Tag: Government Formation

  • مغضب …

    حديث المساء: مغضب …

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٤ أكتوبر ١٩٣٣

    رئيس الوزراء مغضبٌ، مغضبٌ جدًّا، مغضب إلى حد يوشك أن يبلغ الثورة، ولكنَّا والحمد لله لسنا موضوع هذا الغضب إلى الآن.

    أولم يظهر أننا موضوع هذا الغضب إلى الآن؟! ومن لنا بالصبر والاحتمال إن غضب علينا رئيس الوزراء، أو تنكر لنا رئيس الوزراء؟! فرئيس الوزراء رجل حليم، وغضب الحليم شيء يُخاف.

    ومع ذلك فهو مغضب على صديقه وخصمه، على رئيسه وزميله، مغضب على صدقي باشا.

    والناس يعلمون أن غضب رئيس الوزراء اللاحق على رئيس الوزراء السابق قديم يرجع إلى أول هذا العام، حين بطش صدقي باشا بزميليه في الوزارة، فأخرجهما من الحكم إخراجًا. ولكن ذلك الغضب القديم كان غضبًا هادئًا لا يزعج، وأفلاطونيًّا لا يخيف، كان غضب المخالف في الرأي من جهة، وغضب الموتور المغيظ من جهة أخرى.

    ثم مضت أيام جاءت بعدها أيام، والتقى المختصمان في باريس — نستغفر الله! — بل التقى المختصمون في باريس. فتم بينهم جميعًا صلح بريء شريف غير له رئيس الوزراء الجديد رأيه في رئيس الوزراء القديم، واسترد له رئيس الوزراء الجديد استقالته من حزب الشعب، وجرت المياه صافية لا يشوبها الكدر، مضطردة لا تعترضها الصخور.

    ثم ماتت وزارة وتمخضت الأيام عن وزارة أخرى، وكان صدقي باشا رئيس الوزارة الميتة، وكان عبد الفتاح يحيى باشا رئيس الوزارة الوليدة؛ فاستُؤْنِفَت الخصومة بين الصديقين، والخصومة مألوفة بين القبر والصدر، والخصومة مألوفة بين الموت والحياة. اختصم الرئيسان فأنكر صدقي باشا أن يكون عبد الفتاح باشا من حزب الشعب، وأنكر عبد الفتاح باشا أن يكون قد خرج من حزب الشعب!

    وكثر في ذلك الجدال وانتهى الأمر بعد أن ظهر أن القوة للحياة لا للموت وللصدر لا للقبر، إلى أن اعترف حزب الشعب ومعه رئيسه صدقي باشا بأن عبد الفتاح يحيى باشا عضو في الحزب، بل نائب لرئيس الحزب. ولكن هذا الاعتراف لم يصدر كما كان ينبغي أن يصدر في شيء من الرقة والظرف يلائمان رئيس الوزراء ويليقان بمكانته، وإنما صدرا في شيء من العنف والغلظة يلائمان رئيس حزب الشعب، ويصوران ما يملأ قلبه من إذعان المحنق وخضوع المغيظ؛ فقد قال صدقي باشا إن رئيس الوزراء طلب إليه العودة إلى حظيرة الحزب. ورئيس الوزراء لم يطلب شيئًا فيما يقول، وإنما طلب إليه صدقي باشا حين كان في باريس أن يعدل عن استقالته؛ ففعل. والله يعلم أي الرجلين كان الطالب، وأي الرجلين كان المطلوب.

    وأنا أرجح صدق رئيس الوزراء؛ فالأصل أن رؤساء الوزارات لا يطلبون، وإنما يأمرون. ولو أن رئيس الوزراء لم يسترد استقالته في باريس وأراد أن يلغيها بعد أن تولى الحكم لما احتاج إلى أن يلتمس، ولا إلى أن يرجو، ولا إلى أن يطلب، وإنما كان يكفيه أن يصدر إلى رئيسه في الحزب أمرًا بإلغاء استقالته إلغاءً، واعتباره نائبًا لرئيس الحزب، أو رئيسًا للحزب إن أراد، ولكن تواضعه وظرفه ومجاملته تمنعه من أن يريد مثل هذا.

    على أن في تصريح صدقي باشا لفظًا آخر لعله أغضب رئيس الوزراء، فهو مجاز مألوف، ولكنه لا يلائم الظرف، ولا يلائم الرقة، وهو لفظ «حظيرة الحزب»؛ فالأصل في الحظيرة معروف إن رجعت إلى معجم من معاجم اللغة، ومهما قصدت بهذا اللفظ إلى المجاز فإنه يشعر بمعناه القديم. وهذا المعنى لا يليق برؤساء الوزارات، وبرئيس الوزارة القائمة خاصة؛ لأنه الإنسان المهذب بأدق معاني هذه الكلمة. والإنسان المهذب لا يُحشَر في الحظائر حشرًا، وإنما يُستقبَل في الصالونات، ويُسعَى إليه في مكاتب الرياسة، ولا هو يخالط الذين يُحشَرون في الحظائر، وإنما يصدر الأمر إلى الذين يسوسون الحظائر ومن فيها وما فيها.

    فصدقي باشا إذن لم يُوفَّق إلى حسن الذوق حين ذهب إلى هذا النحو من المجاز، ورئيس الوزراء مغضب من شيء آخر صدر عن صدقي باشا وهو لا يلائم كرامته ولا يلائم كرامة زملائه الوزراء، وأنا أؤيده في ذلك أشد التأييد، فقد نام التوفيق عن صدقي باشا حين كان يعرض لهذه المسألة الدقيقة التي تحتاج إلى اليقظة وحسن التعبير، فقد زعم صدقي باشا أن حزبه سيؤيد الوزارة إذا رضي عن خطتها وكفايتها، وأغضب هذا التعبير رئيس الوزراء، ومن حقه أن يغضب وأن يثور؛ فخطة الوزارات في الحكم من شأنها هي لا من شأن الأحزاب، أو قُلْ كما يقول رئيس الوزراء إنها من شأن السلطة التنفيذية وحدها، وليس لصدقي باشا في السلطة التنفيذية الآن ناقة ولا جمل، وليس لحزبه في السلطة التنفيذية نعجة ولا كبش.

    وإذن؛ فما تعرضه للخطة؟! وما تحكمه فيها؟!

    هذا اعتداء من سلطة على سلطة، والدستور يقرر الفصل بين السلطات، ومنتسكيو يدافع عن هذا الفصل، ولك أن تسأل رئيس الوزراء: فِيمَ وجود البرلمان؟! ولماذا تعرض الوزارات عليه برامجها؟! ولِمَ تُلقَى خطبة العرش؟! ولِمَ يناقشها الشيوخ والنواب؟! فسيقول لك رئيس الوزراء: كل هذا شيء وخطة الوزارة شيء آخر! فإذا أردت أن تعرف هذا الشيء الآخر؛ فسيجيبك رئيس الوزراء بذلك الجواب المشهور: هذا شيءٌ لا نعلمه نحن ولا أنتم، أما نحن فمن المحقق أنَّا لا نعرف خطة الوزارة لأنها لم تُنشَر بعد، وأما الوزراء فمن المحقق أنهم لا يعرفون خطتهم لأنهم لم يرسموها بعد، وإنما هم ينتظرون حتى إذا فرغوا من قهر الوفد وإذلال حزب الشعب درسوا الشئون العامة، ثم رسموا لها خطتهم، أما قهر الوفد فسيتم بعد أسبوع، وأما إذلال حزب الشعب فسيتم بعد يوم أو يومين، إن لم يكن قد تم بالفعل.

    وعلى كل حال، فليس لصدقي باشا وأصحابه أن يذكروا خطة الوزارة؛ لأن ذكرهم إياها اعتداء، ورئيس الوزراء آخر من يقبل الاعتداء، ولأن ذكرهم إياها مخالف للدستور، وغريب أن تصدر مخالفة الدستور عن واضع الدستور الجديد.

    ولم يقف صدقي باشا في عدوانه عن خطة الوزارة، بل ذكر كفاية الوزراء، وجعل نفسه وحزبه ممتحنين، يحكمون على الوزراء بالكفاية فيرضون عنهم، أو بالعجز فيسقطونهم. وهذا إسراف في الشطط لا يقره عقل، ولا تقره فلسفة حديثة ولا قديمة. فالكفاية صفة ثابتة لا تزول عن أصحابها، ورئيس الوزراء وحده هو الحكم في تقدير هذه الكفاية، وما دام رئيس الوزراء قد اختار زملاءه فهم أكفاء، ولو لم يكونوا أكفاء لما أخذهم كما يقول لمعاونته.

    وأنت تعلم أن رئيس الوزراء رجل كغيره من الناس قبل أن تُسنَد إليه الرياسة، فإذا أُسنِدَت إليه فهو معصوم، لا يجوز عليه الخطأ!

    وإذن؛ فليس من حق صدقي باشا وأصحابه أن يعرضوا لكفاية الوزراء. فمن شك في ذلك أو أنكره فليسأل أساتذة الفلسفة في الجامعة المصرية، أو في الأزهر الشريف عن الصفات الثابتة: هل تنتقل؟ وعن الصفات المتنقلة: هل تثبت؟ فذلك فن من فنون العلم لا يحسنه إلا النابغون النابهون الراسخون.

    رئيس الوزراء مغضب آخر الأمر لشيء ثالث أو رابع، وهو ما ذكره صدقي باشا عن سعي المديرين في صرف الشعبيين عن حزبهم، فصدقي باشا — فيما يقول رئيس الوزراء — قد حرَّفَ كلام الحكومة تحريفًا؛ لأن رجال الإدارة لا يزيدون على تنفيذ القانون بأمانة وإخلاص. وهذه لغة يجب أن يفهمها صدقي باشا حق الفهم؛ لأنه هو الذي وضعها، فقد كان رجال الإدارة ينفذون القانون في أمانة وإخلاص حين اقترفوا آثام البداري، واضطروا عبد الفتاح باشا إلى أن يخاصم فيهم صدقي باشا، وكانوا ينفذون القانون في أمانة وإخلاص، وما يزالون ينفذونه في أمانة وإخلاص حين يسلطون بأسهم وبطشهم على خصوم الحكومة من المعارضين. وإذن؛ فما ينبغي لصدقي باشا أن يشك في إخلاص رجال الإدارة وأمانتهم وهم تلاميذه الذين شهد منهم الأمانة والإخلاص.

    فأنت ترى أن رئيس الوزراء مغضب ثائر، وأنت ترى أن رئيس الوزراء مغيظ محنق، وأنت تشاركني إن كان قلبك رحيمًا في الإشفاق على صدقي باشا من غضب رئيس الوزراء وثورته، ومن غيظه وحنقه، ومع ذلك فقد كان يُقال إن الوفاق قد تم بين الرئيسين: رئيس الوزارة الميتة، ورئيس الوزارة الوليدة.

    أفنصدق ما كان يُقال صباح أمس أم نصدق ما نشرته لنا الأهرام عن رئيس الوزراء صباح اليوم؟ أما أنا فأصدق الأمرين جميعًا؛ فالرئيسان متفقان اتفاقًا لا شك فيه تقضي به الظروف، ما دام كل واحد منهما إنسانًا يشعر ويحس ويحرص على الجاه والسلطان، ويأبى الخضوع والإذعان. وقد تسألني: وكيف يجتمع على هذين الرجلين العظيمين أن يأتلفا ويختلفا في وقت واحد وحول موضوع واحد هو الحكم؟ فأجيبك بأن هذه مزايا العظماء تجتمع فيهم النقائص وتصطلح عليهم الأضداد.

    وبَعْدُ، فما أنت وذاك؟! وما سؤالك والإلحاح فيه؟! قوم يقدمون لك الفكاهة ويسلون عنك الهم، يسرونك إذا أصبحت ويسرونك إذا أمسيت؛ فما ينبغي لك إن كنت حكيمًا إلا أن تتفكه وتتسلى وتضحك، ولا تسأل عن أشياء إن تُبدَ لك تحمل إليك السوء، فابتسم للأيام فإنها تبتسم لك عن ثغر جميل منذ تمخضت لك عن هذه الوزارة البديعة.

  • حلول

    حلول
    لم ينتهِ تمثيل هذه القصة البديعة التي أراد «رئيس الوزراء» أن يفكه الناس بها منذ عشرة أيام. وقد ينتهي هذا التمثيل اليوم، وقد ينتهي غدًا، وقد يطول أمده أيامًا. وإذن فمن حق الناس أن يحمدوا لرئيس الوزارة هذه الفكاهة التي أراد أن يسليهم بها عما يطيف بهم من الهموم.
    تلميح بالاستقالة، ثم تصريح، وتفكير في الاستقالة ثم تصميم عليها، ثم تحدٍّ وإنذار، ثم تراجع واعتدال، ثم تردد هو إلى العدول أقرب منه إلى المضي والتصميم. ولن يشرق صبح الغد، ولن يقبل الليل حتى يكون «رئيس الوزراء» قد تقدم خطوة أو خطوات فألقى ستارًا على هذا الاضطراب، ورفع ستارًا عن فصل جديد من فصول القصة.
    على أننا نشك كل الشك في أن يكون الأمر كله هزلًا، أو أن تكون القصة كلها فكاهة. وأكبر الظن أن وراء هذا الهزل جدًّا، وأن من دون الفكاهة أشياء أقل ما توصف به أنها عظيمة الخطر، بعيدة الأثر فيما بقي لـ«رئيس الوزراء» من حياة سياسية قد تقصر وقد تطول.
    ولعل الرسالة التي بعث بها مكاتب «الديلي تلغراف» إلى صحيفته قبل أن يترك الإسكندرية، والتي أقلقت «رئيس الوزراء»، وأخرجته من صمته، ودفعته إلى أن يطلب الرحمة والإنصاف من «الديلي تلغراف»، والتي أقامت الوزراء وأقعدتهم، وملأت قلوب الأنصار هلعًا ورعبًا، ودعت إلى إقامة الحفلات وإلقاء الخطب، نقول لعل هذه الرسالة أن تكون أدلّ نذير نبّه «رئيس الوزراء» إلى أن الجو من حوله لم يبق صفوًا ولا صحوًا؛ فقد أكد مكاتب «الديلي تلغراف» في رسالته تلك — نقلًا عن مصدر موثوق به — أن الوزارة القائمة لا مقام لها في مناصب الحكم، وأن الحمق وحده هو الذي أخرج من هذه الوزارة رجالًا لهم — فيما يقول مكاتب «الديلي تلغراف» أو مصدره الموثوق به — كفاية نادرة وتفوق عظيم.
    فقد كان من الحق أن يعرف «رئيس الوزراء» حقيقة هذا المصدر الموثوق به الذي ألقى هذا الوحي إلى مكاتب «الديلي تلغراف»، وكأن «رئيس الوزراء» قد عرف هذا المصدر فضاق به. فإذا أضفت هذا إلى ما لا بد منه من أن هذا المصدر لم يكن يكيد لـ«رئيس الوزراء» بالقول وحده، وإنما كان يخاصمه ويقاومه بالعمل أيضًا، فيجد في وقف أشياء كان «رئيس الوزراء» يحب أن تمضي، وفي إمضاء أشياء كان «رئيس الوزراء» يحب أن تقف، عرفت أن هذه القصة الفكاهية التي تشهدها مصر، ويشهدها العالم معها ليست لعبًا كلها، وإنما هي قصة ظاهرها اللعب والفكاهة وباطنها الجد المخيف.
    وقد زعمت الصحف وكانت «الأهرام» في مقدمتها أن «رئيس الوزراء» قد عرض مطالب، وجعل قبولها شرطًا لبقائه في الحكم. وأخذ الناس يسألون عن هذه المطالب، ويلتمسونها ويحاولون أن يعرفوا على من عرضت هذه المطالب، ولمن قدمت؟ ولمن كان التحدي الذي أظهره «رئيس الوزراء»؟ ولم يجب أحد في صراحة على أسئلة الناس هذه، ولكن الغموض أخذ ينجلي قليلًا، فتحدث الناس وتحدثت الصحف هنا وهناك بأن «رئيس الوزراء» ضيق ببعض زملائه، وأنه يريد أمرين: أحدهما أن يخلص له أمر الحكم فلا يشاركه فيه أحد، والثاني أن يغير تأليف الوزارة ليخرج منها بعض الأشخاص. وألح الناس وألحت الصحف في هذا الحديث، ثم أخذ «رئيس الوزراء» منذ أمس يظهر استعداده للعدول عن الاستقالة، والنهوض بأعباء الحكم بعد أن كان مصرًّا على أن يلقيها عن كتفيه. فهل أجيب «رئيس الوزراء» إلى مطالبه هذه فكفت بعض الأيدي عن أن تعمل في الحكم الذي يريد «رئيس الوزراء» أن يكون خالصًا له، لا يضايقه فيه أحد؟ أَمْ أُذِنَ لـ«رئيس الوزراء» في أن يغير تأليف وزارته ليخرج منها الذين يضيق بهم من الزملاء؟
    هذه الصحف تتحدث اليوم بشيء عن حفلة الشاي التي أقيمت لـ«رئيس الوزراء» أمس، فحضرها من حضرها، وغاب عنها من غاب. وفي أحاديث الصحف وملاحظاتها تلميحات لا تحتاج إلى شرح ولا إلى تفسير. وهذه الأنباء تصل إلينا متواترة — وقد نُشر بعضها في الصحف — بأن «رئيس الوزراء» قد يدخل في وزارته قومًا ليسوا منها، ويخرج من وزارته قومًا يعملون فيها. وإذن فقد أجيب «رئيس الوزراء» إلى ما كان يريد كله أو بعضه، ولكن هذا كله أحاديث لا يظهر وجه الحق فيها إلا مساء اليوم أو صباح الغد. وقد شهدنا القصة عشرة أيام، فليس يمنعنا أن نشهدها يومًا أو بعض يوم.
    على أن التفكير في هذا كله ينتهي إلى نتيجتين اثنتين:
    الأولى: أن الطريق السياسية الداخلية لم تبق سهلة ولا ممهدة أمام «رئيس الوزراء» منذ اليوم؛ فقد أخذ «صدقي باشا» يلقى ما لقيه غيره من الوزراء من هذه المرارة الممضة التي تشوب الحكم حين يبلغ أعقابه، وينتهي إلى آخره. ولو نصح «صدقي باشا» لنفسه لاستقال، لا إيثارًا لصحته، فقد يظهر أن الحكم آثر عنده من الصحة، ولكن لسبب آخر يعرفه هو حق المعرفة، وهو أن الحكم لن يحلو له منذ اليوم، وهو أن طريق الحكم لن تخلو من الصعاب والعِقاب، ومن الشوك المؤذي منذ اليوم.
    والثانية: أن كل هذا الضجيج والعجيج، وكل هذه المداورات والمناورات، وكل هذا الإقدام والإحجام، إنما يدور حول أشخاص بأنفسهم يراد أن تبسط أيديهم في الحكم، أو أن تكف أيديهم عن الحكم قليلًا أو كثيرًا، لا حول المصلحة الوطنية الكبرى. فسواء على مصر أبقي «رئيس الوزراء» مختلفًا إلى ديوانه، أم لزم داره، وسواء على مصر أأطلقت يد «رئيس الوزراء» في الحكم إلى غير حد، أم كفت يد «رئيس الوزراء» عن هذا الحكم بعض الشيء، وسواء على مصر أخلص الحكم لـ«رئيس الوزراء» وحده، أو شاركه في الحكم هذا الموظف الكبير أو ذاك، وسواء على مصر أكان زملاء «رئيس الوزراء» شعبيين أم اتحاديين أم مستقلين؛ كل هذا سواء على مصر لأن مصر تضيق بالسياسة التي رسمها «رئيس الوزراء» ومضى في تنفيذها، فجرت على مصر ما جرت من الشر، وجنت على مصر ما جنت من المكروه.
    ومصر لا يرضيها شيء من هذه الحلول، أو من هذا اللعب الذي تنطلق به الألسنة، وإنما الشيء الوحيد الذي تريده مصر، ولن ترضى غيره، هو أن تكون هي موضع التفكير، وأن تكون هي موضوع كل حساب، وأن يكون تغيير الوزارات وسيلة إلى إرضائها، وتحقيق منافعها، لا إلى إذلالها واستغلالها، والتنافس حول الجاه والسلطان لمن يكونان؟
    ويظهر أن الساسة الذين يديرون بينهم أمور الحكم في مصر لا يريدون أن يجاروا آمال الأمة وأمانيها حتى يعجزوا عن هذه المجاراة، بل يظهر أن هؤلاء الساسة الذين يديرون بينهم أمر الحكم في مصر لم يرزقوا من التبصر والتوفيق مثل ما رزق الإنجليز الذين ينظرون إلى أمور السياسة في مصر من بعيد أو قريب. هؤلاء يغيرون مندوبهم السامي لأنهم يقدرون الظروف ويفهمونها، ويعرفون قيمة الحقائق الواقعة، ويريدون أن يلقوها بما ينبغي من الحذر والفطنة، وأولئك يمضون في طريقهم لا يفكرون إلا في أنفسهم، ولا يقفون إلا عند ما يريدون أن يكون لهم من القوة والجاه.
    ومهما يكن من شيء فإن الأزمة الوزارية القائمة ليست إلا موجة صغيرة من هذا الموج الذي يثيره النسيم على سطح البحيرة، والذي لا يلبث أن يزول دون أن يغير شيئًا. فأما الأزمة الحقيقية التي ينبغي التفكير فيها، والجد في حلها، فهي أبعد من ذلك مدى، وأعمق غورًا، وأشد تعقيدًا، وأعسر من أن تحل بالتوفيق أو العجز عن التوفيق بين «رئيس الوزراء» وغيره من كبار الموظفين. فليقم «رئيس الوزراء»، أو ليستقل، فإن إقامته لا تغير شيئًا، واستقالته لا تغير شيئًا، وستبين الأيام لـ«رئيس الوزراء» أن الأمر أشد عسرًا مما يظن.
    كوكب الشرق في ٧-٩-١٩٣٣