Tag: Governance ethics

  • سوس …

    حديث المساء: سوس …

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ١٢ مارس ١٩٣٤

    ضَحِكَ صاحبي حين أَمْلَيْتُ عليه هذا العنوانَ، ومن حقه أن يضحك، ومن حق غيره من القراء أن يضحكوا؛ فالعنوان مضحك غريب.

    ولكني لم أعاهد أحدًا، وما كان لي أن أعاهد أحدًا على أن أتخير لهم عنوانات قوامها الجد الذي يبعث العبوس، ولا يثير الابتسام، ولا يدفع إلى الضحك، وماذا أستطيع أن أصنع إذا كان الموضوع الذي أريد أن أتحدث إلى القُرَّاء فيه هو الذي يُملي هذا العنوان الغريب المضحك، ويفرضه فرضًا؟! وهل أستطيع، وهل تستطيع، وهل يستطيع أحد غيرك وغيري أن يسمي ألوان الفساد هذه التي دبت في الحكم المصري؛ فهلهلته هلهلة، وأفسدته إفسادًا، وجعلت سمعته لَهْوَ المتحدثين وسمر السامرين باسم آخر غير السوس، الذي لا يكاد يتسلط على شيء إلا أفسده، وذهب بخير ما فيه، وجعله صورة إن استطاعت أن تخدع العين؛ فهي لا تستطيع أن تثبت للامتحان والاختبار؟! وهل كان ظلم الإدارة للناس وإسرافها في هذا الظلم وإصرارها عليه إلا سوسًا يفسد ما ينبغي أن يكون بين الناس وبين الإدارة من تعاون وتضامن، ومن ثقة واطمئنان؛ حتى يستحيل هذا كله إلى شك وخوف ويأس وعداء، وحتى يُخيَّل إلى الذين ينظرون إلى مصر من بعيد أن فيها إدارة ترفق بالناس وتشرف على أمورهم بالعدل والإنصاف، فإذا دنوا من هذه الإدارة وبلوا أمورها ورأوا قصة البدارى وما يشبهها من القصص المخزية المزرية؛ علموا أن هذه الإدارة صورة قد أفسدها السوس ولم يُبْقِ منها إلا شكلًا ومظهرًا.

    وهل كان هذا الفساد الذي سَرَى مع الأسف الشديد والحزن العميق في تدبير أموال الدولة جباية وحماية وإنفاقًا إلا سوسًا أكل النظام المالي أكلًا، ولم يُبْقِ منه إلا مظهرًا وشكلًا.

    لقد تحدثوا أن الأموال كانت تُجْبَى بالقهر، والعنف، وضرب السياط، وأخذ الناس إلى مراكز الشرطة مشدودين في الحبال والأغلال، ولقد تحدثوا أن الضرائب الجائرة التي لا يبيحها قانون ولا يحلها نظام كانت تُفْرَضُ على الناس كيدًا لهم، ومكرًا بهم، وعقابًا لهم على ما لم يقترفوا من السيئات، ولقد تحدثوا أن هذه الأموال التي كانت تُجْبَى بالقهر والظلم، وتُؤْخَذُ بالعنف والعسف، لم تكن تستقر في خزائن الدولة إلا ريثما يذهب بها الإسراف، في كل ناحية ويُبَدِّدُها العبث في كل وجه، وإذا هي تفارق هذه الخزانة لتذهب إلى حيث لم يكن ينبغي أن تذهب، منها ما يُنْفَقُ في ألوان الترف والبذخ، ومنها ما يُنْفَقُ في إرضاء فريق من الناس، وإيثارهم بالبر والخير واختصاصهم بالغنى والثراء. ولقد رَوَيْنَا من ذلك الشيء الكثير، فكم تحدثنا عن المؤتمرات! وكم تحدثنا عن تطهير الأقنية! وكم تحدثنا عن مصلحة الأملاك! وكم سمعت الوزارة القائمة والوزارة الساقطة هذه الأحاديث؛ فلم تستطع أن تنهض بإنكارها، أو الرد عليها إلى الآن!

    وهل كان أمر الكورنيش إلا سوسة من هذا السوس؟! نستغفر الله، بل كان سوسًا كثيرًا مختلف الأشكال والألوان؛ منه ما يمس البلدية في الإسكندرية، ومنه ما يمس الوزارة في القاهرة. منه ما يمس الإدارة، ومنه ما يمس المال. بل هل استطاع التحقيق الذي همَّت الوزارة به لأمر الكورنيش وأَلَّفَتْ لجنة لإجرائه أن يضع يده على هذا السوس كله؛ ليستخرجه من مكامنه، وليظهره للناس إظهارًا؟! ألم يفلت من هذا التحقيق سوس يظهر أنه مقدس، ويظهر أنه معصوم، ويظهر أن هناك قوى خفية تحميه لا من لجنة التحقيق، بل من البرلمان أيضًا؟! أفتراني مخطئًا حين أسمي ألوان الفساد هذه سوسًا، وحين أتخذ اسم هذا السوس عنوانًا لهذا المقال؟!

    وحَدِّثْنِي عن هذه السيئات التي أخذت السياسة تذيعها، وتلح في إذاعتها منذ أيام، والتي اضطر رئيس الوزراء نفسه إلى أن يخوض فيها ويأخذ من إذاعتها بقسط عظيم، كيف تستطيع أن تسميها؟! أليست سوسًا يعمل في الحكم فتهلكه إهلاكًا، وينهكه إنهاكًا، ويذهب بخلاصته وصفوته وخير ما فيه، ثم لا يدع منه إلا مظهرًا تراه العيون، وشكلًا تأخذه الأبصار، فإذا مسه الامتحان والاختبار، لم يستطع مقاومة ولا ثباتًا؟!

    ماذا؟! رئيس الوزراء الرجل الطيب يعلن وهو مستقل برياسة الوزارة، ناهض بأعباء الحكم، ملزم ألا يقول إلا عن تدبر وتفكر وتقدير، أنه تلقى حين كان ينوب عن صدقي باشا في رياسة الوزراء كتابًا من صدقي باشا هذا، يذكر له فيه أن من الخير أن ينصح لوزير الأشغال بأن يحتاط في علاقاته ببعض المقاولين في لندرة؛ لأن هذه العلاقات تسيء سمعة الوزارة، ثم يعلن أنه لفت وزير الأشغال إلى هذا، وأن وزير الأشغال عاد إلى لندرة، ولقي صدقي باشا في طريقه، ثم اتصل في لندرة ببعض المهندسين والمقاولين، وتحدث إليهم في هذه الشئون، ثم رجع إلى مصر، فأنبأ رئيس الوزراء — ولم يكن حينئذ رئيس وزراء — بأن هذه الصلة التي ذكرها صدقي باشا لا تسيء سمعة الوزارة، وإنما الذي يسيء سمعة الوزارة صلة أخرى بين صدقي باشا نفسه وبين مقاول آخر أجنبي، كان يتردد على المقاولين في لندرة، فيظهر لهم صورة الدكتاتور وعليها إهداء بخطه، ويتحدث إليهم في أن الفوز بعطاء جبل الأولياء لا سبيل إليه إلا إذا رضي الدكتاتور. ماذا؟! رئيس الوزراء يتحدث بهذا كله إلى الصحف، فيسجل تسجيلًا أنه كان يشترك في الحكم مع رجلين كانا يتقاذفان، ويسيء كل منهما بصاحبه الظن، ويذيع كل منهما عن صاحبه السوء، ويشك كل منهما في حظ صاحبه من النزاهة والنقاء، كان يعلم هذا وكان يسكت عليه، وكان يشترك في الحكم مع هذين الرجلين، لا تمنعه من ذلك نفسه النزيهة، ولا قلبه الطيب، ولا ضميره النقي، حتى إذا أُخْرِجَ من تلك الوزارة إخراجًا، وأُبْعِدَ عنها إبعادًا؛ تحدث بذلك إلى الناس. وفيمَ كان ينفع ذلك الحديث؟! نعم؛ ورئيس الوزراء يسجل على نفسه تسجيلًا أنه لما أَلَّفَ وزارته أو أُلِّفَتْ له وزارته، قبل أن يشترك في الحكم مع وزير المواصلات الذي كان وزيرًا للأشغال، وقد قال عنه ما قال، وتحدث عنه بما تحدث به. أليس هذا كله سوسًا يعمل في الحكم فيفسده أقبح الإفساد، ويهدمه أشنع الهدم، عهد تقع فيه كل تلك السيئات التي أشرنا إلى بعضها آنفًا، ويسوء ظن بعض رجاله وأساطينه ببعض إلى هذا الحد الذي بَيَّنَهُ رئيس الوزراء، ويكثر عنه الحديث المنكر، وتُذَاعُ عنه الإشاعات المخجلة، ويتناول التحقيق أموره على يد النيابة حينًا، وعلى يد اللجان حينًا آخر، كيف تستطيع أن تصفه؟! وكيف تستطيع أن تسميه؟! وكيف تستطيع أن تنكر أنه عَهْدٌ قد عمل فيه السوس حتى أهلكه وأنهكه وجعله غير صالح للبقاء؟!

    لقد كنت أقرأ منذ أيام ما كان في مجلس النواب الفرنسي أثناء الاضطرابات التي حدثت في باريس في أوائل الشهر الماضي، وإذا رجل من المعارضين لا يتحرج من أن يقول لرئيس الوزارة الفرنسية وزملائه الوزراء: إن نهوضهم بالحكم خزي لفرنسا، وماذا فعل رئيس الوزارة الفرنسية ذاك وزملاؤه الوزراء أولئك؟ لم يثبت إلى الآن أنهم خالفوا أصلًا من أصول الدستور، أو تجاوزوا حدًّا من حدود القانون، أو اعتدوا على مبدأ من مبادئ الأخلاق، وإنما اتُّهِمُوا بالشدة في معاملة الشعب والضعف في التماس المحتالين، فقِيلَ لهم من أعلى المنبر في مجلس النواب الفرنسي — أي من أعلى منبر من منابر السياسة في الأرض — إن نهوضهم بأعباء الحكم في فرنسا خزي لفرنسا، ثم نُشِرَ هذا الكلام في الجريدة الرسمية الفرنسية، ثم أُذِيعَ هذا الكلام في جميع الصحف الفرنسية اليومية وغير اليومية، ثم استقال هؤلاء الوزراء بعد هذا الكلام بساعات، ثم هُم الآن يُسْأَلُون أمام لجان التحقيق، فأما في مصر فرئيس وزرائنا يُسَجِّلُ أنه كان عضوًا في وزارة يتقاذف بعض أعضائها بالسوء، وكان يعلم هذا ويصبر عليه، ثم تُسْنَدُ إليه رياسة الوزراء؛ فلا يتحرج من أن يشرك معه في الحكم بعض أولئك المتقاذفين، ثم هو لا يتحرج من أن يذيع ذلك إذاعة، ويعلن ذلك إعلانًا، لا يفكر في أن يستقيل، ولا يفكر في أن يطلب إلى زميله ذاك أن يستقيل، ولا يفكر أحد من أعضاء البرلمان في أن يسأله أو يسأل زميله، أو يسأل صدقي باشا عن حقيقة هذا الأمر، الذي يستحي منه أيسر الناس حظًّا من ثقافة وتقدير لشرف الحياة العامة.

    صِفْ كل هذا بما شئت، وسَمِّ كل هذا كما شئت، أما أنا فلا أستطيع إلا أن أرى هذا سوسًا قد أفسد الحكم، وعَرَّضَ الحياة المصرية كلها والسمعة المصرية كلها بأعظم الشر وأقبح الخطر. وإني لمُخْلِصٌ أشد الإخلاص، صادق أشد الصدق حين أؤكد لرئيس الوزراء ولزميليه الدكتاتور ووزير المواصلات أني أقرأ هذا الكلام الذي تذيعه الصحف في هذه الأيام؛ فلا أستطيع أن أقاوم الحياء، ولا أستطيع أن أتقي الخزي الذي يثور في نفسي، ولا أستطيع إلا أن أشعر بشيء من الخجل المؤلم والإشفاق الشديد أن يتحدث إليَّ بعض الأجانب في هذا السوء الذي تُوصَم به مصر، والذي ينتشر في جوها كما تنتشر الأوبئة، والذي يجعل مصر لهو اللاهين، وعبث العابثين.

    أليس لمصر كرامة عند هؤلاء الوزراء تحملهم على أن يدَّعُوا الحكم ويرفعوا أمر هذا كله إلى حيث يمحصه التحقيق؛ ليُؤْخَذَ المذنب بذنبه وليُعْلِنَ العدل براءة البريء؟! أليس لمصر كرامة عند هؤلاء الوزراء تلفتهم إلى أن انتشار هذا الفساد لا يقف شَرُّه عند ما لا بد منه من محو الثقة برجال الحكم، ودفع الشعب إلى أن يشك في كل شيء ويرتاب بكل شيء، بل يتجاوز هذا إلى ما ليس أقل منه شرًّا ونكرًا، فيمهد طرق التدخل للذين يريدون أن يتدخلوا، ويخلق فرصة السيطرة للذين يريدون أن يسيطروا، ويبيح للأجانب أن يقولوا اليوم ما كانوا يقولونه منذ أكثر من نصف قرن من أن المصريين بعيدون كل البعد عن أن يحتملوا أعباء الحكم بما ينبغي لذلك من نزاهة النفوس ونقاء الضمائر والأيدي والألسنة والقلوب.

    ليصدقني رئيس الوزراء أن من الحق عليه بعد أن قال ما قال، وأذاع ما أذاع، من الحق عليه لنفسه ولأمته أن يدع منصبه، وأن يُخَلِّي بين هذه السيئات التي اشترك في إذاعتها منذ أمس وبين التحقيق؛ ليعلم الناس من المصريين وغير المصريين أين المسيء وأين البريء.

  • شكر

    شكر
    طه حسين
    كوكب الشرق
    ٣٠ نوفمبر ١٩٣٣

    ولكنه يختلف باختلاف الناس؛ فقوم يشكرون بالقلم، وقوم يشكرون بالعصا، ومهما تفعل فلن تغيِّر من طِبَاع الناس شيئًا، ولن تبدِّلَ من جواهر نفوسهم قليلًا ولا كثيرًا، إنما تستطيع أن تسجِّل منها ما ترى وتلفت الناس إليها ليعلموا أين الخير وأين الشر، وليتبيَّنوا أين الرشدُ وأين الغيُّ. إني لَأقرأ صحف اليوم فأرى هذا التناقض الغريب بين وزيرين يعملان في وزارة واحدة لغاية واحدة على برنامج واحد وبرياسة رجل واحد، هذا يشكر الناس ويثني عليهم، وهذا يضرب الناس ويمعن في الإساءة إليهم، وكلاهما مصري، وكلاهما وُضِع في منصبه ليخدم المصريين لا لِيسودَهم، ولينفع المصريين لا ليضرهم، وليطيع المصريين لا ليأمرهم، ولينزل عند إرادة المصريين لا ليأخذهم بما يريد.

    هذا وزير الحربية يشكر الأمة أجمل الشكر ويثني عليها أحسن الثناء؛ لأنها أظهرت حبًّا للجيش وعطفًا عليه ومواساةً له، حين شيَّعَتْ بقلوبها وأجسامها وألسنتها الشهيدين العظيمين، ويعجز أو يعلن أنه يعجز عن تصوير ما يمتلئ به قلبه من عواطف الشكر والرضى، وبواعث التقدير والإكبار. وهذا وزير الداخلية يحشد للأمة جنود الشرطة وجنود الجيش حشدًا لم تعرفه الأمة من قبلُ إلا مرة واحدة منذ الثورة فيما تقول الأهرام، ثم يسلِّط هذا الجند المحشود على هذه الأمة، فإذا العِصِيُّ والسِّيَاط تنال من أبنائها في غير حساب، في غير رحمة، في غير شفقة، في غير رعايةٍ لحرمة، في غير تقدير لحق، في غير استحياء من جلال الموت. فإذا استطعت أن تلائم لي بين هذين الوزيرين اللذين يعملان معًا ويتضامنان في العمل، فأنت موفَّق بارع في الفهم والاستقصاء، أما أنا فلولا أن المقام مقام حزن وأسى، ولولا أن المقام مقام لوعة وحسرة، ولولا أن المقام مقام عظة واعتبار، لَدعوتك إلى أن تضحك من هذا التناقض، فإن الضحك خير ما ينبغي أن نلقى به مثل هذا التناقض الغريب، أي الوزيرين ينبغي أن تصدِّق الأمة، أتصدِّق هذا الذي يشكرها من طرف القلم أو من طرف اللسان، أم تصدِّق هذا الذي يضربها رجالُه كما كان يضرب الأرقاء، ويسلطون عليها العصي والسياط كما تُسلَّط على الحيوان، أم لا تصدق هذا ولا ذاك، فهذا يشكر لأن الرسميات تضطره إلى أن يشكر، وهذا لا يحمي الناس من الضرب؛ لأن تكلُّف القوة ومحاولة البقاء في الحكم، والرغبة في إظهار الهيبة تضطره إلى ألَّا يفعل، ولو خُلِّيَ بين الأول وبين نفسه لما شكر ولا أثنى، فقد كانت هذه الأمة المحتشدة أمس ناقمة منه ومن وزارته، راغبة عنه وعن وزارته، تظهر في صراحة ترضيها وتؤذي خصومها، إن هواها وقلبها وإن إخلاصها وودها ليست معه ولا مع وزارته، وإنما هي مع قوم آخَرين كانوا يسعون معه جنبًا إلى جنب، وكانوا يتنفسون معه من هواء واحد، وكانوا يرون معه مشاهِد الحب والإخلاص ومظاهر النفور والإعراض، وكانوا يسمعون معه صياح التأييد والاحتجاج، وكانوا يحسنون أنهم يمثلون هذه الأمة حقًّا، وكان هو يحس أنه لا يمثل أحدًا إلا نفسه وهؤلاء النفر الذين يحصونهم والذين يظهرون التضامن، ويذهب كل منهم مذهبه لا يلوي على أحد ولا يلوي على شيء.

    ولو خُلِّيَ بين الثاني وبين نفسه لَآثر العافية واختار السِّلْم، فهو يعلم حق العلم، وهو يؤمن أشد الإيمان بأن هؤلاء الناس أشد منه قوةً، وأعظم منه بأسًا، وأقدر منه على أن يصونوا أجسامهم من وَقْع العِصِيِّ، ووجوههم من مسِّ السِّيَاط، لولا أنهم لا يريدون الشر، ولولا أنهم أشد وطنيةً وحكمةً من أن يحتملوا ما يحتمل هو من تبعة الاعتداء والخروج على النظام.

    نعم، وإنه ليعلم حق العلم أنه لم يُوضَع في منصبه إلا ليكون خادمًا أمينًا مخلصًا مطيعًا لهذه الجماهير التي سلَّط عليها العذاب أمس، وأنه ليعلم حق العلم أنه لو خُلِّيَ بينه وبين نفسه لَسار في هذه الجماهير سيرة الخادم المخلص الأمين؛ لأنه لا يستطيع إلا أن يسير فيهم هذه السيرة. ولكن ذاك الوزير كان مضطرًّا إلى الشكر، وهذا الوزير كان مضطرًّا إلى الرضاء بالضرب؛ لأن هؤلاء الناس لا يصدرون فيما يأتون من الأعمال عن أنفسهم وحدها، وإنما يصدرون عن أشياء أخرى يعرفونها حق المعرفة، وهي التي تدفعهم إلى ما لا يحبون. إني لا أستطيع أن أظن أن وزير الداخلية إذا خَلَا إلى نفسه ورُفِعت الكلفة بينه وبين ضميره، يرى أن ضرب الناس وتعذيبهم ومصادرتهم في أبسط مظاهر الحرية شيء يرضاه الرجل الكريم أو يُتمدَح به الوزير الأمين، ولكنها ضرورات السياسة تكلِّف الناس أحيانًا ما لا يطيقون. إني لا أستطيع أن أظن بأن الأمر قد انتهى بوزير الداخلية إلى حيث أصبح يرى لنفسه الحقَّ في أن يطلق يد الشرطة على الناس إلى هذا الحد، فينظروا إلى أبناء مصر كما ينظر صاحب الحيوان إلى الحيوان في البلاد التي لا توجد فيها جماعات الرفق بالحيوان. وإني لَأزعم لنفسي أن وزير الداخلية حين يخلو إلى نفسه يلقى منها لومًا عنيفًا، وحين يتحدَّث إلى ضميره يحس منه لذعًا أليمًا، ووزير الداخلية مصري مهما يكن أمره، والمصريون أكرم على وزير الداخلية من أن تُسلَّط العصي على أجسامهم في غير حق ولا موافقة للقانون، ولكن وزير الداخلية يريد أن يظل وزيرًا، ويظهر أن إذلال المصريين أو السكوت عن إذلالهم هو الثمن الذي يجب أن يُؤدَّى للاحتفاظ بالوزارة في هذه الأيام. إني لَأرغِم نفسي الثائرة على الضحك والإغراق فيه حين أتصور الوزراء وقد اجتمعوا أمس بعد تشييع الشهيدين، فتحدثوا عن هذه الأمة الكريمة البائسة كيف أرادت أن تشيِّع فقيديها، وتُظهِر تقديرها لهما وعطفها عليهما وإكبارها للتضحية والمضحين في سبيل الواجب والوطن، وكيف لقيت من الشرطة والجند ما لقيت من الهول، فصُرِع من أبنائها مَن صُرِع، وفُجِع من أبنائها مَن فُجِع، وحُمِل منهم أكثر من سبعين إلى حيث يداوون جراحاتهم ويهدئون آلامهم. فيتمدح وزير الداخلية؛ لأنه قد حفظ النظام وأقرَّ الأمن وكسب المعركة، ولم يمكِّن هذا الشعب من أن يَبْلُغ ما يريد من أداء الواجب، أو يعلن ما يريد من إكبار الواجب وإجلال الذين يحسنون أداءه. ثم يتحدَّث وزير الحربية بأنه على ذلك وبرغم ذلك، سيصدر بيانًا لا يضن فيه على هذه الأمة بكلمة شكر لا يشبهه شكر، وثناء لا يدانيه ثناء.

    نعم، إني لَأكره نفسي الثائرة على الضحك والإغراق فيه، حين أتصور الوزراء وقد اجتمعوا أمس بعد المأساة وأديرت بينهم هذه الأحاديث، فإن هذه الأحاديث وما تصوره من النفوس والعواطف، ومن الميول والأهواء، تدل حقًّا على أن أمورنا لا تذهب مذهب الجد، وعلى أن وزراءنا لا ينظرون إلينا كما ينبغي أن ينظر الوزراء إلى الشعوب، وإنما ينظرون إلينا كما ينبغي أن ينظر السادة إلى العبيد، ومع ذلك فلولا نحن ما سادوا، ولولا نحن ما كانوا شيئًا.

    لقد أصدر حكمدار القاهرة بيانه أول أمس يطلب فيه إلى الشعب أن يحرص على النظام ليحتفظ المشهد بما ينبغي له من الروعة والجلال، فطلبنا نحن إلى حكمدار القاهرة أن يلفت رجاله إلى مثل ما يلفت الشعب إليه، وأن يطلب إلى رجاله مثل ما يطلب إلى الشعب، وأن يحافظ هو على النظام ويمنع الشرطة من الخروج على النظام؛ لأن الأمة ليست أقل من الحكومة حرصًا على ما ينبغي للمشهد من الروعة والجلال. وهذه الصحف التي لا تنتمي إلى الأحزاب، ولا تصور آراءها ولا تضنُّ على الحكومة بالعطف والتأييد، تعلن أن الشرطة هي التي اعتدت، وأن اعتداءها هو الذي أفسد النظام وأضاع كثيرًا مما كان ينبغي للمشهد من الروعة والجلال، فإحدى اثنتين لا ثالثة لهما، فإما أن تكون الشرطة قد اعتدَتْ لأنها عاجزة عن حفظ النظام إلا بالاعتداء، وإما أن تكون الشرطة قد اعتدت لأنها أُمِرت بالاعتداء ودُفِعت إليه، والتَّبِعة في الحالين ثقيلة أثقل مما يظنُّ الحكمدار، وأثقل مما يظنُّ وزير الداخلية، ولكنها مع ذلك ستذهب هدرًا؛ لأن حقوق المصريين وحرماتهم أهون على هؤلاء السادة الذين يحكمون من أن يحترموا فيها حكم الدستور والقانون، ولأن عقول المصريين عند هؤلاء السادة الذين يحكمون أيسر من أن يلقاها الوزراء إلا بهذا التناقض الغريب. وزير يشكر بالقلم، ووزير يشكر بالعصا، ويجب على المصريين أن يقبلوا شكر القلم، وأن يخضعوا لشكر العصا، ورئيس الوزراء الرجل الطيب النزيه الذي يحب وطنه أشد الحب، والذي لم يؤلِّف وزارته إلا ليوزِّع العدل بين الناس بالقسط، لا متأثِّرًا بالهوى، ولا متحيزًا للغرض؛ راضٍ مغتبطٌ مسرورٌ. وأي توزيع للعدل أدنى إلى الإنصاف من أن يقسِّم الوزراء الأمر بينهم على هذا النحو؛ وزير يجرح بالعصا والسلاح، ووزير يأسو بالشكر والثناء.