Tag: human folly

  • ضحك

    ضحك
    طه حسين
    جريدة صوت الأمة
    ١ سبتمبر ١٩٤٦
    لا يصدر عن الشعب المصري بالطبع؛ لأن الشعب المصري في شغل عن الضحك بهذه الخطوب التي تأخذه من جميع أقطاره.
    الشعب المصري مشغول بالفقر والجهل والمرض وغيرها من النكبات التي يداويها الوزراء بألسنتهم، وما يصدر عنها من الأقوال ويستبقونها بقلوبهم، وما يصدر عنها من الأعمال. والشعب المصري مشغول بهذه المحنة التي يمحص الله بها قلبه، فيرسل إليه الشر من حيث تعود أن يلقى الخير، ويسلط عليه صديقه النيل أن يزيد إلى فقره فقرًا، ويضيف إلى بؤسه بؤسًا، ويبيِّن له أنه لم يذُق من الجوع إلَّا أقله، وأن البؤس لا يأتي من الجوع وحده، وإنما يأتي من انهيار الدُّور والتعرض للموت وإيفاق الليل والنهار بالعراء وانتظار المرحمة تنجم له من الأرض أو تهبط عليه من السماء.
    والشعب المصري مشغول بهذا الاستقلال الذي لا يستكمل، وإنما ينتقص، وبهذه الحماية التي لا بد أن تعود؛ لأنها اشتاقت إلى مصر، وإن لم تشتق مصر إليها. وبهذا البلاء النازل الذي قبل فريق من المصريين أن يكتبوه على وطنهم حين قبلوا تأسيس الشركة المصرية البريطانية المساهِمَة للدفاع عن مصر، وللدفاع عن بريطانيا العظمى أيضًا.
    الشعب المصري مشغول بهذا كله وبأشياءَ أخرى أكثر من هذا كله، وهو من أجل ذلك لا يستطيع أن يضحك ولا أن يبتسم إلَّا أن يضحك ضحِك المتنبي الذي هو أشبه شيء بالبكاء.
    ولكني لا أتحدَّث عن هذا الضحك الحزين، ولا عن هذه الابتسامات الصُّفر التي تصور الكآبة واليأس أكثر مما تصور الابتهاج والرجاء. وإنما أتحدث عن ضحك صريح لا يشوبه حزن ولا اكتئاب، ولا يتسلى به أصحابه عن الظنون الكاذبة والآمال الخائبة والهموم الثِّقال، وإنما هو ضحك ضاحك كأحسن ما يكون الضحك، وهو ضحك عريض كأعرض ما يكون الضحك أيضًا. ضحك أعرض من النهار حين يملأ العالم ضوءًا وجمالًا، وأعرض من الليل حين يملأ العالم ظلمةً واكتئابًا، ضحك لا يصدر عن فرد ولا عن جماعة ولا عن شعب، وإنما هو أضخم وأفخم وأنفذ وأبقى من هذا كله؛ لأنه يصدر عن الأقدار.
    وضحك الأقدار كما تعلم يملأ ما بين الأرض والسماء، وهو إن صَوَّر شيئًا فإنما يصوِّر سخف الإنسان أمام حكمة القضاء. والأقدار ضاحكة دائمًا؛ لأنها ترى سخف الإنسان واعتداده بنفسه وبكائه على أمسه واحتياطه لغده، وترى أن هذا كله لا يغني عن الإنسان شيئًا. ولكن الأقدار قد ضحِكت في أيام العيد ضحكًا جديدًا ما تزال مغرقة فيه. وكان أقطاب هذا العهد السعيد هم الذين أخذوا أنفسهم بتلهية الأقدار وإضحاكها حين فكَّروا وقدَّروا ودبَّروا ورسموا الخطط فأتقنوا رسمها؛ ليمسكوا هذا العهد السعيد من أن يطير، ويحفظوه من أن ينهار، ويقيموه بعد أن أراد أن ينقضَّ، فقد قيل إن بناء الوزارة القائمة سيدعم بنفرٍ من السعديين ليكون الائتلاف متينًا لا يسعى إليه ولا يدب فيه الضعف.
    وقد ظهر لرئيس الوزراء فيما يقال إن الائتلاف بين الدستوريين والمستقلين لم يحسن مقاومة الخطوب ولا الثبات للأحداث. فقد عرضه النقراشي باشا للخطر من أول يوم أُلِّفَتْ فيه الوزارة، ثم عرضه مكرم باشا للخطر من أول يوم بدأت فيه المفاوضات. ثم عملت فيه المعاول في كل ناحية حين جدَّ الجِدُّ، وقيل للمصريين إمَّا أن تقبلوا الحماية وإمَّا أن تُقطع المفاوضات، ثم تداعت أركانه في الاجتماع الأخير لهيئة المفاوضات حين انفضَّ المتفاوضون على ذلك النحو المعروف، وخرج خمسة منهم يملأ قلوبهم السخط واليأس، وبقي سبعة منهم يملأ قلوبهم الخوف والأمل. هنالك تبيَّن لرئيس الوزراء ولرئيس السعديين أن الائتلاف خير من الاختلاف، وأن الوفاق خيرٌ من الشقاق، وأن المستقلين لا يقدِّرون التبعات لأنهم ليسوا مسئولين إلَّا أمام أنفسهم، على حين أن رؤساء الأحزاب يقدِّرون التبعات حق قدرها لأن لهم أتباعًا في الحكم يريدون أن يبقوا فيه وأتباعًا تحت الحكم يريدون أن يرقوا إليه.
    وهم من أجل ذلك يقدِّرون لأرجلهم قبل الخطو موضعها، ويديرون في أنفسهم كلمة ألف مرة ومرة قبل أن يقولوها؛ لأنهم يخشون عواقبها ويحسبون لها الحساب كل الحساب. ولعلَّ هذا يبيِّن للذين لم يتبيَّنوا فِيمَ انصرف المنصرفون، وفيم أقام المقيمون. فقد انصرف المنصرفون ليجترُّوا ما يملأ قلوبهم من السخط وليستمسكوا بما أظهروا من رفضٍ لما عرضه الإنجليز، وأقام المقيمون لينظموا الصفوف ويدعِّموا البناء ويتهيَّئوا للموقعة الحاسمة، ويضيقوا إلى ثوب الوزارة بعض الرقاع التي تمنع الهواء أن ينفذ إلى جسمها العليل، وهي رقاع متينة حقًّا ستصد الهواء مهما يكن حارًّا وباردًا عن جسم الوزارة، وستمكن البناء من أن يثبت للريح مهما تعصف ومهما تقصف. سينهض السعديون بشئون وزارة الخارجية وبشئون وزارة العدل وبشئون وزارة أخرى تُبتكر ابتكارًا للنهوض بالشئون العربية الجسيمة. ويقال إنهم سينهضون بشئون وزارة المواصلات، وسيُزحزح عنها وزيرها القائم لينهض بالصحافة والإذاعة والتمثيل والسينما وما شئت من روائع الأدب وبدائع الفن. وكان أستاذنا الجليل وزير الخارجية يريد أن يستريح، ويفرغ للمجمع اللغوي وترجمة أرسطاطليس. فيستريح في منصب مريح هو النيابة عن رئيس الوزراء. أمَّا النقراشي باشا فسيشرب الكأس إلى الثمالة، سيحتمل أثقال الحكم الصدقي دون أن يشارك فيه، وسيعلل برياسة مجلس النوَّاب إن أذن لمجلس النوَّاب أن يستأنف الانعقاد.
    دُبِّر هذا كله بليل، أو دُبِّر هذا كله بنهار. وهذا كله إن دل على شيء فإنما يدل على أن سحبًا تتجمع في آفاق السماء، وعلى أن ريحًا تريد أن تعصف، وعلى أن أمواجًا تصطخب وقلوبًا تضطرب، وسفينة تُوشِكُ أن تهوي إلى القاع، وعلى أن الربان يبذل آخر ما يملك من الجهد لتثبت للأحداث، وتمتنع على الخطوب، وعلى أن الأقدار تنظر من قريب أو من بعيد إلى هذا الذي يدار، فترسل ضحكتها العريضة التي تملأ ما بين الأرض والسماء، وينشد منشدها ذلك البيت الذي كان المغفور له الشيخ علي يوسف يُكثر إنشاده في قديم الزمان وسالف العصر والأوان:
    تقفون والفلك المحرك دائر وتقدرون فتضحك الأقدار

  • من عمل الشيطان

    من عمل الشيطان

    طه حسين

    مجلة مسامرات الجيب

    ٢٤ مارس ١٩٤٦

    كان هذا من عمل الشيطان ليس في ذلك شك؛ لأنه مخالف لطبيعة الأشياء، لأن السماء ترتفع عن
    العناية بهذه الصغائر. الحب يسعى إلى القلوب من طريق العيون، ومن طريق الآذان؛ من طريق الصورة
    التي تراها العين فتنقلها إلى النفس بما تحمل من دواعي الميل والنفور، أو من طريق الصوت الذي
    تحمله الأذن إلى القلب بما يشيع فيه من أسباب الحنان أو القسوة.

    فأما أن يصل الحب إلى القلوب، وينتهي البغض إلى النفوس من طريق الأيدي التي تلطم، والوجوه
    التي تتلقَّى اللطم، فشيء غير مألوف لم تبتكره طبيعة الأشياء، ولم تهبط به إرادة السماء، وإنما
    اخترعه عبث شيطان ماكر، أو كيد عفريت من هذه العفاريت التي تلعب بقلوب الناس ونفوسهم، وتصرف
    عواطفهم وأهواءهم كما تشتهي في كثير من الأحيان.

    وهذا الحب الذي أحدثكم عنه، وهذا البغض الذي جاء في أثره تنشئهما نظرة من هذه النظرات الحادة
    الفاترة التي يقول فيه الشاعر القديم:

    إن العيون التي في طرفها حَور قتلننا ثم لم يُحيين
    قتلانا

    صرعن ذا اللُّبِّ حتى لا حراك به وهن أضعفُ خَلْق الله
    إنسانا

    ولم يحدثهما صوت من هذه الأصوات التي يقول فيها الشاعر القديم أيضًا:

    يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة والأذن تعشق قبل القلب
    أحيانا

    وإنما أنشأتهما لطمتان؛ إحداهما: فتحت للعاشقين باب النعيم الذي لا يوصف، والأخرى: فتحت لهما
    باب الجحيم الذي لا يطاق، ولو أن قصة هذين العاشقين كانت من هذه القصص التي يبتكرها خيال
    الكُتَّاب لما تحدثت إليكم بها، ولأعرضت عنها إعراضًا، ولرأيتها أثرًا من آثار خيال مريض لا
    يحسن التحليق في أجواء الفن بمقدار ما يحسن الإسفاف إلى الحقائق الواقعة.

    ولكنها قصة لم يخترعها الخيال، وإنما اخترعتها ظروف الحياة، وهي إن صورت شيئًا فإنما تصور سخف
    الإنسان، وعبث الشيطان، وائتلاف الحياة الإنسانية أحيانًا من أشياء قليلة الغناء حقًّا.

    كان ذلك في مدينة من مدن فرنسا تعرفونها جميعًا حق المعرفة، وفي جنة من جنات هذه المدينة ليس
    منكم إلا من ألمَّ بها مُصبحًا أو مُمسيًا؛ ملتمسًا للرياضة، أو ساعيًا إلى الجامعة، فكلكم قد
    درس في مونبلييه، وكلكم قد ألم بحديقتها المعروفة التي تسمى … وأظنكم تذكرون أن كثيرًا من
    الحفلات الشعبية تقام في هذه الحديقة.

    فقبيل حفلة من هذه الحفلات بدأت هذه القصة التي تُضحك من أراد أن يضحك، وتُحزن من أراد أن
    يحزن، وتُصور سخف الحياة على كل حال. كان الناس يزدحمون على باب الحديقة ازدحامًا شديدًا
    ليشهدوا حفلًا موسيقيًّا عسكريًّا قد خُصص إيراده لإعانة الجرحى من أبناء المدينة في الحرب
    العالمية الأولى. وكان ذلك في الساعة الثانية بعد الظهر حين فرغ الناس من غدائهم، وكان ذلك في
    آخر الربيع وأول الصيف حين يشتد في مونبلييه ذلك الحر الرطب الذي يصهر الأجسام والنفوس جميعًا،
    ويخرج الناس عن أطوارهم، ويهيئهم للغضب السريع.

    كان الناس يزدحمون ويتدافعون بالمناكب، وكان صاحبنا يزاحم مع المزاحمين، ويدافع مع المدافعين،
    وإنه لفي ذلك يتقدم خطوة ويتأخر أخرى، وإذا وجهه يتلقى على إحدى صفحتيه لطمة لم يُفِقْ منها قط،
    لطمة لفتته إلى نفسه، ولفتت الناس إليه، ولفتته إلى المصدر الذي يمكن أن يكون قد ساقها إليه،
    وملأت قلبه غضبًا وحفيظة وموجدة، بل قُل ملأت قلبه نخوة ومروءة وثورة للكرامة المهدرة، والشرف
    المُهان.

    فقد كان صاحبنا عربيًّا من أهل الريف، فلم تكد اللطمة تبلغ وجهه حتى ثارت نفسه، وهاجت عاطفته،
    وغلى الدم في عروقه، وصعد إلى وجهه الملطوم، واستيقن أن العروبة كلها قد أهينت في شخصه إهانة لا
    تردها لطمة كاللطمة التي تلقاها، ولا يغسلها إلا ذلك الدم الذي زعم المتنبي أنه وحده هو الذي
    يسلم الشرف الرفيع من الأذى حين يراق على جوانبه.

    كان هذا كله في لحظة، بل في أقصر من لحظة — إن أمكن أن يكون هناك ما هو أقصر من اللحظة — وقد
    رفع صاحبنا رأسه وتهيأ للهجوم الساحق الماحق الذي لا يُبقي ولا يذر، ولكنه لم يكد يرفع رأسه
    ويلتفت به إلى يمين حتى أطرق ولسانه يقول عن غير إرادة، وفي صوت متهدج أضحَك منه من حوله،
    وأضحكه من نفسه فيما بعد: معذرة يا سيدتي! قالت السيدة التي لطمته: معذرة من ماذا؟ بل أنا التي
    تعتذر إليك؛ فقد ظننت أنك آذيتني بهذا الدفع المنكر، ولم تكد يدي تصيب وجهك حتى عرفت أنك بريء،
    وأن الآثم شخص آخر ليس له حظ من أدب ولا من تربية.

    وكان هذا الشخص الآخر، الذي ليس له حظ من أدب ولا تربية، قد ذاب في أثناء هذا كله واستخفى.
    ومَن يدري لعله لم يكن إلا شيطانًا كاد كيده، ثم ابتلعته الأرض أو اختطفته السماء، ولعله لم يكن
    إلا خيالًا لعب برأس السيدة. والشيء المحقق هو أنها أحست أو ظنَّت أنها أحسَّت دفعًا غير كريم،
    فلطمت وجه هذا الفتى، ثم لم تلبث أن عرفت براءته، فاعتذرت إليه من لطمتها في نفس الوقت الذي كان
    هو يعتذر إليها فيه من هذا البطش الذي هم أن يبطشه بها، ومن هذا الغضب الذي همَّ أن يَصُبَّه
    عليها صبًّا.

    والشيء المحقق أيضًا هو أن هذه اللطمة التي دعت إلى تبادل الاعتذار قد دعت إلى تبادل
    الابتسام، ثم إلى تبادل الحديث، ثم إلى الاستمتاع بالموسيقى العسكرية التي خُصص إيرادها للجرحى
    من أبناء المدينة في الحرب العالمية الأولى، والشيء المحقق أيضًا هو أن الأسباب التي مدَّتها
    هذه اللطمة لم تنقطع بانتهاء الحفلة، وإنما اتصلت وكانت مصدرًا غريبًا لحب غريب.

    وما أظنكم تنتظرون أن أقص عليكم كيف خرج اللاطم والملطوم من الحديقة، وكيف سعيا معًا إلى قهوة
    فرنسا، هناك قريبًا من الإسبلاناد، وكيف تبردا فيها من حر الصيف ومن حر الحفلة بقدحين من أقداح
    الجعة، وكيف اتصل الحديث بينهما حلوًا رائقًا للنفوس حينًا، وحادًّا مُمَزِّقًا للقلوب حينًا
    آخر، حتى فرق بينهما مقدم الليل فتفرَّقا، ولكن على موعد للقاء …

    وكلكم يعرف إلام تنتهي هذه المواعيد حين تتصل، وقد انتهت مواعيد صاحبينا إلى حب هائج مضطرم لم
    يخفف من لوعته إلا الزواج، فصوروا لأنفسكم — إن كنتم في حاجة إلى أن تصوروا لها — هيام العاشقين
    أثناء هذه الخطبة التي اتصلت وقتًا غير قصير، وصوروا لأنفسكم أثر هذا الهيام في حياة الفتى، وفي
    طلبه للعلم وإقباله على الدرس، وأثره في أسرة الفتى المصرية في قرية من قرى الريف، وأثره كذلك
    في نفس الفتاة، وفي أسرتها المحافظة …

    صوروا لأنفسكم هذا كله وقدِّروا أن الحب الذي أثارته هذه اللطمة قد قهَر هذا كله، وتغلب على
    ما فيه من صعاب وعقاب، وانتهى إلى الزواج على رغم الدرس الذي أُهمل، وعلى رغم المقاومة التي
    جاءت من الريف المصري، والمقاومة الأخرى التي جاءت من الريف الفرنسي، وصوروا لأنفسكم كذلك أن
    هذه اللطمة قد أذكت الحسرة في كثير من القلوب، وشبَّت الغيظ في كثير من القلوب أيضًا: أذكت
    الحسرة في قلوب فتيات كنَّ يفكرن في هذا الشاب، وشبَّت الغيظ في قلوب شباب كانوا يفكرون في هذه
    الفتاة …

    ولكن الحب سيل جارف لا يمر بشيء إلا اكتسحه اكتساحًا، وريح عاصفة لا تدع شيئًا أتت عليه إلا
    جعلته كالرميم، والحب قاهر بطبعه: قاهر اللناس، وقاهر للأشياء، وقاهر للأحداث والخطوب أيضًا.
    وحب هذين العاشقين قد قهر كل شيء، وقهر كل إنسان، ووقف العاشقان ذات صباح أمام العمدة في مدينة
    مونبلييه فألقى عليهما سؤالين، وسمع منهما جوابين، وتلا عليهما طرفًا من أطراف القانون المدني،
    وأعلن بعد ذلك أنهما قد أصبحا زوجين … وانتهت تلك اللطمة إلى غايتها الأولى.

    ففُتح للعاشقين باب من أبواب النعيم الذي لم تر مثله عين، ولم تسمع بمثله أذن، ولم يخطر مثله
    لأحد على بال، وكأنما كانت تلك اللطمة شيئًا يشبه الطرق على الباب للاستئذان في الدخول، وكأنما
    كان الحب هو الذي اصطنع يد الفتاة فطرق بها على قلب الفتى بابه، ولم يكن باب هذا القلب عين
    الفتى ولا أذنه ولا فمه، وإنما كان صفحة وجهه الذي لم يكن رائعًا ولا جميلًا.

    وقد استمتع العاشقان بهذا النعيم ما شاء الله أن يستمتعا به، ذاقا لذائذه في فرنسا، وتنقلا
    بها بين إيطاليا وسويسرا، وعبرا بها البحر آخر الأمر إلى مصر، واستقرا بها حيث تعلمون في مدينة
    من المدن المصرية سعيدين موفورين لا يعرفان من الحياة إلا وجهها الباسم الصبوح، ولكن وجه الحياة
    ليس باسمًا دائمًا، بل قد يعتريه العبوس، وليس مشرقًا دائمًا، بل قد يغشاه الظلام
    أحيانًا.

    وقد يصدر عبوس الحياة وإظلامها عن الناس حين يأتون بعض الأمر ويدعون بعضه، حين يقولون فيكون
    ما يقولونه مصدرًا للشر، وحين يسكتون فيكون سكوتهم سبيلًا إلى الريب … حين يعملون فيكون عملهم
    مثيرًا للسخط، وحين يكسلون فيكون كسلهم وسيلة إلى الاتهام.

    والواقع أن حياة الزوجين أظلمت ذات يوم، لا لأن أحدهما قال شيئًا أو عمل شيئًا، ولكن لأن ساعة
    من ساعات الصفو الحلو البريء أبت أن تنقضي دون أن تعقب كدرًا ومرارة وشكًّا.

    فقد فرغ الزوجان ذات يوم لمجلس من هذه المجالس الكريمة التي يسمر فيها الأصدقاء بعد الغداء أو
    بعد العشاء، حين يفرغون من طعام أحسن إعداده، وشراب أحسن اختياره، وحين يقبلون على الحديث
    أحيانًا، وعلى الموسيقى أحيانًا أخرى، وعلى الرقص في أثناء ذلك، وقد أخذ الأصدقاء في تلك الليلة
    بحظهم من نعيم الحياة وتفرقوا، وخلا الزوجان وأخذا يتحدثان عن وليمتهما، وعما دار حولها من
    حديث، وعما كان بعدها من سمر.

    وكان الزوج متحمسًا في استعراض هذا كله، وكانت امرأته تسمع له في غير نشاط، أو لعلها كانت
    تسمع له بإحدى أذنيها لا بهما جميعًا، لعلها كانت ذاهلة عنه بعض الذهول، وقد نبهها رفيقًا بها
    فلم تنتبه، وقد نبهها مرة ثانية فلم يغنِ عنه التنبيه شيئًا، وإنما مضى هو في حديثه المتحمس،
    ومضت هي في استماعها الذاهل حتى رابه من أمرها شيء.

    وأيسر الريب بين العاشقين لا يخلو من خطر، فقلوبهم حساسة، ونفوسهم أشبه شيء بالحطب الجذل لا
    تكاد تمسه النار حتى يصبح حريقًا مضطربًا يملأ ما حوله لهبًا، وكأن نفس الفتى كانت معدة لشيء من
    هذا، فقد كان غيران لا يطيق الشك ولا يحتمل الريب … فلِمَ ذهولُ امرأته عن حديثه وإمعانها في
    هذا الذهول؟! ضاقت نفسه، ثم اشتد ضيقها ثم ثارت، ثم خرجت عن طورها، وإذا هو يقول أكثر مما كان
    يريد، وإذا هي تظن أكثر مما كان ينبغي، وإذا ألفاظ طائشة تلتقي ثم تصطدم، وإذا يد الفتى تمتد ثم
    تنقبض، وإذا اللطمة التي تلقَّاها في مونبلييه ففتحت باب النعيم للعاشقين قد رُدَّت إلى
    صاحبتها، في مدينة من المدن المصرية، ففتحت باب الجحيم للبائسين.

    وما أحب أن أصوِّر لكم من أمرهما أكثر من ذلك، فما أريد أن أخرج من الإشارة إلى الدلالة، ولا
    من التلميح إلى التصريح، وإني على ما تعرفون من إمعاني في البغض حين أبغض، لأكره أن أتمنى لأشد
    الناس لي عداء أن يصير إلى مثل ما صار إليه الفتى، وإلى مثل ما صارت إليه الفتاة، ألا ترون أن
    هذا الشر كله لا يمكن أن يكون إلا من عمل الشيطان.

    وهمَّ القوم أن يجعلوا هذا الحديث موضوعًا للجدال يعللون فيه ويُئَوِّلُون، وينكرون منه
    ويعرفون، ولكن أحدهم رفع صوته حتى اضطرهم إلى الصمت وقال في سخرية لاذعة: ما أكثر ما تفتح
    اللطمات أبوابًا للنعيم، ثم تفتح بعدها أبوابًا للجحيم! ألم تسمعوا أن لطمة وثَبتْ بفلان إلى
    مكان رفيع، وأن لطمة أخرى قد تهبط به قطعًا إلى مكان سحيق؟!

    قال صاحب الحديث: أما وقد أخذتم تخوضون في حديث الأشخاص، وتُلمِّحون إلى أحداث السياسة، فليس
    لي بينكم مقام. وانصرف وأصحابه يَدْعُونَه إلى أن يعود وهم يقولون: أقْبِلْ؛ فقد آمنَّا بأن
    قصتك من عمل الشيطان.