شهرية السياسة الدولية ٢
طه حسين
الكاتب المصري
يناير ١٩٤٧
يقال إن السياسة العالمية في هذا الشهر قد أتيح لها شيء من الدَّعة والإسماح، وإن العالم سيستقبل العام الجديد هادئًا مطمئنًّا إلى حَدٍّ ما. ومصدر ذلك — فيما يقال — هو أن الاجتماع الأخير لهيئة الأمم المتحدة قد انتهى إلى نتائج رضي عنها واطمأنَّ إليها الساسة المنتصرون؛ فقد خفَّت حدة الخلاف بين الكتلتين المختصمتين: كتلة السكسونيين من ناحية، والروسيين من ناحية أخرى. فلم يكُن بين الخطباء في هيئة الأمم المتحدة ولجانها ذلك الصراع العنيف، الذي كان ملحوظًا حين اجتمعت هيئة الأمم المتحدة في لندن، أو حين اجتمع مؤتمر الصُّلح في باريس، بل كان الخلاف يشتد ويحتد أحيانًا حتى يُنذر بالخطر، ثم ينتهي آخر الأمر إلى نوع من التراضي يرتاح إليه المختصمون جميعًا، وهذا كله حق ليس فيه شك. وهناك حق آخر ليس فيه شك، وهو أن اجتماع هيئة الأمم المتحدة الأخير قد انتهى إلى الاتفاق على طائفة من المسائل، كان يظن أن ليس إلى الاتفاق عليها من سبيل. فقد تم الاتفاق مثلًا على شيء من التقدُّم نحو تخفيض التسلُّح، والإشراف على القنبلة الذرية وما يشبهها، أو يقاربها من الأسلحة الفتَّاكة، وعلى أن يكون هذا الإشراف غير خاضع لحق الاعتراض الذي تستمسك به الدول الكبرى. بل أتيح للهيئة التي ستشرف على تخفيض التسلُّح حق التفتيش والتثبيت داخل حدود الدول مهما تكُن. وما من شك في أن هذا الاتفاق خطوة قَيِّمَة في سبيل التراضي والتعاوُن بين الدول الكبرى. ولكن الاندفاع في التشاؤم شر، كما أن الاندفاع في التفاؤل ليس أقل منه خطرًا. فليسجل هذا الاتفاق الذي تم في شيء من الرضا، ولكن في كثير من الاحتياط. فاتفاق المختلفين في قاعة الاجتماع بهيئة الأمم المتحدة شيء، وتنظيم الإجراءات العملية لتنفيذ هذا الاتفاق، ثم تنفيذ هذا الاتفاق بالفعل في أمانة وصدق وإخلاص شيء آخر. وكل ما يمكن أن نقرره، هو أن ساسة المنتصرين قد افترقوا على شيء من تقارُب وجهات النظر؛ فهم سيستقبلون العام الجديد في شيء من الأمن الموقوت. ولكن المسائل الكبرى التي هي مَثار الخلاف بين المنتصرين ما زالت قائمة لم تُمس إلى الآن؛ فأمريكا مستأثرة بالقنبلة الذرية لم تُفْضِ بأسرارها بعدُ، ولم تُبِحْ إعدام ما أنشئ منها، ولم تسلِّم بوقف المضي في إنتاجها. كل ذلك مرهون بتمام الاتفاق وتمام إنفاذه في دقة وأمانة وإخلاص.
وكذلك تقاربت وجهات النظر في قضيتين خطيرتين؛ إحداهما: القضية الإسبانية؛ فقد كانت روسيا وفرنسا تطالبان بقطع العلاقات السياسية والاقتصادية مع إسبانيا، وكانت بريطانيا العظمى والولايات المتحدة تأبَيَان هذا كل الإباء، فتم الاتفاق على أن تستدعي الدول سفراءها ووزراءها المفوَّضين من مدريد، وتبقى السفارات والمفوضيات يشرف عليها القائمون بالأعمال، ويراقب مجلس الأمن تطوُّر الأمور في إسبانيا. وقد يكون لهذا الإجراء أثره في إنقاذ الشعب الإسباني من نظام الجنرال فرانكو، وقد لا يكون. ولكن المهم هو أن الدول قد استطاعت أن تصل إلى صيغة يمكن الاتفاق عليها.
أما القضية الثانية: فهي قضية الخلاف بين الدولة اليونانية وجاراتها الموالية لروسيا. وقد انتهى مجلس الأمن فيها إلى اتفاق قد يجدي وقد لا يجدي، ولكنه اتفاق على كل حال. وخلاصته أن تنشأ لجنة دولية للتحقيق، تزور البلاد المختصمة، وترفع تقريرها إلى مجلس الأمن. وواضح أن كل هذه الألوان من الاتفاق تقوم على التراضي الذي ينزل فيه كل من المختصمين عن بعض ما يريد؛ فهي اتفاقات ليست حاسمة ولا مُلغِيَة للمشكلات القائمة. فكما أن مشكلة القنبلة الذرية لا تزال قائمة، فنظام فرانكو لا يزال قائمًا في إسبانيا، والاحتلال البريطاني لا يزال مستقرًّا في اليونان، والحرب الأهلية لا تزال مضطرمة في اليونان أيضًا. وهناك مشكلة شغلت العالم عامًا وأكثر من عام، وقد أخذت تنحل في هذه الأيام، دون تدخُّل من مجلس الأمن ولا من هيئة الأمم المتحدة؛ وهي مشكلة إيران. فقد اقتحمت جيوش السلطة المركزية أذربيجان، وقضت على استقلالها الذاتي، واستقرت على الحدود الروسية الإيرانية، واستردت سلطان الحكومة المركزية على الأرض الإيرانية كلها، لم تعترض على ذلك روسيا، ولم تؤيده بريطانيا العظمى تأييدًا ظاهرًا. ولكن من سَبْقِ الحوادث أن نقرر انتهاء المشكلة الإيرانية إلى غايتها؛ فالدول المنتصرة تنظر صامتة في ظاهر الأمر إلى تطور هذه المشكلة على هذا النحو، ولكننا سنرى بعد انتهاء الانتخابات الإيرانية، وقيام الحكومة الجديدة: كيف تلائم هذه الدول المنتصرة ذات المصالح المُعقَّدة، والمطامع التي ليست أقل تعقيدًا من مصالحها، بين مواقفها وبين النظام الجديد. والحقيقة الواقعة التي لا يختلف فيها اثنان، هو أن كل هذا الإسماح الذي طرأ على السياسة العالمية في هذه الأيام، مصدره تغيير في الخطة الروسية؛ فقد عمدت روسيا من غير شك إلى شيء من اللين والاعتدال، ونزلت عن كثير من تشدُّدها في كثير من المسائل، فما مصدر هذا التغيير؟ يقول المتعجلون: إن مصدره الحزم الإنجليزي الأمريكي الذي أشعر روسيا بأن تشدُّدها مُنْتَهٍ إلى الكارثة. ونعتقد نحن أن مصدره دهاء السياسة الروسية، فمن الخطل أن نظن أن روسيا كانت مصممة كل التصميم في تشدُّدها، وإصرارها على العنف، وإنما كانت تتشدد وتسرف في التشدد، وهي تعلم حق العلم أن خصومها لن يُسلِّموا لها بكل ما تريد؛ فهي تدافع عن وجهة نظرها ما وسعها الدفاع، وتطلب الكثير لتظفر بالقليل. ومن أخطأِ الخطأ أن يُظن أن السياسة الروسية قد انهزمت أمام السياسة السكسونية؛ فالبلقان ما زال خالصًا لروسيا، لا يستثنى منه إلا اليونان، ومطالب روسيا ما زالت قائمة فيما يتصل بالمضايق، وقد وافقت روسيا آخر الأمر على معاهدات الصلح المختلفة، بعد أن ظفرت بأقصى ما كان يُنتظر أن تظفر به. ويمكن أن يُقال إن المشكلات التي كانت تواجه المنتصرين لم تُحَلَّ إلى الآن حلًّا حاسمًا، وإنما موعد هذا الحل الحاسم هو اجتماع وزراء الدول الكبرى في موسكو بعد شهرين.
هنالك — وهنالك ليس غير — نستطيع أن نتبين أيمضي العالم حقًّا إلى التعاون والاتفاق؟ أم إلى التنابذ والاختلاف؟ ففي الاجتماع المقبل ستعالج المشكلة الكبرى التي تدفع أوروبا إلى سلم مستقرة، أو تهيئها للحرب العالمية الثالثة، وهي مشكلة الصلح الذي يراد أن يفرض على ألمانيا.
وبينما تجري السياسة العالمية العامة على هذا النحو من التقارُب الذي يدعو إلى الاطمئنان ولا يُعفي من القلق، تحدث في غرب أوروبا أحداث لها ما بعدها، ولعلها أن تكون أبعد أثرًا في المستقبل العالمي القريب من كل هذا اللغط الذي امتلأ العالم به أثناء اجتماع هيئة الأمم المتحدة. ففي بريطانيا العظمى لا يكاد ينتهي الخلاف الذي شجر في حزب العمال، واضطر الحكومة البريطانية إلى عرض الثقة، حتى يثار خلاف آخر بين العمال دائمًا، وحول السياسة الخارجية البريطانية دائمًا كذلك.
والخلاف في هذه المرة خطير؛ فالمتطرفون من العمال يرون أن حكومتهم لم تبرَّ بوعدها، ولم تيسر للديمقراطية سُبُلها في الخارج، ويرون أن حكومتهم اشتراكية في بريطانيا العظمى، مؤيِّدة للرجعية خارج بريطانيا العظمى، وضغطهم هذا يضطر الحكومة إلى ظاهر من التساهل، ولكنها لا تكاد تُقدِم على هذا التساهل الشكلي حتى يسخط المعارضون من المحافظين، ويصيح المستر تشرشل في مجلس العموم بأن حكومة العمال تدفع الإمبراطورية إلى الانحلال.
وكذلك تجد الحكومة البريطانية الاشتراكية نفسها بين نارين: نار تأتيها من اليسار من أتباعها المتطرفين، ونار أخرى تأتيها من اليمين من خصومها المحافظين. وقد يكون من الحمق أن نهمل نيرانًا أخرى تواجهها من خارج بريطانيا العظمى، وتأتيها من هذه المشكلات الكثيرة التي تتعقد في كل يوم، وتزداد تعقُّدًا من يوم إلى يوم في أكثر أرجاء الإمبراطورية: في الهند، وفي بورما، ثم في مناطق النفوذ كالشرق الأدنى، والشرق الأوسط مثلًا.
فالذين يؤمنون بقول الإمبراطورية البريطانية وقدرتها على مواجهة المشكلات وقهر الصِّعاب — كما كانت تفعل من قبل — في حاجة إلى أن يعيدوا النظرة فيما كوَّنوا لأنفسهم من رأي؛ فقد خرجت الإمبراطورية البريطانية من الحرب منتصرة، ما في ذلك شك، ولكنها لم تنتصر وحدها، وإنما انتصر معها قوم آخرون، لعلهم أن يكونوا أعظم منها قوةً، وأشد منها بأسًا، وأكثر منها ثراءً، وأقدر منها على مواجهة الصِّعَاب. وقد بذلت الإمبراطورية البريطانية أثناء الحرب وُعُودًا أسرفت في بذلها، وآن أوان الوفاء بها، وكانت تظن أنها تستطيع أن تَعِدَ اليوم لتُخلِف غدًا. ولكن الشعوب التي تلقت هذه الوعود لم تكن عابثة، ولا هازلة، وإنما كانت جادة كل الجِد، وهي الآن تطالب بتحقيق ما بُذِل لها من الوعود.
وفي فرنسا تم الانتخاب للجمعية الوطنية، على النحو الذي عرَفه القراء، والذي لم يظفر فيه حزب بالكثرة المطلقة، وجرت انتخابات مجلس الجمهورية، وانتهت على النحو نفسه، فأصبح أمر الحكم في فرنسا من أشد الأمور عسرًا، لا يستطيع حزب أن يستقل بالحكم إلا أن تؤيده الأحزاب الأخرى. وقد طالب الشيوعيون — وحزبهم أعظم الأحزاب — برياسة الوزارة، فأبتها عليهم الأحزاب الأخرى. ثم طالب بها حزب الجمهوريين الشعبيين فرد عنها، واضطرت فرنسا إلى أن تلجأ إلى الحزب الاشتراكي — وهو من أحزاب الأقلية — ليعطيها رئيسًا للوزارة، فأعطاها زعيمها العظيم المسيو ليون بلوم. ولكن هذا الزعيم لم يستطِع أن يؤلِّف بين المختلفين، فاضطر إلى تأليف وزارة من حزبه الاشتراكي، وظهر في فرنسا هذا المظهر الغريب، حزب من أحزاب القلة يؤلف الوزارة، وتؤيده الجمعية الوطنية تأييدًا إجماعيًّا؛ لأنها لا ترى مخرجًا غير هذا من الحرج.
وهذه الوزارة موقوتة بالطبع، ستستقيل حين يُنتخب رئيس الجمهورية، وسنرى كيف تستقبل فرنسا أمرها، وكيف تتكون فيها الكثرة التي تلي الحكم: أتكون كثرة تميل إلى الشمال، أم تكون كثرة معتدلة متوسطة.
ولكل هذا أثره في توجيه أوروبا الغربية؛ فالأمر ليس إلا صراعًا بين اليساريين الذين يريدون أن يأخذوا من رأس المال أكثر ما يستطيعون، وأصحاب اليمين الذين يريدون أن يحتفظوا من نظام رأس المال، بأكثر ما يستطيعون أن يحتفظوا به.
Tag: geopolitical tensions
-
شهرية السياسة الدولية٢
-
مصادر القلق
مصادر القلق
طه حسين
مجلة مسامرات الجيب
٣ مارس ١٩٤٦
إلي أي حد يمكن أن يُقال: إن القلق الذي يسيطر على العالم الآن ليس إلا نتيجة طبيعية من نتائج الحرب، فقد بلغت الحرب من العنف، واستتبعت من الأحداث ما يحتاج إلى وقت طويل لتمحى آثاره، وينتهي العالم إلى شيء من الاستقرار.
والواقع أن الناس كانوا يعللون أنفسهم بهذه التعليلات في الأشهر القليلة التي مضت بعد انتهاء الحرب في أوروبا، ولكنهم أخذوا يشفقون بعد انتهاء الحرب اليابانية، من أن تكون هناك أشياء أخرى تدفع العالم إلى القلق، بل إلى الخوف من أن تكون هذه الأشياء مقدمات لهول آخر يتعرض له العالم في وقت قريب أو بعيد. وكان أول هذه الأشياء انتهاء الحرب اليابانية نفسها. فهل انتهت الحرب بفضل القنبلة الذرية التي أُلقيت على مدينتين يابانيتين، فدمرتهما تدميرًا؟ أم هل انتهت الحرب بفضل التدخل الروسي في مشكلات الشرق، بعد أن تمت هزيمة ألمانيا في الغرب؟! أم هل انتهت الحرب بفضل الأمرين جميعًا؟!
هذه مسائل خاض الناس فيها فأكثروا الخوض، ولكنهم لم يكونوا يقدرون أنها ستكون المصدر الأول لموجة القلق التي سيطرت على العالم في شهري سبتمبر وأكتوبر الماضيين. فهذه القنبلة الذرية خطر عظيم على الحضارة، ما في ذلك شك، والاستئثار بها في دولة بعينها، أو في جماعة بعينها من الدول، يجعلها أشد خطرًا وأعظم هولًا، ويعرض العالم لهولين، كلاهما أشنع من الآخر: يعرضه قبل كل شيء لخطر التنافس بين الدول الكبرى على نحو لم يعرف له نظير من قبل، فاستئثار الأمريكيين بهذا السر الخطير يحمل غيرهم من الأمم على البحث المتصل، والجد الذي لا ينقطع، للوصول إلى استكشاف جديد يوازن الاستكشاف الأمريكي، ويعصم أصحابه من أن يتعرضوا دائمًا للخوف والنذير، ومن أن يصبحوا بحكم ضعفهم في المرتبة الثانية أو الثالثة بين الأمم المتسلطة.
ومن أجل ذلك لم تكد تظهر أخطار القنبلة الذرية؛ حتى ظهر القلق، لا في روسيا وحدها، بل في فرنسا أيضًا. فأما الروسيا فقد طالبت، وألحت في المطالبة بأن يصبح أمر هذه القنبلة الذرية دوليًّا، تشرف عليه وتتصرف فيه لجنة يؤلفها مجلس الأمن، وكانت الروسيا تقرر أن طلبها سيلقى مقاومة شديدة فلم تكتفِ به، وإنما دفعت علماءها دفعًا إلى الجد والبحث والاستكشاف، ثم أعلن وزير خارجيتها ذات يوم أن روسيا تملك أشياء أشد خطرًا من القنبلة الذرية. ثم لم تكتف بهذا، وإنما كلفت إدارة المخابرات أن تعمل، وقد عملت هذه الإدارة في تحفظ وتكتم إلى أن كانت الأحاديث التي روع لها الأمريكيون منذ حين، حين علموا بأن أسرارًا خطيرة تتصل بهذه القنبلة الذرية قد تسربت إلى الروسيين.
هنالك اندفعت الولايات المتحدة وكندا وبريطانيا العظمى إلى تحقيق دقيق عرف الناس أنه ابتدأ، ولكنهم لن يعرفوا متى ينتهي، ولا كيف ينتهي، ولا إلى أي نتيجة ينتهي. والمهم هو أن روسيا طالبت بجعل القنبلة الذرية شيئًا دوليًّا أولًا، وجدَّت في استكشاف الأسلحة التي تقاومها وتوازنها ثانيًا، ثم جدَّت في السعي إلى العلم بأسرارها ودقائقها ثالثًا.
أمَّا فرنسا فطالبت في استحياء بمثل ما طالبت به روسيا؛ لأنها لا تمتلك من القوة المادية ما تملكه روسيا، ولكنها أنشأت هيئة علمية للبحث والدرس والاستكشاف، وأرصدت لهذه الهيئة من المال ما يرهق خزانتها المحتاجة إلى كثير من المعونة والتأييد، وقال القائلون: إن بعض هيئاتها الشيوعية شاركت الروس في السعي بدقائق القنبلة الذرية وأسرارها.
وأمَّا بريطانيا العظمى، فقد شاركت في استكشاف القنبلة الذرية، وسعى رئيس وزرائها إلى أن يجعل أمرها دوليًّا فنجح ولم ينجح … نجح في أن يجعل أمر البحث عن الطاقة الذرية دوليًّا، ولكنه لم ينجح في أن يزحزح الولايات المتحدة عن موقفها من الاحتفاظ بأسرار القنبلة الذرية. وجعل الناس يتحدثون بأن بريطانيا العظمى نفسها ليست واقفة على دقائق هذه الأسرار، وبأن الولايات المتحدة تعلم منها ما لا يعلمه غيرها من الدول، حتى التي شاركت في استكشافها. وكذلك استقر في أذهان الناس أن الولايات المتحدة الأمريكية تستأثر بهذا السلاح الخطير من دون غيرها من أمم الأرض، كما استقر في أذهان الناس أن الدول الأخرى العظمى لن تصبر على هذا الاستئثار، وأن الحرب العالمية الثانية لم تنتهِ إلا لتستأنف الأمم سعيها إلى حرب عالمية ثالثة.
هذا أحد الشرَّين، أمَّا الشر الآخر فهو هذا الذعر الذي امتلأت به قلوب الناس من أن تستخدم الولايات المتحدة هذا السلاح؛ لتفرض به سياسة القهر والتسلط على غيرها من الأمم المستضعفة. وهذا الذعر لم يشع خارج الولايات المتحدة فحسب، وإنما شاع في الولايات المتحدة نفسها، فكتب الكتاب، وتحدث المتحدثون في الراديو، وأعلن أولئك وهؤلاء أن استئثار بلادهم بهذا السر يعرض الحضارة الإنسانية كلها للخطر، ويجعل حياة الأمم المستضعفة خاضعة لأهواء المستأثرين.
كذلك كان انتهاء الحرب اليابانية نذيرًا بهذين الشرَّين العظيمين، ومثيرًا لهذا القلق الذي يسيطر على العالم الآن، والذي أخذ يعظم ويشتد، وتبعد آثاره منذ اجتمع وزراء الخارجية في لندرة أثناء الخريف الماضي. فقد رأى العالم أن هؤلاء الوزراء لا يتفقون على شيء، وأن روسيا تقف موقف تحفظ شديد وشك مريب، وأن بريطانيا العظمى تلقاها بمثل تحفظها وارتيابها. وأحس العالم أن هناك شيئًا خطيرًا من سوء الظن قد وقع بين الحلفاء، وأن الأمور لن تستقيم بينهم إلا إذا زال سوء الظن هذا، وقامت مقامه ثقة كاملة، وأن هذه الثقة لن تقوم، ولن تكتمل إلا إذا لم يخفِ بعض الحلفاء على بعضهم شيئًا، وإلا إذا لم تصبح القنبلة الذرية سرًّا مكتومًا.
وقد تفرق المجتمعون ولم يتفقوا. ثم اجتمع وزراء الخارجية الثلاثة في موسكو، وخُيِّل إلى الناس أنهم اتفقوا على بعض الأمر، ولكن لم تكد جمعية الأمم المتحدة تجتمع في لندرة؛ حتى ظهر أنهم لم يكادوا يتفقون على شيء. ثم جعل ممثلو وزارات الخارجية يجتمعون؛ ليعدوا لمؤتمر الصلح الذي سيُعقد في مايو. ويُقال الآن: إن أمامهم من المصاعب ما يحول بينهم وبين الاتفاق، وإن المؤتمر قد لا يجتمع في الموعد المحدد له.
فهذا مصدر من مصادر القلق أصله في أمريكا، وهناك مصدر آخر أصله في بريطانيا العظمى، وليس هو بأقل خطرًا على مستقبل السلم من أمر القنبلة الذرية؛ وهو هذه الفكرة التي حرصت عليها بريطانيا العظمى دائمًا، واستأنفت الحرص عليها بعد انتهاء الحرب، وهي تكوين كتلة قوية متعاونة في غرب أوروبا.
هذه الفكرة خطيرة بالقياس إلى روسيا؛ فإن انهزام ألمانيا وإيطاليا واستسلامها بلا قيد ولا شرط، يجعل من الغريب التفكير في تكوين هذه الكتلة الغربية. فهي لا تكون فيما يرى الروس إلا لتقاوم وتخيف، وهي لن تقاوم ألمانيا، فقد أصبحت ألمانيا شيئًا لا يخاف، ولن تقاوم أمريكا، فالصلات بين أمريكا وبريطانيا العظمى أوضح من أن تحتمل الشك، ولن تقاوم الأمم المستضعفة في الشرق والغرب بطبيعة الحال. وإذن، فقد أنشئت لتقاوم روسيا، وقد ثار الجدال في غرب أوروبا حول هذه الفكرة، وقال بعض أنصارها من الفرنسيين: إن هذه الكتلة ستحمي نهر الرين من الذين قد يهاجمونه من الشرق، والذين قد يهاجمونه من الشرق ليسوا هم الألمان بالطبع، فليس في الألمان قوة على أن يهاجموا الآن، وما دام البريطانيون يكونون كتلة في غرب أوروبا، فيجب على الروسيين أن يكونوا كتلة في شرقها، وهم من أجل ذلك يضمون إليهم بولندا، والمجر، وتشكوسلوفاكيا.
وكذلك تنقسم أوروبا إلى كتلتين عظيمتين؛ إحداهما في الغرب تقودها بريطانيا العظمى، وتؤيدها الولايات المتحدة، والأخرى في الشرق تقودها روسيا.
وحل هذه المشكلة الآن في يد فرنسا، فهي قد حالفت روسيا منذ حين، وقام الحلف بينهما على التعاون المشترك؛ لمنع ألمانيا من أن تكون خطرًا. فإذا اكتفت فرنسا بهذا الحلف كما يريد الشيوعيون الفرنسيون استراحت روسيا. وإذا أبت فرنسا إلا الحلف مع الإنجليز، وغيرهم من أمم الغرب كما يريد الاشتراكيون والمعتدلون، أصبح انقسام أوروبا على نفسها أمرًا واقعًا.
وليس أدل على خطورة هذا الموقف والقلق الذي ينشأ عنه من المسألة الإسبانية؛ فالروسيون ليس بينهم وبين الحكومة الإسبانية القائمة علاقات سياسية، وهم يبغضون هذه الحكومة بغضًا شديدًا، ويريدون إزالتها، وإعادة النظام الديمقراطي في إسبانيا. والرأي العام الفرنسي يريد ذلك، ويلح فيه، ولكن فرنسا لا تريد، ولا تستطيع أن تعمل وحدها، وإنما هي محتاجة إلى أن يشاركها في العمل الإنجليز والأمريكيون، وأولئك وهؤلاء يقدمون رِجلًا، ويؤخرون أخرى، وهم إلى التأخر أميل منهم إلى التقدم.
فهذا مصدر ثانٍ من مصادر القلق أصله في لندرة. وهناك مصدر ثالث أصله في موسكو، وهو هذا الذي يتصل بشئون الترك وإيران من جهة، وبشئون البلقان من جهة أخرى. فقد وقفت تركيا من الحرب موقفها المعروف، واتهمها الروس بأنها أعانت عليهم العدو في ظل الحياد، وبأنها نسيت أو تناست ما قدموا إليها من معروف، وهم من أجل ذلك يتنكرون لها الآن، ويريدون أن يأمنوا جانبها، ويضمنوا الدفاع عمَّا بينها وبينهم من الحدود. ثم لا يكتفون بذلك، بل يريدون أن ينفذوا إلى البحر الأبيض المتوسط آمنين، وأن يقضوا على كل نفوذ لتركيا في البلقان.
وواضح جدًّا أن تركيا تقاوم هذا كله أشد المقاومة، وتنذر بأنها ستلقى الشر بالشر مهما تكن النتائج والظروف.
وواضح كذلك أن الشر بين روسيا وتركيا، أو بين روسيا وإيران، يتجاوز هذه الدول الثلاث إلى بلاد الشرق الأدنى كلها؛ ومن أجل ذلك أخذ القلق يشيع في الشرق الأدنى نفسه، وجعلت تركيا تتقرب إلى العرب، وتحاول أن تنشئ بينها وبينهم صلات قد تنفع في يوم من الأيام. وأخذت بعض البلاد العربية تستجيب لهذه الدعوة، وقد نشرت الصحف اليوم أن وفدًا عراقيًّا سافر إلى تركيا للمفاوضة في تعاون اقتصادي وثقافي ومالي.
وواضح كذلك أن كل ما يمس الشرق الأدنى والأوسط يزعج غرب أوروبا، فلغرب أوروبا في هذين الشرقين مصالح ومطامع لا تخفى. أمَّا البلقان فأمره معروف، تريد روسيا أن تنفذ فيه السياسة القديمة التقليدية، فتضمه إلى جبهتها، وهي قد بلغت من ذلك أكثر مما تريد، بفضل جيشها العظيم وسياستها البارعة. ففي نفوذها الآن رومانيا وبلغاريا ويوجوسلافيا وألبانيا، واليونان وحدها هي التي لا تزال موضوعًا للنزاع بين موسكو ولندرة.
وكذلك يرى القارئ أن لكل دولة من الدول الثلاث الكبرى حظها من تبعة هذا القلق الذي يسيطر الآن على العالم: فعلى الولايات المتحدة تبعة الاستئثار بالقنبلة الذرية، وعلى بريطانيا العظمى تبعة الاجتهاد في إنشاء الكتلة الغربية، وعلى روسيا تبعة الغلو في نشر النفوذ في البلاد المجاورة لها. وقد كان من الممكن أن يتحرر العالم من هذا القلق، وأن تتخفف الدول الكبرى من هذه التبعات، لو أن المنتصرين أخلصوا فيما بينهم وبين أنفسهم، وفيما بينهم وبين الناس، وأنشئوا جماعة الأمم المتحدة، ومجلس الأمن، جادين لا لاعبين، ولكن شاعرنا القديم لم يخطئ حين قال:
ومكلف الأشياء ضد طباعها متطلب في الماء جذوة نار