو أمريكا، فلماذا لا يقوم الوزير عند ثغر الإسكندرية وبورسعيد، فيصدُّ الفتيان عن السفر إلى أوروبا وأمريكا حمايةً لهم من الفتن والآثام والموبقات؟ أم يظن الوزير أن الآثام حين يقترفها الفتيان أهون شرًّا وأقل خطرًا على الأخلاق والفضيلة والدين منها حين تقترفها الفتيات؟
وليصدقني رئيس الوزراء ووزير المعارف أن الشاعر ليقول إن سوء الظن من حسن الفطن. وأخشى أن يكون هذا القول وأمثاله هو الذي يُغري وزيرنا بسوء الظن وبالإسراف فيه.
وما دام وزير المعارف يريد أن يحمي التقاليد والفضيلة والدين، فأول ما ينبغي له من ذلك يقرأ ويفهم وينفذ قول الله عز وجل: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللهَ ۚ إِنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ ).
أمَّا بعد، فإن من الإساءة إلى مصر كلها أن يسوء ظن وزير من وزرائها بالفتاة المصرية والمرأة المصرية، ومن الإساءة إلى مصر كلها أن يتخذها الناس هزؤًا ولعبًا في العالم الخارجي؛ لأن وزيرًا من وزرائها لم يحسن أن يأخذ لنفسه بالقصد والاعتدال.