واجب …
طه حسين
جريدة الجمهورية
٢٤ سبتمبر ١٩٥٤
نعم؛ واجب طالما أُرْجِئ واتصل التقصير في أدائه بأسباب كثيرة مختلفة منها ما يُساغ ومنها ما لا يُساغ، حتى كان التفكير في أدائه منذ أكثر من عشرين عامًا، حين أراد الأزهر الشريف أن تُنقَل معاني القرآن الكريم إلى اللغات الأجنبية، وأن يكون نقله إلى نفر من المسلمين الذين يحسنون العلم بدقائقه، ويفهمون أسراره حق فهمها، ويتقنون لغته حق إتقانها، ويملكون اللغة الأجنبية التي ينقلون إليها ملكًا يتيح لهم أن يتصرفوا فيها تصرف القادرين عليها المطوعين لها المجيدين لإيداعها أدق المعاني في بلاغة تلائم مكانة القرآن، ومقامه الرفيع من البيان العربي.
وقد أحسَّ الأزهرُ الشريف أنَّ نَقْل القرآن ببيانه الرائع المعجز إلى لغة أجنبية شيء لا مطمع فيه ولا سبيل إليه؛ فآثر التواضع ولم يفكر في ترجمة القرآن كما يُترجَم غيره من الكتب، وإنما فكر في نقل معانيه إلى اللغات الأجنبية اعترافًا بالقصور عن الترجمة بمعناها الدقيق، وتجنبًا لكثير من الحرج الذي يأتي من الدين والفن جميعًا.
وكان الأزهر موفقًا منصفًا في هذا التواضع؛ فالترجمة في نفسها عسيرة أشد العسر، وهي ممتنعة بالقياس إلى الآيات الأدبية الرائعة؛ فكيف بالقرآن المعجز الذي لم يستطع أن يأتوا بمثله في لغتهم التي نشئوا عليها وبرعوا فيها، وبلغ النابهون منهم أقصى ما يمكن أن يبلغوا من القدرة عليها والتطويع لها والسحر بما أُتِيحَ لهم من البيان والتبيين.
وقد استجابت الحكومة في ذلك الوقت لإرادة الأزهر وقررت النهوض بالأعباء المادية لهذا النقل، وأرصدت لذلك في ميزانيتها المتتابعة مقدارًا رمزيًّا من المال يتيح للأزهر أن يبدأ عمله حتى إذا خطا فيه الخطوات الأولى أنفقت الحكومة على هذا العمل عن سعة وفي غير بخل ولا تقتير.
ولكن الأزهر أكثر الحديث في هذا الموضوع، ثم سكت عنه فجأة، وظلت الحكومة ترصد هذا المقدار الرمزي في ميزانياتها أعوامًا متصلة، والأزهر ساكن لا يعمل شيئًا وساكت لا يقول شيئًا.
وأشهد لقد هممت بشيء من نقل معاني القرآن الكريم إلى اللغة الفرنسية غير مرة، ولكني صرفت نفسي عن ذلك صرفًا؛ لأني لم أُرِدْ أن أقحم نفسي على ما أراد الأزهر أن يُختَصَّ به من دون غيره من الهيئات، ومن دون غير الأزهريين من الناس.
ولكني أقرأ في الأهرام التي صدرت صباح الأحد حديثًا لحضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر أفهم منه كما يفهم منه غيري أن الأزهر قد أعرض عن هذا الرأي، واكتفى بأن يؤلف المختصون من رجاله كتبًا ورسائل تُعرِّف الإسلام إلى الناس على أن تُترجَم هذه الرسائل إلى اللغات الأجنبية.
ولست أشك في أن تأليف هذه الكتب والرسائل خير في نفسه وحق على القادرين عليه من المختصين، وقد كنت أتحدث في أول الصيف في شيء من ذلك إلى صديقين كريمين، واقترح أحدهما أن نضع كتابًا نُبيِّن فيه حقائق الإسلام كما ينبغي أن تُبيَّن؛ ليقرأه أصحاب الثقافات المتوسطة وليُنقَل بعد ذلك إلى بعض اللغات الأجنبية فيظهر عليه بعض القُرَّاء من الأجانب الذين لا يعرفون الإسلام إلا كما تُصوِّره لهم بعض الكتب الأجنبية تصويرًا فيه الخطأ والصواب، وفيه الإنصاف أحيانًا والجور أحيانًا، وقد أمعنَّا في حديثنا ذاك، ولم نفترق حتى وضعنا منهاجًا لهذا الكتاب، وقسَّمْنَاه على أنفسنا، واتفقنا على أن يفكر كل منا في النصيب المقسوم له من هذا المنهاج أثناء الصيف، على أن نأخذ في الكتابة بعد انصرام القيظ عنَّا.
وفي أثناء هذا الصيف وحين كنت في عزلتي تلك الأوروبية القصيرة قرأت كتابًا فرض عليَّ التفكير المتصل فيما كان الأزهر يفكر فيه منذ أعوام طوال، من نقل معاني القرآن الكريم إلى اللغات الأجنبية تصويرًا صحيحًا أو مقاربًا.
والكتاب الذي قرأته في تلك العزلة كتاب خطير حقًّا ألَّفَه كاتب إيطالي مسيحي معروف هو الأديب العظيم جوفني بابيني، وضاقت به الكنيسة الكاثوليكية أشد الضيق فأنكرته، وحرمت قراءته على المؤمنين من أتباعها، ولكن الكتاب مع ذلك تُرْجِم إلى اللغات الأوروبية الكبرى، وقرأته أنا في ترجمته الفرنسية.
وموضوع هذا الكتاب هو الشيطان، والكتاب مُحيِّر حقًّا لا يدري قارئه أهو كتاب ديني أم هو كتاب أدبي، بل لا يدري قارئه أهو كتاب قُصِدَ به إلى الجد الخالص والبحث العلمي الصارم، أم هو كتاب خُلِطَ به الجد والهزل، وامتزج فيه العلم والأدب.
فالمؤلف يُصوِّر الشيطان كما وصفته التوراة، وكما وصفه الإنجيل، وكما وصفه شُرَّاح التوراة والإنجيل من آباء الكنيسة وأحبارها، ويعرض آراء قديمة في الشيطان وفي مصيره. تغضب الكنيسة أشد الغضب، ولكن الكاتب لا يقف عند هذا الحد، وإنما يصور الشيطان كما وصفته آثار الأمم المختلفة قديمها وحديثها على اختلاف دياناتها ومذاهبها الفلسفية.
ثم يتجاوز هذا كله فيصور الشيطان كما رآه الأدباء وأصحاب الفنون الجميلة على اختلاف بيئاتهم وأزمنتهم، وعلى اختلاف طبائعهم وأمزجتهم، وكما رآه هو في بعض أوقاته.
والكتاب ممتع ما في ذلك شك، وهو يدل على علم عميق وثقافة واسعة بعيدة المدى وإحاطة بشئون الأجيال المتباينة المتباعدة من الناس منذ أخذ الناس يكتبون ويصورون إلى هذا العصر الذي نعيش فيه … ولكنه على ذلك مختلط فيه الجد وفيه الهزل، وفيه الصحيح وفيه المحال، وإن ذهب المؤلف فيه مذهب العلماء وتكلف فيه سيرة الذين يجدون ولا يعبثون.
وقد وقفني من هذا الكتاب تصويره للشيطان كما وصفه القرآن الكريم، وهذا التصوير هو الذي اضطرني إلى أن أفكر فيما أراد الأزهر منذ ربع قرن، من نقل معاني القرآن إلى اللغات الأجنبية … ذلك أن الكاتب الإيطالي ليس مستشرقًا، فهو لا يقرأ القرآن في نصه العربي، وإنما يقرأ هذه التراجم التي نهض المستشرقون بأعبائها في اللغات المختلفة وفي العصور المختلفة أيضًا.
ولست أدري أي ترجمة وقعت له لأنه لم يدلنا عليها، ولكنها ترجمة خاطئة مخطئة من غير شك، وقد نتج عن قراءته لهذه الترجمة واطمئنانه إليها واعتماده عليها شر عظيم يضيق به الأزهر، ويضيق به الأستاذ الأكبر أشد الضيق، وينكره المسلمون أعظم الإنكار.
فهو قد قرأ — فيما يظهر — ترجمة لهذه الآيات الكريمة من سورة الحجر؛ حيث أنبأ الله ملائكته بأنه خالق بشرًا من صلصال من حمأ مسنون، وأمرهم إذا سوَّاه ونفخ فيه من روحه أن يقعوا له ساجدين … ( فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ ).
وقد تُرجِمَتْ هذه الآية الأخيرة على أن إبليس لم يكن من الذين يسجدون؛ لأن طبيعته وعلوه في نفسه يرفعانه عن السجود، واستنتج من هذا — ويا بؤس ما استنتج! — أن إبليس كان أقرب إلى الإسلام من الله؛ لأن إبليس أبى أن يسجد لبشر، والإسلام يحرِّم السجود لغير الله، فكان إبليس أحرص على رعاية الإسلام من الذي جعل الدين عند الله الإسلام!
تعالى الله عما يقول المترجمون الخاطئون المخطئون علوًّا كبيرًا!
ولكن الشيء المهم الخطير هو أن هذا الكتاب قد قُرِئَ بالإيطالية والفرنسية وغيرهما من اللغات الكبرى، وظن كثير من قرائه أن هذا الكلام في القرآن، وأن الله قد أراد الملائكة على أن يسجدوا لآدم عابدين له من دون الله، وأن إبليس قد أبى أن يشرك بالله بشرًا، وأن الله عاقبه باللعنة على هذا التوحيد.
فما رأي الأزهر؟! وما رأي فضيلة الأستاذ الأكبر؟! ألا يزال الأزهر والأستاذ الأكبر يريان العدول عن نقل معاني القرآن إلى اللغات الأجنبية الكبرى لِيُعْرَفَ الإسلامُ في البلاد الأوروبية والأمريكية على وجهه؟! ألا يوافقني الأزهر والأستاذ الأكبر على أن التقصير في أداء هذا الواجب إثم لا ينبغي أن يتورط فيه المسلمون بعد أن كثر هذا السخف السخيف الذي يتناقله كثير من غير المسلمين منذ تُرْجِم القرآن في أواخر القرون الوسطى إلى أن تُرْجِم أخيرًا في هذا العصر الحديث تراجم أقل ما تُوصَف به أنها ليست دقيقة ولا صادقة ولا مقاربة في كثير من أجزائها، وأنها تنشر الخطأ في كثير من العقول وتلقي في روع كثير من الناس أمورًا ليست من الإسلام ولا من القرآن في شيء؟!
وليس كل الغربيين قادرًا على أن يقرأ القرآن في نصه العربي، وليس كل الغربيين قادرًا على أن يفهم القرآن إن قرأه في النص العربي، وليس أوساط الناس مكلفين أن يتحققوا من صدق التراجم التي تُنشَر لهم ودقتها ولا قادرين على هذا التحقق، بل هم مدفوعون بطبعهم إلى أن يأخذوا هذه التراجم على أنها صحيحة دقيقة كما يأخذون تراجم الكتب الكثيرة التي تُنقَل إليهم. وكثير منهم يقرءون العهد القديم والعهد الجديد مُترجمَين إلى اللغات التي يتكلمونها، فهم يقرءون تراجم القرآن كما يقرءون تراجم التوراة والإنجيل مع هذا الفرق الخطير؛ وهو أن تراجم التوراة والإنجيل تخضع لمراقبة شديدة عسيرة من السلطات الدينية المسيحية، ولا تخضع ترجمة القرآن لمراقبةٍ ما إلا مراقبة الناقدين من العلماء، وقلَّما يحفل العلماء بهذه المراقبة، وقلَّما يقدرون عليها!
ليصدقني الأزهر وليصدقني الأستاذ الأكبر أن هذا شر عظيم غفل المسلمون عنه دهرًا وتغافلوا عنه دهرًا، وأصبح إهماله إثمًا يجب أن تُبذَل الجهود كل الجهود للتخلص منه والتخفف من ثقله.
وبَعْدُ، فما أكثر ما ترجم الأوروبيون القرآن إلى لغاتهم كما أحبوا أو كما استطاعوا وقد أصبح واجبًا على المسلمين أن يترجموا معاني القرآن بأنفسهم إلى هذه اللغات! وما أكثر ما كتب الأوروبيون الرسائل وألفوا الكتب عن الإسلام فأخطئوا وأصابوا وأنصفوا وجاروا عن قصد السبيل! وقد أصبح واجبًا على المسلمين أن يُعرِّفوا الإسلام بأنفسهم إلى غيرهم من الأمم.
وإذا كان الأزهر لا يريد أن ينقل معاني القرآن إلى اللغات الأجنبية — وأنا أُجِلُّه عن ذلك — فلا أقلَّ من أن يُخلِّي بين المسلمين وبين هذا النقل يجتهدون فيه حسب طاقتهم دون أن يصرفهم عن ذلك أو يحرج عليهم فيه أو يثير في سبيلهم المصاعب والعقبات.
إن العالم الغربي يفكر في الإسلام ويتحدث عنه أكثر جدًّا مما يظن الأزهر والأزهريون، فلا أقل من أن نتيح له التفكير فيه والتحدث عنه على وجه صحيح وعن علم دقيق بأسراره وحقائقه؛ ذلك أجدر أن يعفينا من التقصير، وأن يُقرِّب الصواب إلى غير المسلمين.
Tag: Grand Sheikh
-
واجب …
-
أخلاق سياسية
حديث الوادي
أخلاق سياسية
وزير التقاليد يعبث بالنظم والقوانين فيعفي من نفقات التعليم قوما لا ينبغي إعفاؤهم منها، ويفرض هذه النفقات على قوم لا ينبغي أن تفرض عليهم، أولئك أغنياء يملكون الأرض الواسعة التي تغل لهم المال الكثير، أو موظفون يتقاضون المرتبات الضخمة التي تبلغ الألف أو تزيد على الألف، ولكن أبناءهم يتعلمون على حساب الدولة، لأنهم أبناء الأغنياء، أو أبناء كبار الموظفين، ولأن للوزير أرباً في إرضاء آبائهم، أو التقرب إليهم، وهؤلاء معسرون قد ألح عليهم الفقر، واشتد عليهم الضيق، وسدت أمامهم مسالك الحياة، فهم لا يجدون ما ينفقون، ولكن الوزير يخيرهم بين التعليم تدفع نفقاته وبين الجهل لأنهم فقراء لا يستطيعون أن يتوسلوا بثروة، ولا أن يستعينوا بوظيفة، ولا أن يعتزوا بجاه.
وهذا كله يقع في عهد كان يقال إنه عهد دستوري قوامه احترام القانون والدستور. وهذا كله يقع من وزير كان يقال له إنه مثقف ثقافة عالية حتى أنه ألف كتاباً في البيع، وكان يقال له الرئيس الأعلى للجامعة، وكان يقال له المثل الأعلى في النزاهة والأخلاق للمتعلمين والمعلمين جميعاً.
وهذا كله لا يقع من الوزير وحده وإنما يعينه عليه موظفون منهم الكبير ومنهم الصغير، وكلهم يفرض عليه العدل، ويفرض عليه الضمير، ويفرض عليه الواجب الوطني، أن يكون نزيهاً منصفاً، نقي اليد والقلب واللسان، وألا يسرق أموال الفقراء، ليعطيها لأبناء الأغنياء. فإذ وقع هذا كله، إذ سرقت أموال الفقراء المعوزين، ودفعت إلى الأغنياء المترفين، وأشرف على هذه السرقة جماعة من المثقفين، الذين اتخذتهم الدولة حماة لنظمها، أمناء على قوانينها، حراساً لأموالها، إذ وقعت هذه السرقة وأشرف عليها هؤلاء المثقفون عالمين بها، راضين عنها آمنين إليها، ثم أقبل وزير المعارف الجديد، فأراد رد الحق إلى أهله، وأراد إنصاف الفقير المعوز من عدوان الغني المترف، قيل إنه غير مجامل، وأن المجاملة كانت تفرض عليه فلا يأتي من ذلك شيئاً، فليس يليق بنجيب الهلالي أن يحرج موقف حلمي عيسى.
كل هذا دليل على فساد في الخلق السياسي عظيم، فساد يدعو إلى العبث بالحق، والاستهانة بالإثم، وإيثار الغني الذي لا يحتاج على الفقير الذي يحتاج، واختلاس أموال الدولة، لإنفاقها في غير وجهها، وفرض الجهل على الفقراء فرضاً، ثم فساد يدعو إلى الرضى بهذا كله، والمضي في هذا كله، وضرب المثل في هذا كله، ثم فساد يدعو إلى لوم الذين يحبون أن يعدلوا، ومعاتبة الذين يريدون أن ينصفوا وإيثار الأشخاص على الحق والعدل، وأخذ الوزراء بأن يتستروا على الآثمين، في سبيل المجاملة وإرضاء المودة والهوى. لقد أحسن وزير المعارف حين قال لمندوب إحدى الصحف إنه لا يستطيع أن يجامل بذمته، فليست الذمة الإنسانية شيئاً يؤخذ ويعطى، أو يباع ويشرى، أو يتأثر بالمودة والمجاملة. فليت شعري هل يرضى وزير التقاليد بل ليت شعري هل يفهم وزير التقاليد هذا المعنى، وهل يقدر قيمة هذه الحكمة وهل يعرف أن ذمم الوزراء خاصة، يجب أن تكون فوق كل شيء، حتى المجاملة؟.
وجماعة من الموظفين في المعاهد الدينية يرون إضراب الطلاب الأزهريين ويعلمون أن المضي في هذا الإضراب مناقض للمصلحة العامة، مسيء إلى ما يريد الشعب من تحقيق آماله في الحرية السياسية الصحيحة، مخالف لما يجب أن يعين رجال العلم عليه من الإخلاد إلى الهدوء والنظام، حتى تمضي الأمور على وجهها، وحتى تأخذ الوزارة في الإصلاح وهم يعلمون أن الوزارة لا ترضى عن المضي في هذا الإضراب، ولا تحبه للطلاب، وهم يعلمون أن الموظفين لن يوضعوا في مناصبهم ليحرضوا على الإضراب أو ليشيروا به أو ليؤلبوا الناس على الوزارة، أو ليغروا الناس بتجاوز النظام. ولكن الصحف تنبئنا مع هذا بأنهم كانوا يسعون بين الأزهريين، يغرونهم بالإضراب ويرغبونهم فيه ويدفعونهم إليه، ويحثونهم عليه، ولعل منهم من كان يلوح بألوان الترغيب والترهيب. فهؤلاء الموظفون الذين تحدثت عنهم الأهرام صباح اليوم مرضى بفساد الخلق السياسي لا يقدرون واجبهم ولا يقدرون حقهم وإنما هم قوم قد نزلوا عن إرادتهم وجعلوا ضمائرهم تجارة لا قدر الناس على الدفع وأنشطهم إلى البذل، وأسخاهم بالأماني والوعود، وهؤلاء الموظفون يعملون في المعاهد الدينية حيث يجب أن يكون الطهر الشامل والنقاء التام، وحيث يجب أن ترتفع الأخلاق عن الدنيات، وحيث يجب أن تلتمس المثل العليا لسيرة الأفراد والجماعات، والشر لا يقف عند هؤلاء الموظفين، فأمرهم هين لأنهم ضعاف، ولكنه يتجاوزه إلى السادة الذين جبنوا فلا يظهرون وخافوا فلا يبرزون، وعملوا مع ذلك من وراء ستار فاتخذوا هؤلاء الضعفاء أدوات للفساد.
والأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر يعلم حق العلم أن الأزهر كله مجمع على الانصراف عنه والزهد فيه، والضيق بمكانه من الرياسة لهذه المعاهد الدينية، لأن العلماء والطلاب يحصون عليه وعلى سياسته أموراً ينكرونها وينكرها معهم الناس جميعاً وينكرها معهم الدين أيضاً، وهو يعلم بعد هذا كله أنه قد ظاهر في العهد البغيض، وأعان على إقامة النظام الزائل واشترك في بعض آثامه، ويعلم بعد هذا أيضاً، أنه قد حمل ضميره، وحمل الأزهر معه عبئاً ثقيلاً حين فصل هؤلاء العلماء الذين نيفوا على السبعين، وحين فصلهم في غير سؤال ولا تحقيق، ولا التماس للمنفعة، ولا إيثار للعدل ولا خوف من سخط الله، وهو يعلم بعد هذا كله أن بقاءه في منصبه مناقض كل المناقضة لروح العهد الجديد، وأنه لن يستطيع أن يبقى وإنه خارج أما غداً أو بعد غد، طبيعة الأشياء تريد هذا، وطبيعة الإصلاح تفرضه فرضاً، ولكنه مع هذا كله لا يستقيل ولا يظهر استعداداً للاستقالة، أما لأنه لا يشعر بشيء من هذا كله ولا يقدره، وأما لأنه لا يحفل بشيء من هذا كله ولا يريد أن يخرج إلا إذا أمر بالخروج، ومن الناس من يقول شيئاً غير هذا وذاك، ويزعم أن الشيخ مقيم حيث لا تنبغي له الإقامة، لأن هناك خطة مرسومة يجب أن تنفذ، وإقامة الشيخ بعض هذه الخطة، ومهما يكن من شيء فأخلاق الشيخ السياسية في حاجة إلى كثير جداً من الاستقامة والاعتدال، فما ينبغي له أن يبقى وهو يعلم أن بقاءه مستحيل، وما ينبغي له أن يبيح للناس ما يقولون فيه من الأقاويل، ولا أن يسمح بأن يكون موقفه غريباً شاذاً يذهب الناس في تأويله المذاهب، ويظن الناس به الظنون، ورؤساء الدين يجب أن يكونوا قدوة في الكرامة والزهد والارتفاع عن الظنة وسوء الرأي، ولكن الشيخ لم يرتفع عن الظلم، فليس عليه بأس مما هو فيه.
وأمثال هذه الهنات التي أحصيناها في وزارة المعارف وفي إدارة المعاهد وفي مشيخة الأزهر كثيرة لا تحصى، وهي منبثة في جميع المصالح والوزارات والدواوين فلن تجد مصلحة تخلو من رجل أفسد وهو يعلم أنه مفسد ومن رجل قبل أن يسخر لغير ما ينبغي أن يعمل فيه الموظفون ومن رجل يعلم حق العلم أن بقاءه في منصبه شيء غير مرغوب فيه، وأنه إن احتمل اليوم فلن يحتمل غداً، ولكنه مع ذلك لا يخرج ولا يفكر في الخروج، لن تخلو مصلحة من هؤلاء الناس لأن العهد البغيض قد بث فساد الخلق السياسي في كل بيئة وفي كل مصلحة وفي كل ديوان، فما أشد حاجة الوزارة القائمة إلى الحزم والعزم وما أشد حاجتها إلى ألا تقتنع بالنزاهة الهادئة المطمئنة والارتفاع عن المجاملة بالذمم، وما أشد حاجتها إلى أن تأخذ في الإصلاح بقطع أسباب الفساد وقطع دابر المفسدين.
طه حسين
الوادي، ٢٥ نوفمبر ١٩٣٤.