عَوْد إلى شكسبير
طه حسين
جريدة الجمهورية
٢٠ سبتمبر ١٩٥٥
فريقان من الأدباء يختصمان في فرنسا منذ وقت طويل جدًّا لا أدري متى بدأ، ولكني أعلم أني لم أكد أتذوق الأدب الفرنسي حين كنت طالبًا في باريس حتى رأيت مظاهر هذا الخصام، ولم أنس بعد خصومة شغلت الصحف الفرنسية، وشغلت بعض أساتذة الأدب في السوربون وقتًا طويلًا أثناء الحرب العالمية الأولى.
كان بعض الأساتذة الجامعيين يلقي محاضرات عامة عن جان جاك روسو، وعرض ذات مساء للظروف التي أحاطت بانتقال جان جاك روسو من مذهبه الديني البروتستنتي إلى المذهب الكاثوليكي، وكان بعض الأدباء غير الجامعيين حاضرًا ذلك الدرس، فلما أصبح تناول بالنقد حديث الأستاذ الجامعي في صحيفة «التان»، وكانت في تلك الأيام أرفع الصحف الفرنسية مكانًا، وأنفذها إلى دقائق الأدب والنثر، ورد الأستاذ الجامعي في درسه المقبل على نقد ذلك الأديب، واتصل الحوار بين الأديبين وقتًا غير قصير، واشتركت فيه صحف أخرى غير صحيفة التان. يقول الأستاذ الجامعي في درسه. يَسمَع النُّقَّادُ الأحرار، إن صح هذا التعبير، ثم يجادلون الأستاذ وينقضون عليه آراءه وأقواله في صحفهم.
وأكبر الظن أن هذه الخصومة بين أساتذة الأدب من الجامعيين وبين الأدباء والنُّقَّاد الأحرار أقدم جدًّا من ذلك الوقت الذي عرفتها فيه.
والمستقر في نفوس الجامعيين أن أولئك الأدباء والنُّقَّاد الذين يكتبون في الصحف، ويؤلفون الكتب في الأدب والنقد، وتقبل عليهم كثرة ضخمة من القُرَّاء، إنما يكتبون على غير منهج، فيخطئون الصواب في كثير من الأحيان، ويظفرون به في قليل من الأحيان، وهم من أجل ذلك صحفيون وليسوا علماء، وحظهم من الثقة قليل.
ويرى هؤلاء الأدباء الأحرار أن الأساتذة الجامعيين يسرفون على أنفسهم، وعلى قرائهم وتلاميذهم، وعلى الأدب نفسه حين يخضعون خضوعًا خالصًا لهذه المناهج الجافة الضيقة التي تقتل روح الفن، وتذهب بجماله، وتذوي نضرته، وترده إلى غذاء خشن غليظ قد يرضي المناهج، ولكنه لا يرضي الذوق، ولا يحيي القلب، ولا يروق الطبع الفني الصحيح.
***
وليس أحب إليَّ حين ألقى الأساتذة الجامعيين للأدب من أن أذكر لهم كتابًا أو مقالًا لهذا الأديب أو ذاك من الأدباء الأحرار، فأثير عند بعضهم سخطًا شديدًا، وغضبًا جامحًا، وفنونًا لاذعة من النقد لا تخلو من فكاهة مرضية، ودعابة مسلية، فإذا لقيت بعض الأدباء الأحرار صنعت معهم نفس الصنيع، وذكرت لهم كتاب هذا الأستاذ أو ذاك عن كاتب عظيم، أو شاعر ممتاز، فأثرت فيهم سخرية حلوة مرة معًا.
وقد يلتقي أساتذة الأدب وهؤلاء الأدباء الأحرار فلا يختصمون، ولا يثور بينهم الجدال؛ لأنهم يتجاذبون الحديث في كل شيء إلا في الأدب، قد استقر في نفوسهم جميعًا أن بعضهم لن يفهم بعضًا، ومتى استطاع الأحياء والموتى أن يأخذوا بينهم بأطراف الحديث، وأن يفهم بعضهم عن بعض، والأحياء بالطبع هم الأدباء الأحرار الذين لا يتقيدون بهذه المناهج الجامدة الثقيلة التي لا تعرض للون من ألوان الأدب إلا ذهبت بما فيه من حياة وخصب، وردته مجدبًا عقيمًا، ثم تطورت هذه الخصومة منذ أعوام، واتخذت شكلًا آخر لا يخلو من طرافة، فأساتذة الأدب في الجامعات يعنون بشخص الأديب، والظروف التي أحاطت به، والأحداث التي عرضت له، والخطوب التي أثرت فيه، وهم من أجل ذلك يتتبعون أسرار حياته الخاصة، ويحاولون أن يتبينوا تأثيرها في إنتاجه الأدبي، فهم يشغلون أنفسهم بالأدباء أكثر مما يشغلونها بآثارهم الأدبية، يتبعون في ذلك مناهج القرن الماضي، وهم من أجل ذلك يدرسون تاريخ الأشخاص أكثر مما يدرسون آثارهم، وهم يفسدون بذلك عقول الطلاب وأذواقهم، ويصرفونهم عن نصوص الأدب وما فيها من حياة وجمال وروعة إلى أشخاص الأدباء الذين ماتوا وأصبحوا تاريخًا.
والأدباء الأحرار يرون أن الأدب حي دائمًا، وأن الجمال في النصوص الأدبية الجديرة بهذا الاسم لا يخضع لسلطان الزمان، وإنما هو باقٍ على تتابع العصور، وتعاقب الأجيال، وهو من أجل ذلك جدير أن يشغلنا؛ لأن الحياة القوية التي تشيع فيه لا تلبث أن تتجاوزه إلى عقولنا وقلوبنا وأذواقنا.
وكذلك يعاب أساتذة الأدب في الجامعات الآن بأنهم يعنون بالتاريخ الأدبي أكثر مما يعنون بالأدب نفسه، وقد ثارت هذه الخصومة من جديد بين الأساتذة الجامعيين والأدباء الأحرار في هذه الأيام، وكان موضوعها وما زال هو ترجمة شكسبير، فقد ترجم شكسبير إلى اللغة الفرنسية مرات كثيرة جدًّا، ترجم منذ القرن السابع عشر، وما يزال يترجَم إلى الآن، تنشر الترجمة ثم لا يمضي عليها وقت طويل حتى تنسخها ترجمة جديدة.
***
وقد تُرجم شكسبير إلى الفرنسية شعرًا ونثرًا، ولكن الترجمة التي ترضي كل المحبين لشكسبير والمكبرين لفنه لم توجد بعد على كثرة ما نُشر من التراجم، وعلى كثرة من شارك في هذه التراجم من أعلام الأدباء الفرنسيين في العصور المختلفة.
وقد أخذ جماعة من الأدباء الممتازين المعاصرين، وكلهم أو أكثرهم شعراء، في إعداد ترجمة جديدة لشكسبير، وأعلنوا أنهم قد احتفلوا لهذه الترجمة كما لم يحتفل لها أحد من قبل، وأنهم سينشرون هذه الترجمة وينشرون معها النص الإنجليزي الأخير الذي حققه المختصون من الإنجليز بأدب شكسبير ونشر في كمبريدج. سينشرون النص والترجمة في المجلدات يتبع بعضها بعضًا، بحيث تستطيع أن تقرأ الترجمة الجديدة، وترجع متى شئت إلى النص في الصفحات المقابلة، ولن ترجع إلى النص وحده، بل سترجع معه إلى التعليقات والملاحظات التي سجلها المحققون.
وقيل في هذا الإعلان: إن هذه الترجمة الجديدة ستصور الروح الحق للشاعر الإنجليزي العظيم، وستكون ترجمة حية لا ميتة كهذه التراجم التي نشرها المتخصصون في الإنجليزية من الأساتذة الجامعيين الذين يتقيدون بالمناهج، ويترجمون ترجمة توشك أن تكون لفظية، ويجهلون ما بين الروح الإنجليزي والروح الفرنسي من التباين والاختلاف.
ولم يكد أحد الأدباء الأحرار يتحدث عن هذه الترجمة الجديدة في صحيفة الموند حتى ثار بعض الأساتذة الجامعيين، وقال قائلهم أو سأل سائلهم — وهو أستاذ للأدب الإنجليزي في جامعة بوردو: ماذا يريد المترجمون؟ أيريدون أن يظهروا في ترجمتهم الجديدة شكسبير، أم يريدون أن يقنعوا وأن يقنعوه من ذات نفوسهم؛ أي ينفخون فيه من روحهم هم؟ وكيف يستقيم للشعراء وأشباههم من الأدباء الذين لم يتخصصوا في اللغة الإنجليزية، ولم يتقنوا العلم بحقائق هذه اللغة كما اصطنعها شكسبير، كيف يستقيم لهم أن يترجموا هذا الشاعر العظيم ترجمة صحيحة دقيقة مطابقة، إذا لم يستعينوا بأهل الذكر من الجامعيين الذين وقفوا حياتهم على هذا الدرس؟ وكيف يتفق الاعتماد على آخر نص محقق تحقيقًا علميًّا لأدب شكسبير مع الرغبة في تجديده وإشاعة الحياة العصرية فيه؟
ثم تساءل الأستاذ: ما عسى أن تصور هذه الترجمة الجديدة؟ أتصور شكسبير نفسه وتصور أدبه كما صدر عنه؟ وإذن فليس بد من التزام المناهج العلمية الدقيقة التي تنتج ترجمة صحيحة مطابقة، أم تصور الشعراء الذين يترجمون عن شكسبير؟ وإذن فليست هي بالترجمة الدقيقة للشاعر الإنجليزي العظيم، وإنما هي صورة لأثر هذه الروائع الإنجليزية في نفوس المترجمين وأذواقهم فيها، قليل من روح الشاعر الإنجليزي، وكثير من روح الشعراء الفرنسيين الذين يترجمون أو ينشئون ويزعمون أنهم يترجمون.
وتشعبت الخصومة، ويظهر أنها ستتشعب إلى فنون من الجدل لا يتسع لها هذا الحديث الذي إنما أمليه لأصور الفرق بين قوم لم يترجم لهم هذا الشاعر العظيم ترجمة مقاربة إلى الآن، وهم مع ذلك زاهدون في ترجمته، راغبون عنها، يثور ثائرهم لأن فريقًا منهم همُّوا بترجمته إلى اللغة العربية، وقومًا آخرين ترجم لهم شكسبير مرات كثيرة جدًّا في صور مختلفة، منها النثر، ومنها الشعر، ومنها النثر الشعري، أو الشعر المنثور، ومثل في ملاعبهم على اختلاف الأجيال وتتابعها، وما يزال يمثل في لغته الأولى أحيانًا، ومترجمًا إلى اللغة الفرنسية على اختلاف التراجم أحيانًا أخرى.
ثم هم لا يقنعون بما عندهم، وإنما يضيفون التراجم إلى التراجم، بحيث نستطيع أن نقول: إن الفرنسيين لم يعرفوا منذ وصل إليهم أدب شكسبير عصرًا لم تظهر فيه ترجمة أو تراجم لهذا الأدب، وهم مع ذلك لا يكتفون بما أتيح لهم، وإنما يجددون ويضيفون ويختصمون في التجديد والإضافة اختصامًا متصلًا.
وهم لا يفعلون ذلك بأدب شكسبير وحده، وإنما يفعلونه بروائع الأدب العالمي كله قديمه وحديثه، ثم لا يشغلهم ذلك على كثرته وشقته، وكثرة ما يتكلف من نفقات الترجمة والنشر عن العناية بالعلوم والفنون كأحسن ما تكون العناية، بل لا يشغلهم ذلك عن ترجمة الآثار الأدبية اليسيرة التي ترضي حاجة أوساط الناس إلى القراءة، وتمنعهم من أن يعكفوا على أنفسهم يُجهِّلون العالم الذي يعيشون فيه، بل لا يمنعهم ذلك من أن يترجموا أكثر ما يصل إليهم من هذا القصص المثير الذي يسمونه القصص البوليسي، بل لا يمنعهم كل هذا من أن يكونوا منتجين في فنون الأدب على اختلافها، كما ينتجون في ضروب العلم على اختلافها، وفي الفنون الجميلة على اختلافها أيضًا.
بل ليس من شك في أن الترجمة نفسها وسيلة من أخصب الوسائل إلى الإنتاج، فهي تغري به، وتدفع إليه، وتيسر النُّجْح فيه، والشعوب العاكفة على نفسها، المعتزلة لغيرها، الجاهلة لما حولها، مضطرة آخر الأمر إلى العقم والجدب، وإلى أن تعيد نفسها وتقول اليوم ما كانت تقول أمس، وتعيش غدًا على ما تعيش عليه اليوم، ويوشك أدبها أن يكون أشبه بهذيان المحموم، يؤذي صاحبه ويؤذي الناس من حوله حين يسمعون له، وإذا قلت: إن الفرنسيين لا يصنعون هذا بشكسبير وحده، لكنهم يصنعونه كذلك بالأدب العالمي كله قديمه وحديثه، فلست أقصر هذا الجهد على الفرنسيين، فالشعوب الحية كلها تصنع صنيع الفرنسيين بالقياس إلى شكسبير وإلى غيره من أعلام الأدب على اختلاف العصور.
ولقد قرأت في أيام قليلة جدًّا أحاديث أنبأتني بأن شكسبير وكورني وراسين كانوا موضع العناية أخيرًا في يوجسلافيا، حين مُثِّلت بعض آثارهم في مدينة زغرب، وأنا أقرأ اليوم أن الروس أرادوا أن يحتفلوا بزيارة رئيس الوزراء لألمانيا الغربية لبلادهم، فدعوه إلى ملعب من ملاعبهم مُثِّلت فيه قصة من قصص شكسبير تمثيلًا موسيقيًّا راقصًا، وهي قصة روميو وجوليت.
وكانت نفس هذه القصة تمثل أخيرًا في باريس تمثيلًا موسيقيًّا راقصًا، وتمثيلًا مسرحيًّا خالصًا أيضًا، ولو قد عُني باحث باستقصاء ما يمثل من آثار شكسبير في أقطار أوروبا أثناء هذا الفصل من فصول العام لأظهرنا على العجب العجاب، ولبين للذين يريدون العلم أن شكسبير وأشباهه من فحول الشعراء الممثلين ما زالوا وسيظلون قوام الحياة الأدبية للشعوب الحية التي تذوق الفن وتقدر الثقافة، ولا يشغلها شأن من شئون الحياة العقلية عن شأن آخر.
فما أجدر كُتَّابنا الذين يوجهون الشباب أن يقرءوا أكثر مما يقرءون، ويستقصوا أكثر مما يستقصون، وأن يوسعوا آفاقهم ليوسعوا آفاق قرائهم، وأن يأخذوا الحياة بالقوة والجد؛ ليأخذها قراؤها بالقوة والجد أيضًا، ولتعلم الأجيال الناشئة من الشباب أن الحياة العقلية الراقية لا تتاح باللعب، ولا بقراءة الأدب الرخيص الذي يقطع الوقت ويدعو إلى النوم.
Tag: intellectual life
-
عَوْد إلى شكسبير
-
حياتنا العقلية في التعليم العالي
حياتنا العقلية في التعليم العالي
طه حسين
جريدة الجديد
٢٨ أكتوبر ١٩٢٩
لو أن الأمور تجري في مصر على نحو ما تجري عليه في البلاد الأخرى؛ لما شهدنا هذه الحركة العنيفة التي نشهدها في هذه الأيام حول الجامعة ومدرسة المعلمين العليا ومعهد التربية. ولكن الأمور تسلك في مصر طريقًا شاذةً بعض الشذوذ، ذلك بأن العصر الذي نحن فيه ليس عصر انتقال زمني فحسب، وإنما هو عصر انتقال زمني ومكاني إن صحَّ هذا التعبير.
فمصر لا تنتقل من القرن التاسع عشر إلى القرن العشرين كما تنتقل البلاد والأمم الأخرى، ولكنها إلى ذلك تنتقل من الشرق إلى الغرب، أو من أفريقيا إلى أوروبا، أو بعبارة واضحة تستبدل حضارةً بحضارة وحياةً بحياة؛ تدع الحياة الشرقية الخالصة إلى حياة غربية توشك أن تكون خالصة، وتدع الحضارة الشرقية الصرفة إلى حضارة غربية توشك أن تكون صرفة. وإذا كان الانتقال الزمني وحده خليقًا أن يستتبع الحركات العنيفة والاضطراب الشديد في أصول الحياة وفروعها، فالانتقال المكاني أشدُّ استدعاءً لتلك الحركات واستتباعًا لهذه الاضطرابات.
فنحن معذورون إذا لم نستقبل ضروب الإصلاح بما تستقبل به في البلاد الأخرى من الهدوء أو الاضطراب الصحيح المنتج. نحن معذورون لأن كثيرًا منَّا يفهمون الحياة الغربية والإصلاح الغربي بعقول شرقية لم تُهيأ بعد لفهمهما على وجههما.
لم يَكَدْ يتغيَّر النظام السياسي في هذه الأيام بعضَ التغير حتى ثارت هذه الثائرة حول التعليم العالي، وحتى انتهز كثيرٌ من الناس فرصة التطور السياسي ليُفْسِدوا من أمر التعليم ما لم يصلح إلَّا بعد مشقة عظيمة وعناء شديد؛ ذلك أن مسألة الجامعة ومدرسة المعلمين ومعهد التربية ليست مسألة هذا الأسبوع أو هذا الشهر أو هذه السنة أو هذا النظام السياسي دون ذلك النظام، ولكنها مسألة قديمة كان حقها أن تُحَلَّ منذ أعوام لو أن الأمور تجري في مصر على نحو ما تجري عليه في البلاد الأخرى دون إضاعة للأوقات والأموال والجهود.
كان حق هذه المسألة أن تُحَلَّ يوم إنشاء الجامعة الأميرية، فتَّتَخِذ الجامعة المصرية القديمة والقسم الأدبي من مدرسة المعلمين نواةً لكلية الآداب، ويَتَّخِذ القسم العلمي من مدرسة المعلمين نواةً لكلية العلوم، كما اتُّخِذَتْ مدرسة الحقوق ومدرسة الطب نواتين لكلية الحقوق وكلية الطب.
وكان الحق يومئذ أن ينشأ معهد التربية بمجرد استعداد كلية الآداب والعلوم لتخريج الطلاب على النظام الجديد. ولكن ذلك لم يتم؛ لأن الذين كانوا يُشْرِفون على التعليم سنة ١٩٢٥ كانوا منقسمين إلى فريقين مختلفين أشدَّ الاختلاف؛ فريق ينكر مدرسة المعلمين ويراها قديمة سيئة النظام، ويُشفِق منها على الجامعة الجديدة، وفريق آخر يخاف الجامعة ويراها جديدة مسرفة في الجدة، ولا يطمئنُّ إليها في تخريج أساتذة الغد. فمضى أصحاب الجامعة في طريقهم وأنشئوا جامعتهم جديدة من كل وجه، ومضت وزارة المعارف في طريقها واحتفظت بمدرسة المعلمين كما كانت، وأخذت الدولة تنفق المال على المعهدين كريمة به غير مقتِّرة ولا مترددة.
ولعلي أول من نبَّهَ إلى هذا النحو من التناقض في حياتنا العلمية، وإلى هذا النحو من الإسراف في أموال الدولة؛ فدعوت إلى تنظيم العلاقة بين الجامعة ومدرسة المعلمين، وألححت في الدعاء كاتبًا في الصحف، متحدثًا إلى رجال التعليم من المعهدين، ساعيًا عند وزير المعارف وأعوانه. وأخذت المسألة طريقها حتى أُلِّفت لجنة تمثِّل الجامعة ومدرسة المعلمين ووزارة المعارف، فدرست المسألة درسًا دقيقًا، وانتهت إلى وجوب الاقتصاد في الجهد والوقت والمال، وإلى أن يكون التعليم الأدبي والعلمي في الجامعة، وإلى أن تصبح مدرسة المعلمين معهدًا فنيًّا للتربية، ورفعت اللجنة تقريرها إلى معالي الأستاذ علي باشا الشمسي. ولكن وزارة المعارف كانت لا تزال محتفظة برأيها القديم في مدرسة المعلمين وإشفاقها من الجامعة، فنصح أعوان الوزير له في ألَّا يتعجَّل الأمر ولا يقضي فيه حتى يستشير الخبراء من الأوروبيين.
وعجبت أنا من هذه المشورة التي لم تكن تقدِّم ولا تؤخر؛ فقد كانت لجنتنا درست الموضوع من كل وجوهه، واستقصت بين مدارس المعلمين والجامعات في البلاد الراقية التي تعودنا أن نتأثَّر بها في إنجلترا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا، وكان تقديرنا أن هذه المشورة التي قدمت إلى وزير المعارف إنما كانت كعلة يُراد بها كسب الوقت وتأخير ما لا بدَّ من وقوعه. على أن وزير المعارف قَبِل المشورة ودعا خبيرين أحدهما من إنجلترا والآخر من سويسرا، وأنفقت الدولة على هذين الخبيرين آلافًا من الجنيهات لعلها كانت تستطيع أن تسدَّ حاجة من حاجات التعليم الكثيرة في هذه البلاد. وقضى الخبيران أشهرًا في مصر يتنقَّلان في أقطارها، يصعدان في الشتاء ويهبطان في الربيع، يقيس أحدهما ذكاء الأطفال والشبَّان، ويتحدث أحدهما الآخر إلى أولئك وهؤلاء من رجال التعليم، وكانت نتيجة هذا كله أن طلب إلى وزير المعارف الأستاذ أحمد لطفي السيد بك ما طلبته اللجنة إلى وزير المعارف الأستاذ علي الشمسي باشا.
ولكن وزارة المعارف كانت ما تزال مترددة مشفقة، فلم تقبل ما قبلته منه في غير تحفظ، وإنما قبلت فصل الدراسة العلمية من الدراسة الفنية، وأن تكون هذه الدراسة العلمية في الجامعة بشرط أن تُعِيد الجامعة درس الموضوع، وتلائم بين نظامها الجامعي وحاجات التعليم الثانوي. وقد فعلت الجامعة هذا تيسيرًا للأمر وتعجيلًا لشيء لا بدَّ من تحققه؛ لأنه يلائم المصلحة العلمية والاقتصادية معًا.
وأبت وزارة المعارف أن تترك معهد التربية إلى الجامعة كما كان يطلب الخبيران أحدهما أو كلاهما، ولم تتشدد الجامعة في هذا لأنها لم تكن تريد التوسع أو بسط السلطان.
هذا تاريخ المسألة فصَّلناه تفصيلًا، وهو يدلُّ على أن هذه المسألة قديمة، وعلى أن إعادة التنظيم لمدرسة المعلمين كانت شيئًا طبيعيًّا تحقق هذه السنة، وقد كان يجب أن يتحقَّق منذ سنين، وهو متحقق من غير شك، حتى لو سمعت الحكومة القائمة لأنصار النظام القديم، فردَّت الأمر إلى ما كان عليه. وهذا التاريخ الذي فصَّلناه يدلُّ أيضًا على أن الناحية السياسية التي يلجأ إليها ويستغل مكانتها أنصار النظام القديم لم تفاجأ بهذا الإصلاح، بل سعت إليه وجدَّت فيه وكادت تحققه.
فالأستاذ علي باشا الشمسي لم يؤلف اللجنة عبثًا، ولم يدع الخبيرين عبثًا، وإنما كان يريد أن يعتزَّ برأي اللجنة ورأي الخبيرين ليضع النظام الجديد ويعرضه على البرلمان. سيقولون ولكن هذا النظام لم يُعرض على البرلمان ولم يُعرف رأي نواب الشعب فيه، فنقول يجب إذن أن تعطل أكثر مدارس الحكومة، وأن توقف أكثر فروع التعليم لأن هذه المدارس وهذه الفروع من التعليم تسير على نُظُمٍ لم يقرها البرلمان؛ منها ما وضع في غيبته، ومنها ما وضع في حضوره، وكلها لم يتسع وقت البرلمان لدرسه.
على أن وزارة المعارف قد أنشأت هذا المعهد الجديد على أنه تجربة قابلة للتغيير والإصلاح. أليس الخير أن يدرس نظام المعهد وينقد ويُشار على الحكومة والبرلمان بما قد يظهر من وجوه إصلاحه وتغييره. ولكن قلت لك إن الأمور لا تجري في مصر على نحو ما تجري عليه في البلاد الأخرى، وما أشدَّ حاجتنا إلى الاقتصاد في القول والوقت والجهد والمال.