Tag: Higher Education Reform

  • حياتنا العقلية في التعليم العالي

    حياتنا العقلية في التعليم العالي
    طه حسين
    جريدة الجديد
    ٢٨ أكتوبر ١٩٢٩

    لو أن الأمور تجري في مصر على نحو ما تجري عليه في البلاد الأخرى؛ لما شهدنا هذه الحركة العنيفة التي نشهدها في هذه الأيام حول الجامعة ومدرسة المعلمين العليا ومعهد التربية. ولكن الأمور تسلك في مصر طريقًا شاذةً بعض الشذوذ، ذلك بأن العصر الذي نحن فيه ليس عصر انتقال زمني فحسب، وإنما هو عصر انتقال زمني ومكاني إن صحَّ هذا التعبير.

    فمصر لا تنتقل من القرن التاسع عشر إلى القرن العشرين كما تنتقل البلاد والأمم الأخرى، ولكنها إلى ذلك تنتقل من الشرق إلى الغرب، أو من أفريقيا إلى أوروبا، أو بعبارة واضحة تستبدل حضارةً بحضارة وحياةً بحياة؛ تدع الحياة الشرقية الخالصة إلى حياة غربية توشك أن تكون خالصة، وتدع الحضارة الشرقية الصرفة إلى حضارة غربية توشك أن تكون صرفة. وإذا كان الانتقال الزمني وحده خليقًا أن يستتبع الحركات العنيفة والاضطراب الشديد في أصول الحياة وفروعها، فالانتقال المكاني أشدُّ استدعاءً لتلك الحركات واستتباعًا لهذه الاضطرابات.

    فنحن معذورون إذا لم نستقبل ضروب الإصلاح بما تستقبل به في البلاد الأخرى من الهدوء أو الاضطراب الصحيح المنتج. نحن معذورون لأن كثيرًا منَّا يفهمون الحياة الغربية والإصلاح الغربي بعقول شرقية لم تُهيأ بعد لفهمهما على وجههما.

    لم يَكَدْ يتغيَّر النظام السياسي في هذه الأيام بعضَ التغير حتى ثارت هذه الثائرة حول التعليم العالي، وحتى انتهز كثيرٌ من الناس فرصة التطور السياسي ليُفْسِدوا من أمر التعليم ما لم يصلح إلَّا بعد مشقة عظيمة وعناء شديد؛ ذلك أن مسألة الجامعة ومدرسة المعلمين ومعهد التربية ليست مسألة هذا الأسبوع أو هذا الشهر أو هذه السنة أو هذا النظام السياسي دون ذلك النظام، ولكنها مسألة قديمة كان حقها أن تُحَلَّ منذ أعوام لو أن الأمور تجري في مصر على نحو ما تجري عليه في البلاد الأخرى دون إضاعة للأوقات والأموال والجهود.

    كان حق هذه المسألة أن تُحَلَّ يوم إنشاء الجامعة الأميرية، فتَّتَخِذ الجامعة المصرية القديمة والقسم الأدبي من مدرسة المعلمين نواةً لكلية الآداب، ويَتَّخِذ القسم العلمي من مدرسة المعلمين نواةً لكلية العلوم، كما اتُّخِذَتْ مدرسة الحقوق ومدرسة الطب نواتين لكلية الحقوق وكلية الطب.

    وكان الحق يومئذ أن ينشأ معهد التربية بمجرد استعداد كلية الآداب والعلوم لتخريج الطلاب على النظام الجديد. ولكن ذلك لم يتم؛ لأن الذين كانوا يُشْرِفون على التعليم سنة ١٩٢٥ كانوا منقسمين إلى فريقين مختلفين أشدَّ الاختلاف؛ فريق ينكر مدرسة المعلمين ويراها قديمة سيئة النظام، ويُشفِق منها على الجامعة الجديدة، وفريق آخر يخاف الجامعة ويراها جديدة مسرفة في الجدة، ولا يطمئنُّ إليها في تخريج أساتذة الغد. فمضى أصحاب الجامعة في طريقهم وأنشئوا جامعتهم جديدة من كل وجه، ومضت وزارة المعارف في طريقها واحتفظت بمدرسة المعلمين كما كانت، وأخذت الدولة تنفق المال على المعهدين كريمة به غير مقتِّرة ولا مترددة.

    ولعلي أول من نبَّهَ إلى هذا النحو من التناقض في حياتنا العلمية، وإلى هذا النحو من الإسراف في أموال الدولة؛ فدعوت إلى تنظيم العلاقة بين الجامعة ومدرسة المعلمين، وألححت في الدعاء كاتبًا في الصحف، متحدثًا إلى رجال التعليم من المعهدين، ساعيًا عند وزير المعارف وأعوانه. وأخذت المسألة طريقها حتى أُلِّفت لجنة تمثِّل الجامعة ومدرسة المعلمين ووزارة المعارف، فدرست المسألة درسًا دقيقًا، وانتهت إلى وجوب الاقتصاد في الجهد والوقت والمال، وإلى أن يكون التعليم الأدبي والعلمي في الجامعة، وإلى أن تصبح مدرسة المعلمين معهدًا فنيًّا للتربية، ورفعت اللجنة تقريرها إلى معالي الأستاذ علي باشا الشمسي. ولكن وزارة المعارف كانت لا تزال محتفظة برأيها القديم في مدرسة المعلمين وإشفاقها من الجامعة، فنصح أعوان الوزير له في ألَّا يتعجَّل الأمر ولا يقضي فيه حتى يستشير الخبراء من الأوروبيين.

    وعجبت أنا من هذه المشورة التي لم تكن تقدِّم ولا تؤخر؛ فقد كانت لجنتنا درست الموضوع من كل وجوهه، واستقصت بين مدارس المعلمين والجامعات في البلاد الراقية التي تعودنا أن نتأثَّر بها في إنجلترا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا، وكان تقديرنا أن هذه المشورة التي قدمت إلى وزير المعارف إنما كانت كعلة يُراد بها كسب الوقت وتأخير ما لا بدَّ من وقوعه. على أن وزير المعارف قَبِل المشورة ودعا خبيرين أحدهما من إنجلترا والآخر من سويسرا، وأنفقت الدولة على هذين الخبيرين آلافًا من الجنيهات لعلها كانت تستطيع أن تسدَّ حاجة من حاجات التعليم الكثيرة في هذه البلاد. وقضى الخبيران أشهرًا في مصر يتنقَّلان في أقطارها، يصعدان في الشتاء ويهبطان في الربيع، يقيس أحدهما ذكاء الأطفال والشبَّان، ويتحدث أحدهما الآخر إلى أولئك وهؤلاء من رجال التعليم، وكانت نتيجة هذا كله أن طلب إلى وزير المعارف الأستاذ أحمد لطفي السيد بك ما طلبته اللجنة إلى وزير المعارف الأستاذ علي الشمسي باشا.

    ولكن وزارة المعارف كانت ما تزال مترددة مشفقة، فلم تقبل ما قبلته منه في غير تحفظ، وإنما قبلت فصل الدراسة العلمية من الدراسة الفنية، وأن تكون هذه الدراسة العلمية في الجامعة بشرط أن تُعِيد الجامعة درس الموضوع، وتلائم بين نظامها الجامعي وحاجات التعليم الثانوي. وقد فعلت الجامعة هذا تيسيرًا للأمر وتعجيلًا لشيء لا بدَّ من تحققه؛ لأنه يلائم المصلحة العلمية والاقتصادية معًا.

    وأبت وزارة المعارف أن تترك معهد التربية إلى الجامعة كما كان يطلب الخبيران أحدهما أو كلاهما، ولم تتشدد الجامعة في هذا لأنها لم تكن تريد التوسع أو بسط السلطان.

    هذا تاريخ المسألة فصَّلناه تفصيلًا، وهو يدلُّ على أن هذه المسألة قديمة، وعلى أن إعادة التنظيم لمدرسة المعلمين كانت شيئًا طبيعيًّا تحقق هذه السنة، وقد كان يجب أن يتحقَّق منذ سنين، وهو متحقق من غير شك، حتى لو سمعت الحكومة القائمة لأنصار النظام القديم، فردَّت الأمر إلى ما كان عليه. وهذا التاريخ الذي فصَّلناه يدلُّ أيضًا على أن الناحية السياسية التي يلجأ إليها ويستغل مكانتها أنصار النظام القديم لم تفاجأ بهذا الإصلاح، بل سعت إليه وجدَّت فيه وكادت تحققه.

    فالأستاذ علي باشا الشمسي لم يؤلف اللجنة عبثًا، ولم يدع الخبيرين عبثًا، وإنما كان يريد أن يعتزَّ برأي اللجنة ورأي الخبيرين ليضع النظام الجديد ويعرضه على البرلمان. سيقولون ولكن هذا النظام لم يُعرض على البرلمان ولم يُعرف رأي نواب الشعب فيه، فنقول يجب إذن أن تعطل أكثر مدارس الحكومة، وأن توقف أكثر فروع التعليم لأن هذه المدارس وهذه الفروع من التعليم تسير على نُظُمٍ لم يقرها البرلمان؛ منها ما وضع في غيبته، ومنها ما وضع في حضوره، وكلها لم يتسع وقت البرلمان لدرسه.

    على أن وزارة المعارف قد أنشأت هذا المعهد الجديد على أنه تجربة قابلة للتغيير والإصلاح. أليس الخير أن يدرس نظام المعهد وينقد ويُشار على الحكومة والبرلمان بما قد يظهر من وجوه إصلاحه وتغييره. ولكن قلت لك إن الأمور لا تجري في مصر على نحو ما تجري عليه في البلاد الأخرى، وما أشدَّ حاجتنا إلى الاقتصاد في القول والوقت والجهد والمال.

  • في وزارة المعارف تنظيم التعليم العالي

    في وزارة المعارف: تنظيم التعليم العالي

    طه حسين

    جريدة السياسة

    ٢١ نوفمبر ١٩٢٣

    يُقال إن وزير المعارف يلقي ممانعة شديدة فيما يحاول من ضم المدارس العليا كلها إلى وزارته؛ فقد أنكرت ذلك وزارة الزراعة، وسعت في أن تحتفظ بمدرسة الزراعة العليا وبمدرستين متوسطتين للزراعة، ويُقال إن رئيس الوزراء يرى في ذلك رأي وزير الزراعة ويعينه، أو يستعد ليعينه عليه، ثم يُقال إن أساتذة مدرسة الحقوق كلهم أو بعضهم يكرهون أن تضم مدرسة الحقوق إلى وزارة المعارف، ويرون في هذا خطرًا على هذه المدرسة.

    وقد تحدثت أنا إلى أستاذين من أساتذة المدرسة، فأظهرا شيئًا من الإشفاق غير قليل، وقال أحدهما: إنه إذا فكَّر رأى أن وزير المعارف محق، فإذا سأل إحساسه وشعوره وجد شيئًا من النفور شديدًا يُبغِّض إليه الانضمام إلى وزارة المعارف، فهو إذن يمانع استجابة لشعوره، ويؤيد إذعانًا لعقله. وربما لم أفهم أحدًا من الناس كما أفهم هذا الأستاذ، فأنا أقف نفس الموقف الذي يقفه؛ أسأل العقل فيجيبني بأن وزارة التعليم يجب أن تشرف على التعليم مهما تختلف فروعه ومعاهده ودرجاته، ثم أسأل الماضي فيجيبني بأن وزارة المعارف كانت بغيضة إلى العلم والمعلمين والمتعلمين؛ لأنها كانت ثقيلة الظل على هؤلاء جميعًا، ولأنها كانت تُحكِّم في أمور العلم والمعلمين والمتعلمين قومًا هم أقل الناس درايةً بهذه الأمور، ولأنها كانت تذهب بالتعليم مذاهب ليس من شأنها إحياؤه أو تقويته أو ترقيته، وإنما كان من شأنها إفساده حتى يصبح سبيلًا إلى إفساد العقول والملكات، وإلى إخراج طائفة من الشبَّان يجهلون كل شيء، ويعتقدون أنهم يعلمون كل شيء.

    ذلك إلى أن أمر وزارة المعارف كان في أيدي قوم من الإنكليز، وأولئك الإنكليز غلاظٌ شدادٌ مستكبرون، لا يقدِّرون للعلم حرمة، ولا يرعون للعلماء كرامة، فكانوا يعبثون ببرامج التعليم ومناهجه، وبأساتذة المدارس على اختلافهم كما يعبث أحدهم بالسبحة في يده، لا يفكر في عبثه، ولا يلتمس له علةً أو وجهًا.

    كانت هذه حال وزارة المعارف، فكرهها العلماء ومقتها المتعلمون، فمن المعقول أن يشفق صاحبي الأستاذ في مدرسة الحقوق من أن يعود إلى نظام كهذا النظام، أو إلى عِشْرة قوم كهؤلاء القوم. ولو أن وزير المعارف يريد أن يجمع إليه طائفة من المدارس ليردها إلى هذا العهد القديم؛ لكنت أشد الناس خصومةً له، وإنكارًا عليه، ولكن الرجل يفكر في إصلاح، ومن المعقول أن تفهم معه هذا الإصلاح الذي يكفر فيه، فإن يكن حسنًا أعنَّاه عليه، وإن يكن سيئًا دللناه على موضع السوء فيه.

    وهناك مسألة يجب أن تُحل قبل كل شيء؛ وهي أي الوزارات أحق بالإشراف على التعليم، وأقدر على هذا الإشراف وأنفع يوم تصل إلى هذا الإشراف: أهي وزارة التعليم، أم وزارة الداخلية، أم وزارة الأوقاف، أم غيرها من الوزارات؟ وبعبارة أخرى: أي الوزارات أحق بالإشراف على حماية الأمن والنظام؛ أهي وزارة الداخلية أم وزارة المعارف؟ وبعبارة أخرى: أي الوزارات أحق أحق بالإشراف على توزيع الصدقات وإعانة البائسين: أهي وزارة الأوقاف، أم وزارة الأشغال، أم وزارة المواصلات؟

    كل هذه المسائل تشتمل على أجوبتها، فلكل وزارة من وزارات الحكومة عمل موقوف عليها، يفسد أو يتعرض للفساد إذا تدخلت فيه وزارة أخرى. ومن المعقول أن يكون التعليم موقوفًا على وزارة التعليم، غير أن التعليم ينقسم أقسامًا مختلفة، ومن هذه الأقسام ما يتصل بوزارات غير وزارة المعارف؛ فمدرسة الحقوق مثلًا تخرِّج قومًا يعملون في وزارة الحقانية، أو تشرف على أعمالهم وزارة الحقانية، ومدرسة القضاء الشرعي كذلك، ومدرسة الزراعة تخرِّج قومًا يتصلون بوزارة الزراعة، ومدرسة الطب تخرج قومًا يتصلون بمصلحة الصحة؛ أي بوزارة الداخلية، ومدرسة الهندسة تخرج قومًا يتصلون بوزارة الأشغال.

    وإذن فهناك وزارات تُنازع وزارة المعارف اختصاصها في الإشراف على هذه المدارس، ويخيل إلينا أن هذه الوزارات تسأل نفسها أي الأمرين خير: أن أستورد عمَّالي من وزارة المعارف، أم أن أكوِّن هؤلاء العمال بنفسي؟ هذه هي المسألة التي تلقيها الوزارات المختلفة على نفسها بالقياس إلى وزارة المعارف.

    ويظهر أن بعض هذه الوزارات آثرت أن تكوِّن عمَّالها وتستغني عن معونة وزارة المعارف، فاستأثرت وزارة الحقانية بمدرسة الحقوق ومدرسة القضاء الشرعي، واستأثرت وزارة الزراعة بمدرسة الزراعة. ولسنا ندري لِمَ لم تستأثر وزارة الداخلية بمدرسة الطب، ووزارة الأشغال بمدرسة الهندسة؛ حتى لا يبقى لوزارة المعارف من المدارس العليا إلَّا المدرسة الوحيدة التي لا تشاركها فيها وزارة أخرى، وهي مدرسة المعلمين. لو تم لكان نتيجة طبيعية لهذه القاعدة التي تسير عليها الوزارات في فهم التعليم وتصوُّره والانتفاع به.

    فهذه الوزارات تنظر إلى المدارس كما ينظر الفرد إلى منجم يستغله أو أرض يستثمرها، فهو يفكر في نفسه ومنفعته لا في المنجم ومعدنه، ولا في الأرض وثمراتها، مع أن الأمر على غير ذلك من كل وجه فيما يتعلق بالتعليم؛ فليست مدرسة الحقوق معهدًا قُصِد به تغذية وزارة الحقانية، وليست مدرسة الزراعة معهدًا قُصِد به تغذية وزارة الزراعة، وليست مدرسة الطب معهدًا قُصِد به تغذية مصلحة الصحة، وإنما هي كلها مدارس أُنشئت للعلم قبل أن تنشأ للوزارات، أو قل إنه يجب أن تنشأ للعلم قبل أن تُنشأ للوزارات. أرأيت الفرق بين التصور الجديد الذي يدعو إليه زكي باشا أبو السعود حين يريد توحيد إدارة التعليم العام، والتصور القديم الذي تستمسك به وزارة الزراعة حين تريد أن تحتفظ بمدرسة الزراعة؟

    يريد وزير المعارف أن تكون المدارس العليا معاهد للعلم لا معامل لصنع الموظفين كما كان يريد الإنجليز أيام الاحتلال. هذه المسألة بسطتها من غير تكلف ولا تلكؤ. ولعلي كنت عنيفًا في هذا البسط، ولست أدري أيشاركني وزير المعارف إذا كان يقدر موقفه وواجبه حقًّا، ويشعر بالفرق بين عصر الاستقلال وعصر الخضوع للأجنبي؛ فإن الواجب الوطني يكلفه أن يجعل توحيد إدارة التعليم العالي من المسائل الأساسية لحياته الوزارية، ذلك أننا نرى أن ضم هذه المدارس العليا إلى غير وزارة المعارف إساءة شديدة إلى العلم؛ لأن هذه الوزارات الأخرى لن تحفل، ولا ينبغي أن تحفل، بغير ما أُنشئت له من الأعمال. وإذن فهذه المدارس لن تكون، ولا ينبغي أن تكون، تحت سلطانها إلَّا مدارس فنية عملية، لا مدارس علمية، أي إن الطالب في مدرسة الحقوق سيتعلم كيف يكون قاضيًا أو كاتبًا أو عضوًا في النيابة، لا كيف يكون فقيهًا بعلوم القانون من وجهتها النظرية الخالصة.

    هناك اعتراض يخيِّل إلى أصحابه أنه قوي، وهو أن هذه المدارس محتاجة إلى معونة الفنيين، وهؤلاء الفنيون إنما يوجدون في هذه الوزارات لا في وزارة المعارف. وكل هذا صحيح، ولكني لا أعلم أن يأجوج ومأجوج قد أقامت بين وزارة المعارف وغيرها من الوزارات سدودًا محكمة منيعة تقطع الصلة بينها، وتحظر على إحداها أن تستعين بالأخرى. فما الذي يمنع وزارة المعارف أن تستعين بالحقانية في أمر الحقوق، وبوزارة الزراعة في أمر مدرسة الزراعة، وبمصلحة الصحة في أمر مدرسة الطب، وبالأشغال في أمر الهندسة؟

    بل نحن نعلم أن وزير المعارف يريد — بعد أن يوفَّق إلى ما يحاول — أن يضم إلى مكتبه الفني رجالًا من هاتين الوزارتين، ونعلم أن المجلس الأعلى للمعارف لا بدَّ من أن يتغير نظامه اليوم أو غدًا ليصبح ملائمًا حقًّا لحاجات التعليم، ثم نعلم أن وزير المعارف يريد أن ينشئ إدارة للتعليم العالي، لن تتألف إلَّا من الفنيين، ثم نعلم أن الجامعة الأميرية ستنشأ فتستقل بأمورها التعليمية، بحيث تكون الصلة بينها وبين وزارة المعارف صلة إدارية خالصة، ثم نعلم — فوق هذا كله — أن مدارسنا العليا مستقلة منذ الآن استقلالًا داخليًّا يوشك أن يكون تامًّا. فماذا تخاف وزارة الزراعة؟ وممَّ يشفق أساتذة الحقوق؟

    وزير المعارف منصفٌ محقٌّ، والمنفعة العلمية والواجب الوطني يُحتِّمان على كل مصري أن يؤيده فيما يحاول حتى يبلغ التوفيق، وإذا كان لنا أن نرجو من رئيس الوزراء شيئًا في هذا الأمر؛ فإنَّا نتوسل إليه أن يؤيد وزير المعارف، أو أن يلزم الحياد.

  • يوم ٣٠ نوفمبر في الجامعة المصرية

    يوم ٣٠ نوفمبر في الجامعة المصرية

    طه حسين

    مجلة السفور

    ١٠ ديسمبر ١٩١٥

    في مثل هذا اليوم من السنة الماضية سمعت لأول مرة درس الآداب في جامعة «مونبلييه»، وكان الأستاذ يدرس قصة وضعها ألفريد دي فيني Alfred de Vigny على المثال الذي اخترعه الكاتب الإنكليزي ولتر سكوت Walter Scott من القصص يلمُّ فيه الكاتب بحادثة من حوادث التاريخ. لخَّص الأستاذ القصة وحلَّل موضوعها ونقد لفظها ومعناها، وما تمثل من صور أشخاصها وأبطالها، وبيَّن ما أثَّرت فيه وتأثَّرت به من كتب القدماء والمحدثين.

    فلما خرجنا من الدرس سألت صاحبي ضيفًا: كيف ترى هذه المحاضرة؟ قال: لا بأس بها، ولكنها شديدة الاختصار.

    إنك لمسرف شديد الطمع يا ضيف، فلو سمعت درس الأدب العربي في الجامعة المصرية ورأيت الأستاذ وقد مرَّ في محاضرة واحدة بثمانية من الشعراء في عصر المأمون لعرفت أن صاحبنا في مونبلييه قد بلغ الغاية القصوى من الإطالة والإسهاب.

    رجعنا بعد ذلك إلى مصر، وفي هذا اليوم نفسه من هذه السنة سمعت درس الأدب العربي في الجامعة المصرية وأبى ضيف أن يحضره معي؛ لأنه كان عنه في شغل، ولو قد سمع الدرس الذي سمعته لذكر القصة التي أذكرها الآن، ولشهد بنفسه البرهان على أن الأستاذ فيني قد كان مطيلًا مكثرًا، بل كان مملًّا مسئمًا.

    كان درس الأستاذ المهدي في تاريخ الأدب العربي في الأندلس أيام الحكم المستنصر والمنصور بن أبي عامر أشبه بمعرض الصور المتحركة تمر فيه ظلال الشعراء، ولما يتبين منها الطلاب أكثر من أسمائهم. وما عسى أن يكون درس ذهب نصفه في وصف مكتبة المستنصر ودهاء المنصور، وألمَّ النصف الباقي بما يتجاوز عشرة من الشعراء؟

    مكتبة المستنصر! إن أمرها لغريب هذه المكتبة، كان فيها أربعمائة ألف مجلد، ولها فهرس يزيد على ثمانمائة ورقة وليس فيها كتاب إلا قرأه الحكم! وعلَّق عليه! ووضع له مقدمة! وهو لم يملك إلا بضعة عشر عامًا قد ملئت بالفتوح وألوان الجهاد!

    كل ذلك قاله الرواة، وكل ذلك قبله الأستاذ، إلا أن أوراق الفهرس في رأيه أقل جدًّا مما كان يجب أن تكون! شيء لطيف.

    مررنا بطائفة كبيرة من الشعراء يذكر الأستاذ اسم الشاعر وشيئًا من شعره، ولكنه لا يكاد يفرغ من إنشاد البيت حتى ننتقل من الجامعة إلى إحدى الحانات فنسمع دوي الشرب وقد أطربتهم نغمة المغني وتوقيع العواد، فقالوا بصوت واحد: الله أَعِدْ! فيعيد الأستاذ، والظاهر أنه يحب الاستعادة؛ فقد أنشد بيتًا لم يستعده الطلبة، فقال: لِمَ لا تستعيدون هذا البيت؟ إنه جميل: أَعِدْ يا أستاذ من فضلك، فيعيد! الله أكبر، جميل جدًّا صحيح! وكذلك مضى الدرس.

    إنك لسيئ الحظ يا ضيف، فلو سمعت معي درس الأمس لرأيت شعر ابن هانئ ينسب إلى ابن خفاجة، ثم يعتذر الأستاذ حين ينكر ذلك عليه بعض الطلبة.

    إنك لتعس فلو سمعت معي درس الأمس لأعجبك هذا البيت:

    فكأن الزجاج جامد ماء وكأن المدام ذائب نار

    لا بأس، وما عسى أن تكون هذه النار الذائبة؟ ألا يمكن أن تكون الرواية: ذوب نضار؟ لا يبعد.

    ولكن ما لنا وللتحقيق؟ فقد رأينا ابن خفاجة يُعدُّ من معاصري المنصور المتوفى سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة، مع أن ابن خفاجة لم يولد إلا سنة خمسين وأربعمائة؛ أي بعد أن فرغ المنصور من الحياة وفرغت الحياة منه.

    وبعد أن اختلفت شئون وحالت أحوال، وبعد أن تنكَّر الدهر لقرطبة وذهب منها ريح بني أمية، وعبثت مطامع المتغلبين ببلاد الأندلس جملة، فالمؤثرات التي أثَّرت في ابن خفاجة وكوَّنت شاعريته غير المؤثرات التي كونت الشعراء في عصر المنصور، وحسبك ما يكون من الفرق بين شاعر نشأ أيام الوحدة وآخر نشأ أيام الافتراق، وما لنا وللتحقيق؟ فإن الأستاذ قد كان يعجله حب الاختصار عن كل شيء، حتى إنه إذا ذكر الشاعر نسي أن يذكر سنة ميلاده ووفاته، ولعله لو عني بذلك أو فكر فيه لوضع ابن هانئ موضع ابن خفاجة؛ فقد عاش ابن هانئ في أيام المستنصر وارتحل من الأندلس ومدح المعز.

    لم يكن في هذا الدرس شيء يدل على أنه درس في الجامعة، وإنما هو نوع من الحديث يستفزُّ سامعيه بما يعرض فيه من الغزل والوصف ومن آيات البديهة والارتجال.

    لا ألوم الجامعة؛ فإنها لم تألُ جهدًا في حُسن الاختيار، ولا ألوم الأستاذ؛ فإنه قد بذل ما يملك وجادَ بما يستطيع أن يجود به. ولكني أرثي لصاحبي ضيف؛ لأنه حرم نفسه لذة الاستماع لهذا الدرس الجميل.

    أرثي له لأنه حرم هذه اللذة، وحرم معها هذا الألم يشعر به من سمع العلم في جامعات فرنسا ثم في جامعة مصر، وقارن بين الأساتذة والطلاب هنا وهناك.

    حرم هذا الألم، وكان من الحق عليه أن يشعر به ليعرف أن اختصار فرنسا إطالة، وأن إطالتنا اختصار، وأن هزل فرنسا جد، وأن جدنا لعب، وأن فرنسا حرية بالحب والإعجاب، وأن مصر خليقة بالرحمة والرثاء، زاد الله فرنسا رقيًّا ورفعة، ووفى لمصر حاجتها من الإصلاح.