Tag: Human Psychology

  • من عمل الشيطان

    من عمل الشيطان

    طه حسين

    مجلة مسامرات الجيب

    ٢٤ مارس ١٩٤٦

    كان هذا من عمل الشيطان ليس في ذلك شك؛ لأنه مخالف لطبيعة الأشياء، لأن السماء ترتفع عن
    العناية بهذه الصغائر. الحب يسعى إلى القلوب من طريق العيون، ومن طريق الآذان؛ من طريق الصورة
    التي تراها العين فتنقلها إلى النفس بما تحمل من دواعي الميل والنفور، أو من طريق الصوت الذي
    تحمله الأذن إلى القلب بما يشيع فيه من أسباب الحنان أو القسوة.

    فأما أن يصل الحب إلى القلوب، وينتهي البغض إلى النفوس من طريق الأيدي التي تلطم، والوجوه
    التي تتلقَّى اللطم، فشيء غير مألوف لم تبتكره طبيعة الأشياء، ولم تهبط به إرادة السماء، وإنما
    اخترعه عبث شيطان ماكر، أو كيد عفريت من هذه العفاريت التي تلعب بقلوب الناس ونفوسهم، وتصرف
    عواطفهم وأهواءهم كما تشتهي في كثير من الأحيان.

    وهذا الحب الذي أحدثكم عنه، وهذا البغض الذي جاء في أثره تنشئهما نظرة من هذه النظرات الحادة
    الفاترة التي يقول فيه الشاعر القديم:

    إن العيون التي في طرفها حَور قتلننا ثم لم يُحيين
    قتلانا

    صرعن ذا اللُّبِّ حتى لا حراك به وهن أضعفُ خَلْق الله
    إنسانا

    ولم يحدثهما صوت من هذه الأصوات التي يقول فيها الشاعر القديم أيضًا:

    يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة والأذن تعشق قبل القلب
    أحيانا

    وإنما أنشأتهما لطمتان؛ إحداهما: فتحت للعاشقين باب النعيم الذي لا يوصف، والأخرى: فتحت لهما
    باب الجحيم الذي لا يطاق، ولو أن قصة هذين العاشقين كانت من هذه القصص التي يبتكرها خيال
    الكُتَّاب لما تحدثت إليكم بها، ولأعرضت عنها إعراضًا، ولرأيتها أثرًا من آثار خيال مريض لا
    يحسن التحليق في أجواء الفن بمقدار ما يحسن الإسفاف إلى الحقائق الواقعة.

    ولكنها قصة لم يخترعها الخيال، وإنما اخترعتها ظروف الحياة، وهي إن صورت شيئًا فإنما تصور سخف
    الإنسان، وعبث الشيطان، وائتلاف الحياة الإنسانية أحيانًا من أشياء قليلة الغناء حقًّا.

    كان ذلك في مدينة من مدن فرنسا تعرفونها جميعًا حق المعرفة، وفي جنة من جنات هذه المدينة ليس
    منكم إلا من ألمَّ بها مُصبحًا أو مُمسيًا؛ ملتمسًا للرياضة، أو ساعيًا إلى الجامعة، فكلكم قد
    درس في مونبلييه، وكلكم قد ألم بحديقتها المعروفة التي تسمى … وأظنكم تذكرون أن كثيرًا من
    الحفلات الشعبية تقام في هذه الحديقة.

    فقبيل حفلة من هذه الحفلات بدأت هذه القصة التي تُضحك من أراد أن يضحك، وتُحزن من أراد أن
    يحزن، وتُصور سخف الحياة على كل حال. كان الناس يزدحمون على باب الحديقة ازدحامًا شديدًا
    ليشهدوا حفلًا موسيقيًّا عسكريًّا قد خُصص إيراده لإعانة الجرحى من أبناء المدينة في الحرب
    العالمية الأولى. وكان ذلك في الساعة الثانية بعد الظهر حين فرغ الناس من غدائهم، وكان ذلك في
    آخر الربيع وأول الصيف حين يشتد في مونبلييه ذلك الحر الرطب الذي يصهر الأجسام والنفوس جميعًا،
    ويخرج الناس عن أطوارهم، ويهيئهم للغضب السريع.

    كان الناس يزدحمون ويتدافعون بالمناكب، وكان صاحبنا يزاحم مع المزاحمين، ويدافع مع المدافعين،
    وإنه لفي ذلك يتقدم خطوة ويتأخر أخرى، وإذا وجهه يتلقى على إحدى صفحتيه لطمة لم يُفِقْ منها قط،
    لطمة لفتته إلى نفسه، ولفتت الناس إليه، ولفتته إلى المصدر الذي يمكن أن يكون قد ساقها إليه،
    وملأت قلبه غضبًا وحفيظة وموجدة، بل قُل ملأت قلبه نخوة ومروءة وثورة للكرامة المهدرة، والشرف
    المُهان.

    فقد كان صاحبنا عربيًّا من أهل الريف، فلم تكد اللطمة تبلغ وجهه حتى ثارت نفسه، وهاجت عاطفته،
    وغلى الدم في عروقه، وصعد إلى وجهه الملطوم، واستيقن أن العروبة كلها قد أهينت في شخصه إهانة لا
    تردها لطمة كاللطمة التي تلقاها، ولا يغسلها إلا ذلك الدم الذي زعم المتنبي أنه وحده هو الذي
    يسلم الشرف الرفيع من الأذى حين يراق على جوانبه.

    كان هذا كله في لحظة، بل في أقصر من لحظة — إن أمكن أن يكون هناك ما هو أقصر من اللحظة — وقد
    رفع صاحبنا رأسه وتهيأ للهجوم الساحق الماحق الذي لا يُبقي ولا يذر، ولكنه لم يكد يرفع رأسه
    ويلتفت به إلى يمين حتى أطرق ولسانه يقول عن غير إرادة، وفي صوت متهدج أضحَك منه من حوله،
    وأضحكه من نفسه فيما بعد: معذرة يا سيدتي! قالت السيدة التي لطمته: معذرة من ماذا؟ بل أنا التي
    تعتذر إليك؛ فقد ظننت أنك آذيتني بهذا الدفع المنكر، ولم تكد يدي تصيب وجهك حتى عرفت أنك بريء،
    وأن الآثم شخص آخر ليس له حظ من أدب ولا من تربية.

    وكان هذا الشخص الآخر، الذي ليس له حظ من أدب ولا تربية، قد ذاب في أثناء هذا كله واستخفى.
    ومَن يدري لعله لم يكن إلا شيطانًا كاد كيده، ثم ابتلعته الأرض أو اختطفته السماء، ولعله لم يكن
    إلا خيالًا لعب برأس السيدة. والشيء المحقق هو أنها أحست أو ظنَّت أنها أحسَّت دفعًا غير كريم،
    فلطمت وجه هذا الفتى، ثم لم تلبث أن عرفت براءته، فاعتذرت إليه من لطمتها في نفس الوقت الذي كان
    هو يعتذر إليها فيه من هذا البطش الذي هم أن يبطشه بها، ومن هذا الغضب الذي همَّ أن يَصُبَّه
    عليها صبًّا.

    والشيء المحقق أيضًا هو أن هذه اللطمة التي دعت إلى تبادل الاعتذار قد دعت إلى تبادل
    الابتسام، ثم إلى تبادل الحديث، ثم إلى الاستمتاع بالموسيقى العسكرية التي خُصص إيرادها للجرحى
    من أبناء المدينة في الحرب العالمية الأولى، والشيء المحقق أيضًا هو أن الأسباب التي مدَّتها
    هذه اللطمة لم تنقطع بانتهاء الحفلة، وإنما اتصلت وكانت مصدرًا غريبًا لحب غريب.

    وما أظنكم تنتظرون أن أقص عليكم كيف خرج اللاطم والملطوم من الحديقة، وكيف سعيا معًا إلى قهوة
    فرنسا، هناك قريبًا من الإسبلاناد، وكيف تبردا فيها من حر الصيف ومن حر الحفلة بقدحين من أقداح
    الجعة، وكيف اتصل الحديث بينهما حلوًا رائقًا للنفوس حينًا، وحادًّا مُمَزِّقًا للقلوب حينًا
    آخر، حتى فرق بينهما مقدم الليل فتفرَّقا، ولكن على موعد للقاء …

    وكلكم يعرف إلام تنتهي هذه المواعيد حين تتصل، وقد انتهت مواعيد صاحبينا إلى حب هائج مضطرم لم
    يخفف من لوعته إلا الزواج، فصوروا لأنفسكم — إن كنتم في حاجة إلى أن تصوروا لها — هيام العاشقين
    أثناء هذه الخطبة التي اتصلت وقتًا غير قصير، وصوروا لأنفسكم أثر هذا الهيام في حياة الفتى، وفي
    طلبه للعلم وإقباله على الدرس، وأثره في أسرة الفتى المصرية في قرية من قرى الريف، وأثره كذلك
    في نفس الفتاة، وفي أسرتها المحافظة …

    صوروا لأنفسكم هذا كله وقدِّروا أن الحب الذي أثارته هذه اللطمة قد قهَر هذا كله، وتغلب على
    ما فيه من صعاب وعقاب، وانتهى إلى الزواج على رغم الدرس الذي أُهمل، وعلى رغم المقاومة التي
    جاءت من الريف المصري، والمقاومة الأخرى التي جاءت من الريف الفرنسي، وصوروا لأنفسكم كذلك أن
    هذه اللطمة قد أذكت الحسرة في كثير من القلوب، وشبَّت الغيظ في كثير من القلوب أيضًا: أذكت
    الحسرة في قلوب فتيات كنَّ يفكرن في هذا الشاب، وشبَّت الغيظ في قلوب شباب كانوا يفكرون في هذه
    الفتاة …

    ولكن الحب سيل جارف لا يمر بشيء إلا اكتسحه اكتساحًا، وريح عاصفة لا تدع شيئًا أتت عليه إلا
    جعلته كالرميم، والحب قاهر بطبعه: قاهر اللناس، وقاهر للأشياء، وقاهر للأحداث والخطوب أيضًا.
    وحب هذين العاشقين قد قهر كل شيء، وقهر كل إنسان، ووقف العاشقان ذات صباح أمام العمدة في مدينة
    مونبلييه فألقى عليهما سؤالين، وسمع منهما جوابين، وتلا عليهما طرفًا من أطراف القانون المدني،
    وأعلن بعد ذلك أنهما قد أصبحا زوجين … وانتهت تلك اللطمة إلى غايتها الأولى.

    ففُتح للعاشقين باب من أبواب النعيم الذي لم تر مثله عين، ولم تسمع بمثله أذن، ولم يخطر مثله
    لأحد على بال، وكأنما كانت تلك اللطمة شيئًا يشبه الطرق على الباب للاستئذان في الدخول، وكأنما
    كان الحب هو الذي اصطنع يد الفتاة فطرق بها على قلب الفتى بابه، ولم يكن باب هذا القلب عين
    الفتى ولا أذنه ولا فمه، وإنما كان صفحة وجهه الذي لم يكن رائعًا ولا جميلًا.

    وقد استمتع العاشقان بهذا النعيم ما شاء الله أن يستمتعا به، ذاقا لذائذه في فرنسا، وتنقلا
    بها بين إيطاليا وسويسرا، وعبرا بها البحر آخر الأمر إلى مصر، واستقرا بها حيث تعلمون في مدينة
    من المدن المصرية سعيدين موفورين لا يعرفان من الحياة إلا وجهها الباسم الصبوح، ولكن وجه الحياة
    ليس باسمًا دائمًا، بل قد يعتريه العبوس، وليس مشرقًا دائمًا، بل قد يغشاه الظلام
    أحيانًا.

    وقد يصدر عبوس الحياة وإظلامها عن الناس حين يأتون بعض الأمر ويدعون بعضه، حين يقولون فيكون
    ما يقولونه مصدرًا للشر، وحين يسكتون فيكون سكوتهم سبيلًا إلى الريب … حين يعملون فيكون عملهم
    مثيرًا للسخط، وحين يكسلون فيكون كسلهم وسيلة إلى الاتهام.

    والواقع أن حياة الزوجين أظلمت ذات يوم، لا لأن أحدهما قال شيئًا أو عمل شيئًا، ولكن لأن ساعة
    من ساعات الصفو الحلو البريء أبت أن تنقضي دون أن تعقب كدرًا ومرارة وشكًّا.

    فقد فرغ الزوجان ذات يوم لمجلس من هذه المجالس الكريمة التي يسمر فيها الأصدقاء بعد الغداء أو
    بعد العشاء، حين يفرغون من طعام أحسن إعداده، وشراب أحسن اختياره، وحين يقبلون على الحديث
    أحيانًا، وعلى الموسيقى أحيانًا أخرى، وعلى الرقص في أثناء ذلك، وقد أخذ الأصدقاء في تلك الليلة
    بحظهم من نعيم الحياة وتفرقوا، وخلا الزوجان وأخذا يتحدثان عن وليمتهما، وعما دار حولها من
    حديث، وعما كان بعدها من سمر.

    وكان الزوج متحمسًا في استعراض هذا كله، وكانت امرأته تسمع له في غير نشاط، أو لعلها كانت
    تسمع له بإحدى أذنيها لا بهما جميعًا، لعلها كانت ذاهلة عنه بعض الذهول، وقد نبهها رفيقًا بها
    فلم تنتبه، وقد نبهها مرة ثانية فلم يغنِ عنه التنبيه شيئًا، وإنما مضى هو في حديثه المتحمس،
    ومضت هي في استماعها الذاهل حتى رابه من أمرها شيء.

    وأيسر الريب بين العاشقين لا يخلو من خطر، فقلوبهم حساسة، ونفوسهم أشبه شيء بالحطب الجذل لا
    تكاد تمسه النار حتى يصبح حريقًا مضطربًا يملأ ما حوله لهبًا، وكأن نفس الفتى كانت معدة لشيء من
    هذا، فقد كان غيران لا يطيق الشك ولا يحتمل الريب … فلِمَ ذهولُ امرأته عن حديثه وإمعانها في
    هذا الذهول؟! ضاقت نفسه، ثم اشتد ضيقها ثم ثارت، ثم خرجت عن طورها، وإذا هو يقول أكثر مما كان
    يريد، وإذا هي تظن أكثر مما كان ينبغي، وإذا ألفاظ طائشة تلتقي ثم تصطدم، وإذا يد الفتى تمتد ثم
    تنقبض، وإذا اللطمة التي تلقَّاها في مونبلييه ففتحت باب النعيم للعاشقين قد رُدَّت إلى
    صاحبتها، في مدينة من المدن المصرية، ففتحت باب الجحيم للبائسين.

    وما أحب أن أصوِّر لكم من أمرهما أكثر من ذلك، فما أريد أن أخرج من الإشارة إلى الدلالة، ولا
    من التلميح إلى التصريح، وإني على ما تعرفون من إمعاني في البغض حين أبغض، لأكره أن أتمنى لأشد
    الناس لي عداء أن يصير إلى مثل ما صار إليه الفتى، وإلى مثل ما صارت إليه الفتاة، ألا ترون أن
    هذا الشر كله لا يمكن أن يكون إلا من عمل الشيطان.

    وهمَّ القوم أن يجعلوا هذا الحديث موضوعًا للجدال يعللون فيه ويُئَوِّلُون، وينكرون منه
    ويعرفون، ولكن أحدهم رفع صوته حتى اضطرهم إلى الصمت وقال في سخرية لاذعة: ما أكثر ما تفتح
    اللطمات أبوابًا للنعيم، ثم تفتح بعدها أبوابًا للجحيم! ألم تسمعوا أن لطمة وثَبتْ بفلان إلى
    مكان رفيع، وأن لطمة أخرى قد تهبط به قطعًا إلى مكان سحيق؟!

    قال صاحب الحديث: أما وقد أخذتم تخوضون في حديث الأشخاص، وتُلمِّحون إلى أحداث السياسة، فليس
    لي بينكم مقام. وانصرف وأصحابه يَدْعُونَه إلى أن يعود وهم يقولون: أقْبِلْ؛ فقد آمنَّا بأن
    قصتك من عمل الشيطان.

  • جو الحب والبغض

    جو الحب والبغض

    طه حسين

    جريدة البلاغ

    ٢٥ مارس ١٩٤٥

    ألم يبلغ غضبُك أمدَه بَعْدُ؟! أيستطيع الناس أن يبغضوا دائمًا وأن يعاقبوا دائمًا؟!

    سؤال أجراه الشاعر الفرنسي العظيم راسين في القرن السابع عشر على لسان بيروس بن أخيل إلى أندروماك، تلك التي ملأت قلبه حبًّا بعد أن ملأ قلبها لوعةً وحزنًا. فقد كان أخيل — أبو هذا البطل — قد قتل هكتور زوج هذه البطلة، وكان البطل نفسه قد دمَّر طروادة، وصبَّ على أهلها موتًا وخرابًا، وثكلًا ويتمًا، وترملًا وتأيُّمًا. صوَّرها القصص اليوناني القديم أروع تصوير، واختار الشاعر الفرنسي طرفًا منه فصوَّره تصويرًا بارعًا في قصته الخالدة أندروماك.

    وقد زعم لنا راسين أن أندروماك وابنها الصبي كانا أسيرين عند هذا الملك بيروس، وأن اليونان أشفقوا من هذا الصبي إنْ بَلَغَ أشُدَّه أن يطلب ثأر أبيه، وأن يسترِدَّ ملكه، وأن يُقِيلَ قومه من عثارهم، ويُقِيم طروادة على أنقاضها من جديد؛ فأرسلوا سفراءهم إلى بيروس يطلبون إليه أن يقتل هذا الصبي أو أن يدفعه إليهم ليقتلوه، وكان الملك حريًّا أن يفعل لولا أنه يحب أسيرته ويريد أن يتخذها له زوجًا، وأن يلغي خطبته لبنت هيلانة تلك التي ثارت من أجلها حرب طروادة.

    فالقصة صراع بين حب الملك لأسيرته وبغض الأسيرة لهذا الملك الذي صبَّ على قومها ووطنها ما صبَّ من الوبال والنكال.

    وما أريد أن أتخذ هذه القصة الرائعة الخالدة موضوعًا للحديث، وإنما أتخذ هذا السؤال الذي اقتطفته منها في أول هذا الفصل مقدمة لطائفة من الأسئلة لا يستطيع إنسان مفكر له حظٌّ من ثقافة ونصيبٌ من تدبر وتأمل إلَّا أن يلقيها على نفسه كلما قرأ أو سمع الأخبار التي تُذاع علينا منذ أعوام عما يكون في أنحاء العالم من الانهزام والانتصار في كل يوم.

    فقد كانت طروادة مدينة صغيرة، وكانت الأمة اليونانية التي دمرتها أمة صغيرة، وكان تدميرها مع ذلك مصدرًا لآثار أدبية خالدة في أكثر اللغات والآداب الكبرى على اختلاف العصور، ما زالت الإنسانية تعيش عليها، ويظهر أنها ستعيش عليها إلى آخر الدهر.

    وليس من شك في أن الحروب الحديثة تدمر مدنًا أعظم من طروادة خطرًا، وأجل منها شأنًا، وأعمق منها أثرًا في الحضارة؛ فهل بين هذه المدن الكبرى التي تدمر العشرات منها في الأسبوع الواحد مدينة تستطيع أن تلهم الشعراء والكتَّاب بعض ما ألهمت طروادة شعراء اليونان والرومان والأوروبيين المحدثين من الآثار؟!

    لقد عرفنا في هذا الأسبوع وحده أن خمسة ملايين من الفرنسيين لا مأوى لهم، وأن ثلاثة ملايين أو نحو ذلك من الفرنسيين يذوقون عذاب الهون في ألمانيا، سواء منهم أسرى الحرب والذين حُمِلوا كرهًا للعمل في ألمانيا، والذين نُفُوا من وطنهم لأنهم كانوا يشتغلون بالسياسة على غير ما يحب المنتصرون، وأن الذين أهلكتهم الحرب وأهلكهم الانتقام وأهلكتهم غارات العدو والصديق من الفرنسيين لا يُحصَون بعشرات الألوف، وإنما يُحصَون بمئاتها، وأن المدن التي دُمِّرت والمرافق التي أُفْسِدَتْ والمصانع التي مُحِيَتْ؛ كل ذلك لا يُقدَّر بمئات الملايين، وإنما يُقدَّر بألوف المليارات من الفرنكات.

    وعرفنا في نفس هذا الأسبوع أن البولنديين قد فقدوا ما يقرب من ثلث السكان في وطنهم؛ أي ما يقرب من عشرة ملايين ذهبت بهم الحرب، وذهب بهم الانتقام، وذهب بهم الجوع والبؤس والمرض والحرمان، وعرفنا شيئًا مثل ذلك بالقياس إلى الأمم الأوروبية الأخرى التي قهرها الألمانيون ثم رُدُّوا عنها، وعرفنا أن اليونانيين كانوا يموتون مئات في كل يوم من البؤس والجوع، يسقط بهم الإعياء في شوارع أثينا وغيرها من المدن، وعرفنا ما قدَّم الإنجليز والأمريكيون والروسيون لإله الحرب من الضحايا والقرابين في الأنفس والأموال والمدن والمرافق.

    ثم ها نحن أولاء نرى الدائرة تدور على الذين كانوا ينتصرون أمس فأصبحوا ينهزمون اليوم؛ فالشقاء الذي لا سبيل إلى وصفه يلح على ألمانيا لا نقول في كل يوم ولا نقول في كل ساعة، بل نقول في كل لحظة؛ فالمدن الألمانية تُمحَى من الأرض محوًا، وعشرات الألوف بل مئات الألوف من الألمانيين يُصَبُّ عليها الموت من السماء، وينجم لها من الأرض، ويأخذها من جميع أقطارها.

    ومثل ذلك يُقال بالقياس إلى إيطاليا، ومثل ذلك يُقال بالقياس إلى اليابان. والنتيجة الطبيعية لهذا كله هو أن هذا الهول الذي يعجز العقل الإنساني عن تصوره وعن تحقيقه قد شمل الأرض كلها، وشمل أجيال الناس جميعًا على اختلاف حظوظهم منه باختلاف قربهم من الحرب أو بُعدهم عنها، وباختلاف اشتراكهم في الحرب أو اجتنابهم لها.

    وإذن؛ فليس بين قلوب الناس قلب لم تمسسه الحرب بأثر من آثارها، ضئيل أو عظيم. وكل هذه الآثار ليس من شأنها أن تبعث في القلوب حبًّا ومودةً، ولا أن تُشيع فيها عطفًا وحنانًا، وإنما هي تبعث في القلوب البغض والنكر كل النكر والعداء كل العداء.

    وقد سمعنا في إذاعات الراديو أن الإنجليز اعتذروا أمس إلى الهولنديين، وقدموا إليهم أسف الحكومة والشعب والجيش؛ لأن الطائرات الإنجليزية أخطأت أهداف الحرب فصبَّت على الأصدقاء من الهولنديين عذابًا أليمًا وهولًا عظيمًا. ثم سمعنا في إذاعات الراديو أيضًا أن المستر تشرشل ينبئ العالم في تشاؤمه المعروف بأن أوروبا معرَّضة بعد الحرب إلى مجاعات يُخشى أن تكون ساحقة ماحقة. وأكبر الظن أن هذه المجاعات لن تحدث في أوروبا وحدها، ولكنها قد تحدث في ميادين الحرب الأخرى في الشرق الأقصى حيث شبَّت نار الحرب منذ أكثر من ثماني سنين.

    ثم جاءتنا الأنباء بأن المنتصرين أنفسهم من الإنجليز والأمريكيين يقاسون أو بدأوا يقاسون ما تقتضيه هذه الحرب الطويلة العنيفة من البؤس والحرمان. فأمَّا ما يقاسيه الروسيون من ذلك فأمره أظهر وأشهر من أن يحتاج إلى وصف أو تفصيل.

    وستجتمع المؤتمرات لإقرار السلم وتنظيمه وإصلاح ما أفسدته الحرب من شئون السياسة والاقتصاد، وستبذل الجهود الهائلة لتعمير ما خُرِّب وتشييد ما دُمِّر، واستثمار ما أدركه البوار، وستبلغ الإنسانية من ذلك ما تريد أو لا تبلغه. ولكن الشيء الذي لن تجتمع له المؤتمرات ولن تبلغه إن اجتمعت له، هو علاجُ هذا البغض الذي استقر في القلوب، ومحو هذا العداء الذي شاع في النفوس، وإزالة هذا الحقد الذي جرى في العروق مع الدماء.

    ويكفي أن نسمع ما يُذاع في الراديو من أي أمة من الأمم المحاربة، وأن نقرأ ما يُكتَب في الصحف لنستيقن أن العالم الآن لا يعيش على الحب، وإنما يعيش على البغض، ولا يصدر عن التعاطف والتراحم، وإنما يصدر عن التدابر والتناحر، وعن التحاسد وتبادل هذا الخوف المهلك. حتى الذين يتعاونون فيما بينهم على بلوغ النصر المؤزر أو اجتناب الهزيمة الماحقة، لا يقيمون تعاونهم على المودة الخالصة والمحبة الصادقة، وإنما يقيمونه على المنافع العاجلة، وعلى الاحتياط للمستقبل، وعلى الاعتبار بالماضي، والانتفاع بما أظهر من تجارب وما ألقى من دروس تدعو إلى الحذر والاحتياط، وإلى أن تعلن الألسنة أشياءَ وتسرَّ القلوب أشياءَ أخرى.

    فما من شك في أن ألمانيا لم تُخلص لحلفائها يومًا ما، وما من شك في أن المنتصرين اليوم يُشفق بعضهم من بعض، ويحسب بعضهم لبعض حسابًا أي حساب، وما من شك في أن الحب والأمن ليسا هما اللذين يديران شئون العالم في هذه الأيام، وإنما البغض والخوف هما اللذان يسيطران على كل ما تدبره الدول بينها من تدبير.

    والأمر ليس مقصورًا على ما يكون بين الدول والشعوب من الصلات، وإنما هو يتجاوز ذلك إلى ما يكون بين الجماعات في الأمة الواحدة وبين الأفراد في الجماعة الواحدة؛ فالأمم المنتصرة والأمم المنهزمة ستفرغ يومًا ما لإصلاح شئونها وإقامة ما انقض من بنيانها.

    وستختلف الأحزاب وتصطرع الجماعات حول إقامة هذا البنيان المنقض وتنظيم هذه الشئون المختلطة. فأمَّا مكر بعض الأفراد ببعض، وكيد بعضهم لبعض، وإيثار كل واحد منهم لنفسه بالخير، وحرص كل واحد منهم على أن يوفر لنفسه أعظم حظ ممكن من النعيم والرغد والعافية؛ فشيءٌ نشهده في كل يوم، ونلحظه في كل مكان. ولعل الأسواق السود أن تكون أظهر الدلائل عليه.

    هذه الصور القاتمة المظلمة تترك في نفوس الناس حين تعرض آثارًا مثلها قاتمة مظلمة، وتُصوِّر لهم الحياة الحاضرة والحياة المستقبلة بشعة منكرة، تضيق بها القلوب، وتزوَرُّ عنها النفوس، ويقول القائلون حين يشهدونها إن عارض هذه الصور لمتشائم محب للتشاؤم مسرف فيه، فما له لا يؤثر نفسه بهذه الآراء السيئة في الحياة والأحياء؟! وما له يشقُّ علينا بهذا التشاؤم البغيض، ولا يرفِّه علينا بما ينسينا بعض هذه الآلام، ويلهينا عن بعض هذه الخطوب؟! أليس ما نجد من آلام الحياة وأثقالها يكفي لشقائنا وضيق أنفسنا حتى يحتاج الكتَّاب إلى أن يعرضوا علينا فيما يذيعون فينا من الفصول. وهذا بالضبط هو الذي أردت أن أصل إليه حين عرضت كل هذه الصور المظلمة وهذه الخواطر المنكرة. أردت أن أصل إلى هذا السؤال: ما عسى أن تنتج هذه الحياة التي يحياها الناس الآن — والتي سيحيونها غدًا وبعد غدٍ — من الآثار فيما ينشئ الأدباء من الشعر والنثر؟ أتنتج أدبًا قاتمًا مظلمًا كأدب أبي العلاء، أم تنتج أدبًا مشرقًا باسمًا كهذا الأدب الذي نقرؤه في أكثر العصور الأدبية حظًّا من الهدوء والاستقرار، أم تنتج أدبًا ماجنًا متهالكًا كأدب أبي نواس وأشباه أبي نواس من الشعراء، أم تنتج هذه الآداب كلها في وقت واحد وتعرضها على الناس ليختار كل واحد منهم من بينها ما يلائم طبعه ومزاجه وحاجته إلى اللهو أو إلى الجد؟

    وبعبارة موجزة: ما عسى أن يكون أثر هذه الحياة القاتمة في آداب الغد؟ أصائرون نحن إلى آداب التفاؤل والدعة، أم صائرون نحن إلى آداب التشاؤم والانقباض؟!

    أمَّا منطق العقل، فيخيِّل إلينا أنَّا صائرون إلى مزاج من الأدب فيه تشاؤم كثير، مصدره هذا الهول الذي خضعنا له، وهذه الآثار المنكرة التي تركها بيننا. وفيه جهد كثير مصدره أن حياة الناس لا تخلو من الأمل، وأن عيشهم ضيق لولا أن أملهم واسع كما يقول الشاعر القديم.

    وإذن؛ فسيقبل الناس على استئناف حياتهم الجديدة محزونين على ما كان، غير يائسين من الإصلاح ولا قانطين من القدرة على استدراك ما فات، وستكون آداب الغد صورة لحياة الغد فيها تشاؤم قاتم، وفيها جدٌّ حازم. كذلك يخيِّل إلينا منطق العقل.

    ولكن منطق الدنيا — كما يقول صديقنا أحمد أمين — يعرض علينا صورًا أخرى تناقض هذه الصور أشد المناقضة، ولعلها أن تجد عند العقل مساغًا وتأويلًا. فمن الطبيعة أن نحزن ونجزع ونتشاءم لكل هذا الهول، ولكن ذاكرة الإنسان قصيرة، وأمانيه أطول من ذاكرته، وأثرته أشد سيطرة على حياته من عقله؛ فسيحزن الناس ولكنهم سيحتاجون إلى أن يتسلوا عن هذا الحزن، وسيتشاءم الناس ولكنهم سيحتاجون إلى أن يتخلصوا من هذا التشاؤم، وستكون شهواتهم أقوى من عقولهم، وستكون آمالهم أبعد مدًى من أعمالهم، وستكون أهواؤهم أشد جموحًا من طاقتهم، وسيطلبون إلى السلم أن تنسيهم الحرب وأهوالها بما تقدم إليهم من اللذات التي تعوضهم بعض ما فقدوا في أيام البؤس والحرمان، والتي تسليهم عما يشهدون من مظاهر البؤس والشقاء، والتي تعينهم على ما يأخذون فيه من أسباب الإصلاح والتجديد.

    ولم تعبث فرنسا قط كما عبثت أيام الثورة، دفعها إلى ذلك اليأسُ واستنفاذُ ما يمكن استنفاذه من لذات الحياة في بعض البيئات، ودفعها إلى ذلك الأملُ والرغبةُ في التسلي عما يفل العزم ويثبط الهمم من المصائب والأهوال. ولم تعبث أوروبا كما عبثت بعد الحرب الماضية، دفعها إلى ذلك ما دفع فرنسا إلى العبث في أيام الثورة.

    ولقد كان من أغرب الأشياء في ظاهر الأمر وأشدها ملاءمةً لطبائع الناس في الحقيقة الواقعة؛ ما كنَّا نعلم بعد الحرب الماضية من الكوارث التي ألمت بأوروبا، وما كنَّا نشهد فيها من مظاهر اللهو والعبث، ومشاهد المجون والفتنة.

    وقد أنتجت أوروبا بعد الحرب الماضية أدبًا فيه تشاؤم وحزن، ولكنه لا يكاد يُذكَر إذا قيس إلى الأدب الباسم العابث الذي أنتجته أوروبا بين الحربين.

    ولعل الذين شهدوا أعقاب الحرب الماضية في مصر وشهدوا نشأة الثورة الوطنية وما تكشفت عنه من شر كثير، يذكرون أن المصريين لم يضحكوا قط كما ضحكوا في تلك الأيام العابسة، وأن الأدب الجاد الحازم لم يكن له من الرواج والنفاق مثل ما كان لأدب الدعابة والفكاهة في تمثيل كشكش بك، وفي الأغاني الشعبية، وفي الصحف الأسبوعية الهازلة، وأن مصر لم تستأنف الأدب الحازم إلَّا بعد أن هدأت الثورة بعض الشيء.

    وأكبر الظن أن الأمور ستجري بعد هذه الحرب كما جرت بعد الحرب الماضية، فسيلهو الناس وسيسرفون في اللهو. وقد أخذوا يفعلون قبل أن تضع الحرب أوزارها، وسينتج الأدباء لهم أدبًا يلائم حاجتهم إلى اللهو والاستراحة من الجد. ولكن ما مقدار الوقت الذي سيحتاج الناس فيه إلى الراحة، وما تقتضيه من لهو وتسلية؟ ومتى يستأنفون حياة الجد والحزم لينتج الأدب لهم أدبًا جادًّا حازمًا؟!

    أمَّا بعد الحرب الماضية، فقد طالت الراحة واشتد الإسراف فيها حتى كادت تصبح طبيعة أوروبية، وحتى استطاعت ألمانيا أن تستعد وتتأهب وتنهض للثأر، وتفاجئ المنتصرين بهذه الحرب الثانية. وإذن فقد استراحت أوروبا ولهت عشرين سنة بعد الحرب الماضية، وأمَّا بعد هذه الحرب فلا يستطيع أحد أن يتنبأ بأن حاجة العالم إلى الراحة وما تقتضيه من لهو وتسلية ستقصر أو تطول، وإنما يستطيع الكاتب أن يتنبأ بأن الأدب الذي ستنتجه حياة العالم في الأعوام القليلة المقبلة سيكون أدب لهو وتسلية، حظُّه من الإشراق السطحي والابتسام العارض أعظم من حظِّه من الأناة والروية ومن التعمق الذي يمكِّن من التجديد والبناء.

    وما أحسب أن الأمر في البلاد العربية سيختلف اختلافًا شديدًا عنه في أوروبا وأمريكا؛ فأجيال الكهول والشيوخ متعبةٌ مكدودةٌ، وأجيال الشباب حائرةٌ مرتبكةٌ تبحث عن نفسها ولم تتبين أهدافها بعد، ولا بدَّ لها من وقت لتتبين هذه الأهداف. فإذا لم أخطئ فسينفق العالم عشر سنين أو أقل أو أكثر يستمتع بأدب حائر متردد بين ماضٍ قد زهد فيه ومستقبل غير واضح الأعلام وقرَّاء قد أنهكت أعصابهم أهوال الحرب وأثقالها؛ فهم لا يريدون إلَّا أن يتسلوا وأن ينسوا وأن يجدوا فيما يقرءون ما ينسيهم أنفسهم ويتيح لهم شيئًا من عزاء. وليست الآداب التي تُنتَج في مثل هذه الظروف هي التي تستطيع أن تبقى أو تُقيم الأحداث أو تُعين على إنشاء العالم الجديد.

    وليت شعري! ما الآثار الأدبية التي تستحق البقاء من كل ما أُنْتِجَ بين الحربين؟! وليت شعري! ما الذي حال بين الصلح الماضي وبين تحقيق الأغراض التي وُضِع من أجلها؟! ألا يمكن أن يكون مصدر ذلك أن الصلح الماضي قد وضعه الشيوخ على أساس واهٍ من آداب كان عصرها قد آذن بالانقضاء.

    وإذن؛ فالصلح المقبل سيُوضَع على مثل هذا الأساس، سيضعه الشيوخ على أساس واهٍ من هذه الآداب التي عاش الناس عليها مضطربين مرتبكين مختلفين، حتى شبَّت هذه الحرب.

    أقُضِيَ على هذا الجيل من الناس ألَّا يعرف طمأنينة ولا أمنًا ولا استقرارًا؟!