Tag: Intellectual Leadership

  • في التعليم

    في التعليم

    طه حسين

    جريدة الأهرام

    ٦ أبريل ١٩٥٣

    عدد طلابنا الجامعيين في هذا العام ثلاثة وأربعون ألفًا، ومن الخير للتعليم أن ينزل هذا العدد إلى نصفه. ولكنه مع الأسف الشديد أو مع السرور الشديد — كما تشاء — سيزيد في العام المقبل إلى ثلاثة وخمسين أو إلى خمسة وخمسين ألفًا أو إلى أكثر من ذلك.

    وسيكون من الخير للتعليم في العام المقبل أن ينزل عدد الطلاب إلى أقل من نصفه. فإذا كان العام الذي يليه، فسيزيد عددهم حتى يبلغ السبعين ألفًا، وسيكون من الخير للتعليم أن يهوى هذا العدد إلى ثلثه. وسيظل العدد في ازدياد واقعي وفي نقص مثالي حتى يهدينا الله الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم فآتاهم من لدنه رحمة وهيأ لهم من أمرهم رشدًا.

    وهذا الصراط المستقيم هو الذي لا يفكر المهتدون إليه في أن يعاكسوا الطبيعة ويخاصموا منطق الحياة، ويردُّوا عن التعليم شعبًا يريد أن يتعلم، وعن النور شعبًا يريد أن يخرج إلى النور.

    ليس في الأرض أمة يزدحم فيها الطلاب على الجامعات أو على المدارس الثانوية، فتردهم عن الجامعات والمدارس الثانوية؛ حرصًا على صلاح التعليم وإتقانه. وإنما السبيل أن تنشئ من الجامعات والمدارس ومعاهد التعليم ما يلائم إقبال الناس على المعونة ورغبتهم في أن يزدادوا منها. وما أعرف بلدًا كمصرَ يضيق الناس فيه بإقبال أبناء الشعب على أن يتعلموا، وإنما الأصل أن يكون ذلك مصدر غبطة ورضًا وابتهاج، لا مصدر حسرة وحزن واكتئاب. وقد علمنا شيوخنا منذ الزمان الأول أن العلم نور، وأن الجهل ظلمة، وأن الخير في أن يخرج الناس من الجهل إلى العلم ومن الظلمة إلى النور.

    كذلك تعلمنا وإلى ذلك دعونا، وقد سمع الناس لنا، واستجابوا لدعائنا، وأقبلوا يطلبون العلم حتى ضاقت بهم معاهده على اختلافها. فالناس يشكون من قلة هذه المعاهد، والذين إليهم أمر التعليم يوشكون أن يشكوا من كثرة المقبلين على العلم، لولا فضل من حياء يمنعهم من الدعوة إلى الجهل فضلًا عن إمساك الناس فيه.

    لا بدَّ إذن من أن نستخير الله ونحزم أمورنا، ونواجه الحقائق كما هي وكما ينبغي للرجال أن يواجهوها، فنحاول إنشاء ما نحتاج إليه من المعاهد والمدارس والجامعات؛ ليتعلم الشعب في يسر ودون أن يجد حرجًا في هذا الطموح الكريم إلى الحياة الكريمة.

    وأحب للمثقفين وقادة الرأي أن يصطنعوا شيئًا من التواضع والقصد والاعتدال، فإن الله لم يجعلهم أوصياء على الشعب، وإنما جعلهم له نصحاء ومرشدين. فمن حقهم أن يشيروا عليه وأن ينصحوا له وأن يقولوا له: هذا خير فاقصد إليه، وهذا شر فارغب عنه! ثم تترك له بعد ذلك حريته، فإن شاء اتبعهم فعسى أن يرشد، وإن شاء خالفهم فعسى ألَّا يخطئ؛ لأن المثقفين من الهداة والقادة والمرشدين ليسوا معصومين من الخطأ، فجائز أن يروا الخير ويدلوا عليه، ثم لا يكون الخير ما رأوا، وإنما يكون الخير في ناحية أخرى غير الناحية التي ذهبوا إليها.

    وهم على كل حال أدلاء وقادة، لا أوصياء ولا مسيطرون. وقد قال الله لرسوله: ( إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ).

    وقال له كذلك: ( فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ ). فأجدر بالمثقفين والقادة أن يعلموا أنهم مذكِّرون لا مسيطرون، ومرشدون لا أوصياء ولا مهيمنون. وقد انقضى العصر الذي كان أولو الرأي فيه مسيطرين على مصير الشعب، وأصبحنا نعيش في عصر يسيطر الشعب فيه على مصيره.

    فلننصح له ولنُشِرْ عليه دون أن نتحكم فيه أو نضطره إلى غير ما يريد. وهو يريد أن يتعلم، وأن يتعلم في المدارس الثانوية والفنية وفي الجامعات، فلنهيئ له من العلم ما يريد، ولنوجهه إلى ما نعتقد أنه الخير، ولنصرفه عما نعتقد أنه الشر، ولكن دون أن نعنف به أو نشق عليه، فقد يخرجه ذلك عن طوره؛ فتكون عاقبة ذلك شرًّا عليه وعلينا جميعًا.

    يجب إذن أن نستخير الله ونحزم أمورنا، ونقدم على بصيرة، فننشئ من المدارس والمعاهد والجامعات ما يحتاج إليه هذا الشعب الطامح. فإن مصر لم تخلق للجهل، وهي التي عرَّفت الشعوبَ طريق العلم. وهي لم تخلق للضعة، وهي التي سبقت إلى الرفعة وهدت إليها غيرها من الأمم. ولم تخلق للخمول، وهي أول دولة عظيمة عرفها التاريخ.

    وقد أحسَّ قائد الثورة هذا كله إحساسًا قويًّا، وعبر عنه تعبيرًا قويًّا حين قال: إن مصر لن ترضى حتى تصبح إحدى الدول العظمى. ولن تصبح مصر إحدى الدول العظمى حين يبلغ طلاب الجامعة فيها ثلاثة وأربعين ألفًا بين شعب قد نيف عدده على عشرين مليونًا. فكيف ومنَّا قومٌ يودُّون لو نقص هذا العدد إلى النصف؟!

    وإنما السبيل إلى عظمة مصر أن يتعلم أبناؤها جميعًا كلٌّ حسب طاقته وميله، وفي حدود حريته واستعداده.

    وإنما السبيل إلى عظمة مصر ألَّا يوجد لون من ألوان المعرفة، ولا فن من فنون العلم، ولا ضرب من ضروب النشاط، إلَّا ولبعض أبنائها حظٌّ منه ومشاركةٌ فيه. إنما سبيل العظمة إلى مصر أن يشعر العالم كله بمشاركة مصر القوية في علمه وفنه ونشاطه على اختلاف ما يكون من ألوان النشاط.

    إن الشعب المصري يطمح بطبعه وغريزته وإرادته الخفية والظاهرة إلى أن يكون شعبًا عظيمًا. وقد كان شعبًا عظيمًا في عصور كثيرة من تاريخه الطويل، فما يمنعه أن يجدد عظمته ويستأنف سيرته في الحياة الحرة الكريمة الخصبة المنتجة. لا ينبغي أن نضيق بأن عدد الطلاب الجامعيين قد بلغ ثلاثة وأربعين ألفًا، بل لا ينبغي أن نرضى حين يبلغ هذا العدد مائة ألف، ولكن يجب أن ننشئ الجامعات التي تتيح لهذا العدد وللأعداد المقبلة، درسًا منتجًا وعلمًا نافعًا وتفرغًا للتحصيل الصحيح واتصالًا بالأساتذة وتوفرًا على البحث.

    وأنا أعلم حق العلم أن ميزانية الدولة ضيقة، وأن طاقتها المالية محدودة الآن. ولكن ميزانيتها لن تظل ضيقة دائمًا، وطاقتها لن تظل محدودة على هذا النحو إلى آخر الدهر. فالله جعل بعد ضيق فرجًا، وبعد عسر يسرًا، وفي الشعب قدرة أي قدرة، على أن يعين الحكومة وينشئ من المدارس ومعاهد العلم ما تقصر يد الدولة عن إنشائه، فلم لا يوجه إلى ذلك، ولما لا يطالب به، ولم لا يلح عليه فيه؟!

    لتصدِّقني الحكومة، ولتصدِّقني الثورة أيضًا، ولتجري هذه التجربة التي أقترحها. ولكن يجب أن نجربها جادين حازمين، ومصممين غير مترددين؛ لنقرر أن مصر محتاجة في الأعوام العشرة المقبلة إلى عدد بعينه من المدارس الثانوية وإلى عدد بعينه من الجامعات والمعاهد العلمية العالية. ولنبين في وضوح نصيب كل إقليم من هذه المدارس والمعاهد والجامعات. ولنبين للشعب ما تستطيع الدولة أن تنهض بإنشائه منها، وما يجب أن تنهض بإنشائه الأقاليم، ولندعها إلى أن تسبق إلى هذا الخير. فأي الأقاليم سبق إلى إنشاء حاجته من المدارس والجامعات كانت له جائزة أي جائزة، حين تنهض الحكومة بتلقي هذه المدارس والجامعات، وتمكين الطلاب من أن يختلفوا إليها والأساتذة من أن يعلِّموا فيها. ذلك أجدر بأن يشعر الشعب بواجبه وحقه، وأن ينشطه لأداء الواجب وكسب الحق، وأن يعلمه أن الشعب الحي اليقظ لا ينتظر أن يهبط إليه الخير من السماء، وإنما يكسب هذا الخير بالاتحاد الذي يتيح له أن يتعاون على البر والمعروف، وبالنظام الذي يتيح له ألَّا تتفرق جهوده ولا يختلط نشاطه، وبالعمل الذي يتيح له الإنتاج النافع الباقي على الدهر.

    وكذلك تصبح هذه الكلمات الثلاث التي جعلها قائد الثورة شعارًا لهذه الثورة كلماتٍ مملوءةً تدل على شيء واقع محقق، لا تنطق بها الألسنة وحدها، وإنما تخفق بها القلوب، وتفكر فيها العقول وتنطق بها الألسنة وتعمل بها الأيدي، فتجعلها حقائق تراها العيون وتلمسها الأيدي وتتوارثها الأجيال، وتنتهي بها مصر إلى أن تكون بلدًا عظيمًا يسكنه شعبٌ عظيمٌ.

    لندع إذن هذا الخوف الذي يذيب قلوبنا فَرَقًا حين نرى الإقبال على التعليم الثانوي والعالي، بل لنبتهج به ولنشجع عليه، ولنحرض الشعب على أن يُقبل مع هذا على فنون أخرى من التعليم، وضروب أخرى من النشاط. ثم لنلائم بين ما نعمله وما نقوله، وبين ما نعمله اليوم وما نريد أن نعمله غدًا، ولنجتهد في ألَّا نخادع أنفسنا عن الحق، ولا نملقها بالوهم والخيال.

    لقد قررت لجنة سياسة التعليم مثلًا أن تعيد فرض الرسوم على الامتحانات لنيل الشهادة الإعدادية والثانوية، وعارضت في ذلك فلم أُفلح، وكان ذلك من الأسباب التي حملتني على الاستقالة من هذه اللجنة؛ لأني لا أستطيع أن أرجع في حق كسبه الشعب.

    فماذا أقرأ اليوم في الصحف؟ أقرأ أن الوزارة قد قررت في هذا العام إلغاء الرسوم على الامتحانات جميعًا من غير استثناء.

    الوزارة تقرر في هذا العام إلغاء الرسوم على ما نعلمه من ضيق الميزانية، وحسنًا فعلت. ولكن كيف أفهم إلغاء الرسوم هذا العام ووضعها في مشروع القانون الجديد؟

    والحكومة تتشدد أول العام في تحصيل هذه الرسوم أو تلك وتغلو في التشدد، ثم تنتهي آخر الأمر من إعفاء هذه الرسوم، وحسنًا تفعل حين ترفق بالناس، ولكن أليس الخير أن تبدأ فترفق بهم ليلقوا عامهم باسمين في غير مشقة ولا عسر ولا ضيق؟!

    والجامعات تتشدد في رسومها وتسرف في هذا التشدد، حتى تبلغ به أقصاه، ثم يفي قائد الثورة ورئيس الحكومة حقائق الحياة التي يحياها الناس؛ فإذا التشدد قد أصبح لينًا وإسماحًا. فلم لا تتخذ اللين والإسماح أساسًا للصلة بين الحاكمين والمحكومين.

    وتتشدد الجامعات في عدد الطلاب الذين تستطيع أن تقبلهم، حتى إذا أرهقت الناس من أمرهم عسرًا هبطت كلمة الخير من عَلٍ، فاستحال العسر يسرًا والضيق فرجًا. لم لا نلائم بين أعمالنا ومنطق الحياة، فنجنِّب الناس ونجنِّب أنفسنا كثيرًا من الحرج والضيق، ونخلص جهودنا للعمل والإنتاج، وننقيها من الهم والغيظ والغم والعناء.

    ذلك أحرى أن يتيح لجهودنا حظًّا أعظم من الخصب، وقدرةً أوسع على الخير، وأن يجعل أمورنا كلها سواء لا عوج فيها ولا اضطراب.

    ليتنا نستقبل أمور التعليم كلها بما ينبغي لها من الرضا والغبطة والابتسام، ونذكر الحديث الشريف في كل ما نحاول من أمور الشعب: «إنما بعثتم ميَسِّرين لا معسِّرين.»

  • ندوة الهلال مشاكل الشباب كيف نحلها؟

    ندوة الهلال: مشاكل الشباب كيف نحلها؟

    طه حسين

    مجلة الهلال

    يناير ١٩٤٨

    شباب اليوم هم رجال الغد، وعماد المستقبل، وفي حل مشاكلهم تمهيد لا بدَّ منه لإقامة ذلك المستقبل، وتوطيد أركانه على أساس ثابت متين. وقد دعونا خمسة من أقطاب الرأي وأعلام البيان للمناقشة في هذا الموضوع الحيوي … وإليك ما دار بينهم من حديث سجَّلناه حرفيًّا.

    بدأ الحديث بين حضرات المجتمعين في الندوة عن مشكلة التعليم … فقال أستاذنا أحمد لطفي السيد باشا: أعتقد أن مشكلة التعليم هي أهم مشاكل شباب اليوم، بل مشاكل البلاد عامة؛ ذلك لأن حلها يستتبع حتمًا حل أكثر المشاكل التي نعانيها، والتي تقف عقبة في سبيل رفع مستوانا العام.

    الدكتور بهجت بدوي بك: إن أهدافنا هي رفع المستوى الأدبي والمادي للجيل الجديد، وتحقيق هذه الأهداف إنما يقع العبء الأكبر منه على عاتق الخاصة، أقصد الطبقة المستنيرة؛ فيجب أن نُوجِّه عنايتنا إلى تكوين هذه الطبقة، وتدعيمها بالكفايات العلمية والاقتصادية والفنية؛ أي أن نُوجِّه عنايتنا إلى التعليم الجامعي والتعليم الفني. والعناية التي تُصرف في سبيل هذا النوع من التعليم ينبغي ألَّا تكون دون العناية التي تصرف في سبيل التعليم العام. وكما يجب أن يزداد الكم يجب كذلك أن يتحسن الكيف. وليس بخَفِيٍّ أن المدنيَّة الغربية الحديثة إنما قامت على أكتاف الجامعات التي بدأت مهمتها هناك منذ قرون، بينما التعليم العام لم يبدأ مهمته إلا منذ ٦٠ أو ٧٠ سنة. الدكتور بقطر: التعليم العام هو الذي يكشف الكفايات، والغرض منه تنوير أذهان الأمة؛ فالوعي القومي لا يوجد إلا في أمة متعلمة بها كفايات في كل المرافق. نشأت باشا: في اعتقادي أن الظروف الحالية أو ظروف الكوليرا العارضة تعطينا فكرة صحيحة عن أيهما أفضل: التوسع في التعليم العام أم التوسع في التعليم الجامعي؛ فهذه الظروف قد أكدت أن ما ينقص الشعب المصري — ولا بدَّ له منه أولًا وقبل كل شيء — هو تفهُّم قواعد الحياة، وتبين المسالك المؤدية إلى أحسن الغايات دون التعرض للمهالك والأخطار. وهذا هو ما يتيحه التعليم العام. أمَّا التعليم الجامعي، فالغرض منه إيجاد القادة لا أكثر، ولا شك في أنَّ مَن عندنا من الجامعيين فيهم الكفاية لهذا وزيادة، لولا أن انعدام التعليم العام من شأنه أن يجعل مهمتهم تعترضها الصعوبات، فمثلهم ومثل العامة عندنا كمثل جياد أصيلة كثيرة تحاول جر عربة تنقصها العجلات. وثمة دليل آخر على ضرورة عنايتنا أولًا بالتعليم العام بما فيه التعليم الزراعي والصناعي، وذلك أن عددنا قد تضاعف في نصف القرن الأخير، ومع هذا لم نُفِدْ شيئًا من هذه الزيادة، بل نقصت الأراضي المزروعة عندنا حوالي مليون فدان، برغم ما جدَّ من الوسائل الزراعية … فإذا كنَّا نتألم الآن لما تعانيه البلاد من المرض والفاقة؛ فذلك مرده إلى أن أكثريتنا لا تزال في جهالة عمياء — ومن هذا كانت زيادة عددنا ضِغْثًا على إبَّالة — وبعد أن كان الفلاح الجاهل الفقير المريض يكد ويكدح ليحصل على رغيف، أصبح هناك آخر من أمثاله يكد ويكدح ليقتسم معه هذا الرغيف بدلًا من أن يبحث لنفسه عن رغيف آخر. أمَّا الأغنياء من الزراع، فأكثرهم كذلك ينقصهم التعليم؛ ولهذا يعيشون بعقول القرون الوسطى، فلا يفيدون ولا تفيد البلاد من غناهم إلا بمقدار ضئيل محدود. الدكتور بقطر: في اختباراتي بأمريكا ما يؤيد هذا كل التأييد، فالرخاء السائد هناك إنما يعود إلى تعميم التعليم الفني والزراعي والصناعي، وإفادة الشعب جميعًا منه في المدارس الثانوية، وقليل هم الذين يدخلون الجامعات بعد ذلك، وقد قال أحد الرؤساء الأمريكيين: لو خُيِّرتُ بين إقفال المدارس وإقفال الجامعات لاخترت إقفال الأخيرة. الدكتور طه حسين بك: الحياة جهاد، يُحتاج فيه إلى القادة كما يُحتاج إلى الجنود، ولا قيمة مطلقًا لكفاية القادة ونشاطهم وإخلاصهم ما لم يكن جنودهم أصحاء صالحين للقتال، متدربين على فنونه من هجوم ودفاع. وإذا كانت الجامعات هي التي تخرِّج القادة، وكانت عامة الشعب هي التي تتألف منها الجنود، فلا قيمة مطلقًا لمن تخرجهم الجامعات ولا لكفايتهم ونشاطهم وإخلاصهم إذا لم يكن العامة على قسطٍ من التعليم العام، يفهمون به واجبهم كما يجب أن يُفهم، ويهيئهم لقبول التوجيه وتأدية مهمتهم أحسن ما يكون الأداء … فالتعليم الإجباري العام إذن أوجب وأولى بعنايتنا واهتمامنا من التعليم العالي والتعليم الخاص، ثم هو إلى ذلك يتيح تكافؤ الفرص لأبناء الشعب جميعًا، لا فرق بين غنيٍّ وفقيرٍ، كما يتيح للجامعة نفسها أن تحسن اختيار أبنائها ممن تتوافر فيهم الكفايات والاستعدادات والميول المطلوبة … وقد يكون الاتجاه نحو التعليم العام شيئًا جديدًا لم يعرفه العالم قبل القرن التاسع عشر. ولكن الذي لا شكَّ فيه أنه جاء نتيجة للوعي العالمي، والقصد إلى إنقاذ الإنسانية من الكوارث العديدة التي جرَّها عليها الجهل ونظام الإقطاع أو الاحتكار الذي كان سائدًا وقتذاك في جميع فروع الحياة، ولا شكَّ كذلك في أن الإنسانية قد أفادت وتقدمت أشواطًا بعيدة في طريق الرقي ورفع المستوى العام بفضل هذا الاتجاه. فمن السخف أو العبث أن نحاول القضاء على الفقر أو المرض، أو أن نقر العدل والديمقراطية الصحيحة ما لم نَمْضِ أولًا في ذلك الاتجاه، ونحقق في البلاد تعميم التعليم بمعناه الصحيح. الدكتور بهجت بدوي بك: ليس هناك من ينكر ضرورة التعليم العام وفوائده، ولعل أخص فوائده أن يتيح الفرصة لإبراز أكبر مجموعة من المواهب والكفايات والانتفاع بها، بدلًا من قصر هذه الفرصة على طبقة معينة: هي طبقة القادرين، وعلى هذا الوجه لا تُهدر تلك المواهب التي يزخر بها الشعب، والتي ينقصها التعليم للكشف عنها، على أنه ليس في إمكاننا الآن أن نعلم الشعب كله؛ لأن مواردنا محدودة أو هي غير مستغلة كما ينبغي أن تُستغل. ويجب مواصلة الاهتمام بتحسين هذا الاستغلال حتى تزداد الموارد، ويمكننا الإنفاق على تعليم الشعب. وفي سبيل ذلك نحن في حاجة إلى إعداد الكفايات التي كُشِف عنها إعدادًا صالحًا يُمكِّنها من أن تؤدي مهمتها حق الأداء؛ وذلك بأن نهيئ للجامعة جوًّا علميًّا صحيحًا يجعلها أقدر على تخريج الأكفاء الذين يقوون روح الإنتاج، ويمضون بالأمة في الطريق الموصل إلى ما تريد. الدكتور طه حسين بك: قد يكون مستوى المتخرجين في الجامعة اليوم أقل منه منذ عشر سنين، ذلك لأخطاء قد تكون منَّا، وقد تكون من الظروف العالمية … أصبحت معها الجامعة ما تزال مدارس عالية، وانقطعت العلاقة بين أساتذتها وزملائهم في الخارج، ولم يبقَ للدرجات الجامعية من قيمة أكثر من أن تتيح الترقية لأصحابها حتى في الجامعة نفسها. وقد يستطاع إصلاح هذا الحال بالرجوع إلى الأساس الذي نهضت عليه الجامعة عندنا منذ سنين … على أن هذا لن يغني كثيرًا عن حاجتنا الملحة إلى التعليم العام. وعلى المسئولين أن يُدبِّروا المال اللازم لذلك بزيادة الضرائب على الأرباح والأملاك، وتنظيم جبايتها، واختيار الوجوه التي تنفق فيها، مع ملاحظة تقديم الأهم على المهم، وتقديم المهم على ما لا فائدة من الاهتمام به الآن. فمثلًا قد أنفقنا على الجيش حوالي اثني عشر مليونًا من الجنيهات، وكان يمكن أن نُوفِّر هذه الملايين لننفقها في نشر التعليم العام؛ فلا شكَّ في أن الجيش بعد ذلك يكون أكثر فائدة. أمَّا الآن فلا أذكر أن البلاد قد أفادت منه فائدة تُذكر منذ عصر إسماعيل. لطفي السيد باشا: هذا كلام جميل، وأجمل منه أن نجد الحاكمين الذين يفهمونه حق فهمه، ويسارعون إلى تنفيذه، أو أن نجد المحكومين الذين يؤمنون بفائدته لهم وللبلاد، ويقبلون عليه راضية به نفوسهم. وأين نحن الآن من هذا وذاك؟! الدكتور بهجت بدوي بك: مهمة المصلحين هي التوجيه والتبصير بعواقب الأمور، وما دام إيمانهم قويًّا فسيأتي اليوم الذي تتحقق إصلاحاتهم فيه.

    ثم انتقل الحديث إلى التربية الخلقية …

    الدكتور بهجت بدوي بك: الواقع أن القدوة الحسنة هي التي تؤثر في الناشئة وليس الوعظ أو الإرشاد. الدكتور بقطر: أعتقد أن الطريقة المثلى للإفادة من التربية الخلقية هي أن نبدأ بها أولًا في البيت، ثم يتعاون البيت مع المدرسة. الدكتور طه حسين بك: هذا ما لا سبيل إليه بعد أن يُعمم التعليم العام أيضًا. أمَّا قبل ذلك فالبيئة المنزلية — مع الأسف الشديد — لا تزال أبعد ما تكون عن الاضطلاع بمثل ذلك العبء العظيم؛ لأنها هي نفسها في حاجة إلى الإصلاح. فلو فرضنا أن البيئة المدرسية عندنا صالحة لذلك؛ فإن التعاون بينها وبين البيئة المنزلية لتحقيق تلك الغاية لا سبيل إليه إلا بعد حين طويل. الدكتور بقطر: في استطاعتنا أن نقتبس الطرق المفيدة التي سبقنا إليها الغربيون في ذلك، كتنظيم مؤتمرات عامة للشباب، وإصدار الكتب والمجلات الخاصة بهم، والإكثار من الإذاعات التي يحبُّونها، وتوجيههم إلى ذلك من حيث لا يشعرون، والعمل على إنشاء الأندية الرياضية والاجتماعية لهم، بشرط أن تكون بعيدة عن الطائفية أو الحزبية. وفي استطاعة الحكومة أن تشرف على تنظيم هذه الوسائل. لطفي السيد باشا: أرى أن الحياة الآن أرقى بكثير مما كانت عليه قبل ربع قرن، وهي — إن شاء الله — ستكون بعد ربع قرن آخر أرقى منها الآن؛ فلنترك الزمن يتولى بنفسه حل هذه المشكلة. أمَّا أن نكل حلها إلى الحكومات فهذا يتطلب أن يُختار الحاكمون من الفلاسفة ورجال الأخلاق، وهذا ما لا يقره السياسيون.

    وتناول المجتمعون مشكلة ثالثة هي من أهم مشاكل الشباب؛ وهي «التربية الجنسية»، فقال الدكتور طه حسين بك: المسألة التي ينبغي أن نفكر فيها في مصر وفي كثير من البلاد الأخرى هي مسألة «التربية الجنسية»؛ فالواقع أن الحب لا يحتاج إلى توجيه.

    الدكتور بهجت بدوي بك: أعتقد أن هذه المسائل ينبغي أن تُترك للشباب ليحلها بمحض سلطانه. الدكتور بقطر: في البلاد المحافظة كبلادنا يعجبني أن حل أمثال هذه المسألة يتم شيئًا فشيئًا، وبمعرفة الوالدين، بعكس الحال في البلاد الغربية مثلًا؛ حيث يمكن القول بأن الجنسين هناك قد تُرك لهما الحبل على الغارب متى بلغَا مبلغ الشباب. لطفي السيد باشا: ومشكلة تعدد الزوجات قد حلَّها الزمن هي الأخرى؛ فلا يزيد ما لدينا منه الآن على ٣٪ من عقود الزواج القائمة. فالأمر كما ترون لا يحتاج إلى تشريع ولا توجيه. الدكتور بقطر: هل هناك تعاون بين الجنسين في الجامعة عندنا كما هو الشأن في جامعات أوروبا وأمريكا؟ الدكتور طه حسين بك: الذي أعرفه أن اختلاط الجنسين في الجامعة موجود معمول به منذ سنين، فالطالب والطالبة يجلسان جنبًا إلى جنب في الدروس والمحاضرات، ويتناقشان معًا خارج الدرس، ولا حرج عليهما البتة من هذا القبيل. الدكتور بقطر: قبل انفضاض الندوة، أحب أن أعود هنيهة إلى مسألة التعليم العام لأقول: إن الحكومة الأمريكية تفرض ضريبة على الأثاث تُجبى سنويًّا لذمة التعليم، وفي هذا ما يؤيد ما قاله الدكتور طه حسين بك من ضرورة فرض الضرائب هنا لنشر ذلك التعليم. الدكتور طه حسين بك: أكثر من هذا يا سيدي أن الحكومة المصرية نفسها في أوائل عهد الاحتلال الإنجليزي فرضت ضريبة خاصة بالتعليم في مجالس المديريات؛ فليس ما يمنع الآن من فرض مثل هذه الضريبة على أن تختفي المركزية، إذ إن ضررها محقق في مثل هذه الشئون وهذه الظروف. لطفي السيد باشا: إلى هنا أرى أن مشاكل شباب اليوم قد حُلَّت على الورق، فلعلها — إن شاء الله — تُحل كذلك في الدواوين. الدكتور طه حسين بك: المهم أن تحل فى المدارس والبيوت!

  • مصر والعروبة

    مصر والعروبة
    طه حسين
    مجلة الرسالة
    ٢٦ ديسمبر ١٩٣٨

    أخي العزيز قرأت مقال الأستاذ ساطع الحصري بك في رسالة الاثنين الماضي، وأظن أن من حقِّي عليك أن تنشر ردِّي على هذا المقال، وما أرى أنك تبخل علي بهذا الحق. وهذا الرد فصل من كتاب «مستقبل الثقافة» الذي سيظهر بعد أيام، فهو إذن قد كُتِب وطُبع قبل مقال الأستاذ الحصري … ولك أصدق المودة وأخلص الإخاء. طه حسين
    قد أشرت منذ حين إلى أن من الحق على الدولة المصرية أن تذيعها في طبقات الشعب المصري من جهة، وأن يُتجاوَز بها الحدود المصرية إلى الأقطار التي تستطيع أن تسيغها، وأن تنتفع بها من جهة أخرى.
    لأمر ما قالت بعض الأقطار الشرقية لمصر: إنها زعيمة الشرق العربي، ولأمر ما صدَّقت مصر ما قيل لها، فإن كان هذا حقًّا؛ فإن له نتائج يجب أن تنشأ عنه، وتبعات يجب أن تترتب عليه.
    وإن لم يكن هذا حقًّا؛ فإن من الواجب علينا أن نحققه؛ لأن فيه تحقيقًا لكرامتنا من ناحية، ولأن فيه ارتفاعًا عن الأثرة التي تليق بشعب كريم. والشيء الذي لا شك فيه هو أن الله قد هيأ لمصر من أسباب القدرة على إحياء الثقافة ونشرها ما لم يهيئ لغيرها بعدُ من الأمم العربية، فمما لا يليق بالمصريين وقد تسامَع الناس بأنهم كرام، وزعموا لأنفسهم أنهم كرام أيضًا، مما لا يليق بهم أن يؤثروا أنفسهم بما أُتيح لهم من الخير، ويختصوها بما أُتيح لها من النعمة، وإنما الذي يلائم كرمها وكرامتها، وما تطمح إليه من المثل الأعلى: أن يكون حديثها ملائمًا لقديمها، وأن تكون مشرق النور لما حولها من الأقطار، وأن تكون البلد الذي تهوي إليه أفئدة الراغبين للعلم والراغبين فيه.
    وقد يظن المصريون أنهم يبلون في سبيل ذلك بلاءً حسنًا، فأحب أن أصارحهم بأنهم لم يفعلوا في سبيل ذلك شيئًا.
    إن الأقطار العربية تقرأ ما يُنشر في مصر من الصحف والكتب والمجلات، ولكن مصر لم تصنع إلى الآن شيئًا لتُيسِّر لهذه الأقطار قراءة كتبها وصحفها ومجلاتها. ولعل من هذه الأقطار ما يلقى كثيرًا من الجهد في الظفر بحاجته من هذه الكتب والصحف والمجلات، ولو قد يسرت مصر للأقطار العربية قراءة آثارها المطبوعة لما بلغت من خدمة الثقافة إلَّا أيسرها وأهونها، على أن ذلك يعود عليها بالمنفعة المادية والمعنوية جميعًا.
    نعم، إن مصر تيسر لبعض البلاد العربية استدعاء لبعض المعلمين، ولعلها تنفق في ذلك شيئًا من المال، ولعلها تجد في ذلك شيئًا من الجهد، ولكن هذا من أيسر الأمر أيضًا، وتبعات المركز الممتاز الذي أُتيح لها بين الأقطار العربية تفرض عليها أكثر من ذلك. ولست أذكر إلَّا أمرين اثنين: أحدهما قد أخذت مصر بأسبابه، ولكن في بطء وتردد؛ وهو فتح أبواب مدارسنا ومعاهدنا للطلاب الشرقيين والعناية بهم إذا وفدوا على بلادنا، لا بأن نُيسِّر لهم طلب العلم فحسب، بل بأن نيسر لهم حياتهم في مصر أيضًا. وإني لأوازن بين ما تصنعه البلاد الأوروبية لتحقيق العناية بالطلاب الأجانب وما نصنعه نحن، فأوازِنَ بين الوجود والعدم.
    ومع ذلك فأوروبا حين تُعنى بالطلاب الأجانب إنما تنشر الدعوة لنفسها، وتستقدم الأجانب لينفقوا فيها أموالهم، وليعودوا منها وقد تأثروا بها وأصبحوا لها رسلًا في بلادهم. فأمَّا نحن، فلسنا في حاجة إلى نشر الدعوة؛ لأننا لا نطمع في شيء، ولأن الدعوة المصرية تنشر نفسها في الأقطار العربية لما تقوم عليه من الحب والمودة والإخاء. وإنما يجب علينا أن نيسر لطلاب الأقطار العربية الدرس والإقامة في مصر، أداءً للحق، ونهوضًا بالواجب، ووفاءً للأصدقاء، وصرفًا لهؤلاء الأصدقاء عن الرحلة إلى أقطار الغرب إن وجدوا في هذه الرحلة مشقةً أو عناءً.
    والأمر الثاني دعوت إليه سرًّا منذ أكثر من عشرة أعوام حين تولى حضرة صاحب المقام الرفيع، علي ماهر باشا، وزارة المعارف للمرة الأولى؛ فقد شهدت مؤتمرًا للآثار عُقِد في سوريا ولبنان وفلسطين، فلمَّا عدتُ رفعت إلى الوزير تقريرًا خاصًّا طلبت فيه أن تُنشئ مصر مدارس مصرية للتعليم الابتدائي والثانوي في هذه الأقطار، وكان الذي أثار في نفسي هذا الاقتراح ما رأيته من السلطان العقلي للمدارس الأجنبية على هذه الأقطار، وكنت أرى أن العقل المصري أقرب إلى العقل السوري والفلسطيني، وأحرى أن يتصل به ويؤثر فيه تأثيرًا حسنًا من العقل الأمريكي أو الفرنسي.
    ولكن وزير المعارف حينئذ نبهني باسمًا إلى أن ذلك ليس ميسورًا، فقد تريده مصر ولكن السياسة الأجنبية ستأباه من غير شك. وكان هذا حقًّا حينئذ، فأمَّا الآن وقد عُقِد بيننا وبين أوروبا اتفاق مونترو، وقد ظفرت سوريا ولبنان ببعض الحرية، واستقلت العراق، فما أرى أن مصاعب سياسية تقوم دون هذا النوع من التعاون الثقافي بين الأقطار العربية التي تجمعها وحدة اللغة والدين والمثل الأعلى، والتي تشترك في منافع اقتصادية عظيمة الخطر.
    ما أظن أن السياسة الوطنية لهذه الأقطار تكره أن تنشأ فيها مدارس مصرية تحمل إلى أبنائها ثقافة عربية شرقية، ويحملها إليهم معلِّمون شرقيون مثلهم، وعرب مثلهم، يتحدثون إليهم بلغتهم، ويشاركونهم في الذوق والميل والشعور، وما أظن أن السياسة الأوروبية تمانع في ذلك، وقد تم الاتفاق بيننا وبين أوروبا على أن تستقر في بلادنا مدارس أوروبية، وتستمتع بكل ما يُمكِّنها من النهوض بمهمتها في حدود القوانين المصرية، وعلى أن يكون التبادل أساسًا لهذا الاتفاق.
    وواضح أننا لا نريد أن ننشئ مدارسنا المصرية في فرنسا أو إنجلترا أو إيطاليا، ولكن من حقِّنا أن ننشئ المدارس المصرية في البلاد العربية التي تتأثر بسلطان هذه البلاد ونفوذها تأثرًا قليلًا أو كثيرًا.
    ومن المحقق أننا إذا أنشأنا المدارس المصرية في الأقطار العربية؛ فسنُنْشئُها وسنُسيِّرُها على النحو الذي نُحب أن تنشأ عليه المدارس الأجنبية في بلادنا، وأن تَسيرَ عليه أيضًا، سنُنشئها على أنها معاهد للتعاون الثقافي بيننا وبين أهل هذه البلاد، لا يستأثر المصريون وحدهم بالعمل فيها، بل يستعينون بمن يقدرون على معونتهم من الوطنيين، ولا تُفرض فيها الجغرافيا المصرية والتاريخ المصري دون الجغرافيا الوطنية والتاريخ الوطني، وإنما تكون معاهد ينشأ فيها الوطنيون لأوطانهم لا لمصر. وحسب مصر أنها تُعين على ذلك، وتُشارك فيه، وتؤدي ما عليها من الحق لجيرانها وشركائها في اللغة والدين والاقتصاد، وحسبها أن تظفر منهم بالحب والمودة والإخاء.
    وقد يُقال إن أعباء الدولة المصرية أثقل من أن تسمح لها بمثل هذا التوسع في إذاعة الثقافة خارج حدودها، على حين أنها في أشد الحاجة إلى إذاعة الثقافة داخل هذه الحدود. وقد يكون هذا حقًّا من بعض الوجوه، ولكن من الحق أيضًا أن لحياتنا المستقلة تبعاتها، وأن التقصير في النهوض بهذه التبعات لا يلائم ما نزعمه لأنفسنا من الكرامة والزعامة.
    ومما لا شك فيه أن هذه المدارس إن أنشأناها ستكون أنفع لمصر وللبلاد التي تنشأ فيها من كثير من القنصليات والمفوضيات التي نبثها في أقطار الأرض ولا نكاد نجني منها، ولا تكاد البلاد التي نبثها فيها تجني منها نفعًا.
    ومما لا شك فيه أيضًا أن العبء المالي الذي يتبعه إنشاء هذه المدارس لا ينبغي أن يقع كله على الدولة، وإنما ينبغي أن يشارك فيه القادرون على هذه المشاركة من المصريين أولًا، ومن الوطنيين ثانيًا، وحسب الدولة أن تعينها معونة قيمة بالمال والرجال.
    على هذا النحو تحمل مصر تبعاتها، وتنهض بواجباتها الثقافية، وتلائم بين حديثها وقديمها؛ فقد كانت مصر فيما مضى من العصور الإسلامية مصدر الثقافة والعلم للأقطار العربية في الشرق الأوسط، لم تقصِّر في ذلك إلَّا حين اضطرها السلطان العثماني إلى التقصير فيه. فأمَّا الآن وقد استردت استقلالها، فيجب أن تسترد مكانتها الثقافية في الشرق القريب. وهناك بلاد عربية لم يُنشئ فيها الأجانب، ولا يستطيعون أن ينشئوا فيها المدارس والمعاهد، ولا يجد أهلها فضلًا من المال ينفقونه في تنمية الثقافة كما ينبغي؛ فالحق على مصر أن تسرع إلى معونة هذه البلاد، وألَّا تدخر جهدًا إلَّا بذلته في هذه السبيل.
    وهذه البلاد هي الحجاز وبلاد الدولة العربية السعودية بوجه عام. وما أشك في أن المصريين يرضون كل الرضى عن إنشاء مدرستين على أقل تقدير؛ إحداهما: في مكة، والأخرى: في المدينة، بل ما أشك في أنهم يتجاوزون الرضى إلى البذل والإنفاق، وقد علمت أن أهل الحجاز أنفسهم يتمنون ذلك ويُلحُّون فيه.
    وليس هذا كله ما ينبغي أن تنهض به مصر لنشر الثقافة في الأقطار العربية، بل هناك شيء آخر قد عم الشعور به، واشتدت الحاجة إليه حتى أخذت وزارة المعارف تفكر فيه وتستعد له؛ وهو التعاون على تنظيم الثقافة، وتوحيد برامجها بالقياس إلى الأقطار العربية كافة. يدعو إلى ذلك حاجة هذه البلاد إلى توحيد الجهود ما دام مثلها الثقافي الأعلى واحدًا، ويدعو إلى ذلك أن التعليم العالي في مصر قد بلغ من الرقي درجة تدعو إليه طلاب العلم في الأقطار العربية.
    وللتعليم العالي في مصر نظم دقيقة شاقة قد تحول بين هؤلاء الطلاب وبين الانتفاع به والظفر بإجازاته ودرجاته، فلا بدَّ من أن يُهيَّأ هؤلاء الطلاب لهذا التعليم تهيئة حسنة تلائم تهيئة المصريين له. وقد اجتمع فريق من قادة الرأي الشرقي العربي منذ أكثر من عام في لجنة التأليف والترجمة والنشر، وتشاوروا في ذلك كما تشاوروا في غيره من ألوان التعاون الثقافي، ورسموا لذلك خطة، وشرعوا له نظامًا، ثم أخذت وزارة المعارف تفكر فيه وتستعد للدعوة إلى مؤتمر انعقاد عربي شرقي. والذي أرجوه أن يكون هذا المؤتمر دوريًّا، وأن يكون هذا المؤتمر متنقلًا في الأقطار العربية على نحو ما يسير عليه المؤتمر الطبي الذي أُنشئ منذ حين.
    وقد شَهِدتُ في العام الماضي — ممثلًا لوزارة المعارف — مؤتمر اللجان الوطنية للتعاون الفكري، فتحدثت فيه إلى المؤتمرين بأن مصر تستطيع أن تكون مركزًا من أهم المراكز لهذا التعاون الفكري إذا نهضت بتبعاتها الثقافية نحو الأقطار العربية؛ ذلك لأنها بحكم مركزها الجغرافي، وبحكم نهضتها الحديثة، أصدق صورة لما تطمح إليه عصبة الأمم من هذا التعاون الفكري الخالص الذي يقارب بين الأمم، ويلغي ما بينها من الفروق، ويرتفع بحياتها العقلية عن ألوان الخصومة وضروب النزاع؛ فالجامعة المصرية مثلًا بيئة تلتقي فيها الثقافات الإنسانية كلها تقريبًا، يحملها إليها أساتذة ممتازون من المصريين ومن الأوروبيين على اختلاف أوطانهم ومذاهبهم في السياسة والدين والاقتصاد.
    وهذه الثقافات كلها تلتقي وتمتزج وتصهر في العقل المصري الذي يسيغها ويتمثلها ويطبعها بعد ذلك شيئًا ما بطابعه المصري الخاص، وهو قادر بعد هذا على أن يذيعها في بلاد الشرق شرقية وغربية أوروبية بريئة مما يفسد الثقافة عادةً من التعصب والهوى.
    وقد وقع هذا الحديث من المؤتمرين موقعًا حسنًا. فهل يقع هذا الحديث من المصريين أنفسهم موقعًا حسنًا؟ وهل يشعر المصريون بأن فرصة ذهبية — كما يُقال — تتاح لهم الآن؟ فلكل شر أثرٌ حسن. والشر أن حاجتنا إلى الأوروبيين لا تزال شديدة في التعليم، والأثر الحسن لهذا الشر أننا نستطيع أن نكون رسل العلم والثقافة والأمن والسلم والتوفيق بين الشرق والغرب جميعًا.
    فإذا أرادت مصر أن تنتهز هذه الفرصة؛ فذلك يسير عليها، لا يحتاج إلَّا إلى أن تعنى بتقوية الصلة بينها وبين لجنة التعاون الفكري في جنيف، ومعهد التعاون الفكري في باريس من جهة، وبينها وبين البيئات والمعاهد العلمية في الشرق العربي، بل في الشرق الإسلامي من جهة أخرى.