Tag: Governance critique

  • تواضع!

    حديث المساء: تواضع!

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ١٩ مارس ١٩٣٤

    أمَّا أنَّ وزراءنا في هذا العهد السعيد أساتذة يعلموننا الأخلاق ويأخذوننا بِحُسْنِ
    السِّيْرَةِ والاستقامَةِ فيما نعمل ونقول، فذلك شيء لا شك فيه، ينكره المعارضون وحدهم، ومتى
    اعترف المعارضون بالحق؟ ومتى أنكر المعارضون غير الحق؟ إنما هم قوم مُكابرون، لا ينبغي لك أنْ
    تَسْمَعَ لهم، فإن اضطررت إلى ذلك اضطرارًا؛ لأنَّهم أعلى الناس صَوتًا، وأكثر الناس لغطًا،
    فاسمع لهم، وصَدِّق عكس ما يقولون؛ فإنْ قالوا لك إن الحكومة مُسرفة في المال، فافهم من هذا
    أنها مقتِّرة، وإن قالوا لك إن الحكومة مُهْدِرة للحُرِّيات، فافهم من هذا أن الحكومة تغلو في
    حماية الحرية والتسامح مع الخصوم حتى تكاد تغريهم بالفوضى، لا تسلك مع المعاضرين غير هذا
    السبيل، اعكس كلامهم عكسًا. فأمَّا الوزَرَاء فصَدِّقْهُم، وآمن لهم؛ لأَنَّهُم لا يَقُولون غير
    الحق، ولا يُريدُون غير الخير، ولا يأتون غير الصواب.

    وأخصُّ ما يمتاز به وزراؤنا ورئيسهم الرجل الطيب خاصة أنهم أذكياء، وأنهم لذلك مُتَوَاضِعُون،
    أذكياء يفهمون الأمور على وجهها، ويرون ما نَسْتَطِيعُ وما لا نستطيع، ويقدِّرُون ما
    نَسْتَحِقُّ وما لا نستحقُّ، وهذا الذكاء هو الذي يدفعهم إلى التواضع دفعًا، ويغرقهم فيه
    إغراقًا. ذكاؤهم بيَّن لهم أن الدستور القديم كان أكثر مما ينبغي، فرُدَّ الدستور إلى ما ينبغي
    له من الضيق، وذكاؤهم بَيَّن لهم أنَّ الاستمتاع بالحرية كما يستمتع بها الناس في غير مصر
    مُفْسِدٌ لأخلاقنا، ومرافقنا، فرُدَّ الاستمتاع بالحرية في مصر إلى أضيق حد ممكن، أو قل
    أُلْغِيَ.

    وذكاؤهم بيَّن لَهُم أنَّ جامعتنا كانت أرقى مِمَّا ينبغي لبلد كهذا البلد الجَاهِل الضعيف،
    فردت جامعتنا إلى ما ينبغي أن تكون عليه الجامعات في شعب من الطبقة الرابعة أو الخامسة بين
    الشُّعوب المُتحضِّرة، وعلى هذا النَّحو جرى وُزَراؤنا في هذا العهد، إلا في بعض النواحي التي
    لا يحسن فيها التواضع، ولا يليق فيها الاعتدال، كالمؤتمرات والإعلان وما يُشبه ذلك؛ فهذه كلها
    أمور يَحْسُن فيها أن نسرف بعض الإسراف ونغلو بعض الغلوِّ، لينتفع الأجانب من ناحية ولينخدع
    الأجانب فينا من ناحية أخرى، وليعتقد الناس أننا أغنياء وإن كنا فقراء، وأننا راقون وإن كان
    عهدنا بالرُّقي بعيدًا، وأننا مستقلون وإن كان استقلالنا وهمًا من الوهم، ولونًا من ألوان
    الخيال.

    وآخر درس ألقي علينا في التواضع، ولا بد من أن ننتفع به ونستفيد منه، هو هذا الدرس الذي ألقاه
    الرجل الطيب حين تحدَّث إلى بعض الكُتَّاب الإنجليز بحديث أُذيع في إنجلترا، ونقلته الأهرام
    صباح اليوم، في هذا الحديث يسأل رئيس وزرائنا الرجل الطيب مُحَدِّثه الإنجليزي في هدوء ودعة
    واستحياء: لماذا لم يأتِ الإنجليز الخطوة التي ينتظرها منهم المصريون؟ فإذا سأله مُحَدِّثه
    الإنجليزي عن هذه الخطوة التي ينتظرها المصريون من الإنجليز، أنبأه رئيس الوزراء بأنها إلغاء
    الامتيازات، ومن قبل ذلك أعلن صدقي باشا في باريس أنه ينتظر أن يفرغ بال الإنجليز ليطلب إليهم
    مُسَاعدتنا في إلغاء الامتيازات؛ فقد كان صدقي باشا إذن يعلم لماذا لم يأتِ الإنجليز هذه
    الخطوة، كان صدقي باشا يعلم أن الإنجليز مشغولون، وكان ينتظر أن يفرغوا مما يشغلهم ليعينونا على
    إلغاء الامتيازات.

    أما عبد الفتاح باشا فإنه فيما يظهر لا يعلم أن الإنجليز مشغولون، وهو لذلك يسأل ما بالهم لا
    يُلغون الامتيازات، ولو كنتُ مكان هذا المحدِّث الإنجليزي لأجبتُ رئيس الوزراء، الرجل الطيب،
    بأن الإنجليز لم يلغوا الامتيازات إلى الآن لأن المصريين لم يدفعوا إليهم ثمن إلغاء الامتيازات،
    فإذا كان عبد الفتاح باشا قادرًا على إتمام الصفقة ودفع الثمن فإن الإنجليز قادرون على إتمام
    الصفقة، وتسليم العين، ولكن عبد الفتاح باشا مع الأسف الشديد أو مع السرور الشديد عاجز كلَّ
    العجز عن أن يدفع الثمن؛ لأنَّه لا يَسْتَطِيعُ أن يفاوض ولا أن يُعَاهِدَ، وإذن فلن يستطيع
    الإنجليز أن يسلموا له العين، ويلغوا الامتيازات.

    ولكن الظريف في هذا هو تواضع رئيس الوزراء؛ فالرجل مُؤْمِنٌ بأنَّه عَاجِزٌ عن أن يُلْغِي
    الامتيازات وحده أو عن أن يفاوض في إلغائها وحده، وهو مؤمن بأن الإنجليز إذا لم يعينوه فليسَ
    إلى إلغاء الامتيازات من سبيل، وهو حريص كلَّ الحرص على أن تُلْغَى الامتيازات رحمةً بالفلاح
    وعطفًا عليه، وهو لذلك يسأل الإنجليز في هدوء وأناة واستحياء: لماذا لم تلغوا الامتيازات؟ أرأيت
    تواضعًا أحسن من هذا التواضع؟ أرأيتَ اعتدالًا أجمل من هذا الاعتدال؟ أرأيت شعورًا بالكرامة
    أصدق من هذا الشعور؟ أرأيت إيمانًا بالاستقلال أثبتَ من هذا الإيمان؟

    أمَّا المُعَارِضُونَ فسيثورون ويثورون لهذا الكلام؛ لأنَّهم لا يَنتظرون إلغاء الامتيازات من
    الإنجليز، بل لا يحبون أن ينفرد الإنجليز بإلغاء الامتيازات، وإنما يريدون أن يفرغوا أولًا من
    الإنجليز، ليجدُّوا هم في إلغاء الامتيازات، يسلكون إليه من السبل ما يُلائم الكرامة والمنفعة
    والاستقلال. أرأيت إلى الفرق بين هؤلاء المُعارضين الذين تفسد الكبرياء عليهم أمورهم فلا يبلغوا
    شيئًا، وبين هذا المتواضع الذي يصلح التواضع له أموره، فيبلغ كل شيء؟!

    وأدخل من هذا في التواضع، وأدل من هذا عليه، أن رئيس الوزراء يتحدث إلى صاحبه الإنجليزي
    فيُنبئه بأن الوقت قد آن لإعادة النظر في تنظيم المحاكم المختلطة، وكان قاضي القضاة منذ وقت غير
    طويل يريد ويطلب إلى حضرة صاحب الجلالة أن تُلْغَى المحاكم المختلطة، وأن تستقلَّ مصر بشئون
    القضاء فيها، لا أن يُعاد تنظيم هذه المحاكم؛ فانظر إلى الفَرْق بينَ رَئيس الوزَرَاء وَقَاضي
    القضاة! أولهما متواضع لا يسرف في الطلب، ولا يغلو في الأمل، والآخر مُتكبر شديد الطمع، لا
    يرضيه إلا أن تلغى المحاكم المختلطة إلغاءً، وانظر إلى النتيجة لكبرياء المتكبرين وتواضع
    المتواضعين؛ فأمَّا كبرياءُ قاضي القُضاة، فقد أنكرها وزراء الدول المفوضون، وسعوا بإنكارها إلى
    رئيس الوزراء، وأما تواضع رئيس الوزراء فقد وافق عليه مُحَدِّثه الإنجليزي، واختصَّه بشيء من
    الثناء، وستقول إن نتيجة الأمرين واحدة؛ فلم تُلْغَ المَحَاكِمُ المُخْتَلَطة، ولم يُعَد النظر
    في تنظيمها، ولكن هذه مسألة أخرى، لا تمسُّ كبرياء المُتَكَبِّرِين، ولا تَمَسُّ تَوَاضُع
    المُتَوَاضِعِينَ، وإنما هي رهينة بما بيننا وبين الأجانب من صلات، ورهينة بالوزارات التي تقوم
    على تصريف الأمور.

    والغريب أنَّ البرلمان الحاضر متكبر أيضًا؛ فمَجْلِسُ الشيوخ كان يطلب فيه إلغاء المحاكم
    المختلطة، ومجلس النواب كان يطلب فيه إلغاء المحاكم المختلطة، وكلا المجلسين يريد إلغاء
    الامتيازات من طريق مِصْرِيَّة خَالِصَةٍ، ولكن رئيس الوزراء أُسْتَاذٌ، وهو أستاذ مُتْقِنٌ
    لِفَنِّ التعليم؛ فهو يعرف كيف يردُّ البرلمان إلى التواضع، وهو يعرف كيف يأخذ البرلمان
    بالاعتدال، وهو يَعْرِفُ كيف يصور مطالب البرلمان التصوير الدقيق الصادق الذي يُلائم ما يستطيع
    المصريون أن يطلبوه؛ فهو يكتفي بإعادة النظر في تنظيم المحاكم المختلطة، وهو يريد إلغاء
    الامتيازات، ولكن بشرط أن يأتي من الإنجليز لا من المصريين، وقبل المعاهدة لا بعدها.

    أرأيت كيف يكون التواضع؟ أرأيت كيف يكون التوفيق؟ ثم يشكُّ المصريون بعد ذلك في كفاية الوزارة
    القائمة، ثم يرتاب المصريون بعد ذلك، في أنَّ الوزارة القائمة هي وحدها التي تُلائم مصر، وتقدر
    على أن تحقق لها الآمال وتكسب لها الاستقلال. نستغفر الله ماذا نقول، وهل لم يكسب الاستقلال إلى
    الآن، وإذن فماذا كان المصريون يصنعون يوم الخميس؟ ألم يكونوا يحتفلون بعيد الاستقلال؟

  • سمر

    حديث المساء: سمر

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ١٢ يناير ١٩٣٤

    كان عنيفًا يوم الإثنين، وكان هادئًا يوم الخميس، ولعل مصدر ذلك العنف وهذا الهدوء أن الوزراء
    كانوا موضوعه يوم الإثنين، وأن مصالح الدولة كانت موضوعه يوم الخميس. وإذا اتصل السمر وأحاديثه
    بالأشخاص وأعمالهم؛ اشتدَّ واحتدَّ وكثر فيه الجدال والنضال، وكاد يفسده العنف والإسراف في
    الخصام. أما إذا اتصل السمر بالشئون العامة؛ فأمره هين، وخطبه يسير: كلام يقال، وكلام يسمع، ثم
    ينصرف السُمَّار راشدين. وكذلك طغى العنف على سمر النواب مساء الإثنين، حين كان فريق منهم يسأل
    الرجل الطيب وزميليه عما زعم عليهم صدقي باشا وأصحابه وتحدثت به بعض الصحف من تهديدهم للنواب
    بحل مجلسهم إن لم يقبلوا استقالة الدكتاتور العظيم. طغى العنف فكان الضجيج والعجيج، وكان صفق
    الأيدي وخفق الأقدام، وكان الصراع والدفاع، وكان خروج الحلماء عن أطوارهم، وكانت مشاكل ومسائل
    حلها وزير المالية بتفسير للسلطة التنفيذية وإعلانه أنها الوزارة وأن الوزارة هي الملك، وأن
    الملك هو الوزارة. ثم زادها وزير الحربية وضوحًا وجلاء، حين أعلن أن وزير المالية يتورط في
    الكلام. أما سمر النواب مساء الخميس، فقد كان حلوًا عذبًا ولذيذًا صفوًا أظله الهدوء، وزينه
    الوفاق. تكلم نفر من النواب منكرين على الحكومة؛ فاستمعت لهم الحكومة باسمة، واستمع لهم أنصار
    الحكومة مستبشرين. ثم قام الرجل الطيب يرد على المعارضين؛ فاستمع له المعارضون باسمين، واستمع
    له أنصاره مؤمنين مصفقين. وانصرف الوزراء والنواب وكلهم راضٍ عن نفسه، مستريح إلى عمله، مستيقن
    أنه أدى واجبه في كفاية ودراية، وفي مهارة وبراعة، وفي صدق وإخلاص. وأصبحت مصر فقرأت أنباء هذا
    السمر الهادئ كما قرأت أنباء ذلك السمر العنيف؛ فابتسمت لهذا كما ابتسمت لذاك، ومرَّت بهذا كما
    مرت بذاك مشغولة عن هذا ومشغولة عن ذاك بما تحس من ألم لا يشاركها فيه أحد، وما يثقلها من هموم
    لا يخففها عنها أحد.

    وسيجتمع النواب والشيوخ فيتحدثون في النهار ويسمرون في الليل، ويكون في أحاديثهم وأسمارهم عنف
    ويكون فيها لين، وستنظر مصر إلى هذه الأحاديث والأسمار باسمة لها، معرضة عنها، يائسة منها، حتى
    يقضي الله أمرًا كان مفعولًا.

    ومع أن الناس كانوا متفقين على أن سمر الإثنين كان عنيفًا لاتصاله بأشخاص الوزراء، وسمر
    الخميس كان هادئًا لاتصاله بمصالح الشعب؛ فقد لاحظ بعضهم أن النصيحة التي تفضل بها الرجل الطيب
    على النواب يوم الإثنين قد آتت ثمرها يوم الخميس. فقد نَبَّهَ الرجل الطيب أنصاره وخصومه إلى أن
    الأجانب يرقبونهم ويأخذونهم بكل شيء؛ فانتبه النواب إلى هذا، وحرصوا أمس على ألا يقيد الأجانب
    عليهم شيئًا. وكأن الرجل الطيب كان يقرأ في صحيفة من صحف الغيب حين أَهْدَى هذه النصيحة إلى
    النواب؛ فقد شهد الجلسة أمس اثنان من نواب الإنجليز، ومَنْ يدري؟ لعل بركتهما الخالصة وسِرَّهما
    الباتع كان لهما بعض الأثر فيما أظل المجلس من هدوء. وليس من شك في أن هذين النائبين قد قارنا
    أمس بين مجلس النواب الذي يسمر في القاهرة، ومجلس النواب الذي يسمر في لندرة.

    وليس من شك في أنهما اسْتَيْقَنَا أمس أن مجلسنا أظرف المجالس ونوابنا أظرف النواب؛ فقد كانت
    جلسة المجلس أمس ظريفة حقًّا، لم يظهر فيها الخصام إلا بمقدار، كما يوجد الملح في الطعام، وكما
    يوجد النحو في كلام وزير المالية. وكان رئيس وزرائنا هادئًا رزينًا، ولبقًا رشيقًا، أبرع في هذا
    كله وأمهر من رئيس وزراء الإنجليز. سعى إلى المنبر متئدًا، وصعد في درجاته متئدًا، وألقى تصريحه
    متئدًا، فقال كل شيء ولم يقل شيئًا، ورضي النواب عن كل شيء، ولم يرضوا عن شيء؛ لأنهم لم يسمعوا
    شيئًا. ولكن النائبين الإنجليزيين لم يفهما مع الأسف كثيرًا ولا قليلًا مما قال الأنصار
    والخصوم، ولو قد فهما لما ترددا في طلب الجنسية المصرية؛ ليستمتعا بالحياة الحلوة في هذا البلد
    الحلو الذي تتحدث فيه خطبة العرش عن عسل النحل، وتتحدث فيه المعارضة عن عسل النحل، وتمتزج حلاوة
    العسل فيه بأحاديث النواب والوزراء؛ حتى تصبح هذه الأحاديث كلها عسلًا. وقد زعموا أن الإنجليز
    يحبون العسل، فلو قد فهم هذان النائبان الإنجليزيان حديث العسل أمس في خطبة العرش ورد المعارضين
    عليها؛ لما عدلا بالحياة في مصر حياة أخرى في أي بلد من البلاد. والإنجليز كما يحبون العسل
    يحبون فصاحة الخطباء وبلاغتهم، ويحبون بنوع خاص هذه الدعابة الساخرة التي لا يحسنها أحد كما
    يحسنونها، ولا يتقنها أحد كما يتقنونها، ولا سيما في مجلس النواب. فلو قد فهم النائبان خطباءنا
    أمس لعرفا أن للإنجليز في الدعابة خصمًا عنيفًا مخوفًا هو مصر، وأن زعيم المعارضة المصرية أبرع
    ألف مرة ومرة من زعماء المعارضة في بلاد الإنجليز؛ لأنه يستطيع أن يلقي الخطبة الطويلة كلها
    دعابة وفكاهة، وهو يخيل إلى الناس أنها الجِدُّ المر، ثم يمضي في هذا التخيل حتى يقتنع هو بأنه
    لم يقل إلا جِدًّا. وأن رئيس الوزارة المصرية أبرع ألف مرة ومرة من رؤساء الوزارات الإنجليزية
    جميعًا؛ يلقي التصريح القاطع الخطير وهو لم يقطع بشيء، ولم يقل شيئًا ذا خطر، ولكن له لباقة
    تقنع الناس وتقنعه هو قبل الناس، بأنه قد ألقى التصريح القاطع الخطير؛ فحل المشكلات، وفك
    المعضلات، ورد إلى النواب الذين كانوا قلقين وَجِلِين على حياة الشعب ومصالحه ما ينبغي لهم من
    الأمن والاطمئنان. كانوا قلقين على مسألة الدَّيْنِ كيف تُحَل، فأنبأهم بأنها أمام القضاء،
    وبأنها موضوع المفاوضات، وبأنها ستحلُّ بالعدل إن شاء الله؛ فأمنوا واطمأنوا. كانوا قلقين على
    مسألة الديون العقارية، وعلى مصير المُلَّاك والزراع، فأنبأهم بأن الحكومة تدرس هذه المسألة
    بعناية فائقة، وتريد أن تنتهي فيها إلى حلول دائمة خير من تلك الحلول التي تكلف الدولة أموالًا،
    ولا تخفف عن الناس شيئًا؛ فأمنوا واطمأنوا وصفقوا. ولم يكن صدقي باشا حاضرًا، ولو قد حضر لتلقى
    هذا السهم الذي رماه به الرجل الطيب آمنًا مع الآمنين، مطمئنًّا مع المطمئنين مصفقًا مع
    المصفقين، وهل صدقي باشا إلا نائب من النواب ورجل من رجال الزمن السعيد؟!

    كانوا قلقين على استقلال مصر بشئون القضاء كلها، يريدون أن تُلْغَى المحاكم المختلطة، وأن تقف
    مصر من الدول المحتجة عليها موقف الحزم؛ فأعلن إليهم رئيس الوزراء أن الوزارة تتمنى معهم إلغاء
    المحاكم المختلطة، وأنها لن تكون أقل منهم حزمًا بإزاء الدول المحتجة على خطبة قاضي القضاة؛
    فأمنوا واطمأنوا وصفقوا، واقتنع رئيس الوزراء واقتنع النواب بأن الرجل الطيب قد ألقى عليهم
    تصريحًا قاطعًا خطيرًا. ولو قد فهم النائبان الإنجليزيان كلَّ شيء أمس؛ لهزئا بوزير ماليتهما،
    ولاقترحا على حكومتهما أن تلتمس وزراء ماليتها من مصر. فوزير المال في مصر رجل لا نظير له
    حقًّا، يتكلم حين يحسن الصمت، ويقول ما لا يَحْسُن أن يقال؛ لأنه يحب التورط في الكلام، فإذا
    حَسُنَ الكلام ووجب القول واحتاج النواب إلى ما يشفي غليلهم في شئون المال، لم يكتفِ وزير
    المالية بالصمت، بل غاب عن المجلس كما تغيب الشمس وذاب في المجلس كما يذوب الملح، والتمسه
    النواب فلم يجدوه. ولكنَّ هذين النائبين الإنجليزيين لم يفهما من هذا كله شيئًا، وإنما رأيَا
    قومًا يذهبون في ظَرف، وآخرين يجيئون في لباقة؛ فأَمِنَا واطمأنا، وسيعودان إلى بلادهما مغتبطين
    بأن الحياة النيابية المصرية في ظل الحياد البريطاني آية من الآيات لا سبيل إلى الشك فيها أو
    الضيق بها. أرأيت أن سمر النواب أمس لم يكن هادئًا فحسب؛ وإنما كان خصبًا منتجًا كسبًا للعهد
    السعيد نصيرين من نواب الإنجليز؟

  • خذلان (١)

    حديث المساء: خذلان (١)

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٢ نوفمبر ١٩٣٣

    يستطيع رئيس الوزراء أن يقول ما يشاء، سواء أحب الكلام أو ضاق به، ويستطيع زملاؤه وأنصاره أن يقولوا ما يشاءون، فلن يستطيع رئيس الوزراء، ولن يستطيع زملاؤه وأنصاره أن يزعموا أن ذلك الحفل العظيم الذي أقيم في الكونتننتال أول أمس لم يكن لامعًا ولا رائعًا، ولم يكن باهرًا ولا فاخرًا، ولم يكن من هذه المجامع التي ترتفع لها رءوس الزعماء السياسيين، أو تقوم بها حجج الرؤساء الذين يصرفون أمور الحكم على أنهم مؤيدون مظفرون، تمدهم الأمة بما يريدون من تأييد، وتضمن لهم الأمة ما يبتغون من فوز.

    يستطيع رئيس الوزراء وأصحابه أن يصطنعوا إيجاز الموجزين، وأطناب المطنبين في وصف ذلك الحفل، ولكنهم لن يستطيعوا بحالٍ من الأحوال أن يثبتوا أنه كان حفلًا يدل على ثقة الشعب، أو يصور حب الشعب، أو يشير ولو من طرف خفي جدًّا إلى أن الشعب ينظر إلى هذه الوزارة القائمة في شيء من العطف، أو فضل من الاكتراث، إنما كانت حفلة وزارة للوزارة، وترحيب الوزارة بالوزارة، وتكريم الوزارة للوزارة.

    وما رأيك في حفل يشرف عليه محافظ القاهرة، ويستقبل المدعوين إليه محافظ القاهرة، ويخطب لرئيس الوزراء فيه نقيب الأشراف؟ نقيب الأشراف يخطب في السياسة. هذه آية من آيات العصر الحديث، ومعجزة من معجزات العهد السعيد، ثم يزعم رئيس الوزراء بعد ذلك لمكاتب «الديبا» أن الناس لا ينبغي أن ينتظروا من وزارته أن تأتي بالمعجزات. كلا، بل ينبغي أن ينتظر الناس من هذه الوزارة أن تأتي بالمعجزات؛ لأنها قد أتت بمعجزة أول أمس، فجعلت نقيب الأشراف خطيبًا سياسيًّا، يؤيد الوزارة ويبارك عليها، ويذكر الأزمة ويدور حولها، ويقول ما تعود أن يقول الخطباء السياسيون، وماذا يريد رئيس الوزراء من المعجزات فوق هذه المعجزة الباهرة، والآية الظاهرة، والبرهان القاطع على أن الوزارة تستطيع أن تستغني عن تأييد المؤيدين، وتشجيع المشجعين، لا من كثرة الأمة؛ فكثرة الأمة ميئوس منها، بل من هؤلاء الخطباء المبرزين في هذه القلة القليلة الضئيلة التي تسمي نفسها حزب الشعب، وتسمي نفسها حزب الاتحاد، ويقودها إلى ميدان الفوز والانتصار صدقي باشا ويحيى باشا إبراهيم.

    تستطيع الوزارة أن تستغني عن هؤلاء المؤيدين، أو يستطيع هؤلاء المؤيدون المبرزون أن يبخلوا عليها بما يملكون من سحر البيان؛ فهي قادرة على أن تخلق زعيمًا من لا زعيم، وخطيبًا من لا خطيب، وتجعل نقيب الأشراف لا ممثل الأشراف وحدهم، ولا ممثل رجال الدين وحدهم، بل ممثل الأمة كلها في تكريمها والترحيب بها، وتطويق أجيادها بعقود الثناء، فمن طلب من الوزارة معجزة أبهر من هذه المعجزة، وآية أبرع من هذه الآية، فهو مكابر عنيد، ومن استكثر على الوزارة أن تأتي بالمعجزات بعد معجزة الكونتننتال، فهو حاسد مغيظ، ولكن رئيس الوزراء قلنا أمس: متواضع يأتي بالمعجزات، ويطلب إلى الناس ألا ينتظروا منه المعجزات، وأنت تعلم أن من تواضع لله رفعه، فثق بأن الله — عز وجل — قد يرفع رئيس الوزراء، وقد يجري على يديه معجزات أبهر وأبرع من معجزة الكونتننتال، فإذا سمعت بعد اليوم أن حفلًا آخر أقامه وزير الداخلية مثلًا، وخطب فيه من شئت ومن لم تشأ، ممن يستطيعون أو لا يستطيعون أن يخطبوا، فلا تنكر شيئًا، ولا تعجب لشيء، فإنما هي المعجزات يأتي بها رئيس الوزراء، وإنما هو فضل الله يؤتيه من يشاء.

    ولكن الأمر الذي يستحق التفكير هو موقف الخطباء المبرزين من زعماء الحزبين الشقيقين، ومن مصاقع البرلمان، ما بالهم لم يكثروا في هذا الحفل؟ وما بالهم لم يخطبوا فيه والحزبان يشتركان في الوزارة، والحزبان يعلنان تأييد الوزارة؟!

    فقد زعم الناس أن الذين اشتركوا في الحفل من حزب الشعب لم يبلغوا العشرين. ولسنا ندري كم اشترك في الحفل من حزب الاتحاد، ولكن الذي لا شك فيه هو أن أحدًا من الحزبين الشقيقين لم يرفع صوته العذب الخلاب بقليلٍ من الكلام أو كثير.

    وكيف نستطيع أن نفسر إعراض الحزبين عن هذا الحفل، وعن الكلام فيه؟ أحقٌّ إذن ما يقول الناس من أن حزب الشعب يؤيد ولكن في فتور، ويناصر ولكن على دخل؟ أحقٌّ إذن ما يقول الناس من أن ما تم من الصلح بين رئيس الحزب ورئيس الوزراء، إنما كان صلحًا ظاهره فيه الوفاق، وباطنه فيه الخلاف؟ وإذن فهدنةٌ ما عُقد بين رئيس الحزب ورئيس الوزارة تنقضي أو تُستأنف بعد وقت قصير أو طويل، وإذن فالوزارة مخذولة حتى من أنصارها، منبوذة حتى من أوليائها الأقربين.

    كل هذا ممكن، ولكن هذا كله لا يضر الوزارة شيئًا، ما دامت قادرة على أن يخطب لها نقيب الأشراف، وما يضر الوزارة أو ينفعها أن تلقى من الحزبين الشقيقين تأييدًا أو خذلانًا، وأي فرق بين تأييد الحزبين الشقيقين وتأييد نقيب الأشراف؟ إلا أن في تأييد نقيب الأشراف بركة ليست في تأييد الرئيسين العظيمين: صدقي باشا ويحيى باشا إبراهيم.

    رئيس الوزراء عاجزٌ إذن عن أن يظفر بتأييد الأولياء رغم ما يملك من قوة وبأس، وما يطلق لسانه به من وعيد ونذير، ورئيس الوزراء عاجز بالطبع عن أن يظفر بتأييد الشعب؛ فالشعب لا يؤخذ بوعيد ولا نذير، والشعب لا تغريه الوعود، وإن صدرت عن وزير المالية، والشعب لا تطمعه الأماني، وإن أفعمت بها الصحف، وامتلأت بها الأفواه، والشعب يعلم أين يضع حبه، ولمن يبذل تشجيعه وتأييده.

    والشعب يعلم فيمن يكون الأمل، وممن يكون اليأس، والشعب يعلم أنه إن ذهب صدقي، ففي مصر صدقي آخر، وأن رضاه لا يُشترى بتغيير الأشخاص، وإنما يشترى بشيءٍ آخر أغلى وأعلى، وآثر في القلوب، وأحب إلى النفوس، وهو تغيير السياسة، والشعب ينظر إلى الرئيس الجديد كما كان ينظر إلى الرئيس القديم، والشعب واثق بأن الرئيس الجديد سيسلك طريقه متمهلًا أو متعجلًا، ولكنه سينتهي في غير شك إلى حيث انتهى الرئيس القديم.

    ورئيس الوزراء ليس عاجزًا عن أن يحمل الحزبين الشقيقين على تأييده الظاهر الباطن الذي لا مرية فيه، أو أن يحمل الشعب على تأييده، أو تكلُّف تأييده فحسب، بل هو عاجز حتى عن أن يحمل زملاءه الوزراء على أن يؤيدوه. وقد يظهر هذا غريبًا، ولكنه — فيما يظهر — الواقع الذي لا شك فيه؛ فليس من تأييد الوزراء لرئيسهم أن يسيروا معه كما يسير وزير الداخلية ووزير المعارف مع عبد الفتاح يحيى باشا.

    رجل يعلن أن وزارته ستُوزِّع العدل بين الناس لا مُتأثِّرة بالهوى ولا مُذْعِنة لميول الأحزاب، ووزير الداخلية يرى ويسمع ما ينزل بخصومه وخصوم وزارته من الظلم في أبي جرج، وفي غير أبي جرج، فلا يُصلحه ولا يرفعه، ولا يحاول له تغييرًا أو تبديلًا. أمُتَحَدٍّ هو لرئيس الوزراء؟ أم مُتَّفق هو مع رئيس الوزراء على أن الكلام شيءٌ والعمل شيءٌ آخر؟

    رجل يعلن أن المصريين جميعًا سيَظفرون بالعدل، وستُنفَّذ فيهم أحكام القانون بالنزاهة والقسط، ثم تأتي مديرية من مديريات الأقاليم فتُخضِع عددًا ضخمًا من المصريين لحكم «قره قوش»، ولظلمٍ صارخٍ لا يُقرُّه قانون ولا يرضاه دين: تتحكم في أزيائهم، وتُسلِّط عليهم العمد والخفراء، ويُكرِههم المفتشون على أن يقولوا غير ما يعتقدون، وتأخذهم بأن يكرهوا ويقولوا: إنهم راضون، ويبتئسوا ويقولوا: إنهم مبتهجون، ويشكوا ويقولوا: إنهم يستزيدون من الظلم ويطمئنون إليه، ووزير الداخلية لا يغير من هذا شيئًا، ولا يقول في هذا شيئًا، كأنما أصبح إقليم الدقهلية دولة مستقلة تقف عند أحكام الدستور المصري والقانون المصري. أمُتَحَدٍّ وزير الداخلية لرئيس الوزراء، أم متفقٌ هو مع رئيس الوزراء على أن الكلام شيءٌ والعمل شيءٌ آخر؟

    رجلٌ يعلن إلى الناس أن وزارته ستكون وزارة العدل والإنصاف واحترام القانون، ثم يأتي وزير المعارف فيتجاوز القانون في أمر معهد هو أحق المعاهد أن تحترم فيه القوانين. ولا يكتفي بتجاوز القانون وحده، بل يريد أن يشرك فيه اللجنة المالية ومجلس الوزراء، ويكتب إليهما في ذلك كلامًا أقل ما يوصف به أنه محتاج أشد الاحتياج إلى كثيرٍ من النزاهة، وإلى كثير من تصوير الحق وملاءمة العدل. فإذا نشر هذا الكلام في الناس سكت الوزير، وسكت رئيس الوزراء، أمُتَحَدٍّ وزير التقاليد لرئيس الوزراء أم متفقٌ معه على أن الكلام شيءٌ والعمل شيءٌ آخر؟

    كلا، ليس هناك تحدٍّ، وليس هناك اتفاق، وإنما هي الأمور تجري كما تستطيع، وهم الوزراء يجرون مع الأمور كما يستطيعون، فهل رئيس الوزراء عاجز عن ضبط الأمور، عاجز عن ضبط الوزراء، كما أنه عاجز عن كسب التأييد من الحزبين الشقيقين، وكما أنه عاجز عن كسب التأييد من الشعب؟

    رئيس الوزراء رجلٌ طيبٌ تخذله الظروف، ويخذله الناس، والناس والظروف يتواطئون على خذلانه، وهو راضٍ بذلك، مطمئنٌّ إليه، يسكت حينًا، ويعلن حينًا آخر أن للحكومة جهدًا، ولكنه محدود، وأن الناس لا ينبغي أن ينتظروا منه ولا من وزارته المعجزات. وقد تسألني بعد ذلك ما بقاء الرئيس في الحكم وهو مخذول إلى هذا الحدِّ، عاجزٌ إلى هذا الحدِّ، ولكني لا أدري لِمَ تُوجِّه إليَّ أنا هذا السؤال. وجِّهْهُ إن شئتَ إلى رئيس الوزراء.

  • فراغ …

    فراغ …
    طه حسين
    كوكب الشرق
    ٢٢ فبراير ١٩٣٤

    يجب أن تهنأ الوزارة بما تنعم به من فراغ البال، وراحة القلب، واطمئنان الضمير؛ فهذه نعمة لا تتاح لكثير من الناس، ولا تتاح لوزارة من الوزارات في هذه الأيام الحافلة بالأحداث والخطوب. ولكن وزارتنا بحمد الله راضية العيش، قريرة العين، فارغة البال، ليس عندها من كبار الأمور ما يشغلها أو يقلقها، أو يضطرها إلى شيء من الجد والتفكير.

    ليست في مصر أزمة اقتصادية لتَجِدَّ الوزارة في حلها، وليست في مصر مشكلات سياسية لتفكر الوزارة في إزالتها، وكان يقال: إن بين مصر وبين أوروبا شيئًا من الخلاف في أمر الدين العام، ولكن الله قد قَيَّضَ الإنجليز لمصر يكفونها شر هذا الخلاف، ويَنُوبُونَ عنها في تدبير حل له، قد يظفرون به وقد لا يظفرون، ولكنهم يعالجونه على كل حال؛ فمن حق الوزارة أن تريح نفسها من السعي إليه أو التفكير فيه. وكان يُحْكَى أن المصارف الأجنبية تريد أن تستوفي دَيْنَها، وأن الناس عاجزون عن توفية هذا الدين، وأن أرضهم وثروتهم تتعرضان للخطر بحكم هذا العجز، ولكن وزير المالية يَقِظٌ يدرس الأمر، ويلتمس له العلاج، لا ينفق يومًا من أيامه حتى يتكلم فيه أو يتناوله بالبحث والدرس، وهو من أجل ذلك يطلب إلى بعض الدول الأجنبية في أوروبا وأمريكا أن تنبئه بما سلكت إلى حل هذه المشكلات من طريق؛ فيتلقى رد بعض الدول، وينتظر رد بعضها الآخر، وهو يدرس ما وصل إليه من ردود، ويتهيَّأ لدرس ما لم يصل إليه بعد، وفي أثناء ذلك تستطيع الوزارة أن تستريح وتنعم بما لا تنعم به الوزارات في بلاد الأرض على اختلافها من راحة القلب وفراغ البال.

    وكان يُرْوَى أن شيئًا يحدث في بعض حدود السودان، ولكن الله قد أَلْهَمَ الإنجليز — الذين يحبون مصر أعظم الحب، ويعطفون عليها أحسن العطف — أن يُرِيحُوا مصر من حدود السودان، كما أراحوها من السودان كله؛ فهم يفاوضون الإيطاليين، وهم يرسلون الجند والأسلحة إلى الحدود ليسندوا هذه المفاوضة، ويضمنوا لها الفوز، وفي أثناء ذلك تستطيع الوزارة أن تستريح، وأن تنعم بما لا تنعم به الوزارات الأخرى من قرة العين وفراغ البال، وكان يُشَاعُ أن طائفة من الفضائح تمسُّ الإدارة وتمسُّ المال قد ظهرت في الجو المصري؛ فكدرته ولم يكن صافيًا، وسمَّمتْه ولم يكن هنيئًا، ولكن الله قد ألهم الوزارة أن تَطْوِي كشحًا عن أكثر هذه الفضائح وتفترض أنها أحلام وأوهام، وأن تُؤَلِّفَ لجنة للتحقيق في واحدة منها، كما تستطيع وكما تمكنها الظروف. وبينما تحقق اللجنة، وبينما تذوب الفضائح الأخرى في بحر النسيان تستطيع الوزارة أن تستريح، وأن تستمتع بما لا تستمتع به الوزارات الأخرى من رضا الضمير وفراغ البال.

    ثم كان يُذاع أن أمورًا كثيرة أخرى نشأت، وأن أمورًا كثيرة أخرى تريد أن تنشأ، وأن من شأن هذه وتلك أن تشغل الوزارة وتعنِّيها، وتكلِّفها من الجهد والمشقة ما تتكلف الوزارات اليقظة المتعبة. ولكن وزارتنا قد أُلْهِمَتْ أن تُعْرِضَ عما نشأ من الأمور، وألا تتعجل التهيؤ لما قد ينشأ منها، وأن تنعم بما لا تنعم به الوزارات الأخرى من هدوء الحال وفراغ البال.

    وليس ضروريًّا أن تكون راحة الوزارة صورة لراحة الشعب؛ فذلك شيء يفكر فيه الأشقياء الذين ينظرون إلى الحياة نظرة الجد، وأما الفلاسفة المترفون، فإنما ينتهزون فرص الحياة، وينعمون بما يسنح منها، ويستمتعون بالراحة حين تتاح لهم الراحة، ولا يُحَمِّلُون أنفسهم عناء البحث عن المُتْعَبِين والمرَزَّئِين ليخففوا عنهم ما يصيبهم من تعب، وما يُلِمُّ بهم من أرزاء.

    وإذا استراحت الوزارة وفرغ بالها؛ فلا بد لها من بعض اللهو، ولا بد لها من بعض التسلية؛ لأنها إن لم تفعل أدركها السأم وألحَّ عليها الملل، وليس شيء أثقل من السأم على نفوس المترفين. ولا بد للوزارة أن تتحدث إذا اجتمعت، ومن أن يتحدث أعضاؤها إلى أصحابهم إذا لقوهم أو خلوا إليهم، وهيهات أن يكون في الفراغ ما يملأ الحديث؛ فلا بد من بعض الأعمال يُنْفَقُ فيه الوقت، ويُسْلَى به الهم، ويُمْلَأ به الحديث. وأي شيء يُلَائِمُ حياة المترفين وحاجتهم إلى التسلية والعبث، يشبه جمع الجند وتفريقه، وتوزيع الشرطة في أنحاء الأرض، وتصعيدها إلى مصر العليا، والهبوط بها إلى ساحل البحر، والتضييق على الناس في حياتهم الضيقة، والعبث بالناس فيما يصيبهم من جد الأمر؟!

    ولم خُلِقَ الجند؟ ولم خُلِقَت الشرطة؟ إذا لم تستطع الوزارات أن تُخضعها بما يخضع له جند الشطرنج من ألوان الجمع والتفريق، ومن فنون الحركة والانتقال، وما دام الله لم يهيئ لمصر حربًا تستخدم فيها الجيش، فلا أقل من أن تهيئ مصر بنفسها فرصة تُظْهِر فيها أن عندها جيشًا، وأن هذا الجيش قادر ماهر يستطيع أن يتقدم، وأن يدور حول العدو وينفرج عنه، وأن يأتي من الحركات ما يقنع الناس بأن فنون الحرب لم تُجْهَلْ في وادي النيل، وإن لم تكتب الحرب على أهل وادي النيل.

    ثم مَن الذي يستطيع أن يزعم أن الله لم يكتب الحرب على مصر، وكل شيء يدل على أن الله قد كتب على مصر حربًا لا كالحروب، وأقرَّ في مصر صراعًا لا عَهْدَ للناس بصراع مثله؟! متى رأيت دولة من الدول تحارب فردًا فتحشد له وتؤلِّب عليه، وتشغل به نفسها آناء النهار وزلفًا من الليل؟!

    متى رأيت دولة من الدول تحتمل ألوان الكد والجد، وتتكلف ضروب المشقة والعسر، وتنفق من الذكاء ما مُنِحَتْ وما لم تُمْنَحْ، وتنفق من المال ما يُطَاقُ وما لا يُطَاق، لتحارب سيدة ترحل من بعض الأرض إلى بعضها الآخر؟! كلا، لم يكتب الله على دولة ما كُتِبَ على الدولة المصرية من الحرب والجهاد، ومن الصراع والنضال. أم المصريين في الصعيد، ورئيس الوفد في الإسكندرية؛ هذا كثير، وأكثر منه أن بين الرحلتين أمدًا قصيرًا لا يسمح بالاستعداد والتهيؤ، والاحتياط للطوارئ. أما أنا فأشهد أن وزارتنا ماهرة حقًّا، وأن وزير داخليتنا نابغة حقًّا، وأن الظروف قد هيأت لحمايتنا قومًا لا يمكن أن يؤخذوا على غرة أو يبيتهم العدو وهم نائمون.

    أرأيت كيف استحالت مصر السُّفْلَى أمسِ إلى ميدان حرب؟! أرأيت كيف استحالت الإسكندرية أمسِ إلى قلعة منيعة حصينة؟! أرأيت كيف طارت وزارتنا بالقوة الهائلة من أعلى الأرض إلى أدناها؟! أرأيت كيف كان الفرسان يحيطون بسيارة رئيس الوفد في الإسكندرية؛ جماعة من أمام، وجماعة من وراء، جماعة من يمين، وجماعة من شمال؟! أرأيت كيف كان المشاة يحيطون بنقيب المحامين وهو يسعى في الأقصر منذ أيام: يتقدمه عشرون، ويمشي عن يمينه عشرون، ويمشي عن شماله عشرون، ويسعى خلفه من شئت منهم؟!

    أرأيت كيف كانت شواطئ النيل تُحْمَى حين كانت أم المصريين تعبر النيل؟ أرأيت كيف كانت تحيط بسفينتها سفن الدولة لتقطع الصلة بينها وبين الأنصار والأعوان؟! أتشك بعد هذا في أن وزارتنا لا تُنْفِقُ ما مُنِحَتْ من فراغ البال في غير طائل، وإنما تنفقه فيما ينفع ويفيد، تنفقه في حماية الصعيد من أم المصريين، وفي حماية الإسكندرية من رئيس الوفد؟! ستقول: ولكنها لم تحمِ الصعيد من أم المصريين، ولم تحمِ الإسكندرية من رئيس الوفد؛ فقد زارت أم المصريين الصعيد وبلغت من زيارته ما شاءت، وزار رئيس الوفد الإسكندرية، وبلغ من زيارته ما شاء.

    ولكنك تعلم حق العلم أن المهم هو أن تعتقد الوزارة أنها عملت شيئًا وأنها بلغت شيئًا؛ لأن المهم هو أن ترضى الوزارة عن نفسها، وتسعد الوزارة بحياتها، وتفخر الوزارة بقوتها وذكائها ونشاطها. وما دامت الوزارة راضية فنحن راضون، وما دامت الوزارة سعيدة فنحن سعداء.

    والمهم بعد هذا وقبل هذا وفوق هذا هو أن يرى الإنجليز من براعة الوزارة ومهارتها في نقل الحرب من أقصى مصر إلى أقصاها، وفي التضييق على الوفد والوفديين ما يُقْنِعهم بأنها قادرة على البقاء، صالحة له، مُوَفَّقَة إلى ما يحبُّون من التسلية واللهو على حساب مصر؛ فالإنجليز أيضًا محتاجون إلى أن يضحكوا وإلى أن يلهوا، وإلى أن يستمتعوا بما لا يستمتع به غيرهم من فراغ البال. ومن المؤكد أن المندوب السامي الجديد سيشهد من ذلك شيئًا لم يشهده حين كان في الصين، ومن المؤكد أنه سيسعد بما يرى؛ فقد تعب هناك فيما عالج من الأمور الصعاب، فمن حقه أن يستريح هنا بعد ما احتمل من العناء، وأنا مطمئن إلى أنه سيستريح، وسيقضي أيامًا حلوة بين صيد البط والنظر إلى مطاردة الوفد والوفديين.