Tag: Government intervention

  • عدوى

    حديث المساء: عدوى

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ١٦ ديسمبر ١٩٣٣

    أصبحت حماية التقاليد عدوى تسعى في أعضاء الوزارة كما يسعى اللهب في الهشيم، لا يكاد يقاومها وزير أو يسلم منها بطل من أبطال الحكم في هذه الأيام، ويظهر أن مصدر هذا الانتشار الغريب لعدوى حماية التقاليد هو أن رئيس الوزارة قد تغيَّرَ، فقام عبد الفتاح يحيى باشا مقام صدقي باشا.

    ويظهر أن صدقي باشا كان قويًّا عنيفًا مسرفًا في القوة والعنف لا يقصرهما على خصومه بل يتجاوزهم بها إلى أصدقائه ثم إلى زملائه من الوزراء؛ فقد استطاع صدقي باشا أن يحصر علة التقاليد في وزارة المعارف، ويأبى عليها أن تخرج منها أو أن تمتد إلى غيرها من الوزارات، وظل وزير المعارف محتكرًا للتقاليد، وحب التقاليد، وحماية التقاليد حتى سقط الدكتاتور العظيم، وتألفت الوزارة الجديدة، وإذا التقاليد تشيع، وإذا حماية التقاليد تنتقل إلى وزير الداخلية، ثم إلى وزير الحقانية، ثم تعم الوزراء جميعًا وتسيطر على مجلس الوزراء.

    وبغير هذا النحو من التفسير لا نستطيع أن نفهم هذه الأزمة الجديدة التي أنشأها مجلس الوزراء مساء الخميس حين أصدر بلاغه الهائل المخيف إلى نقابة المحامين، يأمرها وينهاها، ويرغبها ويحظر عليها ويمنعها أن تنتخب جماعة معينة من المحامين بحجة الخوف على التقاليد أن تُهان، والإشفاق على التقاليد أن ينالها السوء من فوق أو من تحت أو من أي نحو من هذه الأنحاء التي تسعى منها العلة إلى الأصحاء.

    نعم؛ بغير هذا النحو من التفسير لا سبيل إلى فهم هذه الأزمة الجديدة التي أثارتها الوزارة يوم الخميس. فأضافت ثقلًا عنيفًا إلى أثقالها الأخرى التي كانت تحملها من صدقي باشا ومن ظلال صدقي باشا، وفتحت لنفسها بابًا جديدًا من أبواب النشاط، وفتحت على نفسها بابًا من أبواب الضعف وما هو أشد من الضعف، وأسوأ منه عاقبة وأقبح أثرًا. فلولا أن وزير الداخلية قد غار فحمى التقاليد ومنع تمثيل طائفة من قصص الخلاعة والمجون لما أحس الناس أن أمر التقاليد قد عظم وضخم، حتى أصبح ينذر بشرٍّ عظيم.

    وما كادت تمضي أيام على غيرة وزير الداخلية، وما كاد وزير التقاليد القديم يروض نفسه على احتمال منافسه الجديد في حماية التقاليد حتى ظهر وزير الحقانية منافسًا للرجلين جميعًا، فطلب أن تُحمَى تقاليد المحاماة. ولم يكد يطلب هذا إلى زملائه حتى سرى فيهم جميعًا حب التقاليد كما تسري نشوة الغناء في الأعضاء، وجرى فيهم جميعًا حب التقاليد كما يجري روح الحياة في العروق، وإذا هم جميعًا حماة للتقاليد، وذادة عنها، وإذا هم جميعًا دعاة إلى التقاليد وحراص عليها، وإذا هم جميعًا ينطقون بهذه الكلمة الكريمة على نفوسهم، الأثيرة في قلوبهم، الحلوة على ألسنتهم، اللذيذة في مسامعهم، التقاليد، التقاليد، يجب أن تُحمَى التقاليد، يجب أن تُصان التقاليد.

    وأمسى الناس يوم الخميس وإذا مجلس الوزراء ينذر المحامين جميعًا؛ لأنه قد علم أن جماعة من الذين حُكِم عليهم قد رشحوا أنفسهم أعضاءً للنقابة وبأن مجلس الوزراء ينكر هذا الترشيح ويأباه، ولا يرضى بحالٍ من الأحوال أن ينتهي إلى نتيجته فيُنتخَب المرشحون ويصبحوا أعضاءً في النقابة؛ لأن تقاليد المحاماة لا تسمح بذلك، وهي تأبى أن يتحدث عن المحامين أو يمثلهم من صدر عليه حكم من أحكام التأديب. ولا يكتفي مجلس الوزراء بهذا النذير بل يضيف إليه أن الحكومة ستضطر إلى أن تصدر تشريعًا يفرض هذه التقاليد فرضًا، ويكفل لها ما هي في حاجة إليه من الحماية والصيانة، ويَحُول بين هؤلاء المرشحين إذا انتُخِبوا وبين تمثيل المحامين أو التحدث عن المحامين. ومعنى ذلك أن الحكومة ستصدر التشريع وستجره على الماضي جرًّا؛ لتخلص من هؤلاء الأعضاء الذين لا نحب أن تراهم مرآة للمحامين أو لسانًا للمحامين.

    ولم يكد الناس يقرءون هذا البلاغ ويسمعونه حتى أخذهم دهش غريب من هذا الحرص الغريب على التقاليد وحتى قال بعضهم لبعض: ما دام مجلس الوزراء حريصًا على التقاليد إلى هذا الحد؛ فما باله لم يَحْمِ تقاليد الدستور، وهي أعظم خطرًا وأبعد في حياة الناس أثرًا من تقاليد المحاماة؟! وقال بعضهم لبعض: وما بال مجلس الوزراء لم يتحقق الأمر قبل أن يسرع إلى إصدار هذا النذير الخطير، فقد يظهر أن تقاليد المحاماة لم يصبها بأس ولم يلم بها مكروه، وقد يظهر أن جماعة من المحامين الأهليين والشرعيين قد صدرت عليهم أحكام تأديبية، ثم لم يمنعهم ذلك من أن يمثلوا المحاماة في نقابات المحامين، ولم يخطر للوزارة القائمة يومئذ أن في ترشيح هؤلاء المحامين لأنفسهم وفي قبول إخوانهم لهذا الترشيح وفي انتخاب إخوانهم لهم أعضاء في النقابات مساسًا للتقاليد أو عدوانًا عليها أو مخالفةً لها. وقال بعضهم لبعض: إن من هؤلاء المحامين الذين صدرت عليهم أحكام تأديبية منها التوبيخ ومنها ما هو أشد من التوبيخ من كان وكيلًا لنقابة المحامين الأهليين، ومن كان رئيسًا لنقابة المحامين الشرعيين أعوامًا طوالًا. لم تشكُ منهم التقاليد ولم تَضِقْ بهم ولم تتأذَّ بانتخابهم ولم تستعدِ عليهم النيابة، ولم تفزع منهم إلى مجلس الوزراء.

    قال بعضهم لبعض هذا الكلام وابتسم بعضهم لبعض وهم يقولون هذا الكلام، ثم ضحكوا جميعًا بعد أن فرغوا من هذا الكلام؛ وذلك أنهم فهموا ما لم يكن من فهمه بد، واستيقنوا ما لم يكن عن استيقانه مندوحة، وعرفوا أن التقاليد إنما هي ستار من أستار السياسة، وأن الحكومة لا تغار على التقاليد إلا لتمنع خصومها أن يعترف لهم إخوانهم بفضلٍ أو يعلن بهم إخوانهم ثقة أو يتخذهم إخوانهم لهم ممثلين.

    فَهِمَ النَّاسُ هذا كلَّه، وابتسم الناس لهذا كله، وضحك الناس من هذا كله. ثم قال بعضهم لبعض آخر السهرة يوم الخميس: يا لها من وزارة أخطأها التوفيق! فلو قد أراد الله بها خيرًا لعصمها من أن تلقي بنفسها في هذا الميدان الذي لن تجني منه إلا شرًّا.

    وزارة خُلِقَتْ لتقاوم صدقي باشا وأنفقت جهدها كله في مقاومة صدقي باشا، وأخذ صدقي باشا يداورها ويناورها، يتراءى لها فتنكمش ثم يحتجب عنها فتنتفش، وإنها لفي ما هي فيه من مداورة ومناورة، ومن انكماش وانتفاش، وإذا هي تضيف إلى حملها حملًا، وإلى ثقلها ثقلًا، وإلى محاربة صدقي باشا محاربة المحامين.

    إن الرجل الحازم الموفق الرشيد هو الذي لا يخلق لنفسه المصاعب، ولا يُحمِّل نفسه فوق ما تطيق، ولا يشغل نفسه بشأن عن شأن، ولا يُورِّط نفسه في معركة قبل أن يخلص من معركة أخرى. ولكن وزارتنا مؤمنة بأنها قوية، مستيقنة أنها عزيزة الجانب! ولِمَ لا؟! أليس يؤيدها النواب الذين أقسموا لها جهد أيمانهم لينتخبن من اتفقوا معها على ترشيحه، ثم غدوا على مجلس النواب فذهبوا إلى الانتخاب من طريق، وذهبت هي من طريق؟!

    والوزارة طويلة اليد تستطيع أن تبلغ صدقي باشا فتخرجه من الحزب إخراجًا، وتقصيه من البرلمان إقصاءً. فما الذي يمنعها أن تمتد إلى مكرم وأصحابه فتخرجهم من النقابة وتحول بينهم وبين النقابة، الوزارة قوية عزيزة الجانب طويلة اليد، ولكن الوزارة غير موفقة؛ فإن اليد التي تنال الشعبيين قد تعجز عن أن تنال الوفديين، والقوة التي تخيف صدقي باشا وأصحابه قد لا تثير في نفوس المحامين إلا المرح، وقد لا تبعث على ثغور المحامين إلا الابتسام، قد تنهى فيفعل المحامون ما نهت عنه، وقد تأمر فيعصي المحامون ما أمرت به، والرجل الموفق الرشيد حقًّا هو الذي يريد أن يُطاع فيطلب ما يُستطاع. الرجل الموفق الرشيد هو الذي لا يسير في الوفديين سيرته في الشعبيين، هو الذي لا ينتظر من الوفديين ما ينتظر من الشعبيين، هو الذي يعلم حق العلم أن الشعبيين إن خافوا فإن الوفديين لا يخافون، هو الذي يعلم حق العلم أن الشعبيين إن تفرقوا عن صدقي باشا لترضى الحكومة، فإن المحامين سيجتمعون حول مكرم وإن غضبت الحكومة.

    هذا هو الرجل الموفق، ولكن الله لم يقدر للوزارة في هذه المرة كما لم يقدر للوزارة في حربها لصدقي باشا شيئًا من التوفيق. وغدا المحامون إلى الانتخاب صباح الجمعة، فلم يكد يقرأ عليهم نقيبهم السابق بلاغ الحكومة حتى أسرعوا إلى انتخاب نقيبهم الجديد، وأعلنوا إلى الحكومة في حزم وعزة وإباء أنهم ينكرون تدخلها في أمورهم، ويأبون أن يتلقوا منها دروسًا في الاحترام لتقاليد المحاماة.

    وكان كل واحد منهم يتحدث إلى نفسه وإلى أصحابه بأن الذي يريد أن يُعلِّم الناس ينبغي له أن يُعلِّم نفسه أولًا، وبأن الذي يريد أن يأخذ الناس باحترام التقاليد يجب أن يبدأ هو باحترام التقاليد، وما هي إلا ساعات حتى كان الأستاذ مكرم نقيبًا للمحامين برغم هذا البلاغ الطويل العريض العميق، وحتى كان أصحابه أعضاء في النقابة رغم هذا البلاغ الطويل العريض، وحتى أعلن إلى الوزراء وإلى الناس جميعًا في مصر، وإلى الشعوب الأخرى في غير مصر أن المصريين لا يزالون كما كانوا قبل أن ينجم الدكتاتور العظيم من أرضها، كرامًا على أنفسهم، أباة للضيم، حماة للنظام والقانون في غير لفٍّ ولا دوران، وفي غير تأول ولا تمحل، في غير ميل إلى الهوى ولا اندفاع مع الأغراض.

    نعم؛ ولم تمضِ ساعات حتى أعلن المحامون إلى الوزراء وإلى المصريين جميعًا وإلى الأجانب في مصر وفي غير مصر، أن الخوف الذي سُلِّط على المصريين أكثر من ثلاثة أعوام لم يغير من طبيعتهم شيئًا، لم يُلِنْ قناتهم ولم يُقلِّل شباتهم، ولم يستطع أن يجد إليهم سبيلًا فهم لا يخافون اليوم برغم صدقي باشا وخلفائه كما أنهم لم يكونوا يخافون أمس وهم قد صبروا للإنجليز على قوتهم فهم يستطيعون أن يصبروا لجماعة من ضعاف المصريين.

    نعم؛ ولم تمضِ ساعات حتى أعلن المحامون إلى صدقي باشا أن في مصر أخلاقًا، وحتى أعلن المحامون إلى رئيس الوزراء أنه إذا احتاج إلى أكثر من شهرين وإلى ما في يده من حول وطول، ومن قدرة على النفع والضر ليكسب الشعبيين، ثم لم يبلغ منهم كل ما يريد فإن غيره من الناس — مكرم مثلًا — ليس في يده حول ولا طول، ليس قادرًا على نفع ولا ضر، لم يَسْعَ مسرعًا ولا بطيئًا، لم يُدبِّر في الليل، ولم يُقدِّر في النهار، واستطاع مع ذلك أن يظفر بثقة إجماعية أمس من مئات المحامين برغم البلاغ العنيف الحاد الذي أصدره مجلس الوزراء، وبرغم ما يعلم هؤلاء المحامون من أن مجلس الوزراء قادر على أن يُغيِّر ويبدل، وعلى أن يمحو ويُثْبِت.

    نعم؛ لم تَمْضِ ساعات حتى علم الناس أين تكون القوة المصرية حقًّا وأين يكون الضعف، حتى علم الناس أين يكون الثبات وأين يكون التخاذل، حتى علم الناس أين يكون الانتصار وأين تكون الهزيمة.

    ثم أخذ الناس يتحدث بعضهم إلى بعض مساء أمس، فيقول بعضهم لبعض: أليس غريبًا أن تعجز الوزارة عن أن تجمع حولها مائة ونصف مائة من النواب، وألا يحتاج مكرم وأصحابه إلى شيء من الجهد ليجتمع حولهم مئات من المحامين، فيقول بعضهم لبعض: لا غرابة في ذلك ولا بدع؛ فهنا نحو من الناس وهناك نحو آخر من الناس. ويقول بعضهم لبعض: ماذا ترى العناصر الرشيدة في مئات المحامين هؤلاء الذين يثقون برجل ليس من العناصر الرشيدة؟ فيرد بعضهم على بعض: ليس المحامون من العناصر الرشيدة، وإنما هم من دهماء الناس، وثقوا برجل من دهماء الناس؛ فليس على العناصر الرشيدة بأس أن تثق الدهماء بالدهماء، وتجتمع عامة الناس على عامة الناس ثم يبسط الجد الحازم ظله على المتحدثين، فيقول بعضهم لبعض في ثقة: لقد أسفر الصبح، وتبيَّن الحق، وعرف الناس أن هذه التجارب العقيمة التي يُضيِّع الظالمون فيها الوقت على أنفسهم وعلى مصر لم تنتج شيئًا ولا يمكن أن تنتج شيئًا.

    هذا المندوب السامي يعود مخفقًا وهذا الدكتاتور ينزوي مخفقًا، وهذا رئيس الوزراء يلقاه المحامون بما لقوه به أمس ويحيطه أولياؤه وأنصاره بهذا الشك المريب. والغريب أن لرئيس الوزراء وأصحابه أملًا في القدرة على البقاء.

  • إضراب

    إضراب
    لم يكد الناس يفرغون بعد من التفكير في أمر الموظفين الذين يشكون وينكرون، ويطالبون الحكومة بأن تنظر في شكاتهم، لا بنظرة عطف ورفق، بل بنظرة عدل وإنصاف، لأنهم لا يريدون إلا العدل والإنصاف، يريدون أن تفتح أبواب الترقيات والعلاوات لهم كما فتحت لكبار الموظفين، أو تغلق هذه الأبواب دون كبار الموظفين في حزم وصدق ونية حسنة كما أغلقت من دونهم.
    فإن من الجور المنكر أن يفرق بين الناس إلى هذا الحد، وأن يؤثر بالترقية والعلاوات من يستطيع أن يستغنى عنها، ويحرم الترقية والعلاوة من هو في حاجة إليهما ليعيش.
    لم يكد الناس يفرغون من أمر هذه الشكاة التي يتقدم بها صغار الموظفين ويلحون فيها حتى ظهرت لهم شكاة أخرى ليست أقل منها تأثيرا في النفوس، ولا إيذاء للقلوب، ولا إثارة لعاطفة العدل والإنصاف، وهي هذه الشكاة التي يتقدم بها عمال ثورنيكروفت منذ زمن طويل. فقد مضت أيام وأسابيع منذ تقدم هؤلاء العمال إلى الشركة بشكاتهم يطلبون إليها أن تغير بعض الشيء من سيرتها معهم لتخفف عنهم أثقال الحياة، وليستطيعوا أن يقبلوا على عملهم محبين له، مخلصين في النهوض به، فأعرضت عنهم الشركة، ومضت في الإعراض، ولجأ العمال إلى الحكومة لعلها أن تتوسط بينهم وبين الشركة، ولعلها أن تأخذ هذه الشركة بما يجب أن يؤخذ به من تنفيذ الشروط التي يشتمل عليها عقد الإلزام، فأعرضت عنهم الحكومة ومضت في الإعراض، وصبر هؤلاء العمال وصابروا، واحتملوا ما احتملوا من ألم ومكروه، حتى تجاوز بهم الصبر حده، فانقطعوا عن العمل، وأعلنوا الإضراب منذ أمس، ثم لم يمض يوم كامل على إعلان الإضراب هذا، حتى نشرت الصحف للشركة إعلانا تطلب فيه إلى العمال أن يعودوا إلى عملهم، وتنذرهم بالفصل إذا تلكأوا في هذه العودة، وتضرب لهم أجلا يومين يفكرون فيهما، ويخيرون بين النزول على حكم الشركة والخضوع للبطالة، وما يتبعها من عاديات الألم والجوع والحرمان.
    والله يعلم ما نحب الإضراب ولا نميل إليه، والله يعلم ما نرغب فيه العمال، ولا ننصح لهم بالإصرار عليه، ولكن هؤلاء العمال ناس مثلنا، من الحق عليهم أن يحتملوا الألم ويصبروا للخطوب، ويجاهدوا في سبيل الحياة، ولكن من حقهم أيضا أن ينظر إليهم على أنهم ناس يشعرون ويحسون ويطمعون في الخير، ويطمحون إلى شيء من حسن الحال. فإذا كان الألم قد كتب على الناس جميعا، فإن الرغبة في تخفيف الألم قد أبيحت للناس جميعا، وإذا كانت الحياة لا تستقيم بغير مشقة ولا عناء، فإنها أيضا لا تستقيم بغير اجتهاد في تخفيف المشقة وتيسير العناء، وإذا كان من الواجب على العمال ألا يضيعوا منفعة الجمهور بالإضراب عن العمل، فإن من الواجب على الشركة ألا تضيع مصلحة الجمهور بتحميل العمال فوق ما يطيقون، وإذا كان من حق الجمهور أن ينتظر من الشركة تمكين هؤلاء العمال من أن يؤدوا مهمتهم ونفوسهم راضية، وقلوبهم مطمئنة، وأبواب الأمل أمامهم مفتوحة، وصحتهم موفورة، وحياتهم غير معرضة للخطر. وإذا كانت الحكومة إنما أنشئت لتقيم العدل بين الناس، وتنتصف للمظلوم من الظالم، وتحمي الضعيف من القوي، وتحقق المنافع العامة، لهذا كله فقد كان من الحق عليها، وما زال من الحق عليها أن تتوسط فيما شجر بين العمال والشركة من خلاف لتقر الأمر في نصابه. ولسنا نشك في أنها لو فعلت ذلك واصطنعت فيه الحزم، لما اضطر العمال إلى الإضراب، ولما لقى الجمهور ما يلقى من المشقة والعسر في الانتقال منذ يومين.
    وهناك أمر يجعل واجب الحكومة في مثل هذا الموقف أجل خطرا، وأحق بالعناية، وهو أن الخصومات التي تقع بين العمال والشركات في مصر ليست كالخصومات التي تقع بين العمال وأصحاب رءوس الأموال في البلاد الأوربية، بل هي أشد منها تعقيدا، فهذه الخصومات في أوربا تقع بين قوم تختلف طبقاتهم، ولكنهم متحدون في الجنس والوطن والمنفعة، فأي الفريقين ظلم صاحبه أو أسرف عليه فظلمه قبيح، ولكن خير العمل وشره، ونفع العمل وخسارته راجعة كلها إلى أمة واحدة.
    أما في مصر فالأمر مختلف. فالشركات التي تستغل العمال أجنبية، والعمال الذين يخضعون لهذا الاستغلال مصريون، فخير العمل وربحه يرجعان إلى الأجنبي أكثر مما يرجعان إلى المصري، ومن هنا كان العامل المصري في حاجة مضاعفة إلى حماية الحكومة له، ورفقها به، وعطفها عليه، ومن هنا كان من الحق على الحكومة أن تنظر إلى مثل هذه الخصومات من وجهة المنفعة الاقتصادية، ومن وجهة الكرامة القومية أيضا.
    هؤلاء العمال يطلبون أن تنقص ساعات العمل، وهذه الشركة تعترف بأنهم يعملون تسع ساعات ونصف ساعة، فقد يكون من الحق على الحكومة أن تسأل: كم ساعة يعمل العمال في إنجلترا، أو في غيرها من بلاد أوربا. وقد يكون من الحق على الحكومة أن تلاحظ أن ليس هناك فرق بين العامل الأوربي والعامل المصري، كلاهما يجب عليه أن يعمل ليعيش، وكلاهما يحق له أن يطمع في تحسين حاله، وترقية شؤونه الاقتصادية والصحية، ولعل الجو الذي يعمل فيه العامل المصري أن يكون أدعى إلى العناية بهذا العامل، والرحمة له وتخفيف الأثقال عليه. وهؤلاء العمال يطلبون أن ترفع أجورهم بعض الشيء، وقد يكون من الحق على الحكومة أن تسأل عن أجور العمال في أوربا، وأن تجد، لا أقول في التسوية بين العامل المصري والعامل الأجنبي فذلك حق ولكنه قد يكون عسيرا، وإنما أقول في التقريب بين العامل المصري والعامل الأجنبي إلى حد ما. وإذا كان العامل الأوربي قد شعر بوجوده، وأسرف أحيانا في هذا الشعور، وطالب بحقوقه ولج أحيانا في هذه المطالبة، فقد يكون من الحق على الشركات، وعلى الحكومة أن تعرف للعامل المصري أنه ما زال إلى اليوم متواضعا، لم يتورط في غلو، ولا في إسراف. وإذا كان شعور العامل الأوربي بوجوده، وإسرافه في هذا الشعور، ومطالبته بحقوقه ولجاجته في هذه المطالبة قد أنشأت مذاهب في الاقتصاد والسياسة نكره أن تنتشر في مصر، ونحب أن يتأخر انتشارها إلى أبعد أجل ممكن، فقد يكون من الحق على الشركات وعلى الحكومة أن ترفق بالعمال، وتختصهم بشيء من البر بهم، والرثاء لحالهم، وتحول بينهم وبين السخط الذي هو أوضح طريق وأقربها إلى إفساد النظام، والترويج لهذه المذاهب الخطيرة.
    وليست المسألة في حقيقة الأمر خصومة جزئية بين العمال وشركة من الشركات، وإنما هي اختلاف جوهري أساسي في طبيعة العلاقات بين الشركات والعمال. فقد مضى الوقت الذي كانت الشركات تنظر فيه إلى العمال كما تنظر إلى أدوات العمل، وترى أن لها أن تسخر العمال وتستغلهم كما تسخر أدوات العمل وتستغلها. انقضى هذا الوقت وأصبح من الحقائق الواقعة أن العامل شيء، والأداة شيء آخر. وأن العمال شركاء في حقيقة الأمر لأصحاب رءوس الأموال في استغلال أدوات العمل. وإذا كان هذا الفهم للعلاقة بين العمال والشركات لم يظهر في مصر على وجهه إلى الآن، فقد أصبح من الحق على الشركات وعلى الحكومة أن تعترف به، وتؤمن له، ونتخذه أساسا لما يكون بينها وبين العمال من صلات.
    وإن من الغريب حقا أن تؤمن الحكومة أو تظهر الإيمان بأن الديمقراطية هي أساس العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وبأن من حق الشعب أن يراقب تصرفات الحكومة في الأعمال العامة، بل أن يقيم الوزارات ويسقطها، ثم لا تؤمن أو لا تظهر الإيمان بأن الإنصاف في الاعتراف بحق العامل قبل أصحاب رءوس الأموال.
    كل هذه أمور نحب أن تفكر فيها الشركات، وأن تقدرها الحكومة وأن تسبق الشركات الحكومة إلى قبولها والعمل بها قبل أن يفوت الوقت، وقبل أن تنتشر الآراء والأفكار الخطرة بين هذه الطبقات التي لا نخاف عليها شيئا كما نخاف عليها السخط والامتعاض.
    وإنا لنرجو ونلح في الرجاء أن تنظر الحكومة إلى هذا كله نظرة جد، وأن تتوسط بين العمال والشركة، بين جميع العمال وجميع الشركات، وساطة تعصم هؤلاء العمال من السخط والشكوى والاضطرار إلى الإضراب.
    كوكب الشرق ٢٠ – ٥ – ١٩٣٣