حياتنا العقلية
طه حسين
جريدة الجديد
١٦ سبتمبر ١٩٢٩
تأتلف الأمم وتتصل بينها أسباب المودة والحب، فيترجم بعضها عن بعض، وينقل بعضها ما لبعضها الآخر من علم وفلسفة، ومن أدب وفن، وتختلف الأمم وتتقطع بينها الصلات وتشبُّ بينها الحروب، فيترجم بعضها عن بعض أيضًا، وينقل بعضُها ما لبعضِها الآخَر من الآثار العقلية والفنية، ويكون النقل والترجمة أثرًا من آثار الحب والألفة، كما يكون النقل والترجمة أثرًا من آثار البغض والفرقة، على نحو ما قال الأستاذ العقاد في الفصل الممتع الذي نشره له الجديد منذ أسبوع.
ولكن أمر الترجمة وما يكون من التقارب العقلي والفني بين الشعوب أعظم فيما يظهر وأبعد مدى مما ذهب إليه الأستاذ العقاد، فليس من المحقق أن المؤثرات المتصلة بالحب والبغض أو بالمنافع العاجلة، وما تستتبع من تنافس وجهاد، هي التي تبعث على الترجمة والنقل، وإن كانت قد تزيد الميل إليهما وتحثُّ الشعوب على الاستكثار منهما، على نحو ما حدث بعد الحرب الفرنسية الألمانية في آخِر القرن الماضي، وبعد الحرب الكبرى في هذا القرن. وليس من المحقق أن الشعب المغلوب، يُكثِر من النقل العلمي والأدبي عن الشعب الغالب، بل قد يكون الأمر على عكس ذلك من كل وجه، فينقل الشعب الغالب عن الشعب المغلوب كل شيء، ولا ينقل الشعب المغلوب عن الشعب الغالب شيئًا، وأظن الأستاذ العقاد لم يُرِدْ في الفصل الذي أشرتُ إليه آنفًا إلا أن يتحدَّث إلى قرَّائه بملاحظات وخواطر عنت له، فحاوَلَ أن يعلِّلَها تعليلًا يسيرًا على شيء من السرعة التي نتوخَّاها جميعًا حين نريد أن نكتب الفصول الأدبية للصحف اليومية والأسبوعية، وعلى شيء من السهولة التي نتوخَّاها جميعًا حين نكتب للذين يقرءون هذه الصحف، على اختلافهم وتفاوت حظوظهم من الثقافة وتباعدهم في النظر إلى الأشياء والحكم عليها، وأحسبه أيضًا لم يُرِدْ أن يتجاوز بهذه الملاحظات هذا العصر الحديث أو بعض نواحي هذا العصر الحديث، وما أشك في أنه لو استقبل هذا الموضوع بما تعوَّدَ أن يستقبل به الموضوعات التي يدرسها ويكتب فيها عن أناةٍ واستقصاءٍ، لَكان حُكْمه مغايرًا قليلًا أو كثيرًا للحكم الذي قرأناه منذ أيام.
يقال إن اليونان نقلوا عن الأمم الشرقية علومًا وآدابًا، ومما لا شك فيه أنهم نقلوا عن هذه الأمم نُظُمًا وفنونًا، ومن المحقق أن الرومان قد نقلوا عن اليونان حضارتهم كلها، سواء منها المادي والمعنوي، وسواء منها العقلي والفني، بدءوا في هذا النقل قبل أن تشبَّ بينهم وبين اليونان حروب، وأكثروا منه وأمعنوا فيه بعد أن تمَّ لهم الفوز على اليونان، وأصبح هؤلاء اليونان عبيدًا للرومان بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة من غير تجوُّزٍ أو إسرافٍ، ولم يَكَدِ اليونانُ ينقلون عن الرومان شيئًا لا قبل الخصومة ولا إبَّانها ولا بعدها، فالغالب هنا هو الذي أخذ عن المغلوب وأسرف في الأخذ عنه، حتى قال هوراس الشاعر الروماني:
إن اليونان قد قهروا روما من ناحية الحضارة والثقافة، بينما قهرت روما اليونان من الناحية السياسية، وكان التنافس شديدًا جدًّا بين اليونان والفينيقيين في غرب البحر الأبيض المتوسط، واشتركت روما في هذا التنافس فلم ينقل الفينيقيون عن اليونان علمًا ولا آدابًا ولا فلسفة، ولم ينقل اليونان عن هؤلاء الفينيقيين شيئًا، ونقل الرومان عن هؤلاء الفينيقيين شيئًا يسيرًا جدًّا، فلم يكن الحب والبغض، ولا العداوة والصداقة هي المؤثرة في الترجمة إبَّان ذلك العصر.
ومن المحقق أيضًا أن العرب انتصروا على الفرس وعلى اليونان البيزنطيين بعد ظهور الإسلام، كما انتصروا على أمم أخرى، فنقل العرب عن الفرس واليونان كل شيء، ولم ينقل الفرس واليونان عن العرب شيئًا، وكل ما كان هو أن الفرس أسلموا وطال عهدهم بالإسلام فتثقفوا بالثقافة الإسلامية، وكانت لهم آداب حديثة فيها أثر قوي للآداب العربية. ومن غريب الأمر أن هذه النهضة الفارسية التي ظهر فيها تأثُّر الفرس بالعرب لم تكن حين كان العرب غالبين والفرس مغلوبين، وإنما كانت حين تمَّ الفوز للفرس على العرب، وظفروا بالسلطان السياسي كله في الشرق الإسلامي، فكيف يعلِّل الأستاذ العقاد هذه الترجمة؟ بالحب أم بالبغض أم بالتنافس والجهاد؟
أما أنا فألاحظ قبل كل شيء أن العلة الحقيقية الأولى لكل ترجمة ونقل، إنما هي الطبيعة الإنسانية التي تجعل الإنسان حيوانًا اجتماعيًّا كما يقول أرستطاليس في السياسة، وحيوانًا مفكِّرًا كما يقول أرستطاليس في المنطق، فطبيعته الاجتماعية تضطره إلى أن يتصل بغيره من الأفراد والجماعات ويشاركهم فيما يفكِّرون ويشعرون ويستحدثون، وطبيعته المفكِّرة تضطره إلى أن يبحث ويستقصي ويتعرَّف حقائق الأشياء، فالترجمة إذًا أداة من أدوات الحياة الاجتماعية، وهي أداة من أدوات الحياة العقلية، وبمقدار حظ الشعوب من الحياة الاجتماعية والعقلية وحاجتها إلى تكميل هذين النوعين من الحياة، يكون حرصها على الترجمة.
كانت الحياة الاجتماعية والعقلية عند الرومان والعرب ضعيفة محتاجة إلى شيء كثير لتكمل وتقوى، فنقل الرومان عن اليونان، ونقل العرب عن اليونان والفرس، ولم يحتج اليونان إلى أن ينقلوا عن الرومان، ولا عن العرب شيئًا، ولم ينقل الفرس عن العرب إلا بعد أن تمَّ لهؤلاء التفوق العقلي والاجتماعي، وآية ذلك تجدها في التاريخ الحديث نفسه حين استكشف الأوروبيون علومَ القدماء وآدابهم وفنونهم، فأحَسُّوا حاجتهم الاجتماعية والعقلية إلى نقلها، فأسرعوا إليها فترجموها ودرسوها، فكانت النهضة الحديثة.
ومع أن الحياة الحديثة تخالِف الحياة القديمة وحياة القرون الوسطى بظهور المطبعة وكثرة المواصلات، فما زال الأمر كما كان لم يتغيِّر إلا تغيُّرًا إضافيًّا، فالحاجة الاجتماعية والعقلية هي التي تدعو إلى الترجمة الآن، كما كانت تدعو إليها في العصور القديمة وفي القرون الوسطى.
لا تستطيع أمة أن تعيش وحدها، فهي مضطرة إذًا إلى أن تتصل بغيرها من الأمم وتترجم عنها، وبمقدار شعور الأمة لهذه الحاجة الاجتماعية يكون حظها من الترجمة عن الأمم الأخرى، ومن هنا لا يكتفي الإنجليز والفرنسيون والألمان بأن يترجم بعضهم عن بعض، ولكنهم يترجمون عن العرب والفرس والترك والروس والصينيين، ومن هنا أيضًا كان حظ الغرب من الترجمة أكثر من حظ الشرق؛ لأن شعور الغرب في هذه الأيام بحاجته الاجتماعية أشد من شعور الشرق بهذه الحاجة.
ولا تستطيع أمة، بل لا يستطيع فرد أن يستقلَّ بحياة عقلية منفصلة، بل هو مضطر إذا أراد البحث والتفكير والإنتاج العقلي إلى أن يعرف ما أنتج غيره فيما هو بسبيله من أنواع العلم والفن، فهو إذًا مضطر إلى أن يقرأ ما كتَبَ غيره في لغته القومية أو في اللغات الأجنبية الأخرى، والترجمة هي الأداة لهذا الاتصال العقلي كما هي الأداة للاتصال الاجتماعي، وهي أداة ناقصة دائمًا، فلن يجد الأفراد الذين يحرصون على تحقيق هذه الصلة العقلية والاجتماعية بين الأمم من التراجم ما يرضي هذه الحاجة؛ لذلك يتعلَّمون اللغات الأجنبية، وهل هناك معنى لتعلُّم اللغة الأجنبية إلا أنَّ مَن يتعلَّم لغة أجنبية إنما يترجم لنفسه ما لم يترجمه له المترجمون؟! وكما أن الشعور بالحاجة الاجتماعية مقياس لحظ الأمم من الترجمة، فالشعور بالحاجة العقلية مقياس للترجمة أيضًا. ومن هنا كان الغرب أكثر ترجمةً من الشرق، ولست أشكُّ في أن الألمان أشد شعورًا بالحاجة الاجتماعية والعقلية الآن من الإنجليز والفرنسيين، ومن هنا كان حظهم من الترجمة إلى الألمانية أعظم من حظ الإنجليز والفرنسيين من الترجمة إلى الإنجليزية والفرنسية.
على أن المسألة التي تستحق العناية ليست هي تعليل الترجمة وبيان ما يدعو إليها — فالترجمة ظاهرة اجتماعية قديمة باقية — وإنما هي مقدار ما تستطيع الترجمة أن تحقِّقه من هذه الفكرة القيمة التي يسمو إليها أصحاب الأخلاق وعشَّاق المُثُل العليا، والتي جعلها الأستاذ العقاد عنوانًا لفصله، وهي: تعارف الشعوب. نعم وهي الوسائل التي يمكن أن تُتَّخَذ لتكون الترجمة سبيلًا واضحة مأمونة تلتقي فيها الشعوب المختلفة، فتأتلف ويحب بعضها بعضًا، ويعطف بعضها على بعض، ويتحقَّق بينها التعاون الصحيح في جميع فروع الحياة.
كما أحب أن أقرأ في هذا رأيَ الأستاذ العقاد.
Tag: Intellectual History
-
إخوان الصفا – مقدمة تاريخية تحليلية
إخوان الصفا – مقدمة تاريخية تحليلية
طه حسين
جريدة السياسة الأسبوعية
٢٤ نوفمبر ١٩٢٨
١
لم يعرف المسلمون عصرًا كالقرن الرابع للهجرة، تناقضت فيه حياتهم العامة أشد التناقض، فكانت سيئة أشد السوء مجدبة أقبح الإجداب من ناحية، وكانت حسنة قيمة خصبة منتجة من ناحية أخرى، فسدت فيه حياتهم السياسية فسادًا ظاهرًا، فانحل سلطان الخلافة في بغداد، وأصبح أمر الخلفاء إلى المسيطرين عليهم من رجال القصر ونسائه يعبثون بهم، ويحتكمون فيهم، ويكلفونهم صروف الذلة والهوان، واضطربت الدولة كلها فاستقلت عنها الأطراف البعيدة استقلالًا تامًّا، وطمحت الأقاليم القريبة إلى شيء من الاستقلال الداخلي، يختلف قوة وضعفًا باختلاف ما لهذه الأقاليم من حظٍّ في حياتها الاقتصادية والاجتماعية، وباختلاف من ينجم فيها من الزعماء وأصحاب المطامع، بحيث أصبح العالم الإسلامي في هذا العصر ميدانًا للتنافس وازدحام الأهواء والشهوات والاستباق إلى مظاهر الفوضى والاضطراب. وصلحت فيه من ناحية أخرى حياتهم العقلية صلاحًا لم يعرفوا له مثيلًا من قبل، فأزهر الشعر والنثر، ونضج العلم والفلسفة، وتمت علوم اللغة وفنونها، ونهض التاريخ والجغرافيا، بحيث إنك تنظر إلى هاتين الناحيتين من نواحي الحياة الإسلامية في هذا العصر، فلا تكاد تستريح إلى أنهما تمثلان أمة واحدة، هي الأمة الإسلامية متأثرة بحضارة واحدة هي الحضارة الإسلامية، وخاضعة لسلطان واحد هو سلطان الإسلام.
ذلك أنَّ هذه الأمة لم تكن في حقيقة الأمر أمة واحدة، وإنما كانت أممًا مختلفة أشد الاختلاف، متباينة أشد التباين، جمعها الإسلام تحت لواء واحد في أمد قصير من الدهر، وحاول أنْ يمزجها، ويلغي ما بينها من الفروق فَوفِّق إلى ذلك أحيانًا، ولم يوفَّق إليه أحيانًا أخرى.
وبينما كان يُخيَّل إلى من ينظر إلى الأمة الإسلامية إبان قوة الأمويين أو العباسيين، أنْ ستكون من كل هذه الشعوب وحدة قوية، قد مونتها وحدة اللغة والدين والنظام، كانت هناك مؤثرات أخرى تحول بين وحدة الدين واللغة والنظام، وبين نتائجها الطبيعية المنتظرة، وكان أهم هذه المؤثرات بعض الجنسيات القوية، التي لم يستطع النظام الجديد أنْ يهضمها، ولا أنْ يمحوها، بل لم يستطع أنْ يغير طموحها إلى الحياة القوية، ويضعف ميلها إلى الاستقلال والسلطان.
فقد أسلم الفرس جميعًا، وتعلَّم كثير منهم العربية أو استعربوا، ولكن الأمة الفارسية في جملتها ظلت فارسية، إنْ لم تحتفظ بدينها القديم، فقد احتفظت بلغتها وأدبها وعاداتها، وكثير من نظمها الاجتماعية، بل هي لم تكتفِ بهذا، وإنما جدت في إخضاع الغالبين إلى حد ما لما احتفظت به من لغة فإعادة ونظام، ثم اتصلت بالسياسة العربية الإسلامية، وأثرت فيها أشد التأثير، وانتهزت فرصة الخلاف بين الأمويين والهاشميين، فانحازت إلى هؤلاء الآخرين ومنحتهم القوة، وأجلست زعماءهم على عرش الخلافة، ثم أحاطت بهذا العرش تذود عنه وتحميه، وتحتكره في حقيقة الأمر، وتستأثر به وتقصي عنه العرب شيئًا فشيئًا، وما هي إلا أنْ يمضي القرن الثاني وينتصف القرن الثالث حتى تنقطع الصلة، أو تكاد تنقطع بين هذا العرش وبين الأمة العربية، وإذا العرب قد ارتدوا إلى أوطانهم الأولى، وإذا الخلفاء قد أصبحوا أسرى للعناصر الأجنبية المغلوبة في الدولة، وإذا هذه العناصر قد أخذت ترفع رءوسها، وتمد أيديها إلى السلطان فتأخذ منه — كما قدمنا — بحظوظ مختلفة من القوة والبأس ومن السيادة والاستقلال.
وكانت الأمة الفارسية أسبق الأمم إلى اقتطاع حظها من هذا السلطان، وكانت أعظمها منه حظًّا وأوفرها منه نصيبًا، ولا سيما في هذا القرن الرابع للهجرة.
٢
ولكن هذه الحركة العنيفة التي بعثها الإسلام في العالم القديم كله، أنتجت ما لم يكن بد من إنتاجه، فقد اختلطت كل هذه الأمم، وائتلفت كل هذه الشعوب، وعرف بعضها بعضًا، وأحب أنْ يتزيد من هذه المعرفة، فانكشفت للعرب نفوس الفرس والروم والساميين والقبط والبربر والإسبانيين، وانكشفت لهؤلاء جميعًا نفوس العرب، وكانت بينهم إلى هذه الصلات السياسية، التي أحدثها الفتح والدين صلات عقلية أشبه شيء بما حدث في العالم القديم، حين أغار الإسكندر على الشرق، وحين بسطت روما سلطانها على الشرق والغرب معًا.
أصبحت اللغة العربية لغة رسمية لهذه الشعوب، تترجم ما بينهم من صلات سياسية ودينية، وتترجم ما بينهم من صلات نفسية وعقلية، وأخذ كل شعب من هذه الشعوب يحرص على أنْ يكون له فيها أثر ظاهر، وأخذ العرب أنفسهم يحرصون على أنْ يكون في لغتهم مثال صادق لخير ما انتهت إليه حضارات هذه الشعوب وحياتها من أدب وفن ومن علم وفلسفة؛ فكانت الترجمة من الفارسية والهندية والسريانية واليونانية، وكثرت هذه الترجمة، وكثر درسها وشرحها وتفسيرها، وتأثرت بهذا كله حياة المسلمين العقلية منذ عهد بعيد، فظهرت آثارها في فلسفتهم وكلامهم وعلومهم وآدابهم.
ولكن هذا كله لم يسغه العقل الإسلامي الجديد، ولم يحسن هضمه إلا بعد أنْ انقضى القرن الثالث، وأظل المسلمين هذا القرن الرابع. في هذا القرن والقرن الذي بعده أخذت تظهر للمسلمين حياة عقلية جديدة مصطبغة بالصبغة الإسلامية الخالصة، وأخذ يظهر في العالم الإسلامي مفكرون مسلمون لا يصطبغ تفكيرهم بصبغة الدين ولا بالصبغة الفلسفية الأجنبية، كما كان ذلك شأن المتكلمين إبان القرنين الثاني والثالث، وإنما هم مفكرون مستقلون يحاولون أنْ يصبغوا ما انتهى إلى المسلمين من آثار الأمم الأخرى صبغة إسلامية صرفة مستقلة، وكان من زعماء هؤلاء جماعة كالفارابي وابن سينا وغيرهم من الفلاسفة الذين ظهروا في هذا العصر. وكان لنضج هذه العلوم والفنون والفلسفة في نفوس المسلمين أثرها في الفن والأدب أيضًا؛ فليس شعر المتنبي وأبي العلاء كشعر البحتري وأبي تمام، أو كشعر أبي نواس ومسلم، أو كشعر الفرزدق وجرير، وليس نثر الصابي وابن العميد كنثر الجاحظ، أو كنثر ابن المقفع، أو كما يُرْوى من النثر لكُتَّاب الأمويين وخطبائهم، وإنما هذا كله شيء جديد لا هو بالبدوي أو القريب من البدوي، ولا هو بالأجنبي أو القريب من الأجنبي، وإنما هو فن عربي قوي الأسر متمكن في عربيته الجديدة أشد التمكين.
٣
من خضوع المسلمين في هذا العصر لهاتين الظاهرتين المتناقضتين؛ ظاهرة الانحطاط السياسي والرقي العقلي، بقيت لنا آثار مختلفة كثيرة، لعل أظهرها وأقواها وأشدها تشخيصًا لهذا العصر هذا الكتاب الذي أقدمه إلى القُرَّاء وهو «رسائل إخوان الصفا»؛ فهذا الكتاب يمثل أصدق تمثيل وأقواه هاتين الظاهرتين المتناقضتين، يمثل من جهة فساد الحياة السياسية الإسلامية في ذلك الوقت؛ لأن الذين كتبوه جماعة لا نكاد نعرف منهم أحدًا؛ لأنهم كانوا يعملون من وراء ستار، وكانوا يعملون لغرض سياسي قبل كل شيء. فهم كانوا خصومًا للنظام السياسي القائم في بغداد، كما لم يكونوا أنصارًا مخلصين للنظام السياسي القائم في القاهرة، لم يكونوا يرتاحون إلى خلافة العباسيين، ولم يكونوا يحبون خلافة الفاطميين، وإنما كانت لهم أغراض سياسية متطرفة مسرفة في التطرف، فهم من غلاة الشيعة ولعلهم من الإسماعيليين، والقول كثير في أغراض الإسماعيليين ووسائلهم السياسية ونفورهم من الفاطميين وبغضهم لدولة بني العباس.
كان هؤلاء الناس إذن يعملون من وراء ستار ويؤلفون جماعة سرية، وكان قوام جماعتهم هذه — فيما يظهر — سياسي وعقلي، فهم يريدون قلب النظام السياسي المسيطر على العالم الإسلامي يومئذ، وهم يتوسلون إلى ذلك بقلب النظام العقلي المسيطر على حياة المسلمين أيضًا، وهم يسلكون في ذلك مسلك جماعات سبقتهم في العالم القديم؛ أظهرها جماعة الفيثاغوريين في المستعمرات اليونانية الإيطالية، فقد كانت هذه الجماعة مبغضة للنظام السياسي اليوناني المألوف، وكانت تريد قلبه وتغييره، وكانت تتوسل إلى ذلك بوسائل أهمها تغيير النظام العقلي، وإنشاء فلسفة جديدة تكون الحياة العقلية والعلمية للفرد والجماعة تكوينًا جديدًا، يلائم بينها وبين السياسة الجديدة، ويمكِّن هذه الجماعة من السيطرة على الأمور العامة، وقد وُفقت هذه الجماعة الفيثاغورية بعض التوفيق، وحاول أفلاطون شيئًا من ذلك فوُفق من الجهة العقلية، وتخيل نظامًا سياسيًّا بسطه في كتاب الجمهورية وكتاب القوانين، وأقامه على الفلسفة الأفلاطونية كلها، كما أقام الفيثاغوريون نظامهم على الفلسفة الفيثاغورية. ولكن أفلاطون لم يوفق في الحياة العملية إلى شيء، وظلت سياسته خيالًا ليس غير، وفلاسفة اليونان جميعًا متفقون على أنَّ النظام السياسي كائنًا ما كان لا قيمة له، إذا لم يعتمد على نظام من نظم التربية يلائمه ويهيئ الأفراد والجماعات لتأييده والذود عنه. فالتربية أهم ما يعنى به أفلاطون في الجمهورية، وهي أهم ما يعنى به أرستطاليس في كتاب السياسة، وكلاهما يبين أحسن تبيين الصلة بين أنواع التربية والتعليم المختلفة، وبين ما يوجد أو يتخيل من نظم الحكم والسياسة.
فجماعتنا السرية هذه متأثرة من غير شك بما كان في العالم اليوناني من محاولات تشبه محاولتها السياسية، متأثرة بمحاولة الفيثاغوريين، متأثرة بمحاولة أفلاطون. وقد كان حظها من التوفيق كحظ الفيثاغوريين، فقد وفق الإسماعيليون إلى وجود نظام سياسي مكَّن لهم في بعض الأرض، ونشر الرعب في العالم الإسلامي حينًا.
وليس أدل على فساد الحياة السياسية من قيام هذه الجماعات السرية التي تعمل لهدمها وتقويضها جادة ملحة، فكما كانت فلسفة الفيثاغوريين والأفلاطونيين دليلًا على فساد الحياة السياسية اليونانية؛ ففلسفة إخوان الصفا دليل على فساد الحياة السياسية الإسلامية في ذلك العصر، وقد احتاط هؤلاء الناس في التستر والاستخفاء، فلم نكد نعرف منهم أحدًا — كما قلنا — وإنما سميت أسماء لا تتجاوز الخمسة، ولا تخلو أنْ يحيطها الشك، وكل ما نستطيع أنْ نعرفه من أمر هذه الجماعة أنها نشأت في البصرة في منتصف القرن الرابع، وعُرف لها فروع في بغداد، وليس عندي شك في أنَّ أبا العلاء قد اتصل بهذا الفرع البغدادي حين ارتحل إلى بغداد آخر هذا القرن، وكان يحضر اجتماعه يوم الجمعة من كل أسبوع، نرى ذلك في سقط الزند، بل نرى بعض أسماء الذين كانوا يحضرون جلسات هذا الفرع، ونكاد نعرف المكان الذي كانوا يجتمعون فيه يوم الجمعة من كل أسبوع، ونكاد نلمح في هذه الاجتماعات شيئًا من اللهو المعتدل الذي لا بدَّ منه — فيما يظهر — لتستقيم فلسفة الفلاسفة، وقد أشرت إلى شيء من ذلك في «ذكرى أبي العلاء» على أني أشد استيقانًا به الآن، وأعتقد أنا نجد في رسائل إخوان الصفا أحسن تفسير لكثير من غوامض اللزوميات.
٤
و«رسائل إخوان الصفا» هذه تمثل الحياة العقلية في ذلك العصر، كما تمثل الحياة السياسية، أو هي أقوى من تمثيلها للحياة السياسية، فهي مرآة تنعكس فيها الحياة العقلية انعكاسًا مباشرًا. ونحن نرى فيها هذه الحياة واضحة جلية، نرى أنَّ العقل الإسلامي في القرن الرابع كان قد وعى ما نُقل إليه من فلسفة اليونان، وحكمة الهند، وآداب الفرس والآداب العربية، والإسلام وغيره من الديانات السماوية وغير السماوية، وجمع ذلك كله ورتبه ولاءم بينه، وحاول أنْ يكِّون منه مزاجًا واحدًا مؤتلفًا، هو خلاصة الثقافة التي يجب على الرجل المستنير حقًّا أنْ يظفر بها ويأخذ منها بالحظ الموفور.
ونلاحظ ونحن نقرأ «رسائل إخوان الصفا» ما نلاحظ ونحن نقرأ اللزوميات ورسالة الغفران؛ من أنَّ الصلات كانت في ذلك العصر، قد كثرت واستوثقت بين المسلمين في العراق وبين الهند، فانتقلت إلى أهل العراق مذاهب الهند الفلسفية وأساطيرها الشعبية، واختلط هذا كله بمجموعة العلم المحصلة يومئذ عند المسلمين، فأثر فيه أثرًا ظاهرًا، ولعل مذهب التناسخ لم يكثر التحدث به ومحاولة شرحه وتأييده وتصويره في الصور المختلفة، كما كثر ذلك في هذا العصر.
ولسنا نقول شيئًا جديدًا حين نقول: إنَّ «رسائل إخوان الصفا» هذه أشبه شيء بدائرة معارف فلسفية علمية، جمعت كل ما لم يكن بد من تحصيله للرجل المثقف حقًّا في ذلك العصر، ولكنها جمعت ذلك كله على شيء من النظام، يمثله الفهرست الذي قدَّم بين يديها، وهذا النظام يجب أنْ ينظر إليه من وجهين، أحدهما الوجه الفلسفي الصرف، وهو من هذه الناحية متأثر بما عرف المسلمون عن فلسفة الفيثاغوريين والأفلاطونيين القدماء والمحدثين وأرستطاليس متأثر بهذا كله، فهو يقسم الكتاب إلى أجزاء أربعة، أولها في أربع عشرة رسالة في الرياضة على اختلافها، في العدد والهندسة والفلك، ثم في الفنون العملية، ثم في المنطق، وهذا الجزء فيثاغوري أفلاطوني في أوله، وهو في آخره متأثر بأرستطاليس، إذ منطقه هو منطق أرستطاليس بترتيبه وأسمائه. والجزء الثاني أرستطاليسي الصبغة، يتناول الطبيعيات كلها على النحو الذي تناولها عليه أرستطاليس، يبدأ بالهيولي والصورة والزمان والمكان والحركة، وينتقل إلى الآثار العلوية، ثم ما يزال يتدرج حتى يصل إلى المعادن، ثم إلى النبات، ثم إلى الحيوان، ثم إلى الإنسان، ويختم بعلم النفس. والجزء الثالث عشر رسائل فيما بعد الطبيعة، وهو ظاهر التأثر بهذه الضروب الثلاثة من الفلسفة اليونانية، ففيه من الفيثاغوريين، وفيه من أفلاطون، وفيه من الأفلاطونية الحديثة، وفيه من أرستطاليس، فإذا كان الجزء الرابع فهو يتناول الإلهيات وما يتصل بالديانات والشرائع والتصوف، وهو المزاج الذي التأمت فيه كل العناصر المؤثرة في الفلسفة الإسلامية، سواء منها الشرقي والغربي والفلسفي والعلمي والديني والأدبي والفني والخرافي أيضًا. وهذه الأجزاء الأربعة كلها ورسائلها التي تبلغ اثنتين وخمسين رسالة، ليست في حقيقة الأمر إلا مقدمة ومدخلًا إلى رسالة جامعة هي خلاصة العلم وغاية الغايات التي كانت تنتهي إليها الجماعة، لا ينبغي أنْ تُعرض على أحد حتى يكون قد أخذ بحظه من كل هذه الرسائل. والجماعة تشبه نفسها برجل حكيم جواد كريم له بستان فيه من كل لذة ما فيه بهجة لا تعدلها بهجة، ولكنه لا يدخل الناس في هذا البستان حتى يعرض عليهم نماذج بما فيه، فهم ينظرون إليها ويدنون منها، فيذوقون ويشمون ويلمسون حتى إذا أنسوا واطمأنوا، ثم رغبوا واشتهوا أُدخلوا في هذا البستان، وهم يشبهون رسالتهم الجامعة هذه بالدواء الذي يشفي إنْ كان الجسم متهيئًا لقبوله، ويقتل إنْ كان الجسم لم يتهيأ له. ولكن هذه الرسالة الجامعة لم تصل إلينا، ولو قد وصلت لعرفنا كنه هذه الجماعة وأغراضها ووسائلها معرفة واضحة قاطعة.
٥
درس هذه الرسائل مفيد للذين يريدون أنْ يدرسوا تاريخ الفلسفة الإسلامية؛ لأنه — كما رأيت — يمثل عصرًا من أنضر العصور الفلسفية في الإسلام. ومن يدري؛ لعل قراءة هذا الكتاب في عناية وتحقيق تكشف عن أشياء لم تظهر بعد، فهل يبعد أنْ يكون رجل كالغزالي قد تأثر إلى حد قريب أو بعيد بفلسفة هذه الجماعة، ولا سيما حين نلاحظ أنه نشأ فيلسوفًا وانتهى صوفيًّا، وأنَّ إخوان الصفا يستخلصون التصوف والغلو فيه من الفلسفة الخالصة؟ وهذا الدرس يفيد الذين يدرسون التاريخ السياسي للمسلمين، فهو يكشف لهم عن أشياء قد لا يظفرون بها في كتب التاريخ السياسي؛ لأن التاريخ السياسي قد كُتب — كما يعلم كل إنسان — متأثرًا بطائفة من المؤثرات حالت بينه وبين الإنصاف في كثير من الأحيان، وكثير من الذين كتبوا هذا التاريخ السياسي لم يكونوا ينظرون إلا إلى ظواهر الأمور وأغراض الحياة العامة؟ ومن يدري؛ لعل هذه الرسائل لو قرأها المؤرخون في عناية وتحقيق تكشف عن أسرار تاريخية لا نقدِّرها، بل لا نفترضها نحن الآن.
وهذا الدرس يفيد الذين يريدون أنْ يتثقفوا، وأنْ يأخذوا بحظ من قديمنا العربي، فالفكرة العامة الآن عند الذين ينصرون القديم ويتعصبون له أنَّ هذا القديم ينحصر أو يكاد ينحصر في الشعر والنثر، وما يتصل بهما من علوم اللغة وفنون الأدب، وهم لا يكادون يحفلون بالفلسفة والعلم؛ لأنهم يحسون في وضوح وجلاء تفوق الفلسفة الحديثة والعلم الحديث على ما كان للقدماء من فلسفة وعلم، وهم في ذلك نفعيون يتأثرون منافعهم القريبة، خاضعون لعقول هي أرقى من أذواقهم، يقدرون رقي العلم والفلسفة في هذا العصر، فيزدرون ما للعصور القديمة من علم وفلسفة، ولا يقدرون رقي الآداب لفتور أذواقهم فيحفلون الأدب القديم ويسرفون في تقديمه، ولو قد أنصفوا أنفسهم، ولو قد لاءم الله بين عقولهم وأذواقهم لقدروا الأدب القديم والعلم القديم والفلسفة القديمة كلها على سواء، وفي شيء من العدل والإنصاف، فليس أدب القدماء أشد لذة وإمتاعًا للنفوس من علم القدماء وفلسفتهم، وإذا كان علم القدماء وفلسفتهم لا يلائمان عقولنا الآن فأدب القدماء يجب ألا يلائم أذواقنا الآن، إلا أنْ يكون الله قد مسخ هذه النفوس فضمم عقولها ومحا أذواقها أو كاد.
فالذين ينشرون القديم ويتعصبون له، والذين يريدون أنْ يكونوا لأنفسهم ثقافة قديمة صالحة، والذين يريدون أنْ يعرفوا القديم على وجهه ليستطيعوا أنْ يعرفوا الحديث حق معرفته، كل هؤلاء خليقون أنْ يقرءوا الفلسفة القديمة، كما يقرءون الأدب القديم، وليس كل الناس، بل ليس كل المثقفين، يستطيع أنْ يتصرف في فلسفة الفارابي وابن سينا، وإنما هذه الفلسفة وقف على الإخصائيين؛ لأنها كُتبت للإخصائيين، في حين كُتبت رسائل إخوان الصفا لعامة المثقفين، وقصد بها إلى إيجاد الثقافة الفلسفية الصالحة، فهي أدنى إلى العقول وأيسر على النفوس، وهي مقدمة صالحة لدرس الفلاسفة الإخصائيين.
على أنَّ من الحق أنْ نلفت الناس إلى أنَّ هذه الرسائل لم تقصد بها الفلسفة من حيث هي، ولا العلم من حيث هو، وإنما أريد بها تكوين ثقافة معينة تهيئ لنحو من السياسة معين، ففيها من التأويل والدوران، وفيها من الحيل والخيال ما يحسن الالتفات إليه والاحتياط منه، وقد كان إخوان الصفا أنفسهم مخلصين، فقدَّروا ذلك ولفتوا إليه ودعوا وألحوا في الدعاء إلى ألا تعطى هذه الرسائل للناس إلا بمقدار. وقد كان ذلك ميسورًا في العصر القديم حين كان العلم لا يؤخذ إلا في المدارس وعن العلماء، وحين كان تحصيل الكتب واقتناؤها لا يأتيان إلا بعد مشقة وجهد. فأما الآن وقد وجدت المطبعة، وأصبحت الكتب تعرض نفسها على الناس، وتلح في العرض والإغراء، فنحن بين أمرين، إما أنْ نحظر نشر الكتب إلا بمقدار وبعد امتحان وفتنة واختبار وتمحيص، وإذن فهو الجهل والجمود والضعف عن اجتماع الجهود في سبيل الحياة، وإما أنْ نذيع الكتب وننشرها ولا نقيد حرية المطبعة إلا بما لا بدَّ منه لحماية الأخلاق وحياطة النظام الاجتماعي، وهذا هو الوجه وهو الطريق التي سلكتها الأمم إلى الآن، والتي نسلكها نحن راضين أو كارهين، وكل ما يجب علينا لأنفسنا ولشبابنا إنما هو التنبيه واللفت إلى ما يجب من الاحتياط والحذر حين تعرض عليه كتب بعينها حتى لا تُقرأ على علاتها، ولا تؤخذ في غير حذق وفطنة، فيكون شرها أكثر من خيرها، وخيرها أكثر من نفعها.
لرسائل إخوان الصفا قيمة أخرى لم أشر إليها بعد، وهي قيمتها الفنية الخالصة، فهي من حيث إنها تتجه إلى جمهرة الناس للتعليم والتثقيف، قد عدل فيها عن العسر الفلسفي إلى اليسر الأدبي، وعني كُتابها بألفاظها وأساليبها عناية أدبية خاصة، ففيها خيال كثير، وفيها تشبيه متقن، وفيها ألفاظ متخيرة ومعانٍ ميسرة، وليس من الغلو أنْ يقال: إنها قاربت المثل الأعلى في تذليل اللغة العربية وتيسيرها لقبول ألوان العلم على اختلافها. ولو أنَّ لدينا من الذين يعنون بالدرس الأدبي جماعة تتوفر على «رسائل إخوان الصفا» درسًا وتحليلًا ونقدًا؛ لكان من الممكن أنْ نتبين ما فيها من الشخصيات الفنية المتفاوتة، بل لكان من الممكن أنْ نستكشف بعض هذه الشخصيات، ومن يدري؛ لعل منها شخصيات معروفة كتبت في الأدب والفلسفة والعلم وعُرفت كتبها، واشتركت في هذه الرسائل سرًّا ولم يعرف اشتراكها إلى الآن.
وجملة القول أنَّ هذه الرسائل كنز لم يقدر بعد؛ لأنه لم يُعرف بعد، وهو إذا عُرف قد يجلو قطعة من حياة الأمة الإسلامية في عصر من أهم عصورها وأجلها خطرًا، وعسى أنْ يكون في نشر هذه الرسائل وتيسير الحصول عليها ما يدني من هذه الغاية ويقرب من هذا المثل الأعلى. -
مؤتمر العلوم التاريخية
مؤتمر العلوم التاريخية
طه حسين
جريدة السياسة
١٩ مايو ١٩٢٣
عُدْنا إلى العملِ صباحَ الخميس ١٢ أبريل، فسمعت محاضرات كثيرة مختلفة لا أعرض لها؛ لأن الصحف السيارة لا تتسع لمثلها، ولكني أذكر محاضرة واحدة سمعتها في لجنة تاريخ الديانات؛ لأن الذي ألقاها صديق لكثير من المصريين، وهو الأستاذ «لويس ماسينيون» Louis Massignon ، ولأن هذه المحاضرة أثارت مناقشة طويلة حادَّة، ولأن موضوع هذه المحاضرة يمس الإسلام وهو «أثر التصوف في تكوين العقائد الدينية عند المسلمين».
والحق أني لم أفهم الغرض الذي رمى إليه المُحاضِرُ، وإن كنتُ قد اشتركت في المناقشة، لم أفهم هذا الغرض؛ لأنه لم يكن بيِّنًا، ولأن أساس البحث الذي ذهب إليه المُحاضِرُ خطأ فيما اعتقد؛ فكثير من المستشرقين أمثال الأستاذ «لويس ماسينيون» على مهارتهم وحُسْن بلائهم في فهم اللغة العربية وخدمتها يخطئون فَهْمَ هذه اللغة أحيانًا ويقيمون على أغلاطهم نظريات طويلة عريضة عميقة، ولكنها ليست بذات غناء.
لم أفهم الغرض الذي رمى إليه الأستاذ، وأحسب أن كثيرًا من الأعضاء لم يفهم هذا الغرض، ومع هذا فقد تناقشنا وتناقشنا كثيرًا، ولكن موضوع المناقشة لم يكن ما أراد الأستاذ أن يثبت من تأثير التصوف في تكوين العقائد الدينية عند المسلمين، فلم يحفل أحد من الأعضاء بهذه النظرية، وإنما كان موضوع المناقشة هو أن التصوف العربي أثر خالص من آثار العرب أو شيء للعرب فيه حظ، ولكن معظمه موروث عن الأمم الأخرى.
أما الأستاذ «ماسينيون» فكان يعتقد أن هذا التصوف عربي خالص، أو يوشك أن يكون عربيًّا خالصًا، وإن ما يمكن أن تجد فيه من موافقة لما عند الأمم الأخرى لم يُؤخَذ عن هذه الأمم، وإنما هي المصادفة وتوارد الخواطر ووحدة النظام العقلي في التفكير مهما تختلف الأمم ومهما تختلف البيئات. فليس حتمًا إذا فكَّرَ العربيُّ كما فكَّرَ اليونانيُّ أن يكون العربيُّ قد أَخَذ عن اليونانيِّ، ولكن من المعقول جدًّا أن يكون اليونانيُّ والعربيُّ قد فكَّرَا بطريقة واحدة فاهتديا إلى نتيجة واحدة، وإذن فيجب ألا نغلو في القول بأن العرب قد أخذوا عن غيرهم هذه النظرية أو تلك.
هنا اشتدت المناقشة، فمن الظاهر أن توارد الخواطر ممكن بل إنه واقع، بل إن هناك نظريات تشترك فيها أمم مختلفة دون أن تكون إحداها قد أخذت عن الأخرى، ولكن إمكان الشيء غير وجوده بالفعل وليس يستطيع التاريخ أن يكتفي بالإمكان والفرض؛ فذلك شيء قد يكتفي به الفلاسفة والمفكرون.
فأما المؤرخون فيريدون الحقائق الواقعة ولا يلجأون إلى الافتراض إلا لتفسير هذه الحقائق تفسيرًا مؤقتًا حتى يُتاح لهم استكشاف الحقائق الواقعة التي تُفسِّر ما لديهم، فإذا رأينا عند العرب فكرة صوفية أو غير صوفية تُوافِق ما رَأَيْنا عند اليونان أو عند الفُرْس كان لنا أن نفترض توارُدَ الخواطر، وكان لنا أن نفترض أن العرب قد أخذوا عن اليونان أو الفرس، كان لنا أن نفترض الأمرين جميعًا، وأن نبحث عما يرجح هذا الفرض أو ذاك.
وهنا تظهر قيمة المؤرخ وتظهر قيمة التاريخ، وليس يجب أن نجد النصَّ التاريخيَّ الذي لا يحتمل الشك على أن العرب قد أخذوا عن اليونان أو عن الفُرْس لِنَنْفِيَ توارُدَ الخواطر؛ فكثيرًا ما تَضِيع النصوص دون أن يكون ضياعها مصدرًا لضياع الحقيقة. وليست النصوص كلَّ شيء في التاريخ؛ فهناك الصلات التي تختلف قوة وضعفًا وتتفاوت متانة ووهنًا بين الأمم. وهذه الصلات إذا ثبتت ثبوتًا تاريخيًّا كافيًا أباحت للمؤرخ أن يرجح تأثير الأمم بعضها في بعض.
وليس يجب أن يكون هذا التأثير ظاهرًا يعلمه الناس جميعًا، يعلمه من أثَّرَ ومن تَأثَّر؛ فأشد أنواع التأثير عملًا في الحياة الاجتماعية، بل في الحياة الدولية — إن صح هذا التعبير — هو ما كان خفيًّا يجهله مصدره كما يجهله قابله. فإذا ثبت أن اليونان مثلًا كانوا يرون هذا الرأي بعينه، وكان فلاسفتهم يشرحونه ويفسرونه ويدرسونه في المدارس المختلفة، وأن اليونان قد وصلوا إلى الشرق ونقلوا إليه علمهم وفلسفتهم وتركوا فيه عادات وضروبًا من التفكير ليس إلى إنكارها من سبيل، وإذا ثبت أن هذه الآراء أو هذا الرأي لا يلائم ما نعرف عن بداوة العرب ولا عن صدر الإسلام كان من الحق أن يرجح المؤرخ أن ظهور هذا الرأي أو هذه الآراء في الفلسفة العربية، أو في التصوف العربي بعد أن اختلط العرب بالأمم التي خضعت لتأثير اليونان، وبعد أن تعربت هذه الأمم فكتبت علمها وفلسفتها بالعربية بعد أن كانت تكتبهما باليونانية أثر من آثار الفلسفة اليونانية والعلم اليوناني لا نتيجة من نتائج الابتكار العربي.
وقُلْ مِثْلَ هذا في الفقه؛ فنحن نعلم أن العرب لم يترجموا فقه الرومان ولم يدرسوه درسًا مُنَظَّمًا، ولكنَّا لا نشك في أن الفقه الإسلامي قد تأثر بالفقه الروماني قليلًا أو كثيرًا، سواء أعلم بذلك الفقهاء أم لم يعلموا؛ ذلك لأن البلاد الإسلامية قد خضعت لحكم الرومان وقوانينهم دهرًا، ولأن هذه القوانين قد دُرِّسَتْ درسًا مزهرًا في الشام والجزيرة ومصر؛ فيجب أن يترك حكم الرومان وقوانينهم ودرس هذه القوانين آثارًا قوية في حياة الشعوب التي خضعت لها وأن تتكوَّن من هذه الآثار الاجتماعية لهذه الشعوب.
والعرب لم يهدموا كل شيء، وإنما صبغوا أكثر الأشياء التي وجدوها بالصبغة الإسلامية، فليس غريبًا، بل ليس من شك في أن كثيرًا من أحكام الفقه الروماني قد اصطبغت بالصبغة الإسلامية دون أن يشعر الفقهاء بذلك، فنحن نحسب هذه الأحكام إسلامية خالصة حين هي إسلامية رومانية.
لا يَغْضَبِ العلماء؛ فأنا أذكر الفروع لا الأصول، ولعلهم لا ينكرون أن الفقهاء يعتبرون العرف في كثير من مسائل الفقه، وأن هذا العرف إنما تكوَّنَ من النظام اليوناني والروماني والفارسي. هذه النظم التي تعاقبت على الشام، ومصر، والجزيرة.
وإذن فهناك تأثير خفي قد يكون أشد وأقوى من التأثير الواضح الذي تحدثه الأمم بعضها في بعض، ومن الإسراف أن نقطع بأن هذا الرأي، أو هذه النظرية أثر عربي خالص، أو أثر يوناني خالص، وإنما سبيل القصد في ذلك إذا لم توجد النصوص هو ترجيح تأثير الأمم بعضها في بعض حتى يظهر ما يبين خطأ هذا الترجيح.
حول هذه النقطة دارت المناقشة ولم يستطع الأستاذ «ماسينيون» أن ينكر صحة هذا الاستدلال، ولكن الذي أعجبني في هذا كله أن خمسة أو ستة اشتركوا في هذه المناقشة غير الأستاذ «ماسينيون» وغيري وكان منهم الفرنسي والإنجليزي، وكانوا جميعًا يلمون بتاريخ الدين الإسلامي إلمامًا حسنًا يمكنهم من المناقشة والاستدلال ببعض النصوص، بل إن أحدهم كان يستدل بنصوص لا نستطيع نحن في مصر أن نستدل بها مع أنها نصوص إسلامية؛ لأنها نصوص فارسية، ولأن علماء الدين الإسلامي في مصر يكتفون بدرس شيء من الكتب العربية، وليس منهم من يتخصص بدرس تاريخ الدين الإسلامي عند الفرس أو عند الهنود وبقراءة ما كتب الفرس، أو ما كتب الهنود في الدين.
وحسبك أن المئات من علماء الإسلام في مصر لا يعرفون إلا اللغة العربية، ولست أطالب العلماء بدرس اللغة الفرنسية أو الإنجليزية؛ فقد يكون ذلك واجبًا محتومًا، وإنما أطالبهم بشيء آخر أشد من هذا وجوبًا، وهو أن يدرسوا الدين الإسلامي كما ينبغي، والدين الإسلامي عربي، ولكن أممًا غير العربية قد اعتنقته ودرسته وكتبت فيه. وأؤكد للعلماء أن الدين الإسلامي قد أثر في هذه الأمم كثيرًا وتأثر بها كثيرًا.
وإذن؟
وإذن؛ فمن الحق على علماء الإسلام أن يدرسوا تاريخ الإسلام لا في مصر والشام وحدهما، بل فيهما وفي بلاد الإسلام الأخرى، ولو أني من علماء الإسلام ولو أن لي كلمة مسموعة بين علماء الإسلام لاقترحت وألححت في الاقتراح أن تُدرَّس اللغات الأجنبية الإسلامية في الأزهر الشريف، وأن تكون هناك فصول تتخصص في درس الفارسية وأخرى في درس التركية وأخرى في درس اللغات الإسلامية التي ليست تركية ولا فارسية. فمن المؤلم ومن المخزي أن تُدرَّس كتب الدين التي كُتِبَتْ بالفارسية أو بالتركية، أو بلغة أخرى من لغات الهند مثلًا في فرنسا وإنجلترا وألمانيا وأمريكا، وأن يجهلها علماء الإسلام في الأزهر الشريف. والأزهر الشريف يُعَدُّ هو الجامعة الإسلامية الكبرى!
هلمُّوا أيها السادة العلماء، طالبوا بأن تُدرَّس اللغات الإسلامية في جامعتكم الإسلامية درسًا مفصلًا نافعًا، فإنكم إن لم تفعلوا أضعتم على الأزهر حقَّه في أن يكون الجامعة الإسلامية الكبرى، وليس ينبغي أن تكون مدرسة اللغات الشرقية في باريس أنفع من الأزهر الشريف.
أليست المطالبة بهذا والإلحاح فيه أوفق بعلماء الدين وأجدى عليهم وعلى الدين من مطالبة من كان يطالب بأن تكون المعاهد الدينية فوق الدستور؟
أما مساء الخميس فقد كان لذيذًا، قضينا شطرًا منه نستمتع بلذة الموسيقى، وقضينا الشطر الآخر في بيت وزير المعارف. اجتمعنا الساعة الثانية في كنيسة أثرية كبرى في بروكسل هي كنيسة «سانت جودول» وكنا قد دُعِينا إلى هذا الاجتماع لا للصلاة ولا للتقديس، ولكن للدرس والتاريخ في لذة ومنفعة.
هنا خطبنا قسيسٌ فلم يتحدث إلينا في دين المسيح، ولم يُفسِّر لنا إصحاحًا من الإنجيل أو آية من التوراة، وإنما تحدَّثَ إلينا في الفن وتحدَّثَ إلينا في الآثار؛ ذلك أن هذه الكنيسة قديمة بعيدة العهد بالتاريخ بُدِئَ في إنشائها في القرن الثاني عشر، واختلفت عليها أطوار الفن والعمارة إلى آخر القرن السابع عشر، فخطبنا هذا القسيسُ ساعةً وبعضَ ساعة مبيِّنًا لنا هذه الأطوار المختلفة التي مرَّتْ بها الكنيسة، مقارنًا بين هذه الكنيسة وبين ما يشبهها من كنائس فرنسا وألمانيا من الوجهة الفنية الخالصة، مناقشًا آراء بعض الفنيين والأثريين من الألمان والفرنسيين؛ لأن هذه الكنيسة لا تزال تشغل الباحثين إلى اليوم وإلى الغد.
أعترف بأني لم أكن أفهم شيئًا كثيرًا من خطبة القسيس؛ لأني لست أثريًّا ولا فنيًّا ولا أكاد أتصوَّر فن العمارة، ولكن مع هذا كنت أُعْجَب بهذا القسيس إعجابًا شديدًا لا يعدله إلا إعجابي بقسيس آخر خَطَبَنا في المؤتمر خطبة ليس بينها وبين الدين صلة؛ لأنها كانت تتناول نسخة قديمة يختلف العلماء في تحديد العصر الذي نُسِخَتْ فيه، فيرى بعضهم أنها نُسِخَتْ في القرن العاشر وبعضهم قبل ذلك وبعضهم بعد ذلك، ويحكم القسيس بين هؤلاء العلماء المختلفين.
كنت إذن أُعْجَبُ بهذين القسيسَيْن، ولعل مصدر إعجابي بهما لا يخفى على السادة العلماء، وأنا أعتذر إلى السادة العلماء، فلست أريد أن أغضبهم وما أبغي بهذا الحديث إلا الخير لهم ولنا؛ ذلك لأن علماءنا لا يستبدون بملك أنفسهم، فلنا عليهم بعض الحقوق؛ لأننا نريد أن يكون علماء الدين فينا أئمةً وفخرًا في وقت واحد.
ويؤلمني جدًّا أن أقارن بينهم وبين رجال الدين في أوربا؛ لأن هذه المقارنة لا تسرهم ولا ترضيهم كما أنها لا تسرنا ولا ترضينا، وكما أنها تدل على أن الفرق عظيم جدًّا بين علماء الدين اليوم وبينهم منذ قرون.
هذا قسيس قد درس دينه فأتقنه وهو يؤدي واجبه الديني، وأؤكد لك أن الواجب الديني الذي يؤديه القسيس أشق وأعسر وأشد استغراقًا للوقت من الواجب الديني الذي يؤديه العالم المسلم؛ لأن الإسلام دين هين لين سهل لا كلفة فيه ولا تعقيد، وحسبك أن صلاة المسلم تستغرق دقائق، وأن صلاة القسيس المسيحي لا تُقاس بالدقائق، وحسبك أن العالم الديني عندنا إذا صلى وأدى واجباته الدينية الشخصية، وألقى درسه أو درسيه فهو حُرٌّ، وأن القسيس ليس له من الحرية مثل هذا المقدار العظيم.
ومع ذلك، فالقسس في أوروبا لا يكتفون بدرس الدين وأداء واجباتهم الدينية، وإنما كثير منهم رجال دين ورجال علم، وكثير منهم رجال دين ورجال فن، وكثير منهم يستطيع أن يناهض العلماء والفنيين الذين اختصوا بالعلم والفن فينهضهم ويتفوق عليهم. وهذان القسيسان اللذان ذكرتهما قد اختص أحدهما بفن العمارة واختص الآخر بعلم من علوم التاريخ.
وأؤكد لك أن لجنة من لجان المؤتمر لم تكن تخلو من قسيس، وأن اللجنة التي كنت فيها كان يرأسها قسيس، وأنه أَظْهَرَ عنايةً شديدةً بصبح الأعشى، وما يشتمل عليه صبح الأعشى. وأؤكد لك شيئًا آخر، وهو أن الفلاسفة إذا ائتمروا فسيشترك معهم القسيسون، وأن علماء الكيمياء إذا ائتمروا فسيشترك معهم، وقُلْ مِثْلَ ذلك في الأطباء، وقُلْ مِثْلَ ذلك في علماء الحياة، وقُلْ مِثْلَ ذلك في علماء الرياضة. وما لي أذهب بعيدًا وفي مصر مدارس اليسوعيين ومدارس الفرير، وفي فرنسا جامعات تقوم على رجال الدين، ويدرس فيها أبناء الأرستقراطية المحافظة، فإذا تقدموا إلى الامتحانات العامة في الجامعات الحكومية لم يكونوا أقل نجاحًا من غيرهم، وربما كانوا أكثر منهم فوزًا؟!
فأحب الآن أن تُحَدِّثني عن علمائنا في مصر. مع من يستطيعون أن يأتمروا؟ أمع المؤرخين وهم يجهلون جهلًا تامًّا تاريخ أوروبا وأمريكا، بل تاريخ الشرق، بل تاريخ اليونان والرومان، وأستحيي أن أذكر تاريخ الإسلام؟!
أمع الجغرافيين أم مع الرياضيين أم مع علماء الحياة؟
سينعقد في مصر مؤتمر جغرافي بعد سنتين، فهل يشترك فيه علماء الدين؟ ذلك لأني لقيت في بروكسل أسقفًا فرنسيًّا سألني عن جمعيتنا الجغرافية الملكية، وعلمت منه أنه سيشترك في مؤتمرنا الجغرافي، وثق بأنه لن يكون الوحيد من رجال الدين المسيحي في هذا المؤتمر.
أليس يحسن؟! أليس يجب على علماء الإسلام في مصر أن يبذلوا ما يملكون من جهد وقوة ليكونوا كغيرهم من رجال الدين؟! ليكون منهم المؤرخ والجغرافي وعالم الكيمياء وعالم الطبيعة والفلكي (وإنما أريد الفلكي الحديث)، كما أريد إذا ذكرت المشتغل بالطبيعة من لا يكتفي بدرسها في إشارات ابن سينا.
أيشعر علماء الدين عندنا بهذا البون الذي يباعد بينهم وبين علماء الدين في أوروبا؟ أيشعرون بأنهم يُحْسِنون إلى أنفسهم إن أزالوا هذا البُعد ويحسنون إلى أمتهم أيضًا؛ لأنها تستطيع يومئذ أن تعتز بهم حقًّا، وأن تأتمَّ بهم حقًّا في دينها ودنياها؟
سمعنا خطبة القسيس، ثم سمعنا بعدها ضروبًا من الموسيقى الدينية القديمة التي أَحْدَثُها يرجع إلى القرن الخامس عشر، وأشهد إني أُعْجِبْتُ بهذه الموسيقى وأشهد إني طربت لهذا الغناء اللاتيني الجميل، ولكني لا أطالب بأن أسمع موسيقى أو غناء في مساجدنا، فأنا أعلم أن مساجدنا إنما أُنْشِئَتْ لذكر الله، ولذكر الله في سذاجة وسهولة. لا أطلب ذلك ولا أفكر فيه، وحسبي أن التذكر في المسجد بترتيل القرآن الكريم، وإنما أطالب بشيء وألح فيه الإلحاح كله، أطالب بأن يكون من بين علمائنا مَنْ يستطيع أن يُحدِّثنا عن تاريخ الأزهر الشريف، وجامع قلاوون، وجامع برقوق، من الوجهة الفنية كما استطاع قسيس بروكسل أن يحدثنا عن كنيسة «سانت جودول».
سمعنا الموسيقى وطربنا لها، ثم أردنا أن ننصرف فإذا إكليل من الزهر ضخم بديع قد وُضِع ناحية في الكنيسة، وإذا قوم من جماعة المؤرخين قد تقدَّمُوا فحملوه، ومضوا فتبعهم المؤتمرون في وقار وإجلال، وما هي إلا دقائق حتى وصلنا إلى قبر الجندي المجهول، فإذا هذا الإكليل يُمثِّل تحية مؤتمر العلوم التاريخية لأبناء بلجيكا الذين قضوا في الدفاع عن وطنهم.
أما ليلتنا عند وزير المعارف فلا أحدثك عنها إلا بشيء واحد، وهو أن جميع المؤتمرين كانوا في قصر الوزير، وكان معهم سفراؤهم أو وزراؤهم المفوضون إلا مصر، فلم يكن لها سفير ولم يكن لها وزير مفوض، ولم يكن لحكومتها مندوب، وإنما كان هناك طربوش حائر بين هذه الجماعات! ولولا أن وزير المعارف كان قد أُنْبِئَ بمكان هذا الطربوش لما شعر به أحد، ولكن الوزير أقبل ومعه رئيس مكتبه؛ فحيَّاني تحية حسنة، ودعاني مندوب مصر فلم أصلح خطأه.
ثم لقيت أثناء السهرة مؤرخًا شابًّا بولونيًّا تعرَّفَ إليَّ لأن زوجه تعرَّفَتْ إلى زوجي ودعاها إلى هذا التعرُّفِ الطربوشُ، وكان هذا العالم البولوني الشاب مندوبَ عصبة الأمم في مؤتمر العلوم التاريخية؛ لأن عصبة الأمم قد مثلت نفسها في مؤتمر العلوم التاريخية. وكيف لا تفعل، وقد أنشأت لجنة علمية سمتها لجنة التعاون العلمي؟!
صافَحَني هذا الشابُّ، وقال: «هناك مسألة تُحيِّرني، ولعلَّك تُجِيبني عليها. ما بال مصر لم تُمثَّل في عصبة الأمم؟! ومتى تطلب هذا التمثيل هنا؟»
أعترف أيها القارئ بأني قد كذبت ولم يكن مصدر الكذب إلا الحياء؛ ذلك لأني أجبتُ سائلِي على الفور: «ستطلب مصرُ الانضمامَ إلى عصبة الأمم في هذه السنة!» قال صاحبي: إذن فسيُرَدُّ طلبها قبل انعقاد الجمعية العمومية؟ قلتُ: أعتقد ذلك.
فهل لرئيس الوزراء أن يعفيني من خزي هذه الكذبة التي لم يضطرني إليها إلا تقصير حكومتنا وتفريطها في الاستمتاع بما لنا من حق؟ -
حياة الخنساء (١) إلى الآنسة صبح
حياة الخنساء (١): إلى الآنسة صبح
طه حسين
مجلة السفور
١٢ نوفمبر ١٩١٥
سيدتي الآنسة: تجمع نفسك إلى وداعة الأوانس لطفهن وشيئًا من دقة الحس ورقة الشعور اللتين هما مصدر ما يمتاز به العقائل الحسان من مودة ورحمة، ومن بر وعطف، ومن رأفة وإشفاق.
أحْمَدُ منك هذا الخُلق، وأحمد ما ترين في الحياة من رأي ليس بالمشرق الضاحك، ولا بالمظلم العابس، وإنما هو اعتدال بين منزلتي الغلو في الأمل والإغراق في القنوط. سأم حلو تومض في جوانبه من حين إلى حين لمح وضاءة من نور الطمأنينة والرضى، وتظهر عليه من آن إلى آن مظاهر القوة والحياة.
هذه شخصيتك العقلية والخُلقية يمثلها لي أصدق تمثيل حديثك العذب، ورسائلك الرشيقة. وإلى هذه الشخصية أريد أن أُهدي هذه الفصول في حياة الخنساء.
فيك وجدت المثل الأعلى لما أتمنى من حياة عقلية لأوانس الشرق، فأردت أن أوثر نفسي بالحديث معك مرة في كل أسبوع.
ولقد أعلم أني رجل أثر، أحب نفسي أشد الحب، وأختصها بالخير ما وجدت إلى ذلك سبيلًا، ولكني أردت في هذه المرة أن أجمع بين لذة نفسي ولذة نفسك في هذا الحديث؛ فجعلت موضوعه حياة الخنساء.
يرضيك هذا الموضوع؛ لأن فيه البحث عن حياة المرأة ونبوغها، وما تركت من أثرٍ في حياة العقل والشعور، ويرضيني هذا الموضوع؛ لأن فيه البحث عن حياة الآداب.
يرضيك لأن البحث عن الخنساء بحث عن أخص ما امتازت به المرأة من رقة الحس ونبل العاطفة، ومن كرم الخُلق واعتدال المزاج، ويرضيني لأن درسه درس لما اشتمل عليه العصر الجاهلي وصدر الإسلام من حقائق غامضة في الأدب والتاريخ لم يستكشفها الأدباء، ولم يصل إليها المؤرخون.
يعجبك لأن الخنساء ابنة الطبيعة الصريحة الساذجة: لا أعرف أنها تكلفت، أو تعسفت، أو اتخذت التصنع مذهبًا، ولأنك كثيرًا ما ضقت بهذه الحياة الحضرية، ووددت لو أتيح لك تجنبها من حين إلى حين، ويعجبني لأنه يكفل لي هذه الحياة الروحية العذبة التي يشعر بها الإنسان الحساس حين يتحدث إلى آنسة نبيلة ذكية القلب في موضوع نافع مفيد.
المرأة موضوع هذه الفصول، وإليك فيها أسوق الحديث، وليس أحب إليَّ ولا آثر عندي من أكون مفيدًا للآنسات في لحظة من لحظات الحياة.
غير أن بي أيتها الآنسة عيوبًا يأخذني بها الناس، وربما أخذت نفسي بشيء منها، فإذا كان يعجبك أن أتحدث إليك؛ فلا بد من أن تروضي نفسك على الإغضاء عن هذه العيوب.
أنا مكثر مطيل، ولكني لا أكثر ولا أطيل إلا حين اضطر إلى تحقيق مسألة غامضة، وشرح معنى خفي، وأنا صادف عن القديم كلِفٌ بالجديد، ولكني لا أصدف عن القديم إذا كان حقًّا نافعًا، ولا أكلف بالجديد إذا كان باطلًا مؤذيًا.
البحث عن الخنساء وحياتها ليس بالأمر الجديد؛ فالناس يروون أحاديثها منذ القرن الأول للهجرة إلى الآن، ولكن هذا البحث الذي أهديه إليك طريف من كل وجه.
طريف في منهجه وخطته، طريف في غايته ومقصده، طريف في أنه حديث معلن بين شاب وآنسة في حياة الآداب.
لن أسلك في هذا البحث طريق الرواية وجمع الأخبار، ولا طريق الفلسفة التاريخية التي لم تعتمد على قاعدة ثابتة ولا أصل صحيح.
أرى رأي (تين) في أن الخنساء ليست إلا ثمرة من ثمرات عصرها، وأثرًا من آثار بيئتها التي أنشأتها، وعلى ذلك لا أكفل الثقة بكتب الأدب والتاريخ إذا كان البحث عن عصرها وبيئتها ينتج غير ما اشتملت عليه.
على أني لا أجعل حال العصر والبيئة كل شيء، ولا أغلو فيهما غلو هذا الناقد الحكيم، بل أنا أقدر معهما الحال النفسية للفرد والجماعة قدرها؛ فإذا بحثت عن شعر الخنساء بحثت عنه من حيث إنه نتيجة لمؤثرات كثيرة يجمعها عنوانان اثنان؛ أحدهما: البيئة، وهي تجمع الزمان والمكان والحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والدينية، وكل أمر خارجي يمكن أن يكون قد ترك في نفس الشاعر أثرًا ما.
الثاني: الحالة النفسية، وإنما أريد بها ما عسى أن يكون للشاعر من شخصية انبعثت عن نفسه، وليس من وسيلة تاريخية أو علمية إلى تحقيق الصلة بينها وبين البيئة.
فمن الحق أن للشاعر المجيد والكاتب النابغة شخصية تميزه من أهل عصره وبيئته، ومن الحق أن شعر الشاعر وكتابة الكاتب مظهر هذه الشخصية، فلا بد من الاعتراف بهذين المؤثرين فيما يترك الشاعر والكاتب من منظوم ومنثور.
لست أذهب مذهب المؤرخين من قومنا الذين يعدون كل ما ورد عن العصر القديم تاريخًا، كأن لفظ التاريخ عندهم لا يدل على أكثر من ذكر الماضي، إنما التاريخ عندي ما له مصدر مكتوب، فإذا وقع إليَّ هذا المصدر استطعت أن أنقده وأُمحِّصَه؛ فإذا انتهى بي نقده وتمحيصه على النهج التاريخي إلى حق لا شك فيه؛ استطعت أن أعترف بأني قد اهتديت إلى حقيقة تاريخية، فإذا بلغت هذه الحقيقة تناولتها بما قدمت من الدرس الأدبي إن كانت تصلح له موضوعًا.
وليس معنى ذلك أني ألغي ما ليس مكتوبًا من آثار العهد القديم وأجحد قيمته؛ لأنه ليس من حقائق التاريخ، بل معناه أني أدرس هذه الآثار على نحو خاص من الدرس، وأستخلص منها قضايا، ربما كانت حقًّا، وربما كانت أدنى إلى الحق، فالفرق بين هذه القضايا وبين قضايا التاريخ أن الثقة المطلقة بها أمر غير ميسور.
على ذلك أيتها الآنسة نضع المسألة الأولى من مسائل بحثنا عن الخنساء وحياتها الأدبية، فهل هذه السيدة شخص تاريخي؟ لا.
ليست الخنساء شخصًا من أشخاص التاريخ؛ لأن أخبارها وحوادث حياتها لم تدون إلا بعد أن مضى عليها أكثر من قرن؛ فمن الجائز، بل من الحق الذي لا شك فيه أن أخبارها وآثارها قد عبث بها النسيان، فنقص منها ما لو بقي لنا لهدانا إلى شيء ربما كان ينفعنا في الدرس، أو قد بالغ فيها الخيال فزاد فيها ما عسى أن يُخفي علينا من أمرها وجه الصواب.
الخنساء إذن شخص يبحث عنه علم ما قبل التاريخ C’est une personne l’egendaire .
وسنتحدث في الأسبوع المقبل عن المصادر التي يصح الاعتماد عليها في درس هذا الشخص، وظني أننا سنوفق إلى شيء مفيد.
ترين، أيتها الآنسة، أن هذا البحث، وإن لم يكن جديدًا بالقياس إليك وإلى طائفة من شباب النهضة الحديثة، فهو بدعٌ بالقياس إلى رجال المدرسة القديمة من شيوخ الآداب.
ولعمري ليس من اليسير عليَّ أن أتجنب ما ألف شيوخنا، لولا أنه لا يهدي الآن إلى شيء. وأظنك قد قرأت ما كتبوا واستقصيته الاستقصاء كله كما قرأه منا نفر غير قليل، وأرى مع ذلك أنك لن تستطيعي أن تتمثلي منه للخنساء صورة صادقة، أو قريبة من الصدق، كما أنَّا لم نستطع أن نتمثلها من قبل.
سيسخط عليَّ الشيوخ وسيغضبون، ولكني محتمل سخطهم وغضبهم في سبيل إرضائك، أيتها الآنسة العزيزة، وإرضاء أترابك من شباب النهضة، وفي سبيل الوفاء للغة العربية بهذا النحو الجديد من البحث عن حياة الآداب، فإلى اللقاء.