Tag: government censorship

  • تأديب٢

    تأديب …! (١)

    طه حسين

    جريدة البلاغ

    ٣١ يوليو ١٩٤٥

    لعل أقوى ما يشعر به المصريون الذين لا يشملهم عطف الحكومة ورضاها في هذه الأيام — وهم بالطبع أكثر المصريين — هو أن الحكومة تقوم على تأديبهم أكثر مما تقوم على رعايتهم؛ فهي — والحمد لله — لا تأخذهم بالرفق ولا تسوسهم باللِّين، وإنما تمضي في سياستها لهم على الحزم والعزم وإظهار البأس الشديد.

    وليس أدل على ذلك من تصوُّر حكومتنا للحرية وضربها على أيدي الذين يريدون أن يكونوا أحرارًا؛ لأن الله قد خلقهم ليكونوا أحرارًا. فالمصريون مراقبون، لا يجتمعون إلا إذا أذِنت لهم الحكومة في الاجتماع، ولا يخطبون إلا إذا أذنت لهم الحكومة في الخطابة، ولا يأمنون حين يكتُبون إلا إذا رضيت الحكومة عمَّا يكتبون، فإن كتبوا ما يحزنها أو يسوءها، فقد كانت الرقابة قائمة تمنع الإذاعة، فلما أُلغِيَت الرقابة قامت النيابة تُحقِّق وتواصل في التحقيق، وترسل إلى السجن الاحتياطي، وتفرض الكفالات المالية فرضًا متَّصِلًا لا يعرِف الانقطاع. وما أُحِبُّ أن أجادل النيابة فيما تدعو إليه من تحقيق، ولا فيما تُقدِم عليه من حبس احتياطي، ولا فيما تفرض من كفالات مالية؛ فالنيابة سلطة قضائية أمامها قانون تنفذه كما ترى، وهي مسئولة أمام ضميرها وأمام القانون عن هذا التنفيذ، وإنما أريد — ومن حقي أن أريد — لفتَ المصريين إلى أن الله لم يخلُق الحكومات لتأديب المحكومين، وإنما خلقها لرعاية حقوقهم والقيام على مصالحهم. فهي خادم لهم لا أكثر ولا أقل. وليس من حق الخادم أن يؤدِّب المخدوم، وإنما الحق عليه أن يطيعه وينفِّذ أمره وينزل عند إرادته ويتخلى عن عمله حين يريد الشعب، وهو سيد نفسه وسيد حكومته أن يتخلَّى عن هذا الأمر. ومن حقي أيضًا أن ألفت المصريين إلى أن لهم أن يطالبوا بتعديل القوانين القائمة إذا تبينت لهم مصلحة في تعديل هذه القوانين، أو تبيَّن لهم شَرٌّ في بقاء هذه القوانين كما هي. فاحترام القانون القائم شيء طبيعي، ولكن احترام القانون شيء وتقديسه شيء آخر. وقد وضعت القوانين لخدمة الشعوب، ولم تخلق الشعوب لتقديس القوانين، فإذا كان من حق النيابة ومن واجبها أن تنفذ القوانين كما ترى، فمن حَقِّنَا نحن أن نطالب بتعديل هذه القوانين حين تظهر حاجتنا إلى هذا التعديل.

    وقد يكون من الظريف الطريف أن يلاحظ المصريون أننا لا نعرف بلدًا من بلاد الله في هذه الأيام يُحبس فيها الكتاب حبسًا احتياطيًّا في قضايا الرأي إلا مصر، مصر وحدها؛ فمصر التي لم تشارك في الحرب إلا بعد أن وضعت أوزارها، مصر التي احتملت أوزار الحرب، ولم تجنِ من ثمارها إلى الآن إلا هذا التضييق على أبنائها لا في أرزاقهم وحدها، بل حرياتهم أيضًا.

    وقد كان زيد يتحدث إلى أهل البصرة فيسألهم أن يدعو الله لأئمتهم الذين يؤدبونهم ويسوسونهم بسلطان الله الذي أعطاهم، ولكن هذا كان منذ اثني عشر قرنًا، وأصبحنا نحن الذين نعطي الحكومة ما في يدها من سلطان، ونستطيع أن نسترد ما أعطينا.

    فمن حقنا إذن أن نكلف الحكومة ما ترى المصلحة في أن نكلفها إياه.

    ونحن نرى المصلحة الآن في أن نطلب إليها تعديل القوانين بحيث لا يُسمح للنيابة بالحبس الاحتياطي في قضايا الرأي.

    وقد اتخذت الحكومة قانونًا — أستغفر الله، بل مرسومًا بقانون — منعت فيه المحاكم من أن تسمع للقضايا التي تُرفع بشأن الاستثناءات. وهذا القانون ما زال مشكوكًا في دستوريته، ولكن الحكومة اتخذته على كل حال.

    ونحن نطلب أن تتَّخذ الحكومة الخطوات الدستورية لتعديل القوانين التي نطلب تعديلها؛ فإن لم تفعل فإن البرلمان لم يوجد ليذهب ويجيء ويخطب ويسمع الخطب، وإنما وُجِدَ ليكلف الحكومة ما يريد الشعب، وليفرض على الحكومة ما يريد الشعب، فليَقُم البرلمان بتعديل القوانين إذا لم تستجب الحكومة إلى ما يدعوها إليه. وليعلم الشيوخ والنواب أن ليس مما يشرف مصر أن يتحدَّث الناس عنها في الخارج بأن كُتَّابَهَا ومفكريها يُلقَوْن في أعماق السجون احتياطًا قبل أن تصدر عليهم الأحكام؛ لأنهم كتَبوا ما لا يسر الحكومة أو يرضيها.

    فإذا لم تفعل الحكومة ما ندعوها إليه، وإذا لم يفعل البرلمان ما نطلب إليه؛ فمن حق المصريين أن يعتقدوا أن ديمقراطيتهم كلام، وأن حريتهم لغو، وأنهم يعيشون في ظل حكومة تريد أن تؤدبهم وتحملهم على ما تعتقد هي، لا على ما يعتقدون هم أنه الحق والخير.

    وقد قررت صحف الوفد ألا تَصدُر غدًا لتلفت الحكومة ولتلفت البرلمان ولتلفت الشعب إلى أن في مصر شرًّا يجب أن يُرفَع، وإلى أن هذا الشر واقع على الحرية التي يكفُلُها الدستور، والتي كانت الحرب في سبيل حمايتها وتقريرها، وهي حرية الرأي.

    وقد يقول القائلون كلامًا كثيرًا في احتجاب صحف الوفد غدًا، ولكن المهم هو أن يعلم الشعب أن حرية الرأي فيه تؤذى إيذاءً متصلًا، وقد يكون من المهم أن يمضي يوم لا تحتاج فيه النيابة إلى تحقيق، ولا تقرأ فيه الحكومة ما يسوءها، ويخلو فيه الميدان للذين يطلبون الطعن والنزال إذا خَلَوْا إلى أنفسهم.

    ومن يدري لعل احتجاب الصحف الوفدية غدًا أن يُلهِم الحكومة شيئًا من الجِد، ويحملها على أن تستأنف النظر في سياستها، ويبين لها أن القوة قد تعظُم وتشتد، ولكن الحرية ستظل أقوى منها دائمًا، ولا سيما حين تلجَأ إلى السلب، وحين تؤثر الاحتجاب على الظهور، وحين تؤثِر الصمت على الكلام.

    ولتحذر الحكومة أن يكثر احتجاب الصحف، ولتحذر الحكومة أن يتصل صمت الكُتَّاب.

  • خوف

    حديث الوادي
    خوف…
    يعلن الوزاريون أنه يملأ قلوب الصحافيين المعارضين من هذا النظام الجديد القديم الذي يقال إن الوزارة تهيئه في هذه الأيام لتأخذ به الصحف بعد حين، ونؤكد نحن مطمئنين أن هذا الخوف لا يملأ قلوب الصحفيين الذين يخاصمون الوزارة ولا يبلغها، ولا يرقى إليها، وإنما يملأ قلوب الوزراء وأنصار الوزراء وأتباع الوزراء من هؤلاء الصحفيين الذين يدبر لهم الكيد، وتتربص بهم الدوائر، وتلقى أمامهم الشباك.

    نعم نؤكد نحن أن الكتاب الذين يخاصمون الوزارة ويعارضونها لا ينفقون من هذا النظام الذي يهيأ لهم في هذه الأيام أو كان يهيأ لهم من قبل، أثناء الصيف الماضي، قبل أن تزل بصدقي باشا قدمه أو قدم الأقدار. وحين كان صدقي باشا مقيمًا في أوروبا يستشفي ويستريح، وتهيئ الظروف له أسباب السقوط، لقد تحدث إلينا من تحدث في تلك الأيام حين كان صدقي باشا معلقًا بين البقاء في الحكم، والنزول عنه بأن نظامًا جديدًا للصحف قد هيئ، وبأنه صارم، وبأنه مسرف في الصرامة، وبأن إصداره كان شيئًا مرغوبًا فيه، ولكن الظروف لم توات أصحابه، فلم يستطيعوا أن يصدوه. وقد يظهر أن الظروف واتت أصحابه في هذه الأيام، فهم يجدون في إصداره أن صح ما تذيعه المقطم من الأنباء. وقد يظهر أن هذا النظام يحب الصيف، ويحب جو الإسكندرية، ونسيمها العليل، فهو قد ظهر في الإسكندرية أثناء الصيف الماضي، وأكبر الظن أنه قد ولد من اتصال الأحاديث بين الذين تعنيهم الحرية وحمايتها، والنظام وإقراره. وأكبر الظن أن هذه الأحاديث كانت على ساحل البحر، حيث يجلس الناس، أو حيث يمشون، ينظرون إلى الماء والسماء، ويستمتعون بالنور والهواء. ومن هذه الأحاديث ولد هذا النظام فيما يظهر أثناء الصيف الماضي على ساحل البحر كما ولدت آلهة الحسن والجمال، والقد والاعتدال – فيما يقول العامة – من زبد البحر. ثم حالت حوائل، وعرضت شؤون، فلم يتح لهذا المولود الشقي أو السعيد أن يرى الضوء، وينعم بالحياة، وإنما ظل عامًا كاملًا مدفونًا في درج من الأدراج عند صاحبه الذي تمخض عنه رأسه العظيم.

    حتى إذا كان صيف هذا العام وعاد سادة اليوم إلى الإسكندرية ومسهم هواء البحر، فرد إليهم شيئًا من نشاط، وفضلًا من حياة، ووصل من أحاديثهم ما كان مقطوعًا، ذكروا ذلك المولود الموؤود، ففكروا في أن يردوا إليه الحياة. واتخذوا المقطم طريقًا إلى التبشير بمقدمه السعيد، فلما أنكره الكتاب المعارضون، ظنت صحف الوزارة أنهم ينكرونه إشفاقًا منه، وفرقًا مما يدبر لهم من الكيد، فليعلم الوزراء وأصحاب الوزراء، والذين يشيرون على الوزراء، والذين يؤيدون الوزراء، أن الكتاب المعارضين لا ينكرون هذا النظام خوفًا منه، ولكن خوفًا على الذين يفكرون فيه، وأن الخوف إن كان قد اتخذ من قلوب بعض الناس له مستقرًا، فهو لم يتخذ مستقره هذا في قلوب المعارضين، وإنما اتخذه في قلوب الذين يكيدون للحرية، ويمكرون بها، ويريدون التنكيل بالأحرار.

    هؤلاء هم الذين يخافون، ولولا ذلك ما كادوا للحرية. هؤلاء هم الذين يشفقون، ولولا ذلك ما مكروا بالحرية. هؤلاء هم الذين يهلعون، ولولا ذلك ما فكروا في التنكيل بالأحرار. إن الكتاب المعارضين لم يخافوا من طغيان صدقي باشا وعسفه، وقسوته، ولا مما شرع من قانون، واستحدث من نظام، وإنما ابتسموا لصدقي باشا وأحداثه التي استحدثها ابتسامة الإشفاق عليه، والازدراء لما كان يأتي من السيئات. ثم جاهدوا صدقي باشا ما وسعهم الجهاد وقد هوى صدقي باشا، وما زالوا قائمين، وقد حنى صدقي باشا رأسه وما زالت رؤوسهم مرفوعة، وقد عقد صدقي باشا أو عقدت الظروف لسانه، وما زالت ألسنتهم منطلقة، وقد انزوى صدقي باشا، ونسجت عليه العنكبوت رداءها وما زالوا هم في ميدان الجهاد يرفعون لواء الحرية خفاقًا، يظلون به ملايين الأحرار من أبناء هذا الشعب العزيز. فهم إذن لا يخافون، وهم إذن لا يشفقون، والذين ثبتوا لصدقي باشا وانتصروا عليه، يعرفون كيف يثبتون لعبد الفتاح باشا، وكيف ينتصرون عليه.

    كلا. إن الخوف لم يستقر في قلوب المعارضين، وإنما هو مستقر في قلوب هؤلاء الذين رأوا أن بأس صدقي باشا لم يغن عنه شيئًا، فظنوا أنهم يستطيعون أن يغنوا عن أنفسهم بعض الشيء إذا ذهبوا في القسوة والعنف إلى أبعد مما ذهب إليه ذلك الطاغية المسكين. فهم يستزيدون من القوة، وهم يبالغون في الاحتياط، وهم يسرفون في استعمال الشدة، وهم يأبون أن يتعظوا بالمثلات التي خلت من قبلهم، وهم يأبون أن ينتفعوا بالدروس التي ألقتها الأيام على صدقي باشا، وعليهم حين كانوا يعاونون صدقي باشا، وهم يأبون أن يصدقوا أن الإسراف في محاربة الحرية لا يزيد الحرية إلا قوة وشدة

    وثباتًا، وهم يأبون أن يصدقوا أن نور الحرية لا يطفأ بالأفواه، وأن نار الحرية لا تخمدها اللوائح والقوانين، وأن قلوب الأحرار لا يعرف الضعف إليها سبيلًا، وهم من أجل هذا يريدون أن يضيفوا شدة إلى شدة، وقسوة إلى قسوة، ونظامًا إلى نظام، لعلهم يعقدون ألسنة لا تريد أن تنعقد، ويحطمون أقلامًا لا تريد أن تخاف. هم يجهلون أن الحق واجد منفذه إلى نفوس الناس، مهما يقم حوله من الأنوار الشاهقة، لأنه أقوى من أن يفلت، وأمهر من أن يحصر، وأعز من أن تناله الأغلال والقيود. إنما يخاف الضعفاء الذين يخاصمون الحق، ويمانعون طبائع الأشياء، فهم في حاجة إلى التحصن والتحرز، وهم في حاجة إلى الاستزادة من النظم والقوانين. فأما الأقوياء الذين لا يريدون إلا الحق، ولا يرضون إلا الحرية، ولا يستبيحون لأنفسهم حياة الذل، فهؤلاء لا يخافون شيئًا مهما يكن بأسه شديدًا.

    إني لأبسم حين أقرأ هذا الفصل البديع الذي كتبه صديقنا الأستاذ عزمي في الجهاد صباح اليوم، أراه يشفق على التاريخ، وأراه يشفق على حرية النقد، وأراه يدافع عن التاريخ وحرية النقد، بحجج المنطق وبراهين التفكير المستقيم. لقد أضاع الصديق وقته وجهده، في غير غناء، إن الذين يكيدون للتاريخ ولحرية النقد، يعلمون أنهم يكيدون، ويعلمون أنهم يظلمون، ويؤمنون إذا خلوا إلى أنفسهم وإلى ضمائرهم بكل ما قال الصديق. فمحاولة إقناعهم ضرب من العبث، لأنهم مقتنعون أن خير نقد يساق إليهم إنما هو تشجيعهم على الإمعان في الشدة وحثهم على الاستزادة من القسوة، وإغراؤهم بالإسراف في محاربة الحرية. فهذا وحده هو الذي يريهم الحق ساطعًا لا شك فيه يوم يفشلون عما يريدون كما فشل صدقي باشا عما كان يريد، ويوم يعجزون عن إذلال مصر. كما عجز صدقي باشا عن إذلال مصر.

    فليكف المعارضون عن لوم هؤلاء الذين يأتمرون بالصحف، وليدفعوهم إلى هذا الائتمار دفعًا، فلن تخسر الصحف منه شيئًا، ولن يربحوا هم منه شيئًا، ولن يزال لواء الحرية خفاقًا في جو مصر مثل ملايين الأحرار من أبناء هذا الشعب العزيز الذي لا يعرف قلبه الخوف.

    طه حسين
    الوادي، ١٤ أغسطس ١٩٣٤.

  • منع …

    حديث المساء: منع …

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٢١ يناير ١٩٣٤

    وإنما يصدر المنع عن الأقوياء؛ لأن الضعفاء أصغر شأنًا، وأيسر أمرًا، وأقل خطرًا من أن
    يُمْنَعُوا، فإذا رأيت وزارةً تعلن أنها تريد أو لا تريد، وإذا رأيت وزارة تعلن أنها تأذن بهذا
    وتحظر ذاك، وإذا رأيت وزارة تعلن أنها تبيح هذا الاجتماع، وتمنع ذلك الاجتماع؛ فاعلم أنها
    الوزارة القوية حقًّا، الوزارة التي يحتال الضعف في أن يمسها من طرف من أطرافها، أو يصل إليها
    من ناحية من نواحيها فلا يجد إلى ذلك سبيلًا. وقد أعلنت وزارتنا أنها تحظر على جماعة من أعلام
    القليوبية أن يستقبلوا رئيس الوفد وأصحابه في دورهم؛ فأثبتت بذلك في غير شك ولا ريب أنها قوية
    حقًّا، أقوى من كل وزارة في الأرض وأعظم سطوة وأشد بأسًا. ومن قبل ذلك بيوم أو يومين تركت
    وزارتنا رئيس الوفد يذهب إلى بلده سمنود وينتقل منها إلى المنصورة، ويزور عضوًا من أعضاء الوفد
    فيها ويعود منها إلى القاهرة؛ فأثبتت بذلك أنها من أقوى الوزارات في الأرض وأعظمها حولًا
    وطولًا. ثم لم تكتفِ بإثبات القوة والبأس، وإقامة الدليل على الحول والطول، بل أثبتت مع ذلك
    أنها ذكية القلب راجحة الحلم، واسعة العقل، نافذة البصيرة لا تقدم إلا وهي عالمة بما تقدم عليه،
    ولا تحجم إلا وهي عالمة بما تحجم عنه. وقد زعم الناس أن الرجل العاقل ذا النظر البعيد هو الذي
    لا يتناقض ولا يضطرب، ولا يأتي أمرًا من الأمور إلا لعلة من العلل وسبب من الأسباب؛ ولكن هذا
    النحو من التفكير سخف، فالرجل العاقل في هذه الأيام وفي عرف الوزارة بنوع خاص هو الذي يتناقض
    حتى يبلغ من التناقض الأعاجيب، وهو الذي يأذن لغير علة ويمنع لغير علة، ويأتي ما يأتي من الأمر
    لغير سبب؛ إلا لأنه يريد أو لا يريد. وقد أقامت الوزارة أوضح الأدلة على أنها قد سبقت الوزارات
    جميعًا إلى عظم القوة وسعة العقل؛ فخلت بين رئيس الوفد وبين المنصورة، وحالت بين رئيس الوفد
    وبين القليوبية غير حافلة بما دفعت إليه من التناقض، ولا معنية بما تورطت فيه من الاضطراب،
    حسبها أنها أرادت أمس وحسبها أنها لا تريد اليوم؛ ليعلم الناس أنها وزارة رشيدة حقًّا قد بلغت
    من الرشد أقصاه.

    ووزير داخليتنا رجل حازم بين الرجال، ووزير طريف بين الوزراء، سمع رئيس الوزراء يخطب يوم
    العيد أو قرأ خطبته التي ألقاها يوم العيد، ورأى رئيس الوزراء يؤكد للناس أن وزارته قوية؛ فأراد
    أن يقيم الدليل على أن رئيس الوزراء لم يقل إلا الحق، وعلى أن وزارة الرجل الطيب حقًّا وصدقًا
    قوية حقًّا وصدقًا، وأي مظهر للقوة أبدع من التحكم في الناس والعبث بهم، والتصرف في حقوقهم
    إذنًا ومنعًا وإباحة وحظرًا، لا لشيء إلا لأنك تريد أو لأنك لا تريد؟! أما أنا فأُشْهِدُ
    المصريين جميعًا وأُشْهِدُ الأرض كلها على أني مؤمن لوزير الداخلية بقوة لا تشبهها قوة وحزم لا
    يشبهه حزم، وذكاء لا يقاربه ذكاء.

    أنا مؤمن بهذا كله لوزير الداخلية، حتى إني واثق كل الثقة بأنه يستطيع أن يقطع على الرجل
    الطيب رحلته في العيد يأمره بالعودة فيعود، أو يخطفه جهرة فينخطف، أو يأمر الناس بالإعراض عنه
    فإذا هم عنه معرضون. كل ذلك يستطيع وزير الداخلية بأن يأتيه ومن حق وزير الداخلية أن يأتيه؛ لأن
    وزير الدخلية نابغة، وقد أباح الله للنابغين ما لم يُبِحْ لمثلك ومثلي من أوساط الناس. فليحكم
    وزير الداخلية فينا بأمره، وليمضِ وزير الداخلية فينا إرادته، فليس وزير الداخلية أقل شأنًا من
    غيره من أولئك الوزراء الذين تحكموا في المصريين، أو أذاقوهم ما أرادوا أن يذيقوهم من صنوف
    العسف وألوان الاستبداد. والله [لم] يمنح الناس إرادتهم ليضعوها في جيوبهم أو ليغلقوا من دونها
    الصناديق والخزائن، وإنما منحهم الإرادة ليقولوا ويعملوا وليأمروا وينهوا وليتحكموا ويستبدوا
    وليظهروا أنهم أقوياء، وإذا لم يظهر وزير الداخلية أنه قوي، وأنه ذكي، وأنه حليم، فلمن تكون
    القوة؟! ولمن يكون الحلم؟! ولمن يكون الذكاء؟! ولا تذكر الدستور، ولا تذكر القانون، ولا تذكر
    التقاليد؛ فكل هذه كلمات لا ينبغي أن تذكر للأقوياء الأذكياء، وإنما ينبغي أن تذكر للذين يحبون
    الضعف ويكلفون بالغباء.

    وسيزعم الوفديون أن الدستور يكفل لهم الحريات، ويبيح لهم أن ينتقلوا في بلادهم، وأن يزور
    بعضهم بعضًا، وأن يدعو بعضهم بعضًا إلى الطعام، وأن الذي يَحْظرُ عليهم من ذلك ما يكفله لهم
    الدستور — سواء أكان دستور أمس أم دستور اليوم — آثم ينتهك الحرمات ويعتدي على الحقوق. فليزعم
    الوفديون من ذلك ما شاءوا وما لم يشاءوا، فلن يحفل بهم أحد، ولن يلتفت إليهم أحد؛ لأن هذا كلام
    يقال للوزارات الضعيفة، التي تحترم الدستور وترعى الحرمات وتحافظ على الحقوق، فأما الوزارات
    القوية، فهي لا تعرف إلا أنها تريد أو لا تريد، وهي لا تعرف إلا أن الناس مأخوذون بأن يسمعوا
    لها ويطيعوا. وقد قال الرجل الطيب — حقًّا وصدقًا — إن وزارته قوية، ومتى قال الرجل الطيب شيئًا
    فقد قال الحق، ونطق بالصواب والقول الذي لا يعاب.

    وسيزعم الوفديون أن من حقهم أن يجتمعوا اجتماعاتٍ خاصة إلى الطعام وللحديث، ليس لأحد عليهم في
    ذلك سلطان، ليس عليهم أن ينبئوا بذلك وزارة ولا إدارة، وليس لوزارة ولا إدارة عليهم في ذلك
    سلطان ولا سبيل. ولكنَّ الوفديين أحرار في أن يزعموا ما يشاءون وما لا يشاءون ما داموا
    يُذْعِنُون لأمر وزير الداخلية، فالسرائر لله وحده والظواهر للحكومة تعبث بها ما وسعها العبث
    وتستهزئ بها ما وسعها الاستهزاء، وويل لمن خالف عن أمر الحكومة، أو تردد في الإذعان لها! فقد
    قال الرجل الطيب — حقًّا وصدقًا — إن وزارته قوية، وإذا قال الرجل الطيب شيئًا فقد قال الحق،
    ونطق بالصواب والقول الذي لا يعاب. وسيزعم الوفديون أن الديمقراطية الحديثة تُقَرِّرُ منذ قرن
    ونصف قرن أن لا طاعة لحاكم في مخالفة القانون، وأن من حقهم بحكم الدستور المصري نفسه أن يخالفوا
    أمر الوزراء إذا تجاوز الوزراء أحكام القانون. ولكن الوفديين أحرار في أن يزعموا ما يشاءون وما
    لا يشاءون؛ فالديمقراطية الحديثة والقديمة وحقوق الإنسان والدستور والقانون، كل هذا كلام يقال
    للضعفاء لا للأقوياء، وقد قال الرجل الطيب — حقًّا وصدقًا — إن وزارته قوية؛ فلا ينبغي أن يقال
    لها هذا الكلام. وسيزعم الوفديون أن لمصر تقاليدها وأن رعاية الضيافة من هذه التقاليد، وأن مَنْ
    دعا إلى وليمة فليس له أن يَعْدِلَ عن هذه الدعوة، وأن من قبِل الدعوة فليس له أن يردها بعد
    قبولها؛ وإنهم لذلك سيقيمون ولائمهم وسيسعى إليها المدعوون؛ لأنهم لا يزيدون على أن يستمتعوا
    بحقوقهم التي ضمنها لهم الدستور، والتي قامت الوزارة لحمايتها ورعايتها وتمكينهم من الاستمتاع
    بها على أكمل وجه، وسَيُحَمِّلُوْنَ الحكومة وحدها تبعة ما يقع من الاعتداء عليهم، وتبعة ما
    يكون من شر، وتبعة ما يحدث من مخالفة الدستور وخروج على القانون وعبث بالحقوق. والوفديون أحرار
    في أن يزعموا ما يشاءون وما لا يشاءون؛ فقد أرادت الوزارة وقد أنذرت، وويل للذين لا ينفذون
    إرادة الوزارة! وويل للذين لا يخافون نذيرها! والوزارة لا تحجم عن احتمال التبعات، وماذا تخاف
    الوزارة من احتمال التبعات؟! ومن الذي سيحاسب الوزارة عما تحمل من تبعات؟! لقد احتمل صدقي باشا
    تبعات البداري والمطيعة وبني حسين وتطون، فماذا جَرَّتْ هذه التبعات عليه؟! وماذا أدى عنها من
    الحساب؟ هل سُئِلَ؟ هل دُعِيَ إلى التحقيق؟ هل وقف أمام القضاء؟ هل مرت أمام عينيه غرف السجون؟
    هل صودر من ماله القليل أو الكثير؟ كلا، فما يمنع هذه الوزارة القوية أن تحتمل ما يشاء الوفد
    وما لا يشاء من التبعات؟! إن الوزارة لا تخاف شيئًا؛ وإذن فهي تستبيح كل شيء، فليجرؤ الوفد إذن
    على مخالفة أمر الوزارة، وإن كان هذا الأمر ظالمًا جائرًا مخالفًا للقانون والدستور منتهكًا
    حرمات التقاليد، فلن يلوم الوفد إلا نفسه.

    وسيزعم الوفديون أن الوزارة تزعم أنها وزارة بلد إسلامي، دينها الرسمي هو الإسلام بنص
    الدستور، وأن من القضايا الإسلامية أن لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وأن الاعتداء على الحقوق
    إثم وانتهاك الحرمات ظلم، ومنع الناس من الاستمتاع بحريتهم معصية، وأن المصريين أحرار في أن
    يعصوا أمر الوزارة إذا خالف الدين كما أنهم أحرار في أن يعصوا أمر الوزارة إذا خالف القانون.
    ولكنَّ الوفديين أحرار في أن يزعموا ما يشاءون وما لا يشاءون؛ فلن تحفل بهم الوزارة ولن تلتفت
    إليهم، ولن تُبِيْحَ لهم زيارة القليوبية، ولن تُخَلِّي بينهم وبين حقوقهم وحريتهم؛ لأنها قوية
    كما قال الرجل الطيب، وحسبها أن تكون قوية لتكره الناس على ما لا تريد.

    أما بعد، فهل كان جادًّا وزير الداخلية فيما أصدر من أمر، وهل كان جادًّا مدير القليوبية فيما
    أنفذ من أمر الوزير؟ وهل هان المصريون على الوزير والمدير حتى أصبحت حقوقهم عرضة للعبث إلى هذا
    الحد؟ وهل هان المصريون على أنفسهم؛ حتى استباح الوزير والمدير أن يأخذاهم بهذا العبث ويدفعاهم
    إلى هذا الحرج، ويخضعاهم لهذا الاستبداد؟ وهل هان الدستور والقانون على الوزير والمدير حتى
    استباحا لأنفسهما أن يذهبا في تفسيرهما وتأويلهما هذا المذهب الغريب، أين نحن؟ وإلى أين
    نُدْفَعُ؟ وماذا يُرَادُ بنا؟ وماذا تريد الوزارة بنفسها وبالناس؟ إن الرجل الطيب خليق أن يفكر
    في هذا كله إن كان يستطيع أن يفكر في هذا كله. لقد أقدم صدقي باشا على مثل هذا كله؛ فلم يعاقبه
    القانون ولم يجنِ ثمرة ما غرس من الظلم والجور، ولكن أين صدقي باشا؟ ومَنْ يكون الآن صدقي باشا؟
    وماذا جَنَى صدقي باشا من ظلمه وجوره أكثر من ثلاثة أعوام؟ أيريد الرجل الطيب أن يلم به مثل ما
    أَلَمَّ بصدقي باشا؛ إذن فليقدم على مثل ما أقدم عليه، إذن فليظلم كما ظلم وليَجُرْ كما جَارَ،
    وليتحكم في الناس كما تحكم، فهو إن فعل مُنْتَهٍ من غير شك إلى مثل ما انتهى إليه صدقي باشا،
    دون أن يستمتع بقوته وقتًا طويلًا؛ لأنه أضعف وأسلم قلبًا وأطيب نفسًا من أن يقاوم الشعب كما
    قاومه صدقي باشا! أو يَثْبُتَ للشعب كما ثبت له صدقي باشا، ومِن المحقق الذي ليس فيه شك أن
    الوفد والوفديين لن يُذْعِنُوا لظلم الوزارة، ولن يطيعوا ما تصدر من الأمر في غير الْتزامٍ
    لحدود القانون؛ فلتفعل الوزارة بقوتها ما تشاء فسيقيم أهل القليوبية ولائمهم، وسيذهب رئيس الوفد
    وأصحابه لحضور هذه الولائم، وستجني الوزارة وحدها ثمرة التحكم في الناس والخروج على أبسط أصول
    الدستور والقانون.

  • لعب٢

    حديث اليوم
    لعب
    طه حسين
    جريدة السياسة
    ٢٦ يوليو ١٩٣٢

    لا أكره لشيخ الأزهر أن يلعب، ولا أكره للحكومة أن تلعب معه؛ فإن في لعب الشيوخ عبرة لغير الشيوخ، وفي لعب الحكومة قوة للمعارضة، ولكن لكل شيء ذوقًا يصلحه ويُقوِّمه، وذوق اللعب أن يكون فيما يجوز اللعب به والتحكم فيه. وما عرفنا منذ كان هذا العصر الحديث أن العلم يصلح موضوعًا للعب إلا عند المُجَّان وأصحاب الفكاهة والدعابة.
    وأنا أريد أن أكبر شيخ الأزهر عن أن يكون ماجنًا أو صاحب فكاهة ودعابة؛ لأن منصبه وزيه يأبيان عليه هذا كله؛ ولأن صلاته وصيامه يأمرانه بغير هذا كله. والذي أعلمه أن في حياتنا المصرية الخاصة والعامة متسعًا لنشاط الشيخ والحكومة إن كانت عندهما بقية من نشاط. في مصر آثام تقترف، وسيئات تجترح، وأمور يُعصى الله عز وجل فيها، وهي أكبر عند الله وأحق أن تقاوم وأن يبذل الشيخ في مقاومتها جهده وطاقته وسلطانه من نقد أبي حنيفة بالحق أو الباطل، ومن نيل أبي حنيفة بالمعروف أو بالمنكر من القول.
    وهذه الآثام والسيئات تقترف جهرًا، وتجترح علنًا، ويراها الشيخ إذا غدا إلى الأزهر، ويراها الشيخ إذا راح إلى داره. ويسكت عنها الشيخ في غدوه ورواحه، غافرًا لها، أو غافلًا عنها، أو عاجزًا عن إزالتها، حتى إذا نشر كتاب في العلم بريء لا إثم فيه ولا معصية، وإنما فيه نقد لأبي حنيفة قد يكون صوابًا، وقد يكون خطأ، قام الشيخ وقعد، وبرق الشيخ ورعد، وآمنت له الحكومة فأمدته بالحول، وأعانته بالجند، وصادرت له هذا الكتاب.
    ومع ذلك، فلم يزعم أبو حنيفة — رحمه الله — لنفسه براءة من العيب، أو علوًّا على النقد، وإنما كان يرى نفسه كما كان يراه الناس في عصره، وكما نراه نحن الآن، سواء رضي الشيخ أم غضب، وسواء طابت نفس الحكومة أم ثار ثائرها، رجلًا من المسلمين يجتهد في الفقه وفي الكلام، فيجوز عليه ما يجوز على كل مجتهد من إدراك الصواب والتورط في الخطأ. فأين وجد شيخ الأزهر أن كتابًا ينقد أبا حنيفة خليق أن يصادر؟ أين الآية القرآنية أو الحديث النبوي أو الأثر الصحيح من آثار السلف الصالح والقياس المستقيم على أصول الفقه في أي مذهب من مذاهب المسلمين؟
    أين شيء من هذا يبيح للشيخ وللحكومة معه أن يصادرا كتابًا من كتب العلم نال فيه صاحبه أبا حنيفة بالنقد المسرف أو بالنقد الصحيح؟ لن يستطيع الشيخ ولن تستطيع الحكومة أن يستندا في هذا العدوان على العلم إلى آية من كتاب الله، أو حديث من سنة رسول الله، أو قول من أقوال المسلمين الصالحين، وهما كذلك لا يستطيعان أن يستندا إلى قانون؛ فقد ظهر مما نشرته السياسة صباح اليوم أن ليس في القانون حتى قانون المطبوعات الجديد ما يبيح مصادرة الكتب العلمية على هذا النحو. وإذا لم يستطع الشيخ والحكومة أن يستندا في هذا العدوان إلى أصل من أصول الدين، أو مادة من مواد القانون، فهما إنما يستندان إلى الهوى، ويعتزان بالقوة، ويلعبان بأكرم شيء على الناس: بالعلم الذي يجب أن يكون فوق لعب اللاعبين، وفوق لهو اللاهين، وفوق سلطان الحكام والمتسلطين.
    نعم، هما يلعبان، وهما يلعبان بالعلم، ويلعبان بأقدس شيء عرفه الإنسان: بحرية العقل في أن يفكر وينتج، وحرية الناس في أن ينشروا ويقرءوا، ويقال لنا بعد ذلك: إن الحريات مكفولة على اختلافها، وإن النظام القائم قد آمننا على النفوس والأموال، وعلى حقوق الإنسان كلها! من ذا الذي يستطيع أن يزعم هذا وكلمة من شيخ الأزهر، ونحن نعلم من شيخ الأزهر، تكفي لتصادر الحكومة كتاب الخطيب البغدادي، فتعتدي على حرية الخطيب نفسه، وهي مقدسة قد ضمن لها الزمانُ الحرمةَ والخلود، وتعتدي على حرية الناشرين وأموالهم وجهودهم، وهي مقدسة قد ضمنها الدستور، وتعتدي على حق القراء في الشرق والغرب، وهي مقدسة قد ضمنتها أوليات العدل الطبيعي؟
    لقد أصم رئيس الوزراء آذاننا باستقرار النظام، وهو قد استقر وإن كان شيء أساسي ينقصه؛ وهو إقامته على العدل، وتنفيذه بالحق، وحمايته من أن يكون وسيلة إلى إرضاء الشهوات. إن لهذا النظام الذي يصم آذاننا رئيس الوزراء بإعلان استقراره عدوًّا هو أشد عليه من المعارضين مهما تكن قوتهم، ومهما تكن مكانتهم في الشعب. وهذا العدو هو طريقة الحكومة في تنفيذ هذا النظام وفرضه على الناس، الحكومة لا تؤمن بالنظام الجديد، ولا تحبه، ولا تحرص على أن يستقر، ولو قد آمنت به وأحبته لنفذته على الناس جميعًا بالعدل، ولكرهت لنفسها أن تتخذه سبيلًا إلى البطش.
    كلا، إن الحكومة لا تؤمن بهذا النظام، وإنما تتخذه وسيلة إلى الحكم، وسبيلًا إلى التسلط. وما دامت تفهم النظام على هذا النحو فسيتعبها إقرار النظام، وسيخرجها من خطأ إلى خطأ، وسيضطرها إلى شطط بعد شطط، وما كان للشعب أن يؤمن للنظام أو يطمئن إليه والحكومة التي وضعته نفسها لا تؤمن بهذا النظام ولا تطمئن إليه.
    ماذا؟ نحن إذن لعبة في يد الشيخ الظواهري وفي يد وزير الداخلية، يستطيعان أن يتصرفا في عقولنا وميولنا وحقوقنا كما يشاءان هما لا كما نشاء نحن! ماذا؟ كتاب أذيع فنحن نقرؤه وننتظر بقيته أشد ما نكون شوقًا إليها، وأعظم ما نكون حرصًا عليها، ثم يأتي وزير الداخلية صدقي باشا بأمر شيخ الأزهر الشيخ الظواهري فينتزع منا هذا الكتاب انتزاعًا، ويحول بيننا وبين بقيته كما تنتزع اللقمة من يد الجائع، وكما ينتزع القدح من فم الظمآن. وكل ذلك بغير حق وبغير اعتماد على دين أو قانون، ثم نزعم بعد ذلك أننا أحرار، وأن الديمقراطية تظلنا بلوائها المنشور.
    كلا، كلا! لسنا أحرارًا، ولو كنا أحرارًا لما عبث بنا صدقي باشا والشيخ الظواهري. كلا، كلا! لا يظلنا لواء الديمقراطية، وإنما يظلنا لواء لا أدري كيف أسميه، ولكني أعلم أنه لا يجوز أن يرفع في هذا القرن العشرين على بلد قد ذاق الحضارة، واستظل بها عشرات القرون. كلا، لسنا أحرارًا! ولو كنا أحرارًا لأقيل شيخ الأزهر؛ لأنه عبث بحرية العلم، ولأنه اتخذ الدين وسيلة إلى الظلم، ودين الله أكرم على الله وعلى المسلم من أن يتخذ وسيلة إلى إهدار الحقوق.
    ولو كنا أحرارًا لما استمتع رئيس الوزراء برحلته الصيفية وحرية العقل يُعتدَى عليها أشنع اعتداء. لسنا أحرارًا وما أرى إلا أننا قد اقترفنا ذنبًا قبيحًا، فعوقبنا عليه بهذه المحنة التي تجعل حياتنا العقلية لعبة في يد رجلين اثنين: شيخ الأزهر ووزير الداخلية، ولكني أجهد نفسي وأكلفها ألوان المشقة أبحث عن هذا السلطان الغريب الذي أتيح لشيخ الأزهر؛ فجعل له الكلمة العليا على العلم والعلماء، وعلى الإسلام والمسلمين. لا باباوية في الإسلام، ومن زعم أن للإسلام بابا فقد تجاوز حدود هذا الدين واعتدى عليه.
    وإذن فمن أين لشيخ الأزهر سلطانه على الدين والمسلمين؟ وأين القانون المدني الذي يخوله هذا السلطان؟ ومن أين لشيخ الأزهر سلطانه على العلم والعلماء؟ وأين القانون المدني الذي يخوله هذا السلطان؟ نعلم أن هناك قانونًا يخول الشيخ وهيئة كبار العلماء شيئًا من السلطان على الأزهريين، ونعلم أن الأحرار من المصريين لن يرضوا حتى يغير هذا القانون، ولكن من زعم لشيخ الأزهر أن الخطيب البغدادي من علماء الأزهر؟ إن الرجل لم يصل قط إلى مصر.
    ومن زعم لشيخ الأزهر أن سلطانه يتجاوز الأحياء إلى الأموات؟ وما بال شيخ الأزهر لا يكتفي بتحريم هذا الكتاب على الأزهريين الذين يخضعون لسلطانه قليلًا أو كثيرًا؟ من الذي أباح لشيخ الأزهر أن يعتديَ عليك وعليَّ فيحول بيننا وبين كتاب من حقنا أن نقرأه، ونحن لا نُقدِّر الشيخ ولا نؤمن له ولا نرى له علينا سلطانًا ما؟
    الذي أباح للشيخ هذا العدوان أستطيع أن أدلك عليه، بل أنت تعرفه حق المعرفة؛ هو هذه المحالفة الممقوتة بين جماعة من رجال الدين يلتمسون المنفعة العاجلة، وجماعة من رجال السياسة يلتمسون الحكم والسلطان. أولئك يُسخِّرون دين الله لرجال السياسة، وهؤلاء يسخرون حقوق الشعب وسلطانه لرجال الدين، وكذلك تقوم هذه المحالفة على ما لا يُرضي الله ولا يُرضي الناس.
    لقد سألت الشيخ أمس عن كتب تنشرها الحكومة بأموال الدولة، ما باله لا يأمر بمصادرتها وإن فيها لشرًّا مما في كتاب البغدادي، وإن قانون المطبوعات الجديد ليبيح له أن يطلب مصادرتها وللحكومة أن تصادرها. إن في كتاب الأغاني الذي يطبع في مطبعة الحكومة للمرة الثانية لشعرًا ونثرًا وأخبارًا وآثارًا أقل ما توصف به أنها تثير شهوات الشبان، وتغويهم بالفسق والفجور. وهذا بعينه هو الذي يبيح القانون للشيخ أن يطلب مصادرته، وللحكومة أن تصادره؛ فليظهر لنا الشيخ شجاعته وغيرته على الدين والأخلاق وآداب الشباب، وأنا أزعم أنه لن يفعل؛ لأنه أضيق باعًا من أن يفعل.
    وأخرى نسأل عنها الشيخ ونتمنى عليه أن يكون صريحًا إن أجاب، وشجاعًا إن اعتزم العمل: ليس في القرآن ولا في الحديث ما يحرم على الناس نقد أبي حنيفة، ولكن في القرآن والحديث نصوصًا صريحة لا تقبل شكًّا ولا تحتمل تأويلًا، وهي تحرم على الناس الربا، ويقال: إن البرلمان المصري — والشيخ عضو فيه — أقر قانونين نفذ أحدهما منذ عام، وسينفذ الآخر بعد أيام، وكلاهما يجعل الربا قاعدة من قواعد التعامل في بنك التسليف الزراعي وفي بنك التسليف العقاري.
    فماذا صنع الشيخ لمقاومة هذين القانونين. أتراه عارض، أتراه أنكر؟ أتراه حمل غيره من الأعضاء على المعارضة والإنكار؟ أتراه استقال من البرلمان؟ لا! لم يعارض ولم ينكر ولم يدعُ إلى معارضة ولا إنكار، ولم يستقل، بل لم يأمر حتى بمصادرة هذين القانونين اللذين يبيحان الربا. لماذا؟ لأن الدولة من وراء هذين القانونين تحميهما. أما كتاب البغدادي فليس له من يحميه إلا الله، ولكن كفى بالله وليًّا، وكفى بالله نصيرًا.
    وأخرى أسأل عنها الشيخ وأحب أن يكون صريحًا إن أجاب، شجاعًا إن عمل: أين تودع أموال الأزهر الشريف التي يقبض منها الشيخ الجليل مرتبه كل شهر؟ أفي بيت الشيخ؟ أم في رواق من أروقة الأزهر؟ أم هي تدور مع أموال البنك الأهلي وتغل على الأزهر الشريف قليلًا أو كثيرًا من الإيراد؟
    وأموال وزارة الأوقاف — والشيخ عضو في مجلس الأوقاف الأعلى — أين هي؟ أخصبة هي أم جدبة؟ أعقيمة هي أم منتجة؟ أليس الشيخ يوافقني على أن مثل هذه الأشياء أحق بنشاطه في خدمة الدين؟ أليس الشيخ يوافقني على أن نهي الدولة والأفراد والأزهر والأوقاف عن الربا آثر عند الله عز وجل وأحب إليه من مصادرة كتاب البغدادي لأن فيه نقدًا لأبي حنيفة؟ أليس الشيخ يوافقني على أنه يلعب حين ينصرف عن البغاء والربا، وعن التبشير وتعطيل الحدود، إلى مصادرة كتاب الخطيب البغدادي؟
    ليلعب الشيخ ولتلعب معه الحكومة، ولتؤت هذه المحالفة بين جماعة من رجال الدين وجماعة من رجال السياسة ثمارها المفسدة للحرية، المهدرة لكرامة العقل، ولكني أرجو أن لا تلعب مصر، وأن لا تسمح بإفساد الحرية وإهدار كرامة العقل. نعم، ليلعب الشيخ وتلعب معه الحكومة، ولكني أنصح لهما أن يلعبا بغير العلم، وأن يعبثا بغير كرامة العقل، فإن الذين يلعبون بالعلم والعقل لا يجنون من هذا اللعب خيرًا. نعم، ليلعب الشيخ ولتلعب معه الحكومة، ولكني مطمئن إلى أن العلماء في الشرق والغرب سينكرون هذا اللعب، ويحتجون على براءته من الذوق.
    ليلعب الشيخ، ولتلعب معه الحكومة، ولكي واثق كل الثقة بأن صاحب الجلالة المصرية، والأمين على الكرامة المصرية، وجار العلم والعلماء في مصر لن يسمح بأن يستمر هذا اللعب السخيف طويلًا.