Tag: government suppression

  • إشاعة

    حديث الوادي
    إشاعة…
    أذاعتها بعض الصحف منذ أيام حول المؤتمر الوطني، الذي يريد الوفد أن يعقده في الأسابيع المقبلة والذي يلقاه المصريون مغتبطين به، مسرعين إليه، حراصاً أشد الحرص على أن يكون الاشتراك فيه عاماً، شاملاً، مصوراً أصدق تصوير لإيمان الشعب المصري بحقه واحتفاظه بكرامته، وجده في تحقيق آماله، وإصراره على أن تتحقق هذه الآمال في غير لعب ولا لهو، وفي غير تهاون ولا تفريط.
    ولم تصدر دعوة الوفد إلى المؤتمر بعد، ولم يعين رئيس الوفد اليوم الذي يبدأ فيه اجتماع المؤتمر، ولا المكان الذي تنعقد فيه اجتماعاته، ولم ينشر رئيس الوفد برنامج أعمال المؤتمر، ولا أسماء الذين سيخطبون فيه ولا الموضوعات التي سيتناولها الخطباء. ولم يزد رئيس الوفد وأعضاؤه على أن آذنوا المصريين بأن الوفد سيدعو إلى مؤتمر يدرس شؤون مصر العامة وطلبوا إلى الوفديين في لجان الوفد المختلفة أن يرسلوا عنواناتهم إلى سكرتيرية الوفد في مدة كان آخرها أول أمس. ومع ذلك فقد وجم الوزاريون وأشباه الوزاريين لنبأ هذا المؤتمر وضاقوا به أشد الضيق، وكتبت صحف الوزارة غير مرة تنكر التفكير فيه، والدعوة إليه، وتراه ضرباً من ضروب الشغب وفناً من فنون المظاهرات التي يخشى منها على الأمن، ويخاف منها على النظام. ولم يحفل الوفد ولا الوفديون بهذا السخف الذي هتت به الصحف الوزارية، فقد مضى الوفد في استعداده للمؤتمر، ومضى المصريون في إرسال عنواناتهم وطلب اشتراكهم فيه حتى زادت الطلبات التي انتهت إلى الأستاذ الكبير مكرم عبيد على عشرة آلاف.
    هنالك ولدت هذه الإشاعة الظريفة التي نريد أن نتحدث عنها فأذاعت بعض الصحف أن رأي الوزارة قد استقر على منع اجتماع المؤتمر، ورفض الإذن به، إذا طلب إليها هذا الإذن.
    أذيعت هذه الإشاعة في صحيفة من صحف الصباح فلم يلتفت إليها أحد ثم أذيعت في صحيفة من صحف المساء فلم يحفل بها أحد. ثم انتشر الدعاة والمرجفون من الوزاريين يتحدثون بها في المجالس، وينقلونها في الأندية المختلفة، فلم يعن بها أحد. وأكبر الظن أن الصحف التي أذاعتها ستعود إلى إذاعتها وأن المرجفين الذين تحدثوا بها سيصيبون في حديثهم، وليس من شك في أن المصريين الذين أعرضوا عنها سيمضون في إعراضهم عنها، ذلك أن هذه الإشاعة مهما يلح فيها الملحون خليقة بالإعراض حقاً، بل خليقة بالازدراء، فقد تعزم الوزارة على ما تريد أن تعزم عليه، وقد تقرر الوزارة ما تريد أن تقرره وقد تقسم الوزارة جهد أيمانها إنها مانعة هذا المؤتمر من أن يجتمع، حائلة بين أعضائه وبين أن يلتقوا. فكل ذلك لن يغير من رأي الوفد شيئاً. ولن يمحو من قرار الوفد حرفاً، ولن يصرف عن الاشتراك في المؤتمر مصرياً، لأن الوفديين لم يتعودوا مثل هذا الخوف، ولم يألفوا مثل هذا الانزعاج مما يذيع الوزاريون أن الوزارة تريد أن تفعل أو مما تعلن الوزارة أنها ستفعل، إنما الوفديون قوم يرون الرأي ثم يمضون فيه، ويتخذون القرار ثم ينتهون إلى تنفيذه لا يردهم نذير، ولا يخيفهم وعيد، ولا يثنيهم عن همهم إرجاف المرجفين.
    والوزارة تعرف منهم ذلك حق المعرفة فكثيراً ما أذاع الوزاريون وأشاعوا فلم يحفل الوفديون بإذاعة ولا بإشاعة، وكثيراً ما أنذرت الوزارة وأوعدت فلم يسمع الوفديون لنذير ولا لوعيد. ونظن أن الوزارة لم تنس بعد أنها نهت المحامين عن بعض الشيء، فلم ينتهوا، وأنها أمرت المحامين ببعض الشيء، فلم يأتمروا، وأنها أصدرت للمحامين قانوناً، فلم يذعنوا لأنهم لم يؤمنوا بأن هذا القانون دستوري.
    وإذن فالوفديون لا يؤمنون بأن من حق الوزارة أن تمنعهم من الاجتماع إذا أرادوا أن يجتمعوا في حدود الدستور والقانون. وإذن فإشاعة الوزاريين أن الوزارة ستمنع هذا الاجتماع لغو لم يتعود الوفديون أن يسمعوا له، أو يحفلوا به، أو يشفقوا منه. وإذن فإثارة الوزارة نفسها إن صدر عنها هذا الإنذار بأنها ستمنع الاجتماع لن يصرف الوفديين عن الجد في سبيله، لأنهم لا يرون للوزارة الحق في أن تمنع اجتماعاً يريده المصريون في حدود الدستور والقانون والوزارة لم تصدر بعد هذا النذير، ونظنها أذكى من أن تصدره، وهي لا تعرف من أمر هذا الاجتماع إلى الآن إلا أن الوفديين يريدون أن يعقدوه والوزارة أمهر من أن تتحمل الحوادث ومن أن تتورط فيما لا ينبغي لها أن تتورط فيه. فليس أحد يعلم كيف تكون الظروف السياسية في الشهر المقبل حين يهم الوفد بعقد المؤتمر. وليس أحد يعلم أتبقى الوزارة في الحكم إلى هذا الوقت. أم تصرف عنه. وليس أحد يعلم أتملك الوزارة من تصريف أمور السياسة إذا بقيت في الحكم مثل ما ملكت إلى الآن. أم تتغير من حولها الظروف؟ أفترضى بعض ما كانت تأبى، وتأبى بعض ما كانت ترضى، ويترك تسيير أمور السياسة العامة، يسلك طرقاً غير التي سلكها إلى الآن.
    والوزارة نفسها تريد أن تعقد اجتماعات في الإسكندرية يخطب فيها الوزراء وأنصار الوزراء، ويتحدث الوزاريون بأن لأحزاب الوزارة لجاناً يريدون أن يطلبوها، وبأن لهم آراء يريدون أن يتحدثوا فيها إلى الناس في خطب يلقونها فيها دفاعاً عن سياسة الوزارة وفيها رد على نقد المعارضة، وفيهما ما توحي به التقاليد، إلى وزير التقاليد وما توحي به الكياسة إلى وزير الزراعة، وما توحي به اللياقة والعظمة إلى غيرهما من الوزراء، فقد لا تسمح الظروف الجديدة، بأن تبيح الوزارة لنفسها ما تحرم على غيرها. وقد لا تسمح الأيام المقبلة بأن يباح الاجتماع والخطب، وتنظيم اللجان، للقلة الضعيفة من المصريين ويحظر الاجتماع، والخطب، وتنظيم اللجان على الكثرة الضخمة من المصريين. والوزارة أذكى من أن تخدع نفسها بأن أيام الوزارات صفو كلها، وبأن سفن الوزارات تجري دائماً على بحر هادئ مستقر، وفي ريح طيبة مواتية. وتنسى أن البحر قد يضطرب وأن الريح قد تعصف، وأن السفينة قد تحتاج إلى كثير جداً من المهارة لتسلم من اضطراب البحر وعصف الريح.
    وإذن فالذين أشاعوا أن الوزارة ستمنع اجتماع المؤتمر لم ينصحوا للوزارة ولم يحسنوا إليها، وإنما هموا أن يورطوها، فيما يحسن بها ألا تتورط فيه، وهم مع ذلك لم يوفقوا إلى ما حاولوا من تخويف الوفديين أو صرفهم عن المؤتمر فالوفديون لا يعرفون الخوف والوفديون لا ينصرفون بهذه السهولة وهذا اليسر، عما يريدون.
    فلتطمئن الوزارة، وليطمئن الوزاريون فسيجتمع المؤتمر وإن كان اجتماعه أذى في بعض الأجواف وغصة في بعض الحلوق، وخطراً على بعض الذين يعملون في السياسة وليسوا من السياسة في شيء.
    طه حسين
    الوادي، ٢٢/ ٩/ ١٩٣٤.

  • غرور٢

    حديث الوادي
    غرور …
    زعمت صحيفة فرنسية من صحف الوزارة صدرت صباح اليوم أن الشعب المصري راضٍ مطمئن، لا يشكو من شيء، ولا يضيق بشيء، ولا يتمنى على الله ولا على الناس إلا أن تدوم هذه الحال، التي ينعم فيها بالأمن، والهدوء، وبالرخاء واللين.
    وزعمت هذه الصحيفة أيضاً أن الشعب المصري قد زهد في السياسة كل الزهد، ونفر منها أشد النفور، وترك الخوض فيها واللهو بها، والاختصام حولها لأهل القاهرة والإسكندرية ومدينة أو مدينتين من المدن الكبرى. فأهل هذه المدن قوم قد أفسدتهم الصحف، وصرفتهم بالقول عن العمل، وألهتهم بهزل الأمر عن جده، وهؤلاء الناس لا يبلغون عشرة في المئة من سكان مصر، فهم إذن قلة قليلة، وجماعة ضئيلة، قد تقسمتهم الأحزاب، وعبثت بهم الأهواء، ودفعهم الفراغ أو ما يشبه الفراغ إلى ما لا خير فيه.
    فأما الشعب الذي يجد ويكد، والذي يعمل ويأمل، والذي من أجله تقوم الحكومات، وله تعمل، وبه تعنى، وعلى مرافقه تسهر، فهو راضٍ كل الرضى، مطمئن أشد الاطمئنان، حريص أعظم الحرص على هذه الحياة السعيدة التي يحياها في ظل هذه الوزارة السعيدة.
    وهذه الصحيفة الفرنسية الوزارية لم تقل هذا الكلام عن جهل، وإنما قالته عن علم، فهي قد أوفدت من زار الأقاليم، وأقام فيها فأطال الإقامة وخالط أهلها فأطال مخالطتهم وتحدث إليهم، وسمع منهم، وعرف حقيقة ما يفكرون وما يشعرون وما يأملون، ثم عاد فأنبأ صحيفته بهذه النتيجة المرضية لهذا البحث المتقن الطويل، وهي أن الشعب لا يريد إلا أن تبقى الحال كما هي، لتنحل الأزمة الاقتصادية، فأما السياسة فلا تعنيه قليلاً ولا كثيراً.
    وإذن فيجب أن يطمئن الوزراء فالشعب عنهم راضٍ، ولهم محب، وعليهم حريص. ويجب أن يطمئن الذين يسندون الوزراء، فالشعب فيهم راغب، وبهم كلف مشغوف، ويجب بنوع خاص ألا يسمع الإنجليز لما يقوله خصوم الحكومة ومعارضوها من أن أمور الشعب مضطربة ونفوسه قلقة، وحياته أبعد ما تكون عن الرضى والهدوء والاستقرار.
    وإذن فالحديث عن تغيير ممكن أو مطلوب، لغو من الحديث ومخاطرة بمصالح الشعب، وجهل لإرادته، واستماع للقلة من سكان القاهرة والإسكندرية وإعراض عن الكثرة من أهل الأقاليم، والله عز وجل يمنح العقل من يشاء، وينزعه ممن يشاء، والله عز وجل يبيح الرشد لقوم ويحظره على قوم آخرين، والله عز وجل يأذن لقوم أن يقولوا فيسمع لهم الناس، ويفهموا عنهم ويطمئنوا إليهم، ويقضي على قوم آخرين أن يقولوا فلا يسمع لهم أحد، ولا يفهم عنهم أحد، ولا يطمئن إليهم إنسان.
    وقد كنا نحب أن نعرف من عسى أن يكون هذا الرجل الذكي الحصيف الذي أوفدته تلك الصحيفة الفرنسية إلى الأقاليم فعلم علم أهلها، وجاء بأنبائهم وعرض آمالهم وأمانيهم في هذا المقال الظريف.
    بل كنا نحب أن نعلم، أوفدت هذه الصحيفة رجلاً إلى الأقاليم حقاً، أم طلبت إليه أن يزعم أنه قد وفد على الأقاليم، وأن يجلس في مكتبه ويطلق خياله إطلاقاً ساعة أو بعض ساعة، ثم يكتب ما يمليه عليه هذا الخيال.
    وقد كنا نحب أن نعلم من أمر هذا الرجل الذي زار الأقاليم بعض الشيء، أمصري هو أم أجنبي، أشرقي هو أم أوروبي، أيحسن لغة الناس الذين زارهم وتحدث إليهم، أم يجهلها جهلاً تاماً، أم يلم بها إلماماً يسيراً؟ أيحس هو كما يحس المصريون، ويشعر هو كما يشعر المصريون، أم هو لا يحس إلا ما يحسه بعض الأجانب المقيمين في مصر من الحاجة إلى الحياة الناعمة المترفة، مهما تكن مصادرها، ومهما تفسد حولها الظروف؟
    كنا نحب أن نعلم من أمر هذا الرجل الذي أوفدته تلك الصحيفة هذا كله، لنعلم بعد ذلك أنه يكتب عن علم أو عن جهل، وأنه يكتب عن إخلاص أو عن نية فاسدة، وعن قلب مدخول، ولكن الغريب أن تعلم هذه الصحيفة وكاتبها من رضى الشعب المصري واطمئنانه إلى هذا العهد كل ما تعلم، وأن يجهله الوزراء. فالمفروض أن الوزراء أعلم الناس بحقيقة الأمر في مصر، وإلا فهم أبعد الناس عن الصلاح للنهوض بما ينهضون به من الأمر. لأن الذين يجهلون أمور الشعب لا يصلحون للقيام عليها. والحق الذي ليس فيه شك، هو أن الوزراء يعلمون من أمر مصر وأهلها غير ما تعلمه هذه الصحيفة وكاتبها. فهم واثقون بأن الشعب ليس راضياً ولا مطمئناً، وحياتهم السياسية كلها تبرم من هذا الشعب الساخط، وتأهب لأخذه بالقوة والعنف إخفاءً لسخطه.
    وهم من أجل ذلك يحظرون على هذا الشعب كل اجتماع، ويأبون على زعمائه أن يتصلوا به أو يسعوا إليه، كما يأبون عليه هو أن يتصل بالزعماء أو يسعى إليهم. فإذا لم تعنهم الظروف على ما يريدون حشدوا ما وسعهم حشده من الشرطة والجند، واستعدوا للحرب والقتال، وأبلوا في ذلك بلاءً أقل ما يوصف به أنه مضحك، يسري الهم عن النفوس.
    هذا كله دليل بالطبع على أن الوزراء مطمئنون إلى رضى الشعب عنهم، وحبه لهم، وحرصه على بقائهم في الحكم إلى آخر الزمان! .
    والإنجليز يعلمون فيما نظن من أمر هذا الشعب أكثر مما تعلم هذه الصحيفة، وأكثر مما يعلم الوزراء، فإذا كانوا يعلمون أنه راضٍ، فما بالهم يضطربون هذا الاضطراب، وتختلط عليهم أمورهم هذا الاختلاط؟ فمن المحقق أن أحداً لم يضربهم على أيديهم لينقلوا مندوباً ويرسلوا مكانه مندوباً آخر، كما أن أحداً لم يضربهم على أيديهم ليرسلوا كبيراً من وزارة الخارجية ينوب عن مندوبهم الجديد، إذا سافر ليفاوض أو ليستريح.
    وبعد فلمن يكتب هذا السخف، وإلى من يساق هذا الهراء؟ وأي عقول يراد بها هذا التغرير؟ أما الشعب المصري، فإنه يعلم من أمره ما يعلم، وهو لا يقرأ هذه الصحيفة وأمثالها ولا يسمع بها.
    وأما الوزراء والإنجليز فهم أعلم بحقيقة الحال من أن يغرهم مثل هذا الهذيان. إنما يكتب مثل هذا الكلام لنفر قليلين من الأجانب يقيمون في القاهرة، أو الإسكندرية، ويقع في نفوسهم ما يسمعون من أحاديث التغيير والتبديل، مواقع مختلفة، فهذه الصحيفة وأمثالها، تريد أن تستبقي ودهم للوزارة واطمئنانهم إليها، وثقتهم بأنها باقية في الحكم. ومن يدري لعل هذه الصحيفة إنما تكتب لنفسها، لا لتغر نفسها ولا لتخدعها عن الحق الذي تعرفه حق المعرفة ولكن لتعيش، وما أكثر ما يكلف طلب العيش بعض الناس من المشقات والأعاجيب حتى إلغاء عقولهم، فكسب العيش في هذه الأيام شيء عسير قد يبيح الناس لأنفسهم فيه ما لا يباح في أيام اليسر والرخاء . . .
    طه حسين
    الوادي، ٩/٢/ ١٩٣٤ .

  • عقوق

    حديث الوادي
    عقوق . . .
    ما أكثر الآثام التي تقترف ويحسبها الأجانب على مصر، ويضيفها الأجانب إلى المصريين، لأنهم لا يعلمون من حقيقة الأمر في مصر شيئاً، فكل ما يصدر عن الوزارة المصرية عندهم عمل مصري، يضاف خيره إن كان فيه خير، وشره وما أكثر ما فيه من الشر، إلى هذا الشعب المصري المسكين، وماذا يمنع الأجانب في أوربا، وغير أوربا، أن يضيفوا أعمال الوزارة المصرية إلى الأمة المصرية، ويحملوا أثقالها على الشعب المصري، فالأمور تجري عندهم على هذا النحو، لأن الوزارات عندهم تعمل وفقاً لإرادة الشعوب، ولا تستطيع أن تخرج عن هذه الإرادة قليلاً، ولا كثيراً، ونحن نُخيّل إلى الأجانب في أوربا، وفي غير أوربا، أننا نعيش كما يعيشون، وأن نظام الحكم في بلادنا، نظام ديمقراطي كغيره من نظم الحكم في بلادهم. وأن الوزارة عندنا لا تصدر عن الأهواء والشهوات، ولا تتأثر بالحب والبغض، ولا ترتب سيرتها على الميل والنفور، وإنما هي تتوخى إرادة الشعب، وتجد في تحقيق آماله وتدبير منافعه، فإذا أقدمت، فالشعب مُقدم، وإذا أحجمت، فالشعب مُحجم، وإذا أرادت فالشعب مريد.
    كذلك نُخيّل إلى الأجانب، وكثير من الأجانب يصدقون، وهم بعد ذلك يحملون على الشعب أثقال الوزارة، ويضيفون إلى الشعب أغلاط الوزارة، ويسألون الشعب عما تتورط فيه الوزارة من السيئات. وهم لذلك إذا أنكروا شيئاً من أمور مصر الرسمية لم يعللوه بأن الوزارة مخطئة، أو خاطئة، وإنما عللوه بأن الشعب المصري ما زال جاهلاً، غافلاً، قليل الحظ من الحضارة، بعيداً عن ملاءمة العصر الذي يعيش فيه. وكذلك تظلم الأيام هذا البلد التعس، فتخطئ فيه القلة أو تأثم، وتحمل فيه الكثرة تبعة هذا الخطأ أو الإثم.
    وهناك أمر مؤلم حقاً، لا أعرف شيئاً أشد منه إيذاءً للنفس الكريمة، وأعظم منه إيلاماً للقلب النقي، وأسوأ منه أثراً في سمعة الشعب الناهض، وهو هذه القصة المخزية، التي تمثل فصولها منذ أعوام، بين الحكومة المصرية وبين مختار حين كان حياً، ثم بين الحكومة المصرية وبين ورثة مختار بعد أن أدركه الموت. أو قل إن هذه القصة لا تمثل بين الوزارة المصرية وبين شخص من الأشخاص أو جماعة من الجماعات، وإنما هي تمثل بين الوزارة وبين الفن الذي يجب أن يكون أرقى وأبقى وأرفع من الوزارات، ومن الأشخاص، ومن الجماعات. أو قل إن هذه القصة تمثل بين وزارة أنشئت لتخدم الشعب فإذا هي تسومه ألوان الذل، وبين شعب أقام الوزارة وأجرى عليها الرزق لتخدمه فإذا هو يلقى منها ضروب الخسف. تستطيع أن تقول هذا كله، فهذا كله صحيح مع الأسف اللاذع والحزن الممض.
    أقام مختار تمثالين لعظيم مصر، بعد اتفاق بينه وبين الوزارة المصرية التي كانت ترضى عنها مصر، لا ممثلة في البرلمان الشعبي وحده، بل ممثلة في أبنائها جميعاً، فلما جاءت وزارة الدكتاتور صدقي باشا ألغت إرادة الشعب إلغاءً، وأهدرت كرامة الشعب إهداراً، ورفضت تمثالي سعد، كما غصبت قبر سعد، واضطر مختار إلى أن يخاصم تلك الوزارة أمام القضاء، وأخذت الخصومة طريقها الطبيعية، وكانت أنباؤها تذاع في مصر فتؤذي المصريين في كرامتهم وحريتهم، وكانت أنباؤها تذاع في الخارج فتؤذي المصريين في سمعتهم ومكانتهم. ذلك أن هذه الخصومة كانت تدور حول زعيم أحبه الشعب كله، أتقام له التماثيل بين هذا الشعب الذي يحبه أم لا تقام؟ ذلك أن هذه الخصومة كانت تدور حول مصري نبغ في الفن لأول مرة منذ أكثر من خمسة عشر قرناً، وجعل لمصر مكانة فنية في العالم الحديث، أيجوز له أن يحيا، ويحيي الفن، أم يجب عليه أن يموت وأن يموت معه الفن؟.
    وكانت هذه الخصومة تدور في القرن العشرين، وفي العصر الذي انبث فيه لمصر سفراء، في أقطار الأرض، وانتشر فيه لمصر ممثلون في جميع المؤتمرات الدولية، ونفخت فيه أبواق بأن مصر ناهضة، وبأن مصر قد عادت سيرتها الأولى، فأصبحت موئل العلم والفن، ومعقل الفلسفة والأدب.
    نعم كانت هذه الخصومة تدور أثناء انتشار هذه الدعايات الضخمة، فكان المصريون يرون ويحزنون، كان الأجانب يرون ويعجبون، وكان مختار يرى ويفنيه الأسى حتى مات، ولم تنقطع الخصومة بموته، ومتى كرهت الوزارة مخاصمة الموتى؟ أليست تخاصم سعداً في مذهبه؟ أليست تخاصمه في تماثيله؟ أليست تخاصمه في آخر شيء يمكن أن يخاصم فيه الرجل الكريم، في القبر الذي لا ينبغي أن يكون موضوعاً للخصام؟ ثم يخطر للوزارة أن تصالح الورثة، وليتها فكرت في مصالحة الموروث، قبل أن يموت يائساً ولكنها تصالح الورثة على حساب الخزانة وفي غير تحقيق لإرادة الشعب، ولا احترام لحق الشعب، ولا رعاية لحرمات الموتى، تريد أن ترضي الورثة بألوف من الجنيهات، مخافة أن يصدر الحكم عليها إن مضوا في الخصومة إلى غايتها، تريد أن ترضي الورثة وأن تأمن عاقبة الخصومة، ولكن بشرط ألا يرضى سعد، وبشرط ألا يرضى شعب سعد، وبشرط ألا يرضى مختار، وبشرط ألا يرضى فن مختار. بشرط ألا يقام التمثالان، وألا يكون للناس عنهما حديث، لماذا؟ ما الذي يخيف الحكومة من هذين التمثالين؟ صورة سعد؟ كلا فإنها مرسومة في قلوب الناس جميعاً، منتشرة في بيوت الناس جميعاً، يزيدها الاضطهاد بقاءً وانتشاراً كلا. هي لا تخاف صورة سعد ولكنها أضعف من أن تنتصر على نفسها وتعترف بزعامة سعد. هي أضعف من أن تكون فوق المكابرة، ولا يقف أمرها عند محاربة سعد وتمثاليه، ولا عند محاربة مختار وفنه، ولكنها تترك تراث مختار يبدد ويذهب مع الريح، وتراث مختار هو حظ مصر الوحيد في هذا العصر الحديث من الفن، فوزارتنا إذن تحارب الفن إذا كان مصرياً، تطارده، تعرضه للضياع، فإذا كان أجنبياً فله النصر والتأييد، وله الحماية والرعاية، وفيه ينفق المال وعليه تتهالك الوزارة.
    وزارتنا إذن لا تحارب الفن لأنه الفن وإنما تحاربه إذا كان مصرياً! يالهول ياللوعة، ياللسى! . . كيف ترضى وزارة مصرية لنفسها أن تحارب المصرية؟ كيف ترضى وزارة يجري في عروق أعضائها الدم المصري أن تكون حرباً على القومية المصرية؟ لماذا؟ أي إثم جناه مختار؟ أي بغض كان يحمله شخص مختار لتتبعه الوزارة بسخطها حياً وميتاً؟ إثم مختار هو أنه أراد أن يقيم تمثالين لسعد العظيم. ومن مجّد سعداً، أو سعى في تمجيده فقد حقت عليه الكلمة، ووجب أن يتبعه السخط والاضطهاد، حياً وميتاً.
    أرأيت إلى هذا العقوق؟ أتستطيع أن تتصور شناعته وبشاعته؟ إنه مع ذلك يضاف إليك، ويضاف إلى إنه يضاف إلى المصريين جميعاً في الخارج أن الأوروبيين حين يسمعون حديث سعد، واضطهاده بعد موته، وحديث مختار واضطهاده بعد موته، يقولون إن الشعب المصري ما زال جاهلاً غافلاً متوحشاً، لم يشعر بعد بأن العقوق من أشنع الأخلاق، وأبشع الخصال، فهو لا يتحرج من أن يعق عظماءه، وزعماءه ونوابغه، مهما يحسنوا إليه، لأنه عاجز عن أن يقدر العظمة والزعامة والنبوغ والإحسان. فأي المصريين يرضى أن يتحدث الناس عنه هذا الحديث؟
    طه حسين
    الوادي، ٨ يوليو ١٩٣٤.

  • قناعة …

    حديث المساء: قناعة …

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٤ نوفمبر ١٩٣٣

    كنا شَرِهين يكاد يُفْسِدنا الشَّرَهُ، وكنا نَهِمين يكاد يهلكنا النهم، وكانت حياتنا السياسية، والعقلية، والاقتصادية، معرضة لأخطارٍ لا تكاد تُحصَى، ومصدرها الاندفاع في حب المثل الأعلى، وفي طلبه إلى غير حد. فلم نقنع من السياسة بأقل من الاستقلال التام، والحياة الديمقراطية الكاملة. ولم نكن نقنع من الرقي العقلي بأقل من الوصول إلى مثل ما وصل إليه الأوروبيون من التفوق في الأدب والفن، وفي العلم والفلسفة. ولم نكن نقنع من الرقي الاقتصادي بأقل من هذا الاستقلال الذي يكفل لنا شخصية بارزة في الاقتصاد على اختلاف فروعه، شخصية لا تفنى في الأجنبي، وإنما تثبت له وتقاومه، إن دعت المصلحة إلى المقاومة.

    كنا شرهين يكاد يفسدنا الشره، وكنا نهمين يكاد يهلكنا النهم، وكانت القناعة أقل الفضائل التي تزدان بها نفوسنا تلك الطامعة، الطامحة، التي لا تعرف هدوءًا ولا استقرارًا، ولا رضا بالقليل.

    كنا مضرب المثل بين الشرقيين في الطمع والطموح، بل كنا مصدر العدوى للشرقيين في الطمع والطموح، وكان كثير من شعوب الشرق لا يكاد يتصل بنا من قريب أو بعيد، حتى يصيبه ما أصابنا من الشره، ويدركه ما أدركنا من النهم، ويصبح مثلنا شجى في حلوق المستعمرين، وأذى في أجواف الأوروبيين.

    ونشأ عن إسرافنا في الشره والنهم، وعن إسراف الشرق في تأثرنا والاقتداء بنا أن أصبحنا وأصبح الشرقيون مصدر تنغيص لهؤلاء الساسة الأوروبيين، الذين كانوا يودون لو استراحوا منا ومن إخواننا الشرقيين، ومضوا في استغلالنا وفي استغلالهم لا يجدون مقاومة ولا إباء، وفرغوا لما يعنيهم من شئونهم الأوروبية الخالصة. ولكنهم كانوا ينظرون، فإذا مصر تطلب الاستقلال وتلح في الطلب، وإذا الشرق يسعى إلى الحرية ويلح في السعي، وإذا هم مضطرون إلى أن يقاوموا هنا ويقاوموا هناك، وإلى أن يسلكوا في هذه المقاومة طرق المخاشنة حينًا وطرق المحاسنة حينًا آخر.

    وكنا ننظر، وكان الشرقيون ينظرون إلى هذه المقاومة العنيفة اللينة، فلا يزيدنا النظر إليها إلا غلوًّا في الطمع، وإغراقًا في الطموح، وشجاعة على المطالبة بالحق، وإلحاحًا في الوصول إليه كاملًا موفورًا.

    كذلك كُنَّا. ولكن الله قيَّضَ لنا من يعلمنا القناعة ومحاسنها، ويردنا عن الشره ونقائصه؛ فأخذنا نتواضع قليلًا قليلًا، حتى انتهينا من القناعة إلى حظٍّ لا بأس به، وبلغنا من الاعتدال منزلة معقولة، يرضى عنها ويطمئن إليها سادتنا المستعمرون.

    كنا نستمتع من الحرية الدستورية بنصيبٍ عظيم: انتخاب عام مباشر، وسلطة واسعة للبرلمان في السيطرة على الوزارات وتصريفها لأمور السلطان؛ فرُدِدْنا عن ذلك إلى انتخاب ضيق مقيد، وإلى سيطرة محدودة على الوزارات، وكنا نحيا حياة ملؤها الأمل في حل ما بيننا وبين الإنجليز من خلاف، وتحقيق ما نطمح إليه من الاستقلال، وكنا نسعى إلى ذلك سعيًا مطردًا، ونُوفَّق إلى الخير فيه توفيقًا متصلًا؛ فقيَّض اللَّه لنا مَنْ علَّمَنا كيف نصبر، وكيف نتئد، وكيف ننتظر.

    وها نحن أولاء نصبر منذ ثلاثة أعوام وننتظر منذ ثلاثة أعوام. وقد ظهر أن الوزارة المستقيلة قد نجحت فيما أخذت نفسها به من الصبر والاتئاد والانتظار، وأن لا بد من وزارة أخرى تخطو بمصر خطوة أخرى فالصبر خير، ولكن اليأس خير من الصبر، والاتئاد خير ولكن العدول خير من الاتئاد، والانتظار خير ولكن النسيان خير من الانتظار.

    وكذلك استطاع رئيس الوزراء أن يتحدث إلى مكاتب الديبا، فيقول في هدوء واطمئنان إنه يضع السياسة في المرتبة الثانية، وهذا نوع من الاقتصاد في التعبير؛ فالظاهر أن رئيس الوزراء لا يريد أن يضع السياسة في مرتبة من المراتب، وإنما يريد أن يهملها إهمالًا، وينصرف عنها انصرافًا، وينفق أيامه في أن يدبر لنا حياة وادعة كوداعته، متواضعة كتواضعه، هادئة كهدوئه، راضية بالقليل، كما يرضى هو بالقليل.

    وإذن؛ فمن الخير أن يسير الناس سيرة وزرائهم، كانوا ينتظرون حين كان صدقي باشا ينتظر، فيجب أن يعدلوا لأن عبد الفتاح يحيى باشا يُؤْثِر العدول. حديث المفاوضة إذن لغو لا ينبغي أن يُضيَّع فيه الوقت، وحديث الاستقلال عبث لا ينبغي أن يُنْفَق فيه الجهد، وحديث الحرية ترف لا ينبغي أن يُعْنَى به قوم لا يستطيعون أن يدفعوا عن أنفسهم الجوع. ومن يدري؟! لعل الأمة المصرية كلها كانت مخطئة أقبح الخطأ حين سَعَتْ إلى الاستقلال، واندفعت في الآمال، وضحَّتْ بالأنفس والأموال، واحتملت ما احتملت من الفتن والمحن، ولقيت ما لقيت من الكوارث والخطوب. لعل الأمة المصرية كلها كانت وما زالت مخطئة حين فكرت في الاستقلال وحين تفكر فيه؛ لأن الأمم تخطئ وتصيب!

    وما دام صدقي باشا وهو معصوم قد رأى لها القناعة والاعتدال، وما دام عبد الفتاح يحيى باشا وهو معصوم قد رأى لها الزهد، والرضى، والنسيان، فيجب أن تكون الأمة المصرية كلها مخطئة، ويجب أن يكون الصواب كله عند هذين الرئيسين العظيمين.

    ليرتح الإنجليز إذن لقناعة المصريين، وإقبالهم على الزهد، كما ارتاح حزب الشعب لعودة المفصولين من الحظيرة بعد أن أُخْرِجوا منها. وليثق الإنجليز بأن المصريين سيقنعون، وسيحرصون على القناعة حرصًا شديدًا، سواء أرادوا ذلك أم لم يريدوه، فما دامت الوزارة قانعة تضع السياسة في المرتبة الثانية، أو تضعها في غير مرتبة، فيجب أن يقنع المصريون، وأن يسيروا سيرة وزرائهم. فإنْ أعجبهم هذا فذاك، وإن لم يعجبهم هذا ففي مصر شرطة وجند، يعرفان كيف يغلان الأيدي والأرجل، وكيف يعقدان الألسنة، ويكممان الأفواه، وكيف يردان الناس إلى ما ينبغي لهم من الطاعة والإذعان.

    كنا لا نقنع بالرخاء واليسر، بل نطمع في التزيد منهما والإغراق فيهما، فعلمنا صدقي باشا أن نداعب الأزمة وتداعبنا، وأن نحس لذعها وننكر وجودها. وهذا عبد الفتاح يحيى باشا يعلمنا الشجاعة والقناعة معًا، فهو يأخذنا بأن نحس لذع الأزمة ونعترف بها، ونرضى عنها ونيأس من زوالها؛ لأن وزارته لا تستطيع أن تأتي بالمعجزات! وإذن؛ فلابد من أن نكد ونجد، ونهلك أنفسنا في الكد والجد؛ لنؤدي الضرائب، ونوفي الدَّين كما يريد الدائنون، إنْ بقي لنا شيء استعنا به على الحياة وإن لم يبقَ لنا شيء؛ فما ألذَّ ألم الجوع! وما أجمل الرضا به والصبر عليه!

    كنا نريد أن ينتشر فينا التعليم واسعًا، عميقًا، متينًا، مرقيًا للعقول، مقوِّمًا للأخلاق، ضامنًا لكرامة العلماء والمتعلمين جميعًا؛ فعلَّمَنا صدقي باشا أن العلم وسيلة لا غاية، وأن العلماء والطلاب وسائل لا غايات، وأنهم لذلك أدوات لا أكثر ولا أقل، وأنهم أدوات في يد الدولة، تصوِّرهم كما تحب وتصرفهم كما تشاء.

    وأقبل عبد الفتاح يحيى باشا فأخذ يعلمنا أن الأدوات لا ينبغي لها أن تفكر ولا أن تريد ولا أن تقاوم، وإنما ينبغي لها أن تستسلم وتطيع؛ فإذا قيل للجامعيين: اقبلوا ما يأباه القانون. وجب عليهم أن يقبلوا، وإذا قيل للإلزاميين: تخففوا من حريتكم وكرامتكم وحقوقكم التي يكفلها الدستور. وجب عليهم أن يفعلوا! ذلك لأننا جميعًا في حاجة إلى أن نعيش، والرجل العاقل هو الذي يُعنَى بالضروري قبل الكمالي، والرجل العاقل هو الذي يذعن للظروف، والرجل العاقل هو الذي يُؤثِر العيش على أي شيء آخر.

    طلب الاستقلال يصرفنا عن العيش ويلهينا بالمثل الأعلى، طلب العدل في تدبير الأمور الاقتصادية يصرفنا عن العيش ويلهينا بالمثل الأعلى، طلب الكرامة للعلماء والمتعلمين يصرفهم عن العيش ويلهيهم بالمثل الأعلى.

    ولست أعرف أشدَّ حمقًا من هؤلاء الذين يلهون أنفسهم بالمثل العليا ويعرضون أنفسهم للجوع.

    رئيس الوزراء رَفِيقٌ بنا، شَفِيقٌ علينا، يريد أن يبرئنا من عيب الشره والنهم وأن يعلمنا القناعة والاعتدال، يريد أن ندع المثل العليا للشعراء والمترفين، وأن نفرغ لما ينبغي أن يفرغ له أمثالنا من طلب العيش.

    أفترانا نستفيد من هذه الدروس العالية الغالية، التي يلقيها علينا رئيس الوزراء؟! كلا؛ لأننا لم نستفد من دروس عالية غالية ألقاها علينا قوم آخرون قبل رئيس الوزراء، ولأننا — مع الأسف أو مع السرور — نؤثر المثل العليا على العيش، ونتهافت على المثل العليا كما يتهافت الفَرَاش على النار، لا نكره أن نحترق فيها وإنْ أَحَبَّ غيرُنا العافيةَ وهدوءَ البال.

    ما أجدر رئيس الوزراء أن يقتنع بما اقتنع به غيره من الذين سبقوه إلى وضع السياسة في المرتبة الثانية أو في غير مرتبة؛ فيضع السياسة في المرتبة الأولى، فإن لم يستطع ذلك استقال؛ لأن الأمة لا تريد، ولا تستطيع إلا أن تكون السياسة قوام حياتها حتى يقضي اللَّه بيننا وبين الإنجليز!