هل أزفت ساعة الوداع؟
طه حسين
جريدة البلاغ
١٤ أغسطس ١٩٤٥
يُقال إن مجلس الوزراء قد نظر في إلغاء الأحكام العرفية أثناء اجتماعه الأخير، ويقال إنه لم يكتفِ بالتحدث في ذلك، وإنما أخذ يمهد له تمهيدًا عمليًّا لا أعرف كيف يكون، ولكن يظهر أن الحكومة المصرية تنتظر أن يصل إليها نبأ الاستسلام الياباني بغير شرط ولا قيد؛ لتعلن إلغاء الأحكام العرفية.
وهذا شيء حسن من غير شك، فستُرَدُّ مصر إذن إلى حياتها الطبيعية التي لا تخضع للحكم العسكري، والتي لا تُحَدُّ فيها حريات الأفراد والجماعات إلا بالحدود التي رسمها القانون العام.
وقد ذاقت مصر مرارة الأحكام العرفية وحلاوتها منذ ١٩٣٩. فمن الطبيعي أن تسأم مصر هذه المرارة وهذه الحلاوة، وأن تطمح إلى حياتها الأولى التي لا تبلو فيها إلا صرامة القانون، والتي لا يخشى الأفراد فيها على حريتهم ما يكون من تقدير الحاكم العسكري العام أو الحاكم العسكري الخاص، وما يتأثر به تقدير الحاكم العسكري من اختلاف الأمزجة بين حكامنا العسكريين، ومن اختلافهم في التأثر بالأشياء، وفي فهمهم لها وحكمهم عليها، واستخلاصهم لما يستخلصون من النتائج.
وقد يكون من الغريب أن يُقال إن مصر قد ذاقت حلاوة الأحكام العرفية؛ فالمستقر في نفوس الناس أن الأحكام العرفية شر لا بد منه، ولكن من الذي يستطيع أن يزعم أن الشر مُرٌّ كله، وأنه يخلو من بعض الخير؟!
ومن الخير الذي قد يشتاق إليه الذين يشكون من الأحكام العرفية الآن، ويتمنون أن تُزال وتُلغى، هذه الرقابة السعيدة التي نَعِم المصريون بها أعوامًا، والتي أتاحت لهم أن يعيشوا عيشة راضية مريحة لا جهد فيها ولا عناء، لا يعلمون من الأمر إلا ما تريد الحكومة أن يعلموا، ولا يجهلون من الأمر إلا ما تريد الحكومة أن يجهلوا.
قد بُسِطَ عليهم ظل ملؤه العطف والحب والرحمة والحنان، يحميهم من تهويل الشركات التي تنشر أنباء السوء في أوقات الخطر فتملأ النفوس جزعًا وهلعًا، والتي تنشر الأنباء المترددة بين الخير والشر فتملأ النفوس قلقًا وفرقًا، وتحميهم من هذا الراديو الذي يذيع ما يذيع، ويشيع ما يشيع، فيسر قليلًا ويسوء كثيرًا ويقلق دائمًا، وتحميهم من هؤلاء الصحفيين الذين يندسون هنا وهناك، يضعون أصابعهم في آذانهم ولكنهم يسمعون؛ كأن الطبيعة قد ركَّبت لهم آذانًا سرية لا تُرى ولكنها تسجل كل شيء! ثم يعودون بأخبارهم هذه المقلقة المخيفة أو المثيرة للخواطر كما يقول أصحاب القانون؛ فينشرونها في صحفهم، وإذا النفوس قلقة، وإذا القلوب مضطربة، وإذا الحياة جحيم أو شيء يشبه الجحيم.
في ظل هذه الرقابة السعيدة كانت مصر ناعمة سعيدة راضية البال، تصبح راضية وتمسي راضية، وتجهل ما تجري به الأقدار من الأحداث والكوارث، وكان الناس فارغين لأعمالهم، مشغولين بذوات أنفسهم، يعكفون على منافعهم مصبحين، ويفكرون في منافعهم ممسين، قد تركوا عواقب الأمور وضمائر الأيام للحكومة التي تستأثر بها، وتحتجزها احتجازًا، وتظهر للناس منها ما تريد، وتخفي على الناس منها ما تريد.
ثم كانت مصر سعيدة راضية تجهل حقائق الأشياء، فيُتاح لخيالها أن يخترع من الحوادث والخطوب ما يُغْنِي عن تلك الحقائق التي تجهلها. وأي شيء ألذ من أن يفوتك الحق فتكلف الخيال أن يخترع مكانه شيئًا تنكره أول الأمر، ولكنك ما تزال تفكر فيه حتى تطمئن إليه؟! وإذا أنت تصدقه وتراه حقًّا، ثم تذيعه وتقنع الناس بأنه الحق، وإذا أنت تعيش، وإذا الناس يعيشون من حولك عيشة ملؤها الوهم وقوامها الاختراع، عيشة تأتلف من الأحلام كما تأتلف من الأحلام عيشة الأطفال السعداء.
كل هذا كان من الآثار السعيدة التي كانت الرقابة تمن بها علينا، والتي انكشف عنها بعضها منذ وقف مجلس الوزراء هذه الرقابة في يونيو الماضي، فابتأسنا أشد الابتئاس وشقينا أعظم الشقاء. عبثت بنا أنباء الشركات البرقية، ولعبت بعقولنا مهارة الصحفيين، وظهرت لنا الحقائق بغيضة بشعة لا تؤدي إلى القلب راحة، ولا إلى النفس أمنًا، وإنما هي تخيف حينًا وتتعب حينًا آخر، ولا تسر بحال من الأحوال.
في أيام الرقابة السعيدة، كان الوزراء يخطئون ويصيبون، وكانوا يسيئون ويحسنون، وكانوا يظلمون ويعدلون، ولكن الرقابة كانت تخفي علينا خطأ الوزراء وتظهر لنا صوابهم، وكانت تطوي عنَّا إساءة الوزراء وتنشر لنا إحسانهم، وكانت تلقي بيننا وبين ظلم الوزراء أستارًا كثافًا، وتنشر بيننا وبين عدل الوزراء أنوارًا وهَّاجة رائعة؛ فكنَّا مطمئنين ناعمين واثقين بأن أمورنا تجري على خير ما يمكن أن تجري عليه أمور الناس: صواب دائم، وإحسان متصل، وعدل شامل كامل.
فلما وقفت الرقابة رأينا وزراءنا وأعوانهم كما يرى الناس بعضهم بعضًا، فرأينا الخطأ الذي كان يُخفى علينا، ورأينا التورط في الإساءة حينًا والتجاوز عن العدل حينًا آخر؛ فضقنا وأنكرنا، وغضب الوزراء لضيقنا وإنكارنا، وساءت الصلات بيننا وبين حكامنا، وكانت خليقة ألا تسوء لو لم يعلن رئيس الوزراء في يوم من الأيام أمام البرلمانيين أنه قد قرر وقف الرقابة إلا فيما يتصل بالشئون العسكرية.
هذا العنف الذي شبَّتْ ناره بين الحكومة والصحف المعارضة كان بعيدًا عنَّا أشد البعد، وكانت نفوسنا بريئة منه كل البراءة؛ حتى إذا خطر هذا الخاطر الغريب لمجلس الوزراء رُدَّت نفوسنا إلى عنفها، وإذا الصحفيون يبحثون وينقبون وينشرون، وإذا نحن نقرأ فنغضب كثيرًا ونضحك قليلًا، ونطالب أحيانًا باستقالة هذا الوزير وأحيانًا باستقالة ذاك، ونلح دائما في استقالة الوزارة كلها. وإذا الوزراء مثلنا يغضبون كثيرًا ويضحكون قليلًا، ويتمكنون من مجالسهم على كراسيهم مخافة أن تضطرب بهم هذه الكراسي فيسقط منهم من يسقط، ويُقال منهم من يُقال.
ثم لم يقف الشر عند هذا الذي ثار بيننا وبين وزرائنا من سوء رأينا فيهم وسوء رأيهم فيهم، وإنما أصاب الشر فريقًا منَّا كان هادئًا مطمئنًا قبل أن تُلغى الرقابة. أصاب الصحفيين أولًا؛ فالوزراء ناس من ناس يستطيعون أن يحلموا عند الغضب، وأن يصفحوا عند الموجدة، ولكنهم ناس من الناس يخرجون عن أطوارهم أحيانًا، ويخطئهم الحلم بين وقت ووقت، ولا يواتيهم الصفح حين يجد الجد، وقد جردهم مجلس الوزراء من سلطان الرقابة، ولكنه لا يستطيع أن يجردهم من حق الشكوى إلى النيابة؛ فهم إذن يشكون والنيابة تنشط، والتحقيق يبدأ اليوم لينتهي أو لا ينتهي، وأبواب السجن تُفتَح للحبس الاحتياطي.
وصوِّر أنت لنفسك ما ينشأ عن هذا كله من العناء، عناء الصحفيين الذين يرهقهم التحقيق ويؤذيهم السجن، وعناء النيابة التي يرهقها السؤال والجواب والأخذ والرد في أشياء لعلها لا تحب أن تشقى قليلًا أو كثيرًا، وعناء المحامين الذين يشهدون التحقيق إن أُذِنَ لهم بشهوده، ويتحرقون غيظًا إن رُدُّوا عن شهوده، ويقدمون المعارضات من الحبس، ويترافعون أمام القضاة فيطلقون المسجونين أحيانًا، ويعجزون عن ذاك أحيانًا أخرى، وعناء القضاة الذين يُضيِّعون أوقاتهم في قراءة أشياء لعلهم يؤثرون عليها قراءة أشياء أخرى.
كل هذا؛ لأن رئيس الوزراء تأثر بما كتب له بعض الكُتَّاب، أو قال له بعض الشيوخ فوقف الرقابة، ولو أنه تركها يظلنا بظلها الوارف لأراح واستراح.
ولكن الشر ليس مقصورًا على هؤلاء؛ فللصحفيين أسر تشقى بشقائهم وتسعد بسعادتهم، وكانت هذه الأسر راضية مطمئنة في ظل الرقابة، فقد أصبحت قلقة وَجِلة، ينصرف عنها عائلها أول النهار فلا تدري أيعود إليها آخر النهار أم لا يعود.
وهناك طائفة من الموظفين في المصالح والدواوين علَّمتهم الرقابة أن يؤثروا فضيلة الصمت، وأن يكتموا أسرار الحكومة ويضنوا بها على غير أهلها. فلما وقفت الرقابة عادت ألسنتهم إلى الطول، ولعبت بهم مهارة الصحفيين، فصرَّحوا حينًا ولمَّحوا حينًا آخر، واستغل الصحفيون تصريحهم وتلميحهم، ثم اتهمهم الرؤساء فصبُّوا عليهم البلاء، وشقي بذلك الأبرياء من أبنائهم وبناتهم ونسائهم الذين كانوا آمنين مطمئنين، فلما وقف رئيس الوزراء هذه الرقابة السعيدة جعلهم جميعًا نهبًا للقلق والخوف.
ومن المحقق أن رئيس الوزراء وزملاءه لم يكونوا يفكرون في هذا كله، وإنما كانوا يصدقون أولئك الكتَّاب الذين كانوا يقولون لهم أن الرقابة شر، ويطالبونهم بإلغائها. ولو أنهم فكروا في كل هذه العواقب، وتدبروا كل هذه النتائج؛ لأطالوا التروِّي قبل أن يُقْدِموا على هذه الخطوة الخطيرة، وبلغوا رقابتنا السعيدة.
وقد تقول إن الرقابة شر هذا لا شك فيه، وإنها شر لا بدَّ منه حين تدعو إليه ضرورات الحرب، وإن الديمقراطية الصحيحة تقتضي أن يكون الناس أحرارًا في نقد الوزراء والرؤساء. فإذا أراد الوزراء والرؤساء أن يتجنبوا النقد ويأمنوا شره، فما عليهم إلا أن يحسنوا الحكم، ويؤثروا العدل، ويتوخوا الإنصاف.
قد تقول هذا كله، ولكنك تعلم أن هذا كله كلام لا غناء فيه؛ فالديموقراطية الصحيحة خيال لم يتحقَّق بعد في مصر على أقل تقدير، والوزراء الذين يُجنِّبون أنفسهم النقد بإيثار الحكم الصالح والعدل الشامل والإنصاف المتصل أشخاص قد نراهم في الكتب وأحاديث القصاص.
والواقع أن الوزير لا يكون وزيرًا إلا إذا عرَّض نفسه للنقد بتجاوز هذا الحق أو كثيرًا. وما قيمة السلطان إذا لم يُتِحْ لصاحبه شيئًا من الاستبداد؟! والعاجز من لا يستبد، كما قال ابن أبي ربيعة!
فليس على الوزراء بأس من أن يستبدوا، وليس على الصحفيين بأس من أن ينقدوا، وليس على النيابة بأس من أن تحقق، ولا على السجون بأس من أن تتلقى الكُتَّاب!
ولا بد مما ليس منه بد. فقد جرت حياتنا على هذا النحو، فأما أن نقبل الأشياء كما أراد الله أن تكون، وإما أن نرغب إلى رئيس الوزراء مُلِحِّين عليه في أن يتفضل فيطلب إلى مجلس الوزراء إعادة الرقابة ليريح ويستريح، فمصر قد ألفت الرقابة واطمأنت إليها، وهي كالمتنبي لا تسلو إذا ألفت وتسأم إذا أحبت، وكان المتنبي يزعم أنه ألوف لورد إلى الصبا آسف على الشيب. فنحن كالمتنبي، نُرَدُّ الحرية فنأسف على الرقابة! فليمسك علينا رئيس الوزراء رقابته فإنها أضمن للأمن وأكفل للعافية.
وقد أعلن رئيس الوزراء أنه أباح الاجتماعات، والحمد لله على أنه قد أباحها في القول ولم يُبِحْها في العمل، الحمد لله على أن منع رئيس الوفد من السفر إلى بورسعيد فجنَّب جيوش الحلفاء خطرًا عظيمًا، وجنَّب مصر غضب الدول الثلاث الكبرى التي تحارب اليابان حربًا لا هوادة فيها، وجنَّب رئيس الوفد نفسه احتمال هذه التبعة الخطيرة، ثم جنَّب كثيرًا من المصريين تحقيق النيابة، والحبس الاحتياطي … إلى آخر هذه القصص التي لا تنتهي.
ويُقال لنا اليوم إن مجلس الوزراء يُمهِّد لإلغاء الأحكام العرفية، ولإلغاء الأحكام العرفية كلها. هل يُقدِّر المصريون معنى هذه الجملة؟! هل يعلم المصريون أن إلغاء الأحكام العرفية كلها إلغاءً تامًّا صحيحًا سيرفع عن رئيس الوزراء صفة الحاكم العسكري، وسيحظر عليه إعادة الرقابة إن أراد أن يعيدها رحمةً لنا وبرًّا بنا وعطفًا علينا، وسيحرمه القدرة على منع رئيس الوفد من التنقل والزيارات وإلقاء الخطب والاستماع لها؟! هل يُقدِّر المصريون أننا مُعرَّضون لهذا الخطر الهائل، وأننا سنصبح أحرارًا نقول ما نشاء ونفعل ما نشاء، لا نتعرض إلا لأحكام القانون العام؟! ألا يشفق المصريون من هذا الخطر؟! أيجدون من أنفسهم الشجاعة في مواجهته؟!
أمَّا أنا، فمشفق منه أشد الإشفاق، خائف منه أشد الخوف، ولو علمت أن رئيس الوزراء يقبل مني النصح لطلبت إليه ألا يتعجل في إلغاء الأحكام العرفية، كما أنه لم يتعجل في طلب الحقوق المصرية إلى الإنجليز، وأن يرى أن مصر تستطيع أن تصبر على انتقاص استقلالها الخارجي والداخلي حتى تسنح الفرصة؛ فمصر تستطيع أن تصبر على انتقاص حريتها، وبقاء الأحكام العرفية حتى تسنح الفرصة!
وأؤكد لرئيس الوزراء أن المصريين لا يُطاقون حين ترد إليهم الحرية! فسيقولون ويكثرون القول، وسيصيحون ويكثرون الصياح، وسيجتمعون فيسرفون في الاجتماع، وسينتشر أعضاء الوفد في أقطار الأرض، هذا يخطب في الشرق، وهذا يخطب في الغرب، وكلهم يدعو إلى استفتاء الشعب ورد الحكم إلى الأغلبية الصحيحة، وكلهم يدعو إلى المطالبة بالاستقلال الكامل الشامل. فما نحن وهذا العناء؟! ولِمَ لا نغلق هذا الباب الذي إن فُتِحَ لم نَدْرِ من الذي يدخله، ومن الذي يخرج منه.
عليَّ أن أجد في نفسي شيئًا من العزاء إن صمم رئيس الوزراء على إلغاء الأحكام العرفية؛ فلم تكن الأحكام العرفية قائمة حين وقف الدستور ثلاثة أعوام قابلة للتجديد، ولم تكن قائمة حين أُلْغِيَ الدستور ووُضِعَ مكانه دستور آخر، ولم تكن قائمة في عهود الانقلاب على اختلافها. ومع ذلك، عرفت الوزارات في تلك العهود كيف تعقل الألسنة، وتفلُّ الأقلام، وترسل الناس إلى السجون، وتمنع الخصوم من النشاط؛ فإذا لم يجد رئيس الوزراء بُدًّا من إلغاء الأحكام العرفية، فلا أقل من أن ينظر في تاريخنا القريب جدًّا، ولا أقل من أن يتأسَّى بالذين ساسوا مصر سياسة حزم وعزم، وضربوا على أيدي الذين يريدون أن يحكم الشعب نفسه بنفسه لنفسه. وصدقي باشا حيٌّ موفور الصحة والحمد لله، وهو يستطيع أن يسدي النصح، ويهدي المشورة القيمة.
فأما إذا أبى رئيس الوزراء إلا إلغاء الأحكام العرفية، وإلا الإعراض عن سيرة صدقي باشا وأمثاله من أولي العزم والحزم، فإني لا أحتمل تبعة ما ستتعرض له الوزارة، وما سنتعرض نحن له من الأمور الجسام.
فليختر رئيس الوزراء بين أمرين لا ثالث لهما: الحزم والعزم والقوة والبأس من جهة، أو الاختلاف والخصومة ثم الاستقالة، وما يكون بعدها من الخطوب.
أما بعد، فإني أؤثر في غير مزاح هذه المرة أن تبقى الأحكام العرفية على ما فيها من شدة وحرج، على أن تُلغى الأحكام العرفية من القول، وتبقى في العمل. فإذا كان النقراشي باشا يريد أن يلغي الأحكام العرفية حقًّا، وليس له من ذلك بد، فليُعْطِ على نفسه عهدًا أمام نفسه، وأمام ربه، وأمام شعبه بأنه لن يُغيِّر في أحكام الدستور، ولن يُكلِّف القوانين ما لا تطيق، ولن يسير في الحكم سيرة قوم يعرفهم حق المعرفة؛ لأنه ذاق من بأسهم وبطشهم ما لا نحب أن يذيقنا مثله حين صار الأمر إليه.
Tag: government control
-
هل أزفت ساعة الوداع؟
-
غيبة …
حديث المساء: غيبة …
طه حسين
كوكب الشرق
٢٠ يناير ١٩٣٤
غابت عن القاهرة في أيام العيد شموسها المشرقة ونجومها المتألِّقة؛ فأظلم جوها وكان من حقه أن يُضيء، وأقفرت أرضها وكان من حقها أن تعمر، وفَتُرَ فيها العيد وكان من حقه أن ينشط ويقوى ويملأ الناس نشاطًا وقوةً. وليست هذه الشموس المشرقة والنجوم المتألقة رجال الوفد وزعماءه؛ فهؤلاء قوم يستطيعون أن يذهبوا ويستطيعون أن يجيئوا؛ فلن يُظْلِمَ لذهابهم جَوٌّ ولن تضيء بمجيئهم سماء، أولئك قوم لا يعرفهم أحد ولا يعرفون أحدًا، لا يَخِفُّ لوداعهم أحد إذا ذهبوا ولا ينشط لاستقبالهم أحد إذا جاءوا. هم قوم مثلك ومثلي لا يحسهم الناس، وأكبر الظن أنهم لا يُحِسُّون أنفسهم؛ فانتقالهم واستقرارهم سواء. إنما الشموس المشرقة والنجوم المتألقة والكواكب الوضيئة والمصابيح المضيئة هم وزراؤنا الأفذاذ، الذين تتنافس فيهم مدن مصر وتختصم حولهم قرى الريف، لا يُلِمُّون بمدينة إلا امتازت من المدن، ولا ينزلون بقرية إلا ارتفعت فوق القرى، يصحبهم اليسر أينما كانوا، ويسبقهم البشر إلى حيث يَمَّمُوا، فمَقْدِمُهُم خير كل الخير خليق أن يشتدَّ فيه التنافس ويعظم فيه الخصام.
غابوا عن القاهرة أيام العيد؛ فغاب عنها العيد، وتفرقوا في المدن والقرى؛ فتفرق معهم العيد في المدن والقرى، كل أخذ معه جزءًا يوزعه على الناس توزيعًا، ويقسمه بينهم تقسيمًا، وكان رئيس الوزراء الرجل الطيب أعظمهم حظًّا من العيد، أخذ معه نصفه أو ثلثيه هدية إلى أهل مصر العليا؛ فلم يكد يبلغ أسوان حتى استحالت عيدًا كلها، وكانت أسوان وفيَّة عارفة للجميل، شاكرة للنعمة مقرَّة بالحق؛ فاستقبلت رئيس الوزراء أحسن استقبال، واحتفلت له أفخم احتفال، ولم يكد يبلغ الفندق فيها حتى وقف له الأجانب رافعين قلانسهم صائحين حتى بلغ صياحهم عنان السماء.
وفي أثناء ذلك كان رئيس الوفد ينتقل بين سمنود والمنصورة والقاهرة؛ فلا يشعر به أحد ولا يحتفل له أحد، ولا يرفع الأجانب له قلانسهم، ولا يمتلئ الجو من حوله بالصياح؛ لأن رئيس الوفد لم يكن يحمل معه إلى الناس عيدًا ولا جزءًا من عيد، وإنما كان رجلًا عاديًّا، يؤدي واجبات عادية، فيتركه الناس وما يؤدي من واجبات. وأحست الوزارة خطر هذه الرحلة التي عمد إليها الرجل الطيب في أقصى الصعيد، وأشفقت الإدارة من إقبال الناس على رئيس الوزراء، وهتاف الناس لرئيس الوزراء؛ فاحتاطت الوزارة واستعدت الإدارة، وحمت الناس من فتنة رئيس الوزراء، وحمت رئيس الوزراء من كَلف الناس به وتهالكهم عليه.
وشهدت أسوان وشهدت الأقصر أيامًا لم تشهدها مدينة من مدن مصر في يوم من أيامها العظام؛ حُشِدَت الجنود في أسوان ألوفًا، واحتفرت الخنادق في أسوان طويلة عريضة عميقة، وهَمَّ رئيس الوزراء أن يصلي الجمعة في مسجد عَيَّنَه؛ فكثر الناس الذين هموا أن يصلوا في هذا المسجد، حتى اضطرت الوزارة إلى أن تأمر بإغلاق المسجد ورد المصلين عنه اتقاءً للفتنة، ودفعًا للكوارث والأحداث.
ومع أن الوزارة قد بذلت من الجهد ما لم تبذله الوزارات، وحشدت من الجند ما لم يحشد من قبل. ومع أن الجند كان نشيطًا جريئًا، يُعْمِلُ العصي والسياط في غير حساب. ومع أن الخنادق كانت مُخِيفَة، ومع أن الاحتياط لم يبلغ في يوم من الأيام ولا في مكان من الأمكنة ما بلغ في أسوان؛ فقد استطاعت جماهير الناس أن تقتحم المدينة اقتحامًا، وتردَّ الجند ردًّا، وتحتفل برئيس الوزراء رغم الوزارة، وتنصر رئيس الوزراء على الوزارة، وتسجل للوزارة على نفسها يومًا مشهودًا، وتُثبِت للناس جميعًا أن الوزارة قد تنتصر على الوزارة، وأن الحكومة قد تنهزم أمام الحكومة، وأن الشعب أقوى وأعظم وأضخم وأنشط من أن يرده وزير الداخلية مهما تبلغ قوته وبأسه عن أن يُظهِر ما يُضْمِر من الحب، ويُكِنُّ من الإكبار والإجلال لرئيس الوزراء.
وكذلك ألقى أهل أسوان أمسِ درسًا بليغًا في التواضع على الوزارة القائمة؛ فعلموها أن التواضع فضيلة بشرط ألا يتجاوز الحدَّ؛ فإن تجاوزه كان نقيصة ولم يعد على أهله إلا بالإخفاق والخذلان، وعلموها أن من الحق عليها ألا تسرف في المفاخرة بقوتها، ولا تغلو في ازدراء قوة الشعب؛ فالوزارة تعلم حق العلم أن الشعب يحبها ويفتن بها، وهي تريد أن تردَّ الشعب عن هذا الحب وعن هذه الفتنة، وتحمله على الاقتصاد فيهما، ولكن الشعوب لا تُصْرَفُ عن الحب بالقوة، ولا تُحْمَلُ على الاقتصاد في الإعجاب والإكبار كرهًا، وما يضرُّ الوزارة أن يظهر حب الناس لها وافتتانهم بها، وأن تقوم الأدلة الناصعة على أن الوفديين قوم يحلمون.
لقد نَشَرَت الصحف أنباء زيارة الرجل الطيب لأسوان، وأنباء زيارة رئيس الوفد للمنصورة، فيا لها من أنباء! رئيس الوزراء يحفل به الناس رغم الوزارة، ورئيس الوفد يلتفت يمينًا وشمالًا وينظر إلى أمام وينظر إلى وراء فلا يجد من يستقبله حين يقبل، ولا يجد من يودعه حين يعود. والغريب أن بين الناس مَنْ يشك في أن الرجل الطيب قد قال الحق ونطق بالصواب، حين أعلن إلى الشعبيين يوم العيد أن وزارته كوزارة صدقي باشا لم تكن في يوم من الأيام أقوى مما هي في هذه الأيام. يشكون في ذلك ويأبون تصديقه، ويتكلف رئيس الوفد فيضع حديث رئيس الوزراء موضع الشك والريب.
وأَمْر رئيس الوفد غريب؛ فهو قد ظنَّ أن ما وقع في أسوان لرئيس الوزارة قد وقع له هو في المنصورة، وهو قد اعتقد أن ما حُشِدَ من الجند قد حُشِدَ في المنصورة لرد الناس عنه ورده هو عن الناس، وأن ما حفر من الخنادق قد حفر في المنصورة لأخذ الطريق عليه وعلى الذين يسعون لتحيته، وأن ما رُفِعَ من الجسور قد رُفِعَ في المنصورة لجعل النهر حائلًا بينه وبين قُصَّادِه ومُرِيدِيهِ، وأن هذه العصيَّ والسياط التي كانت تنهال على الرءوس والأبدان فتهشِّم العظام وتلهب الجلود، إنما كانت تنهال على أهل المنصورة؛ لتفرقهم عنه وتَحُول بينهم وبين الالتفاف حوله.
ظن رئيس الوفد هذا فتحدث به إلى ثلاثة أو أربعة من النفر الذين لقوه في خطبة نشرت في الصباح وتنشر في المساء، ولو أن رئيس الوفد فكَّر وقدَّر وتنبَّه؛ لعرف أن شيئًا من هذا لم يحدث له ولا لأصحابه، ولم يُدَبَّرْ له ولأصحابه، وإنما حدث هذا كله لرئيس الوزراء وعشَّاق رئيس الوزراء، ودُبِّرَ هذا كله للرجل الطيب والمفتونين بالرجل الطيب.
وعاد رئيس الوفد إلى القاهرة أمس فلم يجد في محطتها أحدًا، ولم يحفل به في شوارعها أحد، ثم ذهب إلى داره وهو يتحدث إلى الناس بأن أهل القاهرة قد خَفُّوا لاستقباله واحتفلوا بلقائه، وإنما رأى رئيس الوفد ما سيحدث غدًا حين يعود رئيس الوزراء إلى القاهرة؛ فينشط لاستقباله أهل القاهرة، ويحتفلون به احتفالًا يضطر الشرطة إلى إعمال العصي والسياط في الرءوس والأبدان.
ولست أدري إلى أي حد كان ينتهي احتفال الناس برئيس الوزراء لو أن الجمعية العمومية لحزب الشعب اجتمعت يوم العيد وانتخبته رئيسًا لحزب الشعب مكان صدقي باشا؛ إذن لزُلْزِلَت الأرض زلزالها، ولاحتفل الناس بالرجل الطيب احتفالات لا تنقضي: بعضها لأنه رجل طيب ومصر تحب الرجال الطيبين، وبعضها لأنه رئيس الوزراء ومصر تُكْبِرُ رؤساء الوزارات، وبعضها لأنه رئيس حزب الشعب ومصر تذوب في حب الرؤساء لحزب الشعب. ولكن الرجل الطيب رفق بالمصريين وعطف على مصر؛ فأرجأ اجتماع الجمعية العمومية، وأرجأ انتخابه رئيسًا لحزب الشعب؛ حتى لا تخرج مصر عن طورها، ولا تتجاوز في الاحتفال به حدود الرزانة والعقل والحكمة.
والناس يتساءلون بعد ذلك عن سبب هذا الإرجاء؛ فقد ظهر هذا السبب فينبغي أن يبطل العجب. وهم يتساءلون عن الموعد الذي حدده الرجل الطيب لاجتماع الجمعية العمومية وانتخابه رئيسًا لحزب الشعب مكان صدقي باشا، فيجيبهم بعض المجيبين بأن هذا قد يكون قبل عودة المندوب السامي إلى مصر، وقد يكون بعد عودة المندوب السامي إلى مصر، وقد يستكثر الرجل الطيب على نفسه رياسة حزب الشعب تواضعًا لله، وقد يستكثر الرجل الطيب نفسه على حزب الشعب ارتفاعًا عما لا يليق بالرجال الطيبين فلا تجتمع الجمعية العمومية، ولا ينتخب حزب الشعب لنفسه رئيسًا. وما حاجة حزب الشعب إلى رئيس؟ وإنما تحتاج الأحزاب إلى رؤساء حين تنتظر طول البقاء. ومهما يكن من شيء فقد طالت غيبة الرجل الطيب عن مدينة القاهرة، واشتد شوق القاهرة إلى رجلها الطيب؛ فليسرع الفلك في دورته، وليسرع القطار في عودته، ولتستقبل القاهرة رجلها الطيب غدًا سعيدة به، سعيدًا بها، ولتنقضِ هذه الغيبة التي مهما تقصر فهي طويلة.
ومَنْ يدري؟ لعل رئيس الوزراء أن يصل إلى القاهرة قبل الأوان، لعل الناس أن يُفْتَنُوا به ويَهِيمُوا بحبه؛ فيخشى وزير الداخلية عليهم وعليه فيخطفه من بينهم خطفًا ويرده إلينا في قطار سريع، فلوزير الداخلية خطفة في كل شتاء، وأي الناس أحق أن يخطف من رئيس الوزراء؟! -
إرادة
إرادة
طه حسين
كوكب الشرق
٢٦ ديسمبر ١٩٣٣
كانت حازمة صارمة هذه الإرادة التي أظهرتها الوزارة أمس، حين قدمت إلى مجلس النواب تشريعها البديع في أمر المحامين.
وإذا كانت الإرادة حازمة فلا بد من أن تنفذ، وقد نفذت إرادة الوزارة، وإذا كانت الإرادة صارمة فلا بد أن تقطع، وقد قطعت إرادة الوزارة خطابة الخطباء، وكلام المتكلمين … ونفذت إرادة الوزارة إلى ما كانت تحب، فأعلن بعض النواب أنهم موافقون على استعجال النظر في هذا التشريع قبل أن تتم الوزارة كلمتها.
ولولا أن للتقاليد وزيرًا يحميها، أو وزراء يذودون عنها، ولولا أن للمعارضة وزيرًا كان يمثلها في مجلس الشيوخ، فأصبح يمثلها في الوزارة؛ لما استطاع المخالفون للوزارة أن يقولوا شيئًا، نستغفر اللَّه، وهل استطاعوا أن يقولوا شيئًا؟ إذا لم يكن بد من التحقيق والتدقيق، فقل لولا أن للتقاليد في الوزارة حماة، ولولا أن للمعارضة في الوزارة صديقًا؛ لما استطاع المخالفون للوزارة أن يصلوا إلى المنبر، ويقفوا موقف الخطباء.
ولكن وزير التقاليد قد حمى التقاليد، ووزير المعارضة قد ذاد عن المعارضة، فاستطاع بعض المخالفين أن يقفوا على أقدامهم، وأن يحركوا سيقانهم، وأن يرقوا درجات المنبر، وأن يحركوا شفاههم، وأن يحركوا ألسنتهم من وراء الشفاه، وأن يفتحوا أفواههم، وأن يخرجوا من هذه الأفواه أصواتًا تتموج في الهواء، وليس ذنب الوزراء أن هذه الأصوات لم تصل إلى الآذان؛ لأن الكثرة كانت تضج وتعج.
وليس ذنب الوزراء أن هذه الأصوات لم تحمل إلى النفوس كلامًا يستقر فيها؛ لأن الكثرة لم تكن تريد أن تسمع، ولا أن تفهم، ولا أن تجادل، وإنما كانت تريد أن توافق وخلاص. وما دامت التقاليد قد حُميت في ظاهر الأمر، وما دامت المعارضة قد صِينت في الشكل والصورة؛ فمصر بخير، والحرية بخير، والدستور بخير، وأمور التشريع تجري على خير ما تجري عليه أمور التشريع. درس هادئ للقوانين، وفهم دقيق لأغراض الشارع، وفهم دقيق للظروف التي تحيط بهذه الأغراض، وفهم دقيق لنتائج ما تشرع الوزارة والبرلمان من قوانين.
كل هذا محقق لا شك فيه ولا ريب، ما دامت الأشكال تذهب وتجيء، وزراء يعرضون القوانين، ومعارضون يصعدون إلى المنبر ثم يهبطون وإن لم يقولوا شيئًا، وكثرة توافق — وكان اللَّه يحب المحسنين. ولِمَ تريدُ أن تجري الأمور في البرلمان على غير ما تجري عليه خارج البرلمان؟
إن التقاليد محمية مرعية، مضمونة مصونة؛ لأن وزير المالية يحرم شرب القهوة والدخان في رمضان، فأما أن يشهد الوزراء رقص الليل بعد صوم النهار، فأما أن يصطحب الموظفون زجاجات الترموس تملؤها القهوة الحارة ليقيموا بها أعصابهم رغم حظر الوزير؛ فذلك شيء لا بأس به ولا جناح على أحد فيه.
والتقاليد محمية مرعية، مضمونة مصونة، ما دام وزير الداخلية قد منع تمثيل بعض القصص الماجنة في بعض الملاعب، فأما أن يكون تمثيل قصص أخرى ماجنة، فأما أن يكون رقص وغناء، فأما أن يكون لهو ومجون في الأوبرا بأعين الحكومة وبأموال الدولة، وبعقود يمضيها وزير التقاليد نفسه، وبمال يأذن بإنفاقه البرلمان — وفيه رجال الدين قد مثلوا أحسن تمثيل — فذلك شيء لا ضير فيه ولا بأس به.
فأما أن يشهد الموظفون وغير الموظفين بعد الإفطار أو قبل الإفطار في دور السينما ما لا يلائم التقاليد ولا الآداب ولا الحياء؛ فذلك شيء لا بأس به ولا جناح على أحد فيه، ما دامت التقاليد مرعية في ظاهر الأمر، وما دامت الأشكال تذهب وتجيء، وما دامت الصور تروح وتغدو، وما دامت الصحف تذيع في كل يوم أن الوزارة حريصة على حماية التقاليد.
كانت التقاليد إذن محمية أمس في مجلس النواب حين صعد المعارضون على المنبر، ثم نزلوا عن المنبر، ولم تبلغ أصواتهم الآذان، ولم تصل آراؤهم إلى العقول؛ لأن خصومهم، وهم الكثرة الكثيرة الساحقة الماحقة، كانوا قد أقبلوا مؤيدين للوزارة لا يريدون أن يجادلوا، ولا أن يناضلوا، ولا أن يسمحوا لأحد بالجدال والنضال.
وما دامت التقاليد قد حميت فمصر بخير، وليس على المصريين إلا أن يناموا ملء جفونهم؛ لأن تقاليدهم آمنة لا تتعرض لمكروه. لهم وزراء يهيئون التشريع ويعرضونه على البرلمان، ولهم نواب يؤيدون وآخرون يعارضون، ولهم بعد هذا كله، وقبل هذا كله، وفوق هذا كله، سادة يأمرون فيطاعون، ويريدون فتنفذ إرادتهم، سواء أرضي الخصوم أم كانوا كارهين.
لم يكن مشكوكًا فيه هذا الفوز الذي ظفرت به الوزارة أمس، وكيف يتعرض هذا الفوز للشك وقد طلب رئيس الوزراء إلى الشعبيين أن يؤيدوا الحكومة فيما ستعرض من تشريع، وطلب وزير التقاليد إلى الاتحاديين أن يؤيدوا الحكومة أيضًا، والتقاليد هي التي حملت رئيس الوزراء على أن يطلب ما طلب، وهي التي حملت وزير التقاليد على أن يطلب ما طلب.
فلعلك تعلم أو تجهل أن لرئيس الوزراء حزبًا يُسمَّى حزب الشعب، وأن لوزير التقاليد حزبًا يُسمَّى حزب الاتحاد، وأن تقاليد الأحزاب تقضي بأن تجتمع الأحزاب إلى رؤسائها وتنظم أمورها قبل أن تدخل مجلس البرلمان.
وقد جرت هذه التقاليد، فقرر حزب الشعب وحزب الاتحاد تأييد الوزراء مساء الأحد، وأنفذ حزب الشعب وحزب الاتحاد قرار التأييد يوم الاثنين، وسلمت بذلك التقاليد كلها، فلم يمسسها ضرٌّ ولم ينلها مكروه، ونفذت مع ذلك — أو نفذت لذلك — تلك الإرادة الحازمة الصارمة أمس، كما أنها ستنفذ مساء اليوم، وستنفذ غدًا وبعد غد حتى يأتي اليوم الذي تمنع فيه الوزارة من أن تريد شيئًا؛ لأنها تنزل فيه عن مناصب الحكم.
فأما قبل هذا اليوم فستريد الوزارة أو يراد لها، فينفذ ما تريد أو ما يُراد لها، فإذا سألتني عن مصدر هذا وعن تعليله؛ ففي الأمر قولان: أحدهما قولي أنا وقولك أنت وقولنا جميعًا: وهو أن إرادة الوزارة معصومة لا تتجه إلا إلى الحق والعدل والإنصاف، والكثرة البرلمانية تعلم ذلك وتؤمن به؛ فللوزارة أن تريد، وللكثرة البرلمانية أن توافق، وعلينا نحن أن نذعن ونطيع.
والقول الثاني: قول الإنجليز أو قول الديلي تلغراف بنوع خاص، وهو أن الوزارة قابضة على أعنة الأمور؛ لأنها تعلق سيف الحل على النواب. فللوزارة أن تريد، وعلى النواب أن يوافقوا، وعلينا نحن دائمًا أن نسمع ونطيع، وأنا بريء من هذا القول، بريء منه كل البراءة، بريء منه وممن يقول به أو يصدقه أو يميل إلى تصديقه، لا لأني لا أريد أن أُدعى إلى النيابة، أو أقف بين يدي القضاء، أو أخضع لتشريع ذي أثر رجعي ينسحب على الماضي.
كلا، كلا، بل لأني مؤمن صادق الإيمان، ولأنك أنت أيضًا مؤمن صادق الإيمان بأن وزارتنا معصومة لا تخطئ، موفقة لا تنحرف عن الصواب، والنواب مؤمنون لها بذلك بالنيابة عنا فيوافقون، ونحن نسمع دائمًا ونطيع، لا عن رهبة، بل عن رغبة، ولا عن إكراه، بل عن رضًى، ولا عن خوف، بل عن ثقة.
وأي المصريين لا يثق بالوزارة؟ وأي المصريين لا يطمئن إلى النواب؟ وأي المصريين يستطيع أن يشك أو أن يسمح لنفسه بالشك في وزارة تحمي التقاليد، فتُحرِّم القهوة والدخان في رمضان، وفي نواب يحمون التقاليد فيسمحون للمعارضين بأن يصعدوا إلى المنبر ويقفوا في هيئة الخطباء؟
وكيف نشك في عصمة الوزارة وهي دقيقة الحس قوية الشعور، ولم تكد تشعر بأن المحامين الذين حكم عليهم قد رشحوا لعضوية النقابة حتى علمت أن ذلك يؤذي القضاء، وإن لم يشك إليها القضاء، فهبت لحمايته وإن لم يطلب حمايتها، فأنذرت وحذرت، ثم هيَّأت التشريع، ثم عرضته على البرلمان؟
وكيف نستطيع أن نشك في النواب وهم شركاء الوزارة في دقة الحس، ورقة الشعور، والعلم بما سيكون، بل بما هو كائن قبل أن يكون؟
كلا، كلا، ليشهد الوزراء أني أؤمن لهم بالعصمة، وليشهد النواب أني أؤمن لهم بالإصابة، وليشهد سادة هذا العصر أن المصريين جميعًا مثلي، وفيهم مكرم وأصحاب مكرم، وأننا نعارض لنداعب لا أكثر ولا أقل، فإذا خلونا إلى أنفسنا، وتفرقنا في أنديتنا، وتحدث بعضنا إلى بعض، فنحن لا نذكر الوزارة والنواب إلا بالخير، ونحن لا نهدي إلى الوزارة وإلى النواب إلا الشكر والثناء.
نحن نعارض حمايةً للتقاليد، كما تحكم الوزارة حمايةً للتقاليد، وكما يجتمع البرلمان حماية للتقاليد. نحن نحافظ على الصور والأشكال كما تحافظ الوزارة على الصور والأشكال، وكما يحافظ البرلمان على الصور والأشكال؛ فمصر جزءٌ من أوروبا، وإذن فيجب أن تكون لها وزارة تحكم، وبرلمان يشرع ويراقب الوزارة، ويجب أن يكون في هذا البرلمان كثرة وقلة؛ هذه تعارض، وتلك تؤيد، ويجب أن يكون خارج البرلمان قوم يعارضون.
يجب أن تتم هذه الأشكال كلها لتكون مصر جزءًا من أوروبا، وليقول الأجانب إذا زارونا أنَّا متحضرون غير متوحشين. فأما ما وراء هذه الأشكال والصور فشيء يعنينا نحن ولا يعني أحدًا غيرنا، ونحن — والحمد لله — مطمئنون راضون واثقون ناعمون. يكفي أن تريد الوزارة المعصومة ليوافق النواب المؤمنون بهذه العصمة، ثم لنسمع نحن ونطيع.