Tag: Humanitarian Crisis

  • تضامن

    تضامن
    طه حسين
    النداء
    ٤ نوفمبر ١٩٤٧

    لم يكن عمر بن الخطاب — رحمه الله — يقدِّر حين صَدَر بالمسلمين من الحج سنة ثماني عشرة للهجرة، أنه يستقبل بالمسلمين من أهل بلاد العرب — ومن أهل الحجاز ونجد وتهامة خاصة — عامًا أسودَ قاتمًا، يُمتحَن المسلمون به في أنفسهم وأموالهم وأخلاقهم، وفيما أُتِيحَ لهم من الصبر على الشدائد والثبات للمكروه والنفوذ من الخطوب، وفيما أُتِيحَ لهم كذلك من هذا الشعور الكريم الممتاز الذي يجعل الإنسان إنسانًا، ويرقى به إلى المنزلة العليا من منازل الكرامة؛ وهو شعور التعاطف والتآلف والتضامن الاجتماعي، الذي يلقي في روع كل فرد — مهما تكن منزلته — أنه عضو من جماعة يسعد بسعادتها، ويشقى بشقائها، ويأخذ بحظِّه مما يصيبها من النعماء والبأساء، وما ينوبها من السراء والضراء.

    لم يكن عمر — رحمه الله — يقدِّر أن الغيب قد أضمر له وللمسلمين من أهل بلاد العرب هذه المحنة القاسية، يُمحِّص بها قلوبهم، ويُصفِّي بها نفوسهم، ويُعلمهم بها أن الحياة ليست نعيمًا متصلًا، ولا رضاءً مقيمًا، ولا خصبًا يتجدد كلما تجددت الفصول، وإنما هي مزاج من النعيم والبؤس، ومن اللذة والألم، ومن السعادة والشقاء، وأن سبيل المؤمن — الذي مسَّ الإيمان قلبه حقًّا — هو ألَّا يطغى إذا استغنى، ولا يبطر إذا نُعِّم، ولا ييأس إذا امتُحِن بالبؤس والشقاء، وألَّا يُؤْثِرَ نفسه بالخير إنْ أُتِيحَ له الخير من دون الناس، وألَّا يترك نظراءه نهبًا للنوازل حين تنزل، وللخطوب حين تلم، وإنما يعطي الناس مما عنده حتى يشاركوه في نعمائه، ويأخذ من الناس بعض ما عندهم حتى يشاركهم في بأسائهم.

    فالله لم ينشر ضوء الشمس ليستمتع به فريق من الناس دون فريق، والله لم يرسل النسيم لتتنفسه طائفة من الناس دون طائفة، والله لم يُجْرِ الأنهار ولم يُفجِّر الينابيع لتشرب منها جماعات من الناس وتظمأ إليها جماعات أخرى، والله كذلك لم يخرج النبات من الأرض ليشبع منه قوم ويجوع قوم آخرون!

    وإنما أسبغ الله نعمته ليستمتع بها الناس جميعًا، تتفاوت حظوظهم من هذا الاستمتاع، ولكن لا ينبغي أن يُفرَض الحرمان على أحدٍ منهم مهما يَكُنْ شخصه، ومهما تَكُنْ طبقته، ومهما تَكُنْ منزلته بين مواطنيه.

    لم يكن عمر — رحمه الله — يقدِّر حين صدر من الموسم في ذلك العام أن الله سيرسل إلى المسلمين عامًا جديدًا يمتحنهم فيه بالجوع والظمأ والعري امتحانًا لم يعرفوا مثله منذ عهد بعيد أشد البعد. وكيف كان عمر يستطيع أن يقدِّر ذلك وأمور الدولة الناشئة تجري على خير ما كان المسلمون يحبون من العدل، والسعة، وبعد الصوت، وانتشار الفتح، وكثرة الفيء، وغزارة الرخاء؟!

    ولكن العام الجديد يُقْبِل وإذا السماء تبخل بمائها حتى تحترق الأرض ظمأً إلى هذا الماء، وحتى تسوَدَّ كأنها الرماد، وحتى يضطر المسلمون إلى أن يسمُّوا هذا العام عام الرمادة.

    بخلت السماء بالماء، وجادت الشمس بالحر، وعجزت الأرض عن أن تخرج للناس ما يأكلون وما يطعمون به ما كانوا يسومون من الثاغية والراغية.

    وينظر عمر بعد أن استقر في المدينة، فإذا الأزمة تسعى متمهلة مستأنية، ولكنها مستوثقة من نفسها، مُلِحَّة في سعيها، وإذا أهل البادية قد أجدبوا واشتد عليهم الجدب، فلم يفكروا إلَّا في أن يُهرَعوا إلى خليفتهم يلتمسون عنده ما يطعمهم من جوع، ويسقيهم من ظمأ، ويكسوهم من عري. وما له لا يفعل ذلك وهو قد أخذ أبناءهم وآباءهم وإخوانهم وكاسبيهم وعائليهم، فرمى بهم تلك الثغور، ودفع بهم إلى حروب يعرفون أولها ولا يعرفون آخرها؟! وما لهم لا يُهرَعون إليه وهم كانوا يشعرون بحبه، وعطفه عليهم، وبره يسعى إلى أقصاهم كما يسعى إلى أدناهم، لا يقصر عن السعي إليهم ساعة من ليل أو ساعة من نهار؟!

    ثم ينظر عمر فإذا جزيرة العرب كلها ترسل إليه من بقي فيها من الشيوخ والنساء والأطفال والعاجزين الذين لا يقدرون على شيء، والقادرين الذين لا يجدون شيئًا يقدرون عليه … هنالك ينهض عمر للقاء هذه الأزمة العنيفة الجائحة نهوض الرجل الذي يعرف الحق كما لم يعرفه أحد بعده، ويحمل العبء كما لم يحمله أحد بعده، ويواجه الخطب مصممًا على أن ينفذ منه أو يموت من دونه مهما تكن الظروف؛ حتى أصبح عام الرمادة ذلك كنزًا من كنوز المسلمين، لا ينفد ولا يدركه الفناء. يجد المسلمون فيه من العبرة والموعظة الحسنة والقدوة الصالحة ما لا يمتنع عليه قلب له حظٌّ من رفق ولين، إلَّا أن يكون من تلك القلوب التي وصفها الله — عز وجل — بأنها قست فهي كالحجارة أو أشد قسوة.

    وقد بدأ عمر — رحمه الله — بنفسه في مقاومة هذا الخطب، فأبى إلَّا أن يكون رجلًا من المسلمين؛ يشقى كما يشقون، ويجوع كما يجوعون، ويظمأ كما يظمأون، ويشتد على نفسه وعلى أهله بمقدار ما تشتد الأزمة على أشد الناس فقرًا وبؤسًا. يفعل ذلك لأنه مؤمن قبل كل شيء بأن من الحق عليه لنفسه ولله وللناس أن يفعل ذلك، ثم يفعله لأنه مؤمن بأن من الحق عليه أن يعلِّم الناس كيف يكون التضامن والتعاون والتعاطف حين تنزل المحن وتلم الخطوب، فيأبى إلَّا أن يعيش كما يعيش أفقر الناس!

    رأى المسلمين لا يجدون السمن إلَّا في مشقة وجهد؛ فحرم على نفسه السمن حتى تجده عامة الناس … وفرض على نفسه الزيت والخبز الجاف. فلمَّا ثقل عليه الزيت ظنَّ أنه إنْ طُبِخَ له فقد يكون أخف على معدته احتمالًا؛ فأمر أن يُطبَخ له الزيت، وأكله مطبوخًا فكان أوجع له وأعسر هضمًا، حتى تغيَّرَ لونه واسْوَدَّ وجهه وكان شديد البياض.

    ثم جعل يطعم الناس على الموائد العامة، ويجلس معهم إلى هذه الموائد يأكل مما يأكلون منه، ثم أمر المنادين أن ينادوا في الناس: من شاء أن يُقْبِلَ على هذه الموائد فيأكل منها فليفعل، ومن شاء أن يُقْبِلَ على هذا الطعام فيأخذ منه حاجته وحاجة أهله ليأكل معهم فليفعل.

    وكان يُشْرِفُ بنفسه على إعداد الطعام، وربما علَّم الطباخين كيف يطبخون. ولكن الأزمة تشتد وتشتد، وأهل البادية يُهرَعُون إلى المدينة، وكثيرٌ منهم لا يستطيعون أن ينتقلوا من أماكنهم، قد هلك الزرع وجف الضرع ونفقت الماشية، وأصبح من الحق على الخليفة أن يدرك هؤلاء الناس في مواطنهم، ويحمل إليهم أرزاقهم ما داموا عاجزين عن السعي إلى هذه الأرزاق.

    هنالك يكتب عمر إلى عمَّاله في الأقاليم يأمرهم بأن يرسلوا إليه الأمداد. واقرأ هذا الكتاب القصير الرائع الذي كتبه إلى عامله على مصر عمرو بن العاص رحمه الله، وانظر إلى ما في هذا الكتاب القصير الرائع من عنف عنيف، ملؤه الرحمة الرحيمة والرفق الذي ليس بعده رفق: «بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى عمرو بن العاص، سلام عليك. أمَّا بَعْدُ، أفتراني هالكًا ومن قبلي، وتعيش أنت ومن قبلك؟! فيا غوثاه! يا غوثاه! … يا غوثاه!»

    فلم يكد عمرو بن العاص — رحمه الله — يقرأ هذا الكتاب الذي يزجره فيه أمير المؤمنين أشد الزجر، حتى كتب إليه:

    بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله عمر أمير المؤمنين من عمرو بن العاص. سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلَّا هو، أمَّا بعد، أتاك الغوث؛ فلبث لبث! لأبعثن إليك بعيرًا أولها عندك وآخرها عندي …

    ثم نهض عمرو في إرسال هذا الغوث برًّا وبحرًا، وكتب عمر إلى عمَّاله الآخرين في الشام والعراق، فكلهم صنع صنيع عامل مصر. ثم أرسل عمر رسله إلى حدود بلاد العرب مما يلي الشام والعراق ومصر، وأمرهم أن يتلقوا هذه المعونات، فيميلوا بها إلى أهل البادية في أماكنهم وأحيائهم ليطعموهم ويكسوهم ويسقوهم. وعزم على رسله هؤلاء ألَّا يضعفوا ولا يلينوا ولا يُفَرِّقوا ما في أيديهم من الطعام دون أن يتبينوا أنه صائر إلى بطون الجائعين، لا إلى خزائن المختزنين. وأشد من هذا روعة وأعظم من هذا إثارة للعبرة أن عمر — رحمه الله — كان يقول: «نطعم ما وجدنا أن نطعم، فإن أعوزنا جعلنا مع أهل كل بيت ممن يجد عدتهم من لا يجد إلى أن يأتي الله بالحَيَا.»

    ومعنى ذلك أنه — رحمه الله — قد فتح بيت المال على مصراعيه، وأزمع أن يرزق الناس منه، حتى إذا لم يجد فيه شيئًا كلَّف كل أسرة غنية أن تطعم مثل عددها من الفقراء، يأخذهم بذلك بسلطان القانون والدين، حتى يأتي الله بالفرج.

    وما قصصت عليك هذا كله لأرفه عليك بروائع التاريخ، أو لأطرفك بهذه النوادر البارعة من سيرة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، فلسنا في وقت ترفيه ولا أطراف ولا ترويح، وإنما نحن نحيا في أيام سُود، ليست أقل نكرًا — ولعلها أن تكون أشد نكرًا — من عام الرمادة ذاك!

    فقد كان المسلمون في أيام عمر — وفي ذلك العام — يجدون الجوع والظمأ والعري، فأمَّا المصريون في هذا العام فإنهم يجدون الموت ويجدون المرض، ويجدون بعد الموت والمرض ما كان يجد العرب في عام الرمادة من الجوع والظمأ والعري.

    ومن حقِّ المصريين الذين صُبَّ عليهم الوباء أن يُدفَع عنهم هذا الوباء وأن تُرَدَّ عنهم آثاره؛ فلا يكون منهم من يشكو الجوع والظمأ والعري، وهذا الحق واجبٌ على الدولة ما وجدت في خزائنها من المال ما يمكنها من ذلك. لا ينبغي أن تفكر في شيء حتى تفرغ من هذه المحنة، فإن لم تسعفها خزائنها؛ فمن الحق عليها أن تسلك الطريق التي أراد عمر أن يسلكها، وأن تفرض على القادرين رعاية العاجزين حتى يأتي الله بالفرج.

    يجب أن تعلم الدولة — ويجب أن يعلم الموسرون — أن التصدق بالمال خير في أوقات الرخاء والدعة واللين، فإن اشتدت الشدة وأزمت الأزمة وألمَّ الوباء؛ فالتصدق واجب يفرضه العدل. فإن لم ينهض به الأفراد من تلقاء أنفسهم وجب على الدولة أن تأخذهم به أخذًا.

    يجب على الدولة أن تعلم أن الله قد أمر أئمة المسلمين في أوقات الرخاء والدعة أن يأخذوا من الأغنياء ويردوا على الفقراء؛ حتى لا يبقى بين الناس جائع أو محروم. فإذا جد الجد، وألمَّت الكارثة؛ فحرام على الموسرين أن يطعموا وأن يشربوا وأن يكتسوا، حتى يطعم الجائعون ويشرب الظامئون ويكتسي العارون من المعسرين. وعلى الدولة أن تقوم على هذا كله بسلطان القانون، فإن لم تفعل فهي آثمة أشنع الإثم في ذات الله، وفي ذات الوطن، وفي ذات المواطنين.

    هذه دروس ألقاها عمر بن الخطاب على الحاكمين والمحكومين في التضامن الاجتماعي الذي لا يقوم على الاشتراكية ولا على الشيوعية، وإنما يقوم على قول الله عز وجل: ( إِنَّ الله يَأْمُرُ‌ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْ‌بَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ‌ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُ‌ونَ ).

    فهل نطمع في أن تسمع الدولة وفي أن يسمع الموسرون، وهل نطمع في أن تتذكر الدولة ويتذكر الموسرون، وهل نطمع في أن نُعفى وتُعفى الكرامة الإنسانية من طلبات الصدقات في الصحف إلى قوم يؤثرون الأموال على الوطن وعلى المواطنين؟!

    إن من الحق على الدولة أن تعلِّم البخلاء كيف يكون الكرم والجُود بسلطان القانون إذا لم يصدر عن يقظة الضمائر وحياة النفوس …

  • هل ذهب الخوف؟

    هل ذهب الخوف؟

    طه حسين

    جريدة البلاغ

    ١٣ مايو ١٩٤٥

    أمَّا أن العالم قد تلقَّى أيام النصر بالرضا والابتهاج، فذلك شيء لا شك فيه ولا غرابة فيه أيضًا. فقد حقن استسلام ألمانيا دماء غزيرة كانت تُراق، لا نقول في كل يوم، ولا نقول في كل ساعة، بل نقول في كل لحظة من لحظات الليل والنهار، وأمن الآباء والأمهات على من بقي من أبنائهم بعض غوائل الحرب، وإن لم يأمنوا غوائل الحرب كلها؛ لأنها ما زالت قائمة مستعرة في الشرق الأقصى، فمن الطبيعي أن يبتهج الناس بانهيار ذلك الصرح الآثم الذي كان الموت يخرج منه ويأوي إليه، والذي كان مصدرًا للهول، وموردًا للهول في قلب أوروبا.

    ولكن هناك أشياء محققة لا معنى لإنكارها ولا للجدال فيها؛ فلم يكن ابتهاج الناس بالانتصار في أوروبا خالصًا من كل شائبة، ولا مطلقًا من كل قيد، ولا مُبرَّءًا مما يكدره وينغصه. فالخوف لم يذهب كله، وإنما بقي منه شيء غير قليل، مصدره هذه الحرب المتصلة في الشرق الأقصى، والتي اضطرت المستر تشرشل إلى أن يقول في بعض أحاديثه لمواطنيه إنهم سيستمتعون بوقت قصير من أوقات الراحة والابتهاج، ثم يستأنفون الجد والجهد والعمل؛ حتى يضطروا اليابان إلى مثل ما اضطرت إليه ألمانيا من الاستسلام.

    وقد سمعنا المذيعين يتحدثون في الراديو أمس من بريطانيا العظمى وأمريكا أن العالم سيشهد منذ الآن حركة نقل هائلة لا نظير لها في التاريخ، وذلك حين يُنقَل الجنود وأداة الحرب من أوروبا إلى الشرق الأقصى؛ فالأمريكيون وحدهم ثلاثة ملايين من الجند يُراد تحويلهم من الميدان الغربي إلى الميدان الشرقي، ومعهم عتادهم وأدواتهم المختلفة.

    فإذا أُضيف إلى ذلك ما سينقله البريطانيون ومن سينقلهم البريطانيون من أداة الحرب ورجالها إلى هذا الميدان، وما لا تزال أمريكا ترسله مباشرة من الوطن الأمريكي إلى الشرق الأقصى؛ عرفنا أن الإنسانية لم يُتَحْ لها بعد أن تطمئن وتستقر، وأن الناس لم يُتَحْ لهم بعد أن يثوبوا إلى أوطانهم، ويئوبوا إلى ديارهم، ويطمئنوا إلى أهلهم، ويستأنفوا العمل الذي يثمر وينتج في ظل الأمن والسلام.

    فهذا مصدر من مصادر الخوف، ولكن للخوف مصادر أخرى قد لا تكون أقل من هذا المصدر هولًا، فقد ألقت ألمانيا السلاح ولكن آثار الحرب لم تُلْقِ السلاح، ولن تلقيه قبل وقت طويل.

    وأظهر هذه الآثار هذا البؤس الشائع الذي يغمر المنتصرين والمنهزمين جميعًا، والذي يُعرِّض بعضهم للحرمان المؤلم، ويُعرِّض بعضهم الآخر للحرمان المميت.

    وقد تحدث إلينا الراديو أمس من بريطانيا العظمى بأن الإنجليز سيجدون مشقة غير قليلة في التموين، وستُخفَّض حظوظهم من بعض المواد الغذائية، وقيل مثل ذلك بالقياس إلى أمريكا. فأما البلاد المحررة، فالبؤس فيها أظهر من أن يحتاج إلى الوصف، وأما الشعب المغلوب فهو يعيش بين أنقاضه كما تعيش الجرذان. فقد بدأ الأمريكيون يشعرون بشيء من الرثاء له والعطف عليه، ويتصدقون عليه ببعض الغذاء. ولم تكد أنباء ذلك تذاع حتى سخطت الأمم المحررة، وقال قائلوها إن الأمريكيين يسرعون إلى نجدة العدو المغلوب أكثر مما أسرعوا إلى نجدة الصديق المنتصر.

    وإذن؛ فالخوف لم يذهب كله من هذه الجهة أيضًا، وما زال كل إنسان في أوروبا مشفقًا على نفسه وعلى ذويه من أعقاب الحرب، حتى حين يُتاح له أن يستقر في وطنه ويطمئن في داره وبين أهليه.

    وما نظن أن في أوروبا أسرة لم تفجعها الحرب في واحد أو غير واحد من أبنائها، وما نظن أن في أوروبا أسرة لا تجد شيئًا من القلق على واحد أو غير واحد من أبنائها قد أفلت من الموت، ولكنه لم يفلت من الجراحات أو من الأمراض التي اقتضتها الحرب.

    فابتهاج هؤلاء الناس بالانتصار لا يمكن أن يكون صفوًا ولا خالصًا من كل شائبة، وإنما هو ابتهاج إضافي هو أشبه شيء بتنفس المكروب الذي كان ينتظر أهوالًا تُصَبُّ عليه إلى غير حد، فرفعت عنه الأهوال بعد أن أخذ منها بحظ ثقيل بغيض.

    وليس هذا كل شيء فهذا الانتصار الذي يدعو الناس إلى الرضا والابتهاج لا يُقْبِل عليهم بوجه مشرق مضيء، وإنما يُقْبِل عليهم بوجه لا يخلو من بعض العبوس. فقد استقبل العالم الانتصار في أعقاب الحرب الماضية مع شيء من الأمن لا يعرفه في أعقاب هذه الحرب.

    لم يكن بين المنتصرين في الحرب الماضية ما نشهده الآن من هذه المظاهر العنيفة المخيفة للخلاف، وإنما أنفق العالم شهرًا أو شهرين مستمتعًا بالأمن والفوز، ولم تظهر الاختلافات السياسية بين المنتصرين إلا حين تقدمت المفاوضات شيئًا في مؤتمر الصلح، ثم لم تكن هذه الاختلافات مزعجة ولا مخيفة.

    أمَّا في هذه الحرب فقد ظهرت الاختلافات قبل أن يستسلم العدو، وظهرت مباعدة بين المختفين ومتخذة ألوانًا من العنف، كانت تشغل الناس أحيانًا عن شئون الحرب نفسها. فلما تم استسلام العدو خلا الميدان للجدل والخلاف، وأي شيء أظهر من أن النصر لم يُعْلَن في يوم واحد عند الحلفاء جميعًا، وإنما أُعلِن في الغرب يوم الثلاثاء، وأُعلِن في شرق أوروبا يوم الأربعاء.

    ولم يَرَ العالم في أعقاب الحرب الماضية ضحية خطيرة للاختلاف كهذه الضحية التي تُرى الآن. فالدولة البولندية التي أُعلِنَت الحرب من أجلها، والتي فقدت ثلث شعبها، والتي خسرت أكثر ثروتها الاقتصادية، والتي شاركت جيوشها في الانتصار الفعلي شرقًا وغربًا. هذه الدولة ضائعة بين الروسيين والسكسونيين، كلٌّ يؤكد أنه يريد بها الخير ويؤثرها بالعافية، ونتيجة هذا أنها غائبة عن مؤتمر سان فرانسيسكو؛ لأن الروسيين لا يقبلون حكومة لندن، ولأن السكسونيين لا يقبلون حكومة لوبلين.

    فأما البولنديون أنفسهم فلا يستطيعون أن يقولوا شيئًا؛ لأنهم خاضعون سواء رضوا أو كرهوا لسلطان أولئك أو لسلطان هؤلاء.

    ثم لا يقف الأمر عند المشكلة البولندية، وإنما المشكلات تنبت في كل مكان، وتظهر في كل يوم. فمشكلة النمسا، ومشكلة تريستا، ومشكلة الوصاية، ومشكلة مجلس الأمن، ومشكلة الترك والروس، وما شئت من المشكلات التي لا تدري متى تنقضي، ولا كيف تنقضي.

    والشيء الذي نرجو ألا يشك فيه القارئ، هو أن هذه المشكلات كلها على شدتها وحِدَّتها لن تصل من العنف إلى غايته، ولا بد من أن تجد لنفسها أو يجد المنتصرون لها حلولًا دائمة أو مؤقتة، ولكنها قائمة على كل حال. وقيامها واشتدادها واختلاف الناس في فهمها وفي حلها، كل ذلك يمنع الابتهاج بالنصر من أن يكون صفوًا خالصًا من كل شائبة، فهو ابتهاج حزين إن صح هذا التعبير، وهو ابتهاج قلق من غير شك.

    على أن هناك شعوبًا أخرى لا تشارك في هذه المشكلات من قرب أو بعد، وإنما تشهدها كما يشهد المحايد من الأمر ما يسوءه حينًا ويرضيه حينًا آخر. وهذه الشعوب قد شاركت في الحرب مشاركة قوية أو ضعيفة، وأعانت المنتصرين معونة إيجابية أو سلبية، وذاقت مرارة الحرب، واصطلت نارها على كل حال، وكان من حقها أن تستقبل النصر مبتهجة له مغتبطة به لا يشوب ابتهاجها حزن، ولا يشوب اغتباطها قلق أو خوف.

    ولكنها مع ذلك لم تظفر بهذا الابتهاج الصفو، ولم تنعم بهذه الغبطة الخالصة، وإنما تلقَّتْ أنباء الفوز، فابتسمت لها ابتسامة سريعة مرت على الثغور مر السحاب، ثم مضت هذه الشعوب في حياتها جادة محزونة قلقة، أقل ما تُوصَف به أنها ليست راضية عن يومها، ولا مطمئنة لغدها، وأنها لا تحفظ من أمسها إلا ذكريات مؤلمة تبعث في النفوس شيئًا غير قليل من الأسى والشك وخيبة الأمل.

    وهذه الشعوب هي التي سمعت الوعود فصدقتها، ووثقت بها وعاشت معها، على أنها حقائق واقعة تخفيها الحرب العنيفة المخيفة، ولا تلبث أن تظهر حين تنجلي غمرات الحرب.

    وقد نظرت هذه الشعوب ذات يوم فإذا الوعود التي كانت ناطقة في الصباح والمساء، وفي الليل والنهار، تؤثر الصمت ثم تستخفي شيئًا، ثم تغيب عن القلوب، وتحتجب عن العيون، وتقوم مقامها مظاهر السياسة القديمة التي ألفها الناس قبل هذه الحرب، وضاقوا بها وظنوا أنهم لن يعودوا إليها، أو أنها لن تعود إليهم، ثم أصبحوا فإذا هم غارقون فيها لا إلى الأذقان، بل إلى الآذان. فيكف تريد من هذه الشعوب أن تفرغ للفرح والابتهاج، وتذود عن نفسها القلق والخوف، والأمور من حولهما تجري كأن الحرب لم تَثُرْ، وكأن الحرب لم تنتهِ إلى هذا الفوز العظيم؟!

    هل ابتهجت مصر بهذا الفوز العظيم ابتهاجًا كاملًا شاملًا لا يشوبه قلق، ولا يكدره خوف؟! أم هل ابتهجت مصر بهذا الفوز العظيم ابتهاجًا رسميًّا نظر إليه الشعب باسمًا، ثم مضى في عمله كما يمضي في كل يوم يملأ قلبه الجد، ويملأ قلبه القلق، ويملأ قلبه أمل لا يدري متى يتحقق، وإن كان واثقًا بأنه سيتحقق في يوم من الأيام.

    وأما استسلام ألمانيا فقد كانوا ينتظرون منه لأنفسهم خيرًا كثيرًا عاجلًا، ولكنهم نظروا فإذا ألمانيا تنهار، وهتلر ينتحر، والديمقراطية تنتصر. وهم في أثناء ذلك كما كانوا قبل ذلك، وكما كانوا قبل إعلان الحرب يتمنون أشياء يرونها حقًّا لهم، فلا يُجابون إليها، ولا يُرَدُّون عنها، وإنما يعلَّقون بين كلمات نعم ولا.

    ولم يأتِ الوقت بعد. وقد يأتي الوقت بعد انتظار يقصر أو يطول، وهم يرون أن الانتصار لم يكد يُعلَن حتى رُدَّت الحرية إلى الناس في بلاد الإنجليز، وأُلْغِيَت القيود وزالت رقابة الصحف، واستطاع الناس أن يعيشوا أحرارًا كما كانوا يعيشون قبل الحرب مع أن الحرب لم تنتهِ بَعْدُ بالقياس إليهم، وما زالت تكلفهم جهودًا هائلة، وتُعرِّضهم لأخطار هائلة، وتصب عليهم أهوالًا مُروِّعة.

    فرءوا هذا كله وفكروا فيه ورضوا عنه، ثم نظروا إلى أنفسهم، فإذا هم بعد إعلان الفوز كما كانوا قبل إعلان الفوز لم تُرَدَّ إليهم حرية، ولم يُرفَع عنهم قيد، ولم يخلصوا حتى من رقابة الصحف، وهم مع ذلك لا يحاربون إلا حربًا نظرية.

    كانوا يأملون أن يُقال لهم يوم النصر: ابتهجوا معنا؛ فستخلص لكم حريتكم كاملة، ستجلو عن وطنكم جيوش الحلفاء، وسيستمتع وادي النيل باستقلاله شاملًا كاملًا موفورًا. ابتهجوا معنا؛ فأنتم منذ اليوم أحرار قد رُفِعَتْ عنكم القيود التي فرضتها طوارئ الحرب كلها أو أكثرها، وستستأنفون حياتكم كما كنتم تحيونها قبل الحرب، لا يحد من حريتكم في القول والعمل إلا القانون العام.

    كانوا ينتظرون أن يُقال لهم ذلك، فلم يُقَل لهم منه شيء، وإنما سمعوا المدافع تُطلَق، وسمعوا الراديو يذيع أنباء النصر فابتسموا ومضوا لشأنهم ينظرون إلى الأعلام المرفوعة يعبث بها النسيم عبث المداعب، ولكنهم لا يكادون يلقون إلى شيء من ذلك بالًا.

    أَتُراهم يُلامون؟!