وأخيرًا …
طه حسين
جريدة البلاغ
١٦ ديسمبر ١٩٤٥
كل شيء يجري في مصر على خير ما يحب المصريون، وعلى أحسن ما يشتهون، نظامٌ مستقرٌّ كما تستقر الجبال، وأمنٌ شاملٌ ينعم به الأقوياء والضعفاء على السواء، واستقامةٌ في العمل لم يسجل التاريخ مثلها لأمة من الأمم في عصر من العصور، وصدقٌ في القول سيصبح مضرب الأمثال لمستقبل الأجيال، كل شيء يجري في مصر على خير ما يحب المصريون، كل شيء يجري في اطراد وانتظام كما تجري الشمس والقمر في السماء.
إذا أصبحت مصر غدا الوزراء والموظفون في دواوينهم فعملوا ما شاء الله أن يعملوا، وكسلوا ما شاء الله أن يكسلوا، وقالوا ما شاء الله أن يقولوا. فإذا انحرفت الشمس عن كبد السماء وسَعَتْ إلى مغربها شيئًا ما، راح الوزراء والموظفون إلى دُورِهم فأكلوا ما شاء الله أن يأكلوا، وناموا ما شاء الله أن يناموا، فإذا ألقت الشمس بَدًّا من كافر كما يقول الشاعر القديم، سعى الوزراء والموظفون إلى أنديتهم وقهواتهم وإلى ملاعبهم وملاهيهم، فلهوا ما شاء الله أن يلهوا، وسمروا ما شاء الله أن يسمروا، وشربوا ما شاء الله أن يشربوا، حتى إذا انتصف الليل عاد الوزراء والموظفون إلى دُورِهم، فكان النوم وكانت الأحلام، ثم إذا أصبحوا استأنفوا حياة غدٍ كما بدءوا حياة أمس، والله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل، والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم.
والشعب المصري هادئ مطمئن ينظر إلى غُدُوِّ الوزراء والموظفين ورواحهم كما ينظر إلى شروق الشمس وغروبها، متفكرًا في آيات الله، متعجبًا من حكمة الله، مستيقنًا بأن كل شيء يجري كما سبق به القضاء منذ الأزل، وكما جرى به القلم في اللوح المحفوظ قبل أن يُخلَق النور والظلمة، وقبل أن تُبسَط الأرض وتُرفَع السماء، وتُنثَر بينهما الكواكب والنجوم.
وقد يوجد بين المصريين من يضيق بهذه الحياة المطردة المتشابهة التي تسعى إلى غايتها سعيًا سهلًا سواء لا عوج فيه ولا التواء، وهؤلاء المصريون هم المرضى الذين يجب أن نلتمس لهم الطب؛ لنشفي قلوبهم ونفوسهم من هذا الضيق الذي لا يدل إلا على انحراف الأمزجة، وفساد الأذواق، واعتلال الطباع.
وهم يلتمسون لضيقهم هذا عللًا يبتكرونها ابتكارًا، ويبتدعونها ابتداعًا، ويخلقونها من عند أنفسهم؛ لأنهم لا يحبون الهدوء، ولا يطمئنون إلى الاستقرار. لقد نشئوا والإنجليز مستقرون في بلادهم، مسيطرون على مصالحهم، والوزراء والموظفون يغدون ويروحون، فما بالهم يضيقون بما نشئوا عليه، ويسأمون بما كان الحق عليهم أن يألفوه؟! فما بالهم يطالبون بجلاء الإنجليز عن مصر؟! وما الذي قدَّم إليهم الإنجليز من المساءة حتى يضيقوا بهم هذا الضيق، وينكروا مكانهم هذا الإنكار، ويخرجوا على ما عُرِفَ عنهم من التقاليد؟!
فقد عُرِفَ المصريون بكرم الضيافة منذ أقدم العصور، فما تنكُّرهم للضيف؟! وما تبرُّمهم به؟! وماذا يقولون لآبائهم إن أُنْشِرَ آباؤهم من القبور؟! وماذا يقولون لأبنائهم حين يسأل أبناؤهم عن هذه العلة الطارئة، كيف طرأت؟ أو فِيمَ طرأت؟!
لقد صحبنا الإنجليز منذ نشأتنا كما صحبنا الزمان، لم نسئ إليهم ولم يسيئوا إلينا، فلِمَ نطالبهم بالجلاء عن ديارنا؟! ولِمَ نُلح في هذه المطالبة، ونسرف في الإلحاح؟!
أرأيت إلى السبب الذي ترددت الحكومة من أجله ترددًا طويلًا في المطالبة بالجلاء؛ لقد همَّتْ أن تُبصِّرنا بعواقب الأمر، وأن تنبهنا إلى مصادره وموارده، وأن تذكرنا بآدابنا التي ورثناها عن آبائنا، والتي يجب أن ننقلها إلى أبنائنا، والتي تفرض علينا أن نكرم الضيف ونهش به، ونقوم منه مقام الخادم من سيده والعبد من مولاه، أليس شاعرنا القديم هو الذي قال:
وإني لعبد الضيف ما دام حاضرًا ولا شيء عندي غيرها يشبه العبد
وأيسر ما يجب على الحكومة الرشيدة التي تعرف الواجب وتنهض به، هو أن تهدي الشعب إذا ضل، وتؤدبه إذا انحرف عن مكارم الأخلاق، وتحمله على الجادة إن حاد عن سواء السبيل، ولكن الأمور قد فسدت في هذه الأيام حقًّا. فسدت حتى أصبح الشعب هو الذي يؤدب الحكومة، أو قُلْ حتى أصبح الشعب هو الذي يضطر الحكومة إلى أن تسيء الأدب، وتجور عن القصد، وتطلب إلى الضيف أن يرحل، وإلى الإنجليز أن يجلوا!
لقد ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس، فإذا الشعب المصري يضيق بضيفه من الإنجليز، ويلح عليهم في الجلاء، وإذا هو يطالب حكومته بإجلاء هؤلاء الضيف.
طلب الشعب ذلك في أحاديثه وفي صحفه، واضطر البرلمان إلى أن يطلبه كما طلبه الشعب، ووضع رئيس الوزراء أصابعه في آذانه ما استطاع أن يضع أصابعه في آذانه؛ حتى لا يسمع هذا اللفظ، ولا يؤذي نفسه الكريمة هذا الانحراف عن الأدب. ولكن الشعب ألح وأغرق في الإلحاح، واضطر رئيس الحكومة إلى أن يسمع، واضطر رئيس الحكومة إلى أن يقول، فقال للبرلمان معللًا ومؤملًا ومطاولًا ومماطلًا إنه سينتهز الفرص.
ولكن الشعب ألحَّ وأغرق في الإلحاح، ولم يَرْضَ بالتعليل ولا بالتأميل، ولم يقنع بالمطاولة ولا بالمماطلة، فخطا رئيس الوزراء خطوة أخرى، وجمع الملأ، فقال له وسمع منه، وأعلن إلى الشعب في سبتمبر الماضي أن الوقت ملائم لطلب الجلاء، وكان في ذلك الوقت الملائم منكرًا لفساد الزمان، وخروج الشعب عن طبعه، وانحرافه عن أدبه القديم، ولكنه أضمر في نفسه شيئًا وأظهر لهذا الشعب الذي يشبه الأطفال شيئًا آخر يعلله ويدلِّله ويدعوه في رفق إلى الهدوء والنوم.
ولكن الشعب لم يهدأ ولم يَنَمْ، وظل يطالب بإخراج الضيف وإجلائه عن أرض الوطن، وقد أعاد رئيس الوزراء أصابعه إلى أذنه شهرًا وشهرًا وبعض شهر؛ حتى عمَّ الفساد، وأصبح معديًا كأنه الوباء، وإذا الوزراء أنفسهم يطالبون رئيسهم بإخراج الضيف وإجلائه عن أرض الوطن، والرئيس يُدهَش ثم ينكر ثم يثور، ثم ينظر فإذا هو بين اثنتين. فإمَّا أن يدع المنصب ويلزم داره؛ ليأتي الرئيس الذي يُخرج الضيف ويحقق الجلاء، وإمَّا أن يشارك فيما أجمع الشعب عليه من اعتلال المزاج وفساد الطبع، وانحراف الذوق عن الجادة، فيطالب بالجلاء ويتقدم في إخراج الضيف عن أرض الوطن.
وقد فكَّر رئيس الوزراء وقدَّر، ثم تروى وتدبر، ثم اضطر إلى أن يذهب مذهب الشعب، ويصير إلى ما صار إليه الشعب من الغلظة وفساد الذوق، فهمَّ ولم يكد يفعل، وأقدم ولو استطاع لآثر الإحجام، وتمثل فيما بينه وبين نفسه قول أبي العلاء:
ولما رأيت الجهل في الناس فاشيًا تجاهلت حتى ظُنَّ أني جاهل
على أن رئيس وزرائنا لم يسرف في التجاهل، ولم يُعنِّف نفسه في مجاراة الشعب، وإنما أرخى الحبل شيئًا، وتقدَّم في استحياء إلى الضيف يسأله متلطفًا متظرفًا رقيقًا رفيقًا، أمستعد هو لا للخروج بل للمفاوضة في الخروج؟ ومن الطبيعي ألا تُؤخَذ الأشياء بالعنف، وإلا لانزعج الضيف عن مستقره قبل أن نمد له الأسباب، ونهيِّئ له الوسائل، ونتلطف له فيما نريد منه ونطلب إليه.
هذه هي قصتنا منذ استسلمت ألمانيا في شهر مايو الماضي، ومنذ استسلمت اليابان في شهر أغسطس الماضي، ومنذ قررت الهيئة السياسية أن الوقت ملائم للمفاوضات في شهر سبتمبر الماضي.
وقصتنا تُختصَر في كلمتين اثنتين، أو في كلمات ثلاث: شعب قليل الذوق يريد أن يُخْرِج الضيف من داره، ورئيس مؤدب مهذب يريد أن يكون كريمًا إلى النهاية، ثم يُضْطَر آخر الأمر إلى أن يجاري الشعب فيتلطف في ذلك إلى أقصى غايات التلطف.
والمهم هو أن رئيس الوزراء قد اضْطُر آخر الأمر أن يشارك الشعب في مرضه، ويطلب إلى الإنجليز تحديد وقت لا للجلاء كما قلت، بل للمفاوضة في الجلاء.
ولكن الحرب قد أفسدت كل شيء، فليس المضيفون وحدهم هم الذين فسدوا وساءت أذواقهم، ولكن الأضياف أنفسهم قد فسدوا وساءت أخلاقهم أيضًا. فقد كان المألوف ألا يقيم الضيف إذا نَبَتْ به الدار، وأحس من مضيفه إعراضًا عنه أو زهوًا فيه، وكان الطبيعي أن يجلو الإنجليز منذ أحسوا ضيقنا بهم وزهدنا منهم، ولكنهم أقاموا وألحُّوا في الإقامة، وضِقْنا نحن وألححنا في الضيق، وكلما أظهرنا نحن هذا الإلحاح أظهروا هم ألوانًا من التحدي والاستخفاف.
وهل كانت تصريحات المستر بيفن في مجلس العموم إلا ضروبًا من التحدي، وألوانًا من الاستخفاف؟! نطالب نحن بالجلاء ونلح في المطالبة، ويقول هو للبريطانيين أن الحكومة المصرية لم تطلب إليه شيئًا!
ومن أجل هذا لن أُدهَش إذا تلقَّى وزير الخارجية البريطانية ذلك الطلب الرقيق الرفيق الذي أرسله إليه رئيس الوزراء، فهز رأسه ورفع كتفيه ورسم على ثغره ابتسامة ساخرة، وأمر بعض أعوانه أن يرد على رئيس وزرائنا بأنه سيحدد موعد المفاوضات في الوقت الملائم؛ فالوقت الملائم يختلف بالقياس إلينا وإلى الإنجليز، بل هو يختلف بالقياس إلينا وحدنا، ألا ترى أنَّا رأينا الوقت ملائمًا في سبتمبر ولم نطلب المفاوضات إلا في ديسمبر! فما الذي يمنع الإنجليز أن يروا الوقت ملائمًا حين يشاءون هم لا حين نشاء نحن؟! وما عسى أن يصنع رئيس الوزراء إذا تلقَّى الرد بأن موعد المفاوضات سيُحدَّد في الوقت الملائم؟! أيرضى وإن غضب الشعب، أم يشارك الشعب في غضبه، وإذن فماذا يصنع؟!
وكل هذه المشكلات إنما جاءت من فساد الزمان وتغيُّر الناس، فلو أن الزمان مضى كما كان يمضي مِنْ قَبْلُ صالحًا معتدلًا، ولو أن الناس ظلُّوا كما كانوا من قبل مؤدبين مهذبين مكرمين للضيف؛ لما نشأت هذه المشكلات، ولما اضطر رئيس الوزراء إلى هذه الحياة المعقدة التي تملؤها الأحزان والهموم.
والظاهر أن حياة رئيس الوزراء قد أصبحت معقدة حقًّا لا تملؤها الأحزان والهموم وحدها، وإنما يملؤها مع الأحزان والهموم شيء آخر يوشك أن يُسمَّى إشفاقًا وخوفًا. فقد تحدثت إلينا الصحف أمس، بأن رئيس الوزراء يصطنع ألوانًا من الاحتياط لم يصطنعها أحد من قبله، حتى أستاذه العظيم صدقي باشا، فلم نعلم قط أن صدقي باشا أقام الشرطة السرية على سطوح الدُّور في غُدوِّه أو رواحه، ولكن الصحف تُنبئنا بأن النقراشي باشا قد استنفد فرقة الشرطة السرية في القاهرة، ثم رد بعض الشرطة العلنية شرطة سرية، فستر لباسها الرسمي وألبسها الجلاليب، وأقامها على سطوح الدور؛ لتحميه في ذهابه من داره إلى حفل المحمل، وفي عودته من هذا الحفل إلى داره.
أَحَقٌّ هذا؟! وإن كان حقًّا؛ فما تأويله؟ وما تعليله؟ وكيف يمكن أن يُقبَل أو يُساغ؟!
أَحَقٌّ أن النقراشي باشا لجأ إلى ما لم يلجأ إليه أستاذه صدقي باشا، فأقحم الشرطة على الناس دورهم وأقامها على سطوح الدور؛ لتحمي طريقه في الذهاب والإياب؟! لتحميه من ماذا؟! لتحميه من أنه زعيم الشعب قد آمن الشعب به إيمانًا مطلقًا كما آمن بصدقي باشا من قبله إيمانًا مطلقًا، وقد رفض الشعب من أجله زعماءه القدماء؟! فهذا رئيس الوفد لا يلتفت إليه أحد، ولا يحفل به أحد، ولا يحس وجودَه أحد. ومن أجل ذلك تُحاصَر داره، ويُحاصَر ناديه، ويُضيَّق عليه حين يذهب فيشهد الصلاة، كل ذلك رفقًا به وعطفًا عليه؛ حتى لا يشهد زهد الناس فيه، وتنكر الناس له، وإعراض الناس عنه.
لقد أخذ النقراشي باشا قلوب الشعب كله من النحاس باشا أخذ عزيز مقتدر، فمِمَّ يخاف النقراشي باشا وقلوب الشعب معه، ونفوس الشعب طوع يده؟! ومِمَّ يخاف النقراشي باشا وهو قد طلب مفاوضة الإنجليز وجارى الشعب في الحرص على الجلاء؟! ألم يأنِ لهذه المأساة المضحكة أن تنقضي؟! ألم يأنِ لهذه الغمرة المسلية أن تنجلي؟! ألم يأنِ للذين لا يؤمن بهم أحد، ولا يطمئن إليهم أحد أن يعودوا إلى دورهم، ويقنعوا بما قسم الله لهم من الحياة الهادئة الخاملة، ويتركوا للشعب حقَّه في أن يختار في حرية وصراحة مَنْ ينطقون بلسانه، ويصدرون عن أمره؛ لأنه يحبهم ويحبونه، ولأنهم إذا خرجوا لم يقيموا الشرطة السرية على السطوح، ولم يقحموا الشرطة على الناس دورهم بغير إذن من القضاء.
Tag: governmental authority
-
وأخيرًا …
-
تفاؤل
حديث الوادي تفاؤل . . .
الحق مر، وإن نطق به أعذب الناس حديثاً، وأحلاهم لهجة، وأطيبهم نفساً، وأسمحهم خلقاً. والحق مر، وإن كان لفظه يؤذن بالخير كله، ويدعو إلى الخير كله، ويفتح أبواب الآمال، كأوسع ما تفتح الأبواب، وآية ذلك، هذه الكلمة التي قالها نائب من النواب أمس، فصور بها الحق أجمل تصوير، ولكنها لم تكد تقع في أسماع النواب، حتى ثار لها فريق منهم، فاضطرب الأمر، وعظم الخطب، وارتفعت الأصوات، واشتد الضجيج، واضطر رئيس المجلس إلى أن يقف الجلسة، ويخلي بين النواب وبين الراحة، ويهيئ لرئيس الوزراء وقتاً يلتمس فيه مخرجاً من المأزق الذي دفع إليه.
وكانت هذه الكلمة التي صورت الحق أجمل تصوير فأغضبت النواب أشد الغضب: «إن التفاؤل خير من التشاؤم، وأن الخير أن تترك مسألة الدين العام لحكومتنا الرشيدة، تصرفها حسب المصلحة».
ثار النواب لهذه الكلمة وفاروا، وهاج النواب لهذه الكلمة وماجوا، وصاح صائحهم: «وإذن فما فائدة مجلس النواب؟» والغريب أن هذه الثورة لم تغن شيئاً، وأن هذا الاحتجاج لم يغن شيئاً، وأن مجلس النواب آمن آخر الأمر بأن التفاؤل خير من التشاؤم، وبأن الخير أن تترك مسألة الدين العام لحكومتنا الرشيدة. فترك مسألة الدين العام لحكومتنا الرشيدة لأنه واثق بها، مطمئن إليها، مؤمن بأنها رشيدة حقاً، ولكنك تسأل: إذن ففيم ثار المجلس بهذا النائب الذي زعم له أن التفاؤل خير من التشاؤم، وأن الخير أن يترك مسألة الدين العام لحكومتنا الرشيدة؟ والجواب على هذا السؤال واضح، فقد ثار المجلس لأنه لم يكن له بد من أن يثور، فهو يريد أن يكون التفاؤل خيراً من التشاؤم، ولكنه لا يريد أن يعلن ذلك إعلاناً، ويسجله تسجيلاً، وهو يريد أن يدع الأمر لحكومتنا الرشيدة، ولكن بعد مناقشة يشتد فيها الحوار، وترتفع فيها الأصوات، يكثر لها الاضطراب.
والإنسان مفطور على أن يؤمن لنفسه بالقوة، وإن كان ضعيفاً، وعلى أن يقنع نفسه بالحرية، وإن كان مجبوراً، فلابد من أن يؤمن الناس للنواب بأنهم يحاورون ويجادلون،
ولابد من أن يؤمن النواب لأنفسهم بأنهم يحاورون ويجادلون أيضاً. وقد حاور النواب وجادلوا أمس، فأحسنوا البلاء في الحوار والجدال، ثم اقتنعوا بأن التفاؤل خير من التشاؤم، وبأن مسألة الدين العام يجب أن تترك لحكومتنا الرشيدة. وهم كذلك قد حاوروا وجادلوا يوم الاثنين، ثم اقتنعوا بأن التفاؤل خير من التشاؤم، وبأن مسألة المحاكم المختلطة يجب أن تترك لحكومتنا الرشيدة. وهم كذلك سيحاورون ويجادلون، ثم يقتنعون إن شاء الله بأن التفاؤل خير من التشاؤم، وبأن مسألة الدين العقاري يجب أن تترك لحكومتنا الرشيدة. ومادامت الحكومة رشيدة، فيجب أن يترك لها كل شيء. وليس المهم أن تعمل الحكومة شيئاً، وإنما المهم أن يقال في مجلس النواب إنها حكومة رشيدة، وأن يترك لها مجلس النواب كل شيء. فقد كانت حكومة صدقي باشا رشيدة، وكان النواب يؤمنون لها بالرشد، لم ينزعوا منها الثقة يوماً من الأيام، ولم يسقطوها كلها أو بعضها في يوم من الأيام، ولكن رشدها طار على غير انتظار، فسقطت والنواب غائبون، ثم اجتمع النواب بعد ذلك فتبين لهم أنها لم تكن رشيدة في يوم من الأيام، ولا ملهمة للتفاؤل، ولا خليقة بالثقة في وقت من الأوقات، ولا في عمل من الأعمال. أما الوزارة القائمة فرشدها والحمد لله ما زال مستقراً، وإذن فيجب أن نترك لها مسألة الدين العام ومسألة الدين العقاري، ومسألة المحاكم المختلطة. وهي تعمل في علاج هذه المسائل بالضبط ما كانت تعمله وزارة صدقي باشا، أي أنها لا تعمل شيئاً! ولكنها مع ذلك رشيدة يجب أن يثق بها النواب وأن يتفاءلوا ويطمئنوا، ويتركوا لها كل شيء. وقد فعلوا وما زالوا يفعلون، وقد اطمأنوا وما زالوا يطمئنون، إلى أن مسألة المحاكم المختلطة موضوع مفاوضة فلا يحسن فيها الكلام، وإلى أن مسألة الدين العام موضوع مفاوضة فلا يحسن فيها الكلام. فأما مسألة الدين العقاري فعسى أن يكون أمرها كأمر هاتين المسألتين إن شاء الله. والأمور مرهونة بأوقاتها. والظريف أن رئيس الوزارة أراد أن يؤكد للنواب ما لا شك فيه من أن وزارته رشيدة ترعى المصلحة، فسأله بعضهم عن تصريح وزير المالية الذي كان يزعم للناس أنه لن يدفع إلا ورقاً، وأنه لن يفاوض في ذلك، فلم يرد رئيس الوزراء أن يرد على هذا السؤال، وإنما تخلص منه، وأفلت من السائل إفلاتاً. وكيف يرد على هذا السؤال، وهو إن فعل دفع وزير المالية إلى الاستقالة دفعاً. وأعلن ذلك إلى النواب إعلاناً. فوزير المالية لا يريد أن يفاوض في مسألة الدين العام، ولكن
مندوب الوزارة قد وصل إلى باريس أو كاد، وهو يتهيأ للمفاوضة في هذه المسألة التي لا يريد وزير المالية أن يفاوض فيها، ووزير المالية يقبل لنفسه هذا الوضع ولا يستقيل ولكن بشرط أن لا يعلن إعلاناً في مجلس النواب، وألا يصرح به رئيس الوزراء تصريحاً يسمعه الناس، وتذيعه الصحف. فالحق مر وإن صدر عن رئيس الوزراء.
أما الشعب المصري، فلم يسأله أحد، ولن يسأله أحد، أمتفائل هو أم متشائم، أمطمئن هو إلى الحكومة الرشيدة أم غير مطمئن؟ لن يسأله أحد، لأن أحداً لا يحفل بسؤاله، ومادام النواب والشيوخ راضين، فالشعب راضٍ بإذن الله. ولا نصدق الشعب، إن أعلن وألح في الإعلان، أنه ساخط، فإنما هو كلام يقال، لا ينبغي أن يصغى إليه العقلاء، الذين قضى الله لهم بالرشد، والكفاية والمهارة، حتى يزول عنهم الحكم، فيصيروا إلى مثل ما صار إليه صدقي باشا من الإخفاق والخذلان.
أما بعد فهل يحب النواب والوزراء أن يسمعوا كلمة مرة من هذه الكلمات المرة التي يسمعونها فيغضبون لها ثم يطمئنون إليها، فليعلموا إذن أن التفاؤل خير من التشاؤم، كما قال لهم صاحبهم أمس، وأن الخير كل الخير، في ألا يجادلوا ولا يحاوروا، ولا يكلفوا الحكومة مشقة الرد والجواب، فإن الرجل الحكيم خليق أن لا يضيع وقته وجهده في غير طائل. ومادامت الحكومة رشيدة، ومادام الأمر ينتهي بالإيمان لها دائماً بالرشد والثقة بها في كل شيء، فقد يكون الحزم في أن تفوض تفويضاً تاماً في تصريف الأمور دون أخذ ولا رد، في هذا الصيف المهلك الثقيل!!
[طه حسين]
حديث الوادي، ٧ يونية ١٩٣٤. -
إقناع
حديث الوادي
إقناع…
ظن رئيس الوزراء أنه سيصلى في مجلس النواب نارًا حامية حين يلقى الاستجواب حول أزمة المحاكم المختلطة. فاتخذ الأهبة، وأعد العدة، واحتاط للحريق، واصطنع كل ما كان يمكن اصطناعه من ألوان الحذر، حتى لا تمسه النار، ولا تمس وزارته، أو لا تؤذيه ولا تؤذيها إن مسه منها لهب أو شواظ.
وتحدث الناس أنه إنما ذهب إلى الإسكندرية قبل النظر في هذا الاستجواب، فأقام فيها من الأيام ما أقام، ولقي فيها من لقي، وتحدث فيها إلى من تحدث إليه، ليدخر من جوها الحلو، ونسيمها العليل، ومن قربه من البحر ذخرًا، يمكنه من لقاء هذه النار الحامية، ويجعلها عليه بردًا وسلامًا.
ثم تحدث الناس بأنه زار دار المندوب السامي صباح الأحد، مهنئًا بعيد صاحب الجلالة البريطانية، متحدثًا في بعض شؤون السياسة، ومنها أزمة المحاكم المختلطة واستجوابها في أكبر الظن، فأضاف من هذا الحديث ذخرًا إلى ذخر، وحيطة إلى حيطة. وذهب أمس إلى مجلس النواب هادئ القلب، فارغ البال، مستريح الضمير، مطمئنًا إلى أنه سيقتحم النار اقتحامًا، وسيخرج منها كما دخل فيها سالمًا موفورًا، لم يلحقه أذى، ولم يمسسه سوء. لأنه قرأ من العزائم، واتخذ من الطلسمات ما يعصمه من النار، ويجعله غير قابل للاحتراق. ثم اقتحم النار وخرج منها، مبتسمًا مبسوط الأسارير. ثم نظر إلى هذه النار، نظرة الواثق المطمئن، وألقى عليها «دشًا» باردًا كما يقولون! فإذا هي تتضاءل وتتضاءل؟ وتنكمش قليلًا قليلًا، حتى تدخل جحرها الذي خرجت منه، ويتفرق النواب نحو منتصف الليل، وهم يتساءلون: أقاظًا كانوا أم نيامًا؟ أحلمًا ما كانوا فيه أم علم؟
والحق أني مهما أقل، ومهما أطل، ومهما أجمل، ومهما أفصل، فلن أقدر رئيس الوزراء حق قدره، ولن أوفيه ما هو أهل له من الحمد والثناء. فقد بذ نفسه أمس، وبذ الساسة المصريين جميعًا. وأظهر أن في كنانة مصر سهامًا، أو سهمًا واحدًا على الأقل، وأن في أغماد مصر سيوفًا أو سيفًا واحدًا على الأقل، وأن مصر تستطيع أن تثبت للحوادث والخطوب، وأن تلقى الأجانب محاربةً، واثقة بالفوز، أو مسالمة واثقة بالتفوق. فقد
جمع الله لها في رئيس الوزراء شهاب حرب وصاحب رأي، قل أن يثبت له المحاربون وقل أن يثبت له المجادلون والمناظرون!..
وأهم ما نلاحظه في رد رئيس الوزراء على الاستجواب أمس أنه رجل يحب العدل، ويكره الجور، ولا يريد للنواب أن يدخلوا فيما لا يعنيهم، ويعرضوا لما لا شأن لهم به، فأمر المحاكم المختلطة أمر دولي لا ينبغي أن يخوض فيه النواب، ولا أن يخوض فيه الشيوخ، وإنما هو موكول إلى الوزارة، مقصور عليها بحكم الدستور، فمن تعرض له من النواب أو الشيوخ أو خاض فيه، فهو مخالف للدستور وخارج عليه، ويجب أن يشكر المستجوبون لرئيس الوزراء أنه كان رفيقًا بهم، عطوفًا عليهم، فردهم إلى الصواب في غير عنف، وقد كان يستطيع، لو أراد أن يطلب إلى المجلس محاكمتهم لأنهم خرجوا على الدستور وأرادوا أن يخرجوا المجلس معهم على الدستور.
ومعنى هذا الموقف الذي وقفه رئيس الوزراء أمس، ووقفه مرات أخرى قبل أمس، أن هناك رقابة مضروبة على البرلمان تحد سلطانه وتقص جناحه، وتنزع من اختصاصه كما يقولون أمورًا كان الناس يظنون أن من حقه أن ينظر فيها، ويمضي فيها قضاءه. والذي يعرفه الناس أيضًا أن مجالس النواب في بلاد الأرض كلها، تناقش في السياسة الخارجية، وتناقش في سعة وبسط وتفصيل، ولا يستطيع وزير من وزراء الخارجية، ولا رئيس من رؤساء الوزارات، أن ينكر عليها حقها في هذه المناقشة الواسعة المفصلة. والذي يعرفه الناس أيضًا، أن في مجالس النواب كلها لجانًا، تسمى لجان الشؤون الخارجية، وأن هذه اللجان، تراقب السياسة الخارجية من كثب، وتسمع الوزراء، وتسألهم وتخاصمهم في مجلس النواب، وتضطرهم في أحيان كثيرة إلى السقوط. هذا في أوربا، فأما في مصر، فالفقه الدستوري الجديد، لا يبيح لمجلس النواب أن يعرض لمسألة المحاكم المختلطة بالمناقشة، أو يتخذ فيها قرارًا. لأنها مسألة دولية، فأمرها إلى الوزارة وحدها.
ولكن هناك سؤالًا نود لو يجيب عليه رئيس الوزراء ما رأيه، في المسألة المصرية، أدولية هي أم غير دولية؟ أيمكن أن يعرض لها النواب بالمناقشة، أم لا يمكن؟ ومسألة الدين العام، أيمكن أن يعرض لها المجلس أم لا يمكن؟ وإذا حظر رئيس الوزراء على النواب أن يعرضوا للمسائل المصرية، التي تمس السياسة الدولية العامة أو الخاصة، فماذا بقي للمجلس من السيادة والسلطان، وحماية الاستقلال؟
وأمر آخر، ليس أقل خطرًا من هذا الأمر، ولا أهون شأنًا، ولكنه يدعو إلى الابتسام، وقد يدفع إلى الضحك، وهو أن رئيس الوزراء قد بذل جهدًا عنيفًا، ليثبت أن أزمة المحاكم المختلطة، قد ثارت من تلقاء نفسها، لم يثرها أحد، ولم يتدخل فيها عنصر خارجي عن المحاكم المختلطة، فنحب أن نعلم من الذي اتهم الوزارة بأنها هي التي أثارت الأزمة، ودفعت القضاة إلى أن يفكروا ويحتجوا؟ وعلى من كان يرد رئيس الوزراء، هذا كلام أشير إليه في بعض الصحف والبيئات الأجنبية. فهل قام رئيس الوزراء أمس ليثبت للنواب، أن الحكومة جادة في تحقيق المصلحة المصرية، وحماية الحق المصري، أم قام ليثبت للأجانب، أن الوزارة بريئة مما اتهموها به من أنها أثارت الأزمة، وحرضت القضاة؟
وأيهما كان أحب إلى رئيس الوزراء، وآثر عنده، أن يطمئن النواب، ويطمئن المصريون على حقوق مصر. أم أن يطمئن الأجانب، على أن أحدًا لا يُغرى بهم، ولا يحرض عليهم، ولا يثير لهم الأزمات؟ وأدعى من هذا وذاك، إلى الابتسام والضحك، هذه الطاقة الظريفة، التي أهداها رئيس الوزراء إلى الأجانب، من فوق منبر مجلس النواب. فرئيس الوزراء قد أثنى على الأجانب، وذكر فضلهم علينا، وإحسانهم إلينا، وشكرنا لهم، ورعايتنا لحقهم. يا للرجال! لقول غير مملول، ما أكثر ما قيل هذا الكلام، فلم يغن عن قائليه، ولا عن سامعيه شيئًا. فالأجانب يعلمون كما يعلم المصريون، أن الصلة بينهم وبيننا لن تقوم على الكلام، مهما عذب. ولا على الخطب، مهما كانت ساحرة. وإنما تقوم، ولن تستطيع أن تقوم منذ الآن، إلا على الصدق والإخلاص، وحسن النية، وتبادل الاحترام. فأما أن يبسم بعضنا لبعض، ويثني بعضنا على بعض، من أطراف الألسنة والشفاه، وفي القلوب ما فيها من الإشفاق والحذر وسوء الظن، وفي الأعمال ما فيها من المكر والخداع، وإيثار المنفعة على الحق، فهذا هو الشر الذي ليس بعده شر، والبلاء الذي ليس مثله بلاء.
رئيس الوزراء يعلم هذا، حق العلم، ويعلم أن الصلة بيننا وبين الأجانب لن تحسن، إلا إذا عرفت الحكومة المصرية كيف تقيمها على الحزم، واحترام الحق، والتسليم بأن مصر بلد إن لم يكن حرًا بالفعل، فهو مصمم على أن يكون حرًا. ولكنه مع ذلك يبدي ويعيد، فيما أبدى فيه غيره وأعاد.
هذا كل ما قال رئيس الوزراء أمس في بيانه القيم الظريف. أما أنه أرضى كثرة النواب، فشيء يظهر أنه سيبين مساء اليوم أنه لا شك فيه. وأما أنه أرضى المصريين من غير النواب، فنستطيع أن نؤكد لرئيس الوزراء صادقين، ويستطيع رئيس الوزراء أن يؤكد لنفسه صادقًا، أن هذا شيء لا سبيل إليه. ذلك أن المصريين لا يرضون بالكلام، ولا بالكلام الذي لا يدل على شيء، ولا بالكلام الذي يراد به فك المجالس، كما تقول العامة. وإنما ترضيهم الأعمال وحدها، فإذا لم يكن بد من الكلام فالكلام الحازم الصارم الذي يملؤه الشعور بالحق، والحرص على صيانته والإصرار على الوصول إليه مهما تكن الظروف. وهل يريد رئيس الوزراء أن نصارحه اليوم، كما صارحناه من قبل، هل يريد رئيس الوزراء أن ننبئه بأن المصريين لم يكونوا ينتظرون منه غير ما قال أمس، لأنهم يعلمون حق العلم أنه لا يستطيع أن يقول غير ما قال، ويعلمون حق العلم أنه لا يتحدث عنهم، ولا ينطق بلسانهم، ولا يصور ما يشعرون وما يريدون، وأين هو مما يشعر المصريون وما يريدون؟
ليهنأ رئيس الوزراء برضا النواب، إن رضوا، وليهنأ رئيس الوزراء بما سيظهر له الأجانب من الرضا، وليجهل رئيس الوزراء ما يكتم الأجانب عنه من هذا الابتسام الذي يهديه بعضهم إلى بعض، إذا خلوا إلى أنفسهم، وغلقوا من دونهم الأبواب. فأما المصريون فليدعهم رئيس الوزراء وما هم فيه، فقد يكون من الرفق به والعطف عليه، أن لا تحدثه بما يظهرون، وما يضمرون.
[طه حسين]
حديث الوادي، ٥ يونية ١٩٣٤. -
مفاوضات
حديث المساء: مفاوضات
طه حسين
كوكب الشرق
١٩ أكتوبر ١٩٣٣
ليس موضوعها استقلال مصر؛ فقد انقضى — ولو إلى حين — ذلك العهد الذي كانت تُعنَى فيه الوزارات، أو تستطيع فيه الوزارات أن تُعنَى بالمفاوضة في استقلال مصر، وأصبحنا — والحمد لله — في عهد سعيدٍ تُشغَل الوزارات فيه عن الاستقلال بما هو أجلُّ من الاستقلال خطرًا، وأبلغ من الاستقلال تأثيرًا في حياة مصر، فإذا أتيح لها أن تفكر في الاستقلال واستكماله، فإنما تفكر في ذلك لتدخله في بيان من هذه البيانات التي تذاع يوم تُؤلَّف الوزارات، أو لتدخله في خطبة من خطب العرش حين تفتتح دورة البرلمان. وقد يخطر للوزارات أن تهم بالتحدث إلى الإنجليز في أمر الاستقلال، فترد عن ذلك ردًّا رفيقًا، فإذا ألحت ردت عن ذلك ردًّا عنيفًا، فإذا ألحت قطعت بها الأسباب، وغلقت دونها الأبواب، ومهدت إلى استقالتها أو إقالتها السبيل؛ فالمفاوضات في أمر الاستقلال شيء يخاف منه على بقاء الوزارات وامتداد حياتها.
وليست هذه المفاوضات التي تريد أن تتحدث عنها حول إلغاء الامتيازات؛ فقد كان الدكتاتور الذي هوى ينتظر أن تفرغ إنجلترا من مشاغلها الأخرى ليستعين بها على إلغاء الامتيازات، فهوى قبل أن يفرغ بال الإنجليز، ولم تكد تنهض الوزارة القائمة حتى ألقت ألمانيا قنبلتها في جنيف، فتعقدت الحياة الدولية، وشغل الإنجليز عن الامتيازات ووزارة عبد الفتاح يحيى باشا، كما كانوا مشغولين عن الامتيازات ووزارة صدقي باشا. وإذن فلن تكون الامتيازات موضوعًا للمفاوضات التي أريد أن أحدثك عنها الآن.
وليست مسألة الدين العام موضوعًا لهذه المفاوضات، فمسألة الدين العام أمام القضاء، ووزير المالية الجديد يؤثر الانتظار؛ لأنه يريد أن يعرف حكم القضاء من جهة، ولأنه من جهة أخرى لا يستطيع أن يطمئن إلى ما كان يطمئن إليه صدقي باشا من رأي المستشارين الملكيين المصريين. فلا بد له من أن يستشير رجال القانون والمال من الأوروبيين. فالمستشارون المصريون يستطيعون أن يشيروا على أوساط الناس لصدقي باشا وأمثاله. فأما أفذاذ الوزراء والنابهون منهم فيجب أن يكون الذين يشيرون عليهم من جوهر آخر غير الجوهر المصري، ومن عنصر آخر ممتاز. وإلى أن يحكم القضاء، وإلى أن يشير الممتازون من أهل أوروبا، فلن تكون مسألة الدين موضوعًا للمفاوضات.
ومع ذلك فهناك مفاوضات طويلة، شاقة، معقدة، ملتوية، بعيدة الأثر في حياة المصريين، قد جرت وما زالت تجري، والشعب المصري كله مُعلَّق بين الأمل والرجاء؛ لأنه لا يدري أتنتهي هذه المفاوضات إلى الفوز فيعيش، أم تنتهي هذه المفاوضات إلى الإخفاق فيدركه الموت.
لا تعرف رجلًا من المصريين ولا تتحدث إليه إلا رأيت نفسه مملوءة، وقلبه مشغولًا بهذه المفاوضات التي يتوقف على فوزها مصير هذه الملايين التي تعيش على ضفاف النيل. أفتريد أن تعرف هذه المفاوضات؟ وأي معنى لهذا السؤال فأنت تعرفها كل المعرفة، وأنت تستقصي أنباءها، وتتبع أطوارها مع الصباح والمساء؛ لأنك مصري، والمصريون جميعًا موقوفون على هذه المفاوضات.
فقد علمت الآن أنها هذه التي تجري بين الوزارة، أو بين عضوين من أعضاء الوزارة، وبين حزب الشعب.
ولهذه المفاوضات خصائص تمتاز بها من جميع المفاوضات التي سبقتها، ومن جميع المفاوضات التي قد تلحقها. ومصدر هذه الخصائص إنما هو الظروف التي أسقطت وزيرًا، وأقامت مكانه وزيرًا آخر، وأحدثت في حزب الشعب اضطرابًا أقل ما يوصف به أنه يُسلِّي همَّ المحزون، أسقط رئيس حزب الشعب ومنشؤه وباعث الحياة فيه، وأقيم مكانه رجل كان عضوًا في الحزب، ونائبًا لرئيسه، وكان عضوًا في الوزارة، فلما أُخرِج من الوزارة أخرج نفسه من الحزب، ثم رفع إلى رياسة الوزراء فرَدَّ نفسه إلى الحزب.
لم يرض صدقي باشا بخروجه من الحزب حين خرج، ولم يرتح صدقي باشا لعودته إلى الحزب حين عاد، ولكن باب الحزب مفتوح لعبد الفتاح يحيى باشا يخرج منه متى شاء، ويدخل منه متى أراد، والبواب ينظر إليه معرضًا عنه حين يخرج، مكرهًا على الترحيب به والوقوف له حين يعود. وكان البواب يظن أنه يستطيع أن يغلق الباب في وجوه أخرى غير وجه هذا العضو المستبد، الذي لا يحفل بالبوابين، وقد يعطف عليهم أحيانًا.
ولأمر ما خُيِّل لرئيس حزب الشعب أنه يستطيع أن يفصل من الحزب رجلين كانا يعملان معه في الوزارة، ثم عملا مع خصمه دون أن يذعنا لرأي رئيسهما. فكَرِه هذان الرجلان ذلك وأنكراه، وتضامن معهما رئيسهما الجديد، وتضامن معهما بقية الوزراء من المستَقِلِّين والاتحاديين، ونظر حزب الشعب ورئيسه، فإذا الحرب في ناحية، والوزارة في ناحية أخرى، وظن رئيس حزب الشعب، صدقي باشا، أن الأمر إليه، وأنه يستطيع لا أن يفصل هذين الوزيرين فحسب، بل أن يسقط وزارتهما — إن شاء الله — حين يجتمع البرلمان، ولكن رئيس الوزراء هزَّ رأسه، ورفع كتفيه، ورسم على ثغره ابتسامة ليست أقل جمالًا ولا سحرًا من ابتسامة منافسه العظيم وانتظر.
لم يُغْرِ أحدًا بالنواب والشيوخ، ولم يُسلِّط عليهم وزير الداخلية ولا رجال الإدارة، ولم يخطر له أن يدعو أحدًا من أعضاء الحزب إلى تأييده والانضمام إليه، وإنما هزَّ رأسه ورفع كتفيه وابتسم وقال: أنا رئيس الوزراء. وإذا قوم يفدون، وقوم يخطبون، ولم يدعهم أحد إلى وفادة وخطابة، وقوم يعتذرون ولم يدعهم أحد إلى اعتذار، ولم يلمهم أحد في شيء.
وإذا عريضة أؤكد لك جاهدًا أن أحدًا من الناس لم يكتبها، ولم يُمْلها، ولم يعدد لها ورقًا، ولم يُجْرِ بها قلمًا، ولم يُرِق فيها حبرًا، وإنما نظر أعضاء حزب الشعب، فإذا هي قد نجمت من الأرض أو هبطت من السماء، وإذا الهواء يحملها في دقة وخفة، وفي رشاقة ولباقة، ويطوف بها عليهم. لا يراه أحد، ولا يحسه أحد، ولا يقرع بها بابًا، ولا يهتك بها حجابًا، وإنما ينظر العضو من أعضاء حزب الشعب، فإذا ورقة مبسوطة أمامه، وإذا صوت خفي يثور في أعماق نفسه لا يسمعه غيره، وهو يقول: رمض هذه العريضة؛ فإنها تأييد لرئيس الوزراء. ولا يكاد هذا العضو من أعضاء حزب الشعب يفكر ولا يقدر؛ لأن الهواء الرقيق الدقيق الرشيق قد حمل دواة وقلمًا، ثم غمس القلم في الدواة، ثم وضع القلم في يد العضو من أعضاء حزب الشعب، ثم أجرى هذه اليد بكتابة الاسم الكريم.
ثم تنصرف العريضة مدبرة، عن يمينها القلم، وعن شمالها الدواة وهي تضحك، وهما يضحكان، وهي تقول، وهما يقولان: سيعلم صدقي باشا أن لرياسة الوزارة جندًا من الهواء يُكره الأعضاء على كتابة الأسماء، وما تزال هذه العريضة تخرج من بيت لتدخل في بيت، وتترك نديًّا لتلم بنديٍّ، حتى تصل إلى عضو من أعضاء حزب الشعب، يحب الحزب، ويحب الوزراء، يكبر الرئيس الجديد، ويرحم الرئيس القديم. فلا يكاد يرى هذا الوفد الغريب يدخل عليه محمولًا على أجنحة الهواء، قلم عن يمين، ودواة عن شمال، وورقة مبسوطة بينهما، حتى يقرأ سورة الإخلاص والمعوذتين، وآية الكرسي، وينهض من فوره وقد أقسم ليتوسطنَّ في الأمر، وليُصلحَنَّ بالمفاوضة والرضى ما تريد جنود الهواء أن تصلحه بالحيلة والمكر.
ومن ذلك الوقت بدأت المفاوضات، وتُحدِّثنا الصحف بأنها تتقدم في سبيل الوفاق تقدمًا مرضيًا سريعًا لا يعوقه إلا بعض هذه الصيغ التي يكثر فيها القال والقيل، والتغيير والتبديل، والتفسير والتأويل، ويعمل في التوفيق بينها عقل وزير التقاليد من قريب أو بعيد. والظاهر أن مساء هذا اليوم لن ينقضي حتى تنتهي المفاوضات إلى فوز الوزارة، وإذعان حزب الشعب، ورجوع الوزيرين المفصولين إلى الحظيرة، كما رجع رئيس الوزارة إليها بعد أن استقال.
والظاهر أن هذا الفوز أمر محتوم؛ لأن هذه الجنود الخفية، جنود الهواء التي تحمل القلم عن يمين، والدواة عن شمال، وتبسط العريضة بينهما بسطًا لم تُلقِ السلاح، ولم تخلد إلى الراحة، وإنما هي موفورة القوة، جمة النشاط، متأهبة للزحف إذا لم يذعن صدقي باشا إذعانًا. ومن لصدقي باشا بمقاومة هذه الجنود الهوائية التي لا تبلغها الأيدي، ولا تدركها العيون، وهي قادرة على تحريك الأيدي، وإغماض العيون.
وأمر هذه الجنود غريب؛ فهي لم تظهر نشاطها الحازم الجازم إلا منذ أيام حين رست سفينة في الإسكندرية، ثم أقلعت منها؛ فالناس يظنون أن جنود الهواء هذه قد كانت تصطاف في بعض المدن من وراء البحر، أو من وراء المحيط، حتى إذا قضت وطرها من الاصطياف عادت إلى مصر، فلما رأت ما رأت، وسمعت ما سمعت، نهضت لتقويم العوج وإصلاح الميل والتوفيق بين المختصمين. ووفقت — أو هي ستوفق — حين يجتمع مجلس الإدارة لحزب الشعب مساء اليوم.
وكذلك يصفو الجو، وتنحل المشكلات، ويتولى حزب الشعب الحكم رغم أنفه، ويؤيد الرئيس المستقيل صديقه العزيز الرئيس الجديد راضيًا بتأييده كل الرضى، مغتبطًا كل الاغتباط، ويحتمل تبعات الحكم بعد أن أبعد عن الحكم لا لشيء إلا لأنه رجل عظيم قد خلق لاحتمال التبعات. يفر منها فتقفو أثره وتتهالك عليه. وكذلك ينتصر عبد الفتاح يحيى باشا، ويُرغم صدقي باشا على أن يكون له مؤيدًا وظهيرًا، ولكن المسألة التي يلقيها بعض الناس على بعض، وينتظرون عليها جوابًا، يظهر أنهم لن يظفروا به قبل آخر العام، هي: ما خطب هذه الجنود الهوائية؛ أترابط في مصر إلى أجل بعيد، أم ترحل عنها إلى قطر من أقطار الشرق، أو بلد من بلاد الغرب قبل أن ينقضي العام؟