Tag: Institutional Transparency

  • ومفارقات أيضًا!!

    ومفارقات أيضًا!!

    طه حسين

    جريدة الجمهورية

    ١٠ نوفمبر ١٩٥٧

    أما أولاها، فأعجب لها حقًّا، ولكني أعجز عن فهمها، وأودُّ لو تتفضَّل الحكومة فتيسِّر عليَّ وعلى كثير من الناس هذا الفهم، فليس بين المصريين أحد لم يضق لهذه الكارثة الفاجعة التي وقعت منذ أيام، فقتلت نيفًا وعشرين من المواطنين، وشرَّدت عشرات منهم لا أدري؛ وجدوا جميعًا مأوًى يأوون إليه، أم لم يجدوا إلى الآن؟ وليس بين المصريين أحد إلا وهو حريص أشد الحرص على أن يعرف الذين يقع عليهم إثم هذه الكارثة، فليس صاحب الدار وحده هو المسئول؛ لأنه يعيش في وطن متحضر له نظمه وقوانينه، وله قضاؤه وشرطته، وله حكومته التي تعرف حق الشعب عليها وحقها على الشعب.

    وكل هذا يقتضي ألَّا يقيم الناس ما يشاءون من الأبنية والدور، إلا طبقًا لنظم وقوانين وفي حدود معروفة وقيود مفروضة. وقد قيل: إن الحكومة وقفت ستة من المهندسين الذين يظن بهم أنهم قصَّروا في الإشراف على بناء الدار التي انهارت منذ أيام، ولكن رأيت بعض المهندسين الذين لم يمسهم هذا القرار من قريب أو من بعيد، يُنكرون أشد الإنكار وأقواه أن تكون على هؤلاء المهندسين تبعة خفيفة أو ثقيلة؛ لأن الإدارة العامة للتنظيم لا تملك السلطة التي تتيح لها الإشراف على إقامة الأبنية، وإنما تملك الإذن بإقامة هذه الأبنية في حدود معينة وشروط خاصة، وتملك رفض هذا الإذن إذا لم ترع هذه القيود والشروط، ثم هي فيما قال المهندسون لا تملك عقاب الذين يخالفون عن أمرها ويقيمون الأبنية بغير إذنها؛ وإنما تحرر لهم المحاضر التي لا تُغني عنها ولا عن سكان هذه الأبنية شيئًا. وأريد أن أعرف ويعرف الناس أحق هذا الذي قاله لي المهندسون أم لا؟ فإن يكن حقًّا، ففيم كان وقف هؤلاء الذين وقفوا؟ أو فلِمَ يُراد عقابهم؟ وفي أي ذنب يُحقَّق معهم؟ وإن لم يكن هذا حقًّا، فقد أصابت الحكومة فيما فعلت إلى الآن، ولكن كيف يستبيح بعض المهندسين لأنفسهم أن ينكروا ما فعلت الحكومة، ويطلبوا إليَّ أُن أعرب عن أفكارهم، وأعلنه ليصل إلى الرؤساء المسئولين، وليعلم الشعب أن أحدًا منهم لم يسئ إليه، ولم يشارك في إثم هذه الكارثة من قريب أو من بعيد؟! وأعتقد أن من حق المصريين أن يوضع لهم الأمر في نصابه، وأن يتبيَّنوا أمر الذين شاركوا في هذه الكارثة، ويعلموا أن هؤلاء المشاركين سيؤخذون بإثمهم أشد الأخذ، ويعاقبون عليه أقسى العقاب.

    وإذا لم تكن القوانين القائمة تُتيح لإدارة التنظيم أن تؤدي واجباتها كما ينبغي أن تؤدى، فليس للحكومة والبرلمان إلا أحد الأمرين؛ أولهما: أن تشرع هذه القوانين فورًا وفي أسرع ما يمكن من السَّرَع، والثاني: أن تلغى إدارة التنظيم ويُترك أمر البناء والهدم فوضى، فيفعل الناس ما يشاءون ويحتمل الثاني تبعة ما يفعلون؛ يحتملونها بينهم وبين أنفسهم أمام الله وأمام ضمائرهم، لا أمام الدولة التي لم تضع لهذا الأمر نظامًا يعرفه الناس فيذعنون له أو يخالفون عنه فيعاقبون على هذا الخلاف. ولست أخفي أني كنت أرجو وأنتظر أن يسأل بعض نوابنا في هذا الأمر لنسمع من الوزير المسئول، كائنًا من يكون ما يوضح الغموض، ويجلو الظلمة ويبيِّن للمصريين حقائق هذه التبعة، وأمر الذين يُسألون عنها ويؤخذون بها.

    وقد طلب المهندسون إليَّ أن أُعرب عن أفكارهم وأنصفهم من نفسي؛ فقد قدَّروا أني أسأت إليهم فيما كتبت منذ أيام عن هذه الكارثة.

    وأرجو أن أكون قد أنصفتهم من نفسي؛ فأما أن تُنصفهم الحكومة والبرلمان والسلطة التي وقفت بعضهم، فأمر لا أملك فيه لهم ضرًّا ولا نفعًا.

    وثانية: لست أدري أساءت الناس أم سرتهم، وإن كنت أعلم أن كثيرًا من الصحف تندرت بها وجعلتها موضوعًا للدعاية، وهي قصة مرصدنا الفلكي الذي يرى مراصد الدنيا ساهرة حين ينام الناس، ويرى اهتمام الناس جميعًا بهذه الأشياء التي ترسلها روسيا السوفييتية؛ لتدور حول الأرض لا عشرات المرات بل مئاتها، ولتمر بمصر وبالقاهرة خاصة بين حين وحين، ثم يُعلن في سذاجة ويسر أنه لم ير من هذه الكواكب — إن جاز أن تُسمى كواكب — شيئًا، ثم يُعلن مرة أخرى أنه لو قال إنه رأى هذه الكواكب لأضحك العالم المتحضر منه، ثم يعلن مرة أخرى هذا النبأ الرائع المروع، وهو أنه لم يَرَ هذا الكوكب حين مر بالقاهرة يوم جمعة؛ لأن الموظفين كانوا في إجازة رسمية.

    وليس يعنيني أن يرى مرصدنا هذا الكوكب أو لا يراه، وإنما الذي يعنيني هو أن في مصر مرصدًا أنشئ منذ أعوام طوال، وأن مصر تعيش في النصف الثاني من القرن العشرين، وأن مرصدها لم يُهيأ بعدُ لتسجيل مثل هذه الظاهرة التي اضطربت لها الدنيا أشد اضطراب وأعنفه. وقد أرسلت روسيا كوكبًا ثانيًا أضخم من الأول، ولكن مرصدنا لم يره، كما لم ير الكوكب الذي سبقه. ومعنى هذا أن مراصد الدنيا مبصرة حساسة، وأن مرصدنا مكفوف لا يحس.

    وللقراء أن يتفكروا في هذا ما شاءوا، ولكن على السلطة العليا التي تُشرف على هذا المرصد أن تعمل شيئًا أكثر من التفكير؛ ليحس مرصدنا ويُبصر.

    وثالثة: ليس أقل من هذه سخفًا ولا إثارة للعجب الساخر، وهي قصة هذا الشيء الذي سقط ذات يوم أو ذات ليلة في الإسكندرية ثم عُرض على بعض علمائنا، فما أسرع ما قضي أنها قطعة من الكوكب الروسي والصاروخ الذي دفعه في الجو. وأغرب ما سمعت أن يتعجل العلماء في الحكم إلى هذا الحد، فيضحكوا ويضحك الناس حين يظهر أنها قطعة من شيء آخر قريب أشد القرب من الأرض، ينبت في مصر وفي طريق الإسكندرية خاصة، يراه الغادون والرائحون، ويعرفه الذاهبون والآيبون في ظلمة الليل.

    وشر ما في هذه القصة أن يتعجَّل العلماء وتتعجل الصحف نشر ما قال العلماء، وعسى أن تتعجل وكالات الأنباء بإذاعته خارج مصر، فلا يضحك المصريون وحدهم وإنما يضحك معهم من قرأ هذا النبأ في الشرق أو في الغرب.

    وكم ذا بمصر من المضحكات ولكنه ضحك كالبكاء!!

    أما الرابعة ففكاهة كلها وليس وراءها بأس وليس أمامها بأس أيضًا، فنحن نقرأ في صحف الشرق والغرب أن الروسيين وحدهم هم الذين يفهمون ما ترسله كواكبهم من الرموز والإشارات، وأن الأمريكيين والأوروبيين يبذلون الجهود ليفهموا هذه الرموز والإشارات، ولكن جهودهم لا تنتهي إلى شيء، وهم ينتظرون معنا أن تفصح روسيا السوفييتية ذات يوم عن معاني هذه الرموز والإشارات.

    أما وزارة الإرشاد في مصر، فقد فهمت هذه الرموز فهمًا أقل ما يوصف به أنه رائع حقًّا، يفتح أمامنا آفاقًا واسعة جدًّا من الأمل، فقد سبقنا الأمريكيين وسبقنا أوروبا وسبقنا العالم كله، وأضعنا جهود روسيا السوفييتية، وفهمنا عن كوكبها الصناعي بعض ما يقول.

    واقرأ إن شئت بعض الإعلان الذي نشرته وزارة الإرشاد في الصحف؛ لتنبِّه الناس إلى أن مجلتها ظهرت أو تُرِيد أن تظهر.

    فستجد فيه هذه الجملة: القمر الصناعي ماذا صنع؟! قال: بيب. بيب. بيب، وترجمتها: أرسلوا لي عدد نوفمبر من المجلة على جناح الأشعة الكونية.

    أليس من الحق علينا جميعًا أن نهنئ وزارة الإرشاد والمجلة الغراء بهذا السبق الرائع، الذي كشف الغموض وأزال الشك وبيَّن للعلماء الروسيين أن في مصر قومًا لا يفهمون عنهم فحسب، ولكن يفهمون عن كواكبهم الصناعية قبل سائر الناس، ومن حقنا بعد ذلك على وزارة الإرشاد أن تنبئنا مشكورة عمن يقرأ المجلة في الكوكبين الصناعيين الأول والثاني، فهي من غير شك قد أرسلتها على جناح الأشعة الكونية؟ ومن يدري لعلنا نقرأ في العدد المقبل مقالًا يأتيها بالرموز والإشارات أو باللغة العربية الفصحى، يبين صدر قراءة هذه المجلة في ذلك الكوكب الذي يدور في غير ملل ولا لغوب!

  • في التعليم والمعلمين

    في التعليم والمعلمين

    طه حسين

    مجلة مجلتي

    ١٥ مايو ١٩٣٥

    أظن أن حديث الناس في هذه الأيام سيكثر عن التعليم والمعلمين، إلَّا أن تشغلهم أحداث السياسة كما تعودت أن تفعل فتصرفهم عن كل قول نافع وعمل مفيد. وإذا قدرت أن حديث التعليم خليق أن يشغل الناس في هذه الأيام، فمصدر ذلك هذه القنبلة الرسمية، إن صح هذا التعبير. فقد ألقى وزير المعارف قنبلة (وإن لم يتعود الوزراء إلقاء القنابل) حين أصدر تقريره عن التعليم الثانوي، مبيِّنًا فيه عيوب هذا التعليم، مقترحًا ما يرى من أسباب الإصلاح. وليس من شأني أن أعرض لهذا التقرير بنقد أو تقريظ، ولا أن أناقش هذه العيوب التي سجلها الوزير تسجيلًا، ولا أن أناقش هذه الاقتراحات التي يعرضها الوزير ليعرف فيها رأي الناس. ليس من شأني أن أعرض هنا لهذه الأشياء، فقد يكون لي فيها موقف آخر يومًا ما في غير الصحف والمجلات. وإنما الذي يعنيني الآن، هو أن ألاحظ أن وزارة المعارف قد حكمت على نفسها في هذا التقرير، أو أن وزير المعارف قد حكم على وزارته، حكمًا أو أحكامًا كان الرأي العام قد أصدر كثيرًا منها منذ زمن طويل، وكانت الحكومة تأبى أن تقبلها أو تعترف بها. فلنحمد لوزير المعارف شجاعته على قول الحق، ولنحمد له — قبل كل شيء — هذا الدرس القيم الذي ألقاه على وزارته حين بيَّن لها في غير تردد وفي غير إيماء، بل في حزم وعزم وتصريح، أن الرجل الذي يستحق هذا الاسم هو الذي لا يكره أن يعترف على نفسه بالعيب، وأن يلتمس إصلاح هذا العيب بعد أن يتبينه ويتعرف أسبابه وآثاره.

    ونحن نرجو أن تنتفع وزارة المعارف بهذا الدرس الذي ألقاه الوزير، وأن تتعود منذ الآن مواجهة أمور التعليم في شجاعة وحزم، والاعتراف بما اقترفت من أغلاط، وما تورطت فيه من خطأ، والاجتهاد في إصلاح هذا الخطأ وتلك الأغلاط.

    ونحن نرجو أيضًا أن يدرس وزير المعارف فروع التعليم الأخرى كما درس التعليم الثانوي، ويصدر في أمر كل فرع منها تقريرًا كهذا التقرير الذي أذاعه في أمر التعليم الثانوي، فهو إن فعل أحسن إلى المصريين وإلى وزارة المعارف من وجوه.

    منها أنه يستكشف عيوب التعليم ويدعو الناس إلى درسها والنظر في إصلاحها، ومنها أنه يضع بكل تقرير تاريخًا صحيحًا دقيقًا متقنًا لفرع من فروع التعليم. فإذا استوفى وضع تقريراته كلها، فقد وضع تاريخًا ممتعًا للتعليم المصري في هذا العصر الحديث، ينتفع به هذا الجيل كما تنتفع به الأجيال المقبلة. ومنها أنه يخرج من هذه العادة المنكرة التي ألفها الوزراء، فأفسدت عليهم أمرهم كل الإفساد، وأفسدت على البلاد نفسها أمرها كل الإفساد، وعرضت الحق لخطر عظيم، وجعلت الحقائق الرسمية في ناحية هي ناحية الشك والريبة، والحقائق الواقعة في ناحية أخرى هي ناحية الصدق واليقين والخوف من الجهر بها في كثير من الأحيان. وهذه العادة المنكرة هي هذه التي تحمل الوزراء على أن يعتقدوا أن أول ما يجب عليهم لوزاراتهم إنما هو تصويرها في صورة الكمال الذي يفرض لها الصواب فرضًا، ويعصمها من الخطأ؛ فهي لا تقول إلَّا حقًّا، ولا تأتي إلَّا خيرًا، ولا يعرض لها الضعف من وجه من وجوهها، ولا يدركها الزلل في طريق من طرقها.

    فوزير المعارف حين خرج على هذه العادة، فاعترف على وزارته بأغلاطها، واجتهد في إصلاح هذه الأغلاط؛ فتح بابًا جديدًا نرجو أن يلجه الوزراء، ولا سيما وزراء الإصلاح.

    على أني لم أكتب لأتحدث في هذا التقرير كما قلت، وإنما اتخذته وسيلة للحديث في شيء آخر: هو نشاط المعلمين وعنايتهم بصناعتهم في البلاد الأجنبية، واضطرارهم في مصر إلى فتور يشبه الموت. ولقد انتهى إليَّ بريد فرنسا في اليوم الذي انتهى إليَّ فيه تقرير وزير المعارف عن التعليم الثانوي، فلما أخذت أنظر في الصحف الفرنسية رأيت من ألوان النشاط الذي ينشطه المعلمون الفرنسيون أثناء ما يُتاح لهم من الإجازات أمرًا عجيبًا، ثم رأيت في تقرير وزير المعارف هذه الحقيقة المؤلمة التي سجَّلها تسجيلًا، وهي أن نظام التعليم في مصر لا يضعف شخصية التلاميذ وحدهم، ولكنه يضعف شخصية المعلمين، ونظَّار المدارس، ويوشك أن يمحوها محوًا. وقد يكون من الخير أن يظهر القارئ المصري على شيء من نشاط المعلمين الفرنسيين أثناء الإجازات. وقد يكون من الخير أن يظهر وزير المعارف نفسه على شيء من هذا النشاط أيضًا؛ ليستيقن أنه لم يكن مخطئًا ولا مسرفًا حين رثى للمعلمين المصريين، وأن المعلمين المصريين هؤلاء يلقون من وزارة المعارف شططًا لا يشبهه شطط، ويحتملون منه ظلمًا عظيمًا، وأن إصلاح التعليم لا سبيل إليه مهما تنفق الجهود وتبذل القوى وتصرف الأموال إذا لم يظفر المعلمون بهذه الحرية التي تفتح لهم أبواب النشاط في مصر، والتي قد ضربت بينهم وبينها حجب صفاق.

    كان المعلمون الفرنسيون منذ أيام يتمتعون بإجازة الفصح، فلم يلهوا ولم يلعبوا، ولم يتهالكوا على النوم والكسل، والاختلاف إلى الملاعب والقهوات، وإنما أنفقوا إجازاتهم — أو بعض إجازاتهم — على أقل تقدير في عقد المؤتمرات المختلفة، يفدون إليها من أقصى الأرض، ويعرضون لدرس الموضوعات المختلفة التي تمس التعليم والمعلمين من قريب أو بعيد. وثق بأنهم يعقدون مثل هذه المؤتمرات في الصيف من كل عام أيضًا، يعقدونها مرة في باريس ومرة في غير باريس من مدن فرنسا في الشرق والغرب وفي الشمال والجنوب.

    ولست أريد أن أتحدث عن نقابات المعلمين وجماعاتهم المختلفة، ولا عن مجلاتهم التعليمية التي لا تُحصى، ولا عن الموضوعات التي يتناولونها بالدرس في هذه المجلات، ولا عن اشتراكهم في المؤتمرات الدولية المختلفة، وإنما أتحدث عن مؤتمراتهم الخاصة التي يعقدونها في بلادهم كل عام، وعن الموضوعات التي يعرضون لها في هذه المؤتمرات.

    وحسبي أن أذكر هنا مؤتمرات ثلاثة عقدها رجال التعليم في باريس أثناء إجازة الفصح، فأمَّا أولها فمؤتمر اتحاد المعلمين الأوليين، وقد عقدوها في التاسع عشر من شهر أبريل، وتناولوا فيها موضوعات مختلفة أهمها هذه الموضوعات الثلاثة:

    الأول: الصلة بينهم وبين الحكومة منذ سنة ١٩٣٣. فقد دعت الأحداث السياسية الفرنسية، وما أثير من خصومات عنيفة بين الأحزاب إلى أن يسوء ظن الحكومة برجال التعليم الأولي، فتشفق منهم على النظام الجمهوري لمكانهم من التطرف إلى الشمال، ثم صلحت الأمور واستقرت الأحوال، وسجَّل هؤلاء المعلمون في مؤتمرهم هذا أن العلاقات قد حسنت بينهم وبين السلطان، وأكدوا أنهم لا يعنون بالسياسة ولا يحفلون بالإضراب، ولا يفكرون حين يُعلِّمون إلَّا في الوطن ورقيه واستقلاله، وحمايته من غارة الأجنبي. الثاني: رقي المعلمين أنفسهم، وما يجب لهم من الاستعداد لأداء واجبهم الفني على أحسن وجه ممكن، وهم ينتهون إلى قرار إجماعي له خطر عظيم في الحياة الفرنسية. ومن الخير أن تلتفت إليه وزارة المعارف المصرية. فهم يريدون ألَّا يشتغل بالتعليم الأولي إلَّا من ظفر بالشهادة الثانوية قبل أن يدخل مدرسة المعلمين الأولية. وهم لا يريدون الشهادة الثانوية السهلة اليسيرة التي يسمونها الشهادة الثانوية الحديثة، وإنما يريدون هذه الشهادة العسيرة، التي لا بدَّ فيها من اللاتينية؛ لأنهم يؤمنون بأن العلم بلغتهم، وتعليم هذه اللغة موقوفان على العلم باللاتينية، ولأنهم يؤمنون بأن للاتينية أبعد الأثر في تكوين عقول الشباب. وخطر هذا القرار يأتي من أن رجال التعليم الأولي، وهم يعدون في فرنسا بعشرات الألوف، ومعهم الاشتراكيون والديمقراطيون من أهل الشمال كانوا دائمًا خصومًا للغة اللاتينية، يمانعون في تعميمها كل الممانعة. وقد تأثر بهم البرلمان الفرنسي في كثير من الأوقات، فخفف تعليم اللاتينية تخفيفًا، وأنشأ شهادات ثانوية لا تشترط فيها اللاتينية، فتحول رجال التعليم الأولي عن هذا الرأي. ومطالبتهم باللاتينية بعد أن كانوا يلحون في أن يُباح لهم دخول الجامعة ونيل درجاتهم دون علم باللاتينية دليل على أن الحياة الفرنسية تتطور تطورًا خطيرًا نحو التعمق في العلم، والنظر إليه على أنه وسيلة إلى تكوين الرجل لا إلى اكتساب العيش. الثالث: أمر المعاشات. فهم يطالبون بأن تنظم قوانين المعاشات للمعلمين الأوليين تنظيمًا يكفل لهم شيخوخة هادئة بعد أن أنفقوا شبابهم وكهولتهم في خدمة الدولة والوطن.

    وليس المؤتمر الثاني الذي عقده نظار المدارس الأولية وناظراتها في اليوم نفسه بأقل خطرًا من هذا المؤتمر، فالنظار والناظرات يطالبون باللاتينية كما يطالب بها المعلمون، والنظار والناظرات يطالبون بحرية المعلم وحمايته من أهواء الأحزاب السياسية وشهوات الوزراء، والنظار والناظرات يطالبون بإصلاح نظام المعاش كما يطالبون بإصلاح الحياة الاجتماعية والصحية لصغار التلاميذ. والذي يستحق العناية أن رجال الحكومة والبرلمان يشهدون هذه المؤتمرات ويشتركون في مناقشتها. فمدير التعليم الأولي يشهد هذا المؤتمر، ويجيب على ما يوجه إليه من سؤال، ويعد برفع قرارات المؤتمر إلى الوزير، وبالجد في تحقيق ما يمكن تحقيقه منها. وعضو من أعضاء مجلس الشيوخ يشهد ذلك المؤتمر، ويشترك في مناقشاته، ويبيِّن للمؤتمرين مسلك مجلس الشيوخ بالقياس إلى التعليم الأولي، ويعد بالدفاع عن آمالهم ومطالبهم أمام لجنة التعليم وفي المجلس نفسه، ويكون هذا كله في بناء السوربون.

    وهناك مؤتمر ثالث لعله أعظم خطرًا من هذين المؤتمرين، وهو الذي عقده رجال التعليم العام، وخصصوا في الثامن والعشرين من شهر أبريل جلسة من جلساته لتحديد معنًى من المعاني الخطيرة التي يحرص عليها الفرنسيون أشد الحرص، ونريد نحن أن نتخذه مثلًا أعلى للتعليم في مصر، وهو حيدة التعليم العام بالقياس إلى السياسة والدين. فهم يسجلون أن الدولة لا تفرض ولا ينبغي لها أن تفرض على طلابها رأيًا ما في سياسة أو علم أو خلق أو فلسفة أو دين. وإنما محور التعليم يجب أن يكون الحق والحق وحده. وهم يسجلون أن الدين يجب أن يعلم، على أن يقوم بتعليمه رجال الدين أنفسهم في يوم من أيام الأسبوع، وأن لكل معلم أو أستاذ حريته الكاملة في مذهبه السياسي والديني والخلقي، بشرط ألَّا يقحم ذلك في التعليم، وألَّا يتكلف حمل المتعلمين بالعنف أو باللين أو بالتصريح أو بالتلميح على رأي من آرائه أو مذهب من مذاهبه. وهم يطالبون بأن ينظم القانون في غير لبس ولا غموض حقوق المعلمين وواجباتهم، وبأن يحمي القانون معاهد العلم من كل عبث يصدر عن الشهوات السياسية أو المذهبية مهما تكن. وكان الذي أعلن هذه المطالب وجهر بها وانتهى إلى التأييد الإجماعي من المؤتمرين، أستاذًا معروفًا من أساتذة التعليم العالي في الكوليج دي فرانس، هو الأستاذ لوروا.

    فأين هذه الحرية التي يستمتع بها المعلم الفرنسي في الاجتماع والتفكير وإعلان الرأي من حرية المعلم المصري؟ وأين هذا النشاط الذي يبذله المعلم الفرنسي فيما يمس شئون التعليم وشئون المعلم من نشاط المعلم المصري؟ ولعلك تسأل بعد ذلك عن مصدر فتور المعلمين المصريين، وإحجامهم عن مثل هذا النشاط، وإشفاقهم من درس مثل هذه الموضوعات، وإعلان آرائهم فيها! فلا توجه إليَّ هذا السؤال، ولكن وجهه إلى وزارة المعارف، ولا تنتظر جواب وزارة المعارف، فهو موجود صريح في التقرير الذي أذاعه الوزير في هذه الأيام.

    أليس الوزير يعترف بأن نظام التعليم في مصر لا يضعف شخصية التلاميذ وحدهم، وإنما يضعف شخصية المعلمين والنظَّار، ويوشك أن يمحوها محوًا؟!

    وكيف ينشط المعلم، وكيف يفكر، وكيف يعلن رأيًا من الآراء ونظام التعليم نفسه حرب على شخصيته، يحول بينها وبين كل نشاط؟!