Tag: international trusteeship

  • بعد الاتفاق …

    بعد الاتفاق …
    طه حسين
    مجلة مسامرات الجيب
    ٣٠ ديسمبر ١٩٤٥

    يقال: إن المنتصرين قد استطاعوا — بعد الجهد — أن يتفقوا أو أن يقاربوا الاتفاق، ولم يكن من ذلك بد. فالذين تعاونوا على كسب الحرب، وجنوا ثمرات هذا التعاون، يجب أن يتعاونوا — ولو إلى حين — على تنظيم السلم. ضرورة لا منصرف عنها، فقد سئمت الشعوب الحرب، وأصبحت في حاجة إلى أن تستريح، وإلى أن تعوض ما خسرت وتصلح من أمرها ما أفسدت هذه الأعوام الثقال الطوال.

    والحكومات لم تنشأ لتدفع الشعوب إلى الجهاد المتصل، والصراع الذي لا ينقضي. ولو قد أخفقت حكومات المنتصرين، ولم توفق إلى شيء من تقريب وجهات النظر؛ لخذلتها شعوبها، ولأقامت مكانها حكومات أخرى أكثر منها مرونة، وأقدر منها على التسامح وتيسير العسير من الأمر. وقد قدرت الحكومات هذا كله فأحسنت تقديره. تشددت حتى وصلت من التشدد إلى غايته، فلما استيقنت أن الحبل مقطوع إذا لم ترخِ منه شيئًا؛ لانت وآثرتِ العافية. وقد لاحظت في بعض هذه الأحاديث أن الرحلة إلى موسكو كانت في نفسها تمهيدًا لهذا الاتفاق، وفوزًا محققًا لروسيا. فالذين يتبعون شئون السياسة العالمية، يذكرون أن مؤتمر وزراء الخارجية إنما أخفق؛ لأن روسيا أبت إلَّا أن تستمسك بالقواعد التي وضعت في القرم وفي بوتسدام، وقوامها أن يستأثر المنتصرون العظام بالأمر كله، وأن يشركوا من الدول الأخرى من يشاءون فيما يشاءون من الأمر، وألَّا يقيدوا أنفسهم بما قد ينشأ عن اشتراك الدول الأخرى معهم من القيود.

    فليس من الضروري مثلًا أن تشترك فرنسا والصين في معاهدات الصلح التي يراد فرضها على بلغاريا والمجر، وليس من الضروري أن تشترك الصين في معاهدة الصلح التي يراد فرضها على إيطاليا. وإنما يستأثر المنتصرون العظام بفرض ما يريدون من السلم على دول البلقان، ويشركون معهم فرنسا في فرض السلم على إيطاليا، ويشركون معهم الصين في فرض السلم على اليابان. وكان الإنجليز والأمريكيون يودُّون لو نهض الخمسة بكل هذه الأمور، فلما تشدد الرفيق مولوتوف؛ تفرق الخمسة ولم يصنعوا شيئًا. ثم امتلأت الأرض وعيدًا وتهديدًا، فكان حديث القنبلة الذرية، واستئثار السكسونيين بأسرارها، وكان التلويح بإلغاء حق الاعتراض، وكان التفكير في تكوين الكتلة الغربية. كان هذا كله من ناحية، وكان من الناحية الأخرى تنويه بأن لدى الروسيين ما يعدل القنبلة الذرية، ويزيد عليها وكان التشدد في تكوين كتلة الشرق، وكانت إثارة المشكلات في إيران وحول تركيا. وظنَّ الناس — أمام هذا كله — أن العالم مقدم على الحرب الثالثة، قبل أن يستريح من الحرب الثانية، ولكن العالم لم يقدم على الحرب؛ لأنه لا يستطيع الإقدام عليها، ولما يفرغ منها بعد.

    وإذا كانت الرحلة إلى موسكو انتصارًا للسياسة الروسية، فقد يظهر أن الاتفاق في موسكو إنما هو انتصار آخر للسياسة الروسية أيضًا. فقد ظفر الرفيق مولوتوف بحقيقة ما أراد، وظفر السكسونيون بصورة ما كانوا يريدون. فأقصيت فرنسا عن وضع معاهدات البلقان، وأُقصيت الصين عن وضع معاهدة إيطاليا، واستأثر الثلاثة العظام بالأمر كله، على أن يعرضوا ما يضعون من المعاهدات على بعض الدول — دون بعض — في مؤتمر يعقد لإقرار الصلح.

    وكذلك أخذ الرفيق مولوتوف كثيرًا، ولم يعطِ إلَّا قليلًا. والمهم هو أن المنتصرين قد اتفقوا — أو دنوا من الاتفاق — إن صحَّت الأخبار. فسيستقبل العالم أول العام الجديد في شيء من الهدوء والاطمئنان — وإن كان من المحقق أنه سيستقبل غدًا أو بعد غدٍ — خصومات أخرى تستأنف حول هذا الموضوع أو ذاك. فلا بدَّ للساسة من أن يعيشوا ومن أن يمارسوا مهنتهم، فيكون الاختصام اليوم والاتفاق غدًا، والحوار حول الخصام والوفاق، فهذه هي مادة السياسة العالمية بل هي المادة الطبيعية لكل سياسة.

    على أن الاتفاق الذي تم في موسكو ليس من هوان الشأن وضآلة الخطر بحيث نستطيع أن نتحدث عنه كما نتحدث عن الأحداث الهينة، فقد يظهر أن عواقب هذا الاتفاق ستكون بعيدة الأثرة في حياة كثير من الشعوب؛ في حياة الشعوب الضعيفة أو المستضعفة. فما عسى أن يكون اتجاه السياسة في إيران، هل اتفق عليه المنتصرون، أم هل لا يزالون يختلفون فيه؟ وما عسى أن يكون اتجاه السياسة في المشكلات التي أُثيرت حول تركيا؟ ثم ما عسى أن يكون اتجاه السياسة في مشكلات الشرق الأقصى وفي مشكلات الشرق الأدنى؟ لقد حملت إلينا الأنباء فروضًا لا ترضي، ولا تشيع الاطمئنان في القلوب، ولعلها أن تكون مزعجة مخيفة. فقد يقال: إن الاتفاق قد تم على أن يقسم العالم إلى مناطق تستأثر بالنفوذ فيها هذه الدولة أو تلك من الدول الثلاث الكبرى. فلروسيا شرق أوروبا، ولبريطانيا غربها، ولأمريكا الشرق الأقصى، ولبريطانيا الشرق الأدنى. والمهم أن تنظم الأمور على نحو يرضي الأشكال والصور، أكثر مما يرضي الحقائق والجوهر. فلن تفقد الدول المستقلة استقلالها؛ لأن العالم يمضي إلى أمام لا إلى وراء، ولكنها ستتلقى المعونة على حماية هذا الاستقلال، وقد تتلقى المعونة على الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي، وقد تتلقى المعونة على الإصلاح السياسي نفسه. وستبذل هذه المعونة من مجلس الأمن الذي تنتخبه الأمم المتحدة كلها، وستكلف كل دولة من الدول الكبرى المنتصرة بذل هذه المعونة لهذه المنطقة أو تلك نيابةً عن مجلس الأمن. وكذلك يلقى في رُوع الناس أن العالم كله مستقل يدبر أمره بنفسه، ما دام مجلس الأمن الذي انتخبه العالم كله هو الذي سيدبر هذا الأمر بواسطة المندوبين الذين يَكِلُ إليهم هذا التدبير.

    وما من شك في أن هذا نوع طريف من التفكير السياسي، لم يكن العالم يعرفه قبل الحرب الثانية الكبرى. إنما كان العالم يعرف الاستعمار والحماية والانتداب. كان يعرف الاستعمار السافر، والاستعمار المقنَّع. وكان قناع الاستعمار يسمى حماية حينًا، وانتدابًا حينًا آخر، وربما سُمي محالفة في بعض الأحيان. أمَّا الآن فسيعرف العالم استعمارًا سافرًا؛ لأن المنتصرين لن ينزلوا عن مستعمراتهم، ولن يهدوا إليها استقلالها. وسيعرف استعمارًا مقنَّعًا، ولكن اسم القناع قد يتغير، ويسمى وصاية بعد أن كان يسمى انتدابًا. وقد تتغير طبيعة الوصاية، فلا يعهد بها إلى دولة واحدة، كما كان يعهد بالانتداب إلى دولة واحدة، وإنما يعهد بها إلى غير دولة؛ ليتعاون المنتصرون على الرفق بالإنسان، وعلى ترقية الشعوب والسعي بها في طريق الاستقلال؛ لعلها تبلغه بعد وقت يقصر أو يطول. على أن هناك استعمارًا مقنعًا من نوع جديد حقًّا، فسيسمى قناعه تعاونًا دوليًّا. سيكون هذا الاستعمار المقنع، هذا الاستعمار التعاوني، أو هذا التعاون الاستعماري، سيكون هذا الاستعمار الجديد في المناطق التي تعيش فيها أمم مستقلة، ولكنها ضعيفة تحتاج إلى من يحميها، أو فقيرة تحتاج إلى من يغنيها، أو منحطة تحتاج إلى من يرقيها. ولم تستطع الدول المنتصرة — أو لم ترد — أن تلغي استقلالها، أو أن تتقسمها فيما بينها. تتفق هذه الدول المنتصرة على أن تبذل لهذه الأمم الضعيفة الفقيرة المتأخرة ما تحتاج إليه من قوة ومال ورقي. سيكون هذا بواسطة مجلس الأمن، وما ينشئه هذا المجلس من لجان، ستراعي كرامة هذه الأمم وعزتها الوطنية كل المراعاة، فلن تنفرد لجان مجلس الأمن بتنظيم المعونة التي تقدم إليها. ولكنَّ هذه الأمم ستشارك في تنظيم هذه المعونة، وستشارك في تنظيمها على قدم المساواة كما يقال، أو مشاركة الند للند كما يقال أيضًا. وأي غرابة في هذا من هذه الأمم أعضاء في جامعة الأمم المتحدة! فهي من هذه الناحية تجلس مع المنتصرين في مجلس واحد، وتستمتع بحظٍّ من المساواة. وهذه الأمم تشارك في انتخاب مجلس الأمن، أو في انتخاب بعض الأعضاء في مجلس الأمن، فليس عليها غضاضة إذا أعانها مجلس الأمن. ثم إن اللجان التي سيؤلفها مجلس الأمن لن تعمل وحدها، بل سيضم إليها أعضاء تختارهم هذه الأمم نفسها، فأي ديمقراطية خير من هذه الديمقراطية، وأي عدل أشمل من هذا العدل؟! وقد ضربت الأخبار مثلًا لهذا النوع الجديد من التعاون الدولي، وذكرت الشرق الأدنى، وصوَّرت لنا مجلس المعونة الذي قد يدبر أمره في مستقبل الأيام. فبلاد الشرق الأدنى مستقلة كلها إلَّا فلسطين، ولا يمكن إذن أن يتعرض استقلال هذه البلاد لخطر ما. ولكن الشرق الأدنى لا يستطيع أن يحمي نفسه؛ لأنه لا يملك القنبلة الذرية التي يملكها السكسونيون، ولا يملك القنبلة الأخرى التي يملكها الروسيون، فهو إذن لا يستطيع أن ينفرد بحماية نفسه. ومن حيث إن طرق المواصلات العالمية تمر به، فحمايته شيء أساسي لا بدَّ منه. ومن أجل ذلك سيقدم إليه مجلس الأمن ما يحتاج إليه من القوة؛ ليحمي نفسه أولًا، وليحمي الطرق العالمية ثانيًا. ولن يكون في هذا خطر على الاستقلال؛ لأن الخطر إنما يتحقق حين تنفرد دولة واحدة بالسيطرة، فأمَّا إذا وزعت هذه السيطرة أو ألغيت، وقام مجلس الأمن مقام الدولة الواحدة، فالاستقلال بمأمن من كل سوء.

    كان العيب كل العيب في أن تستأثر بريطانيا العظمى وحدها بحماية جزء من الشرق الأدنى، وتستأثر فرنسا بحماية جزء آخر. فأمَّا الآن فلن يكون للشرق حامٍ واحد، أو حاميان اثنان، بل سيكون له حماة كثيرون، وسيكون هو نفسه بعض هؤلاء الحماة.

    وفي بلاد الشرق الأدنى فقر يجب أن يُزال، وقد عجز الشرق الأدنى عن أن يزيل الفقر من بلاده، فيجب أن يعينه مجلس الأمن على إزالة الفقر. وليس عليه من ذلك بأس؛ لأنه سيكون ممثلًا في اللجان التي ستحارب الفقر فيه.

    وفي الشرق الأدنى جهل يجب أن يطرده العلم، وقد عجز الشرق الأدنى إلى الآن عن تحرير نفسه من الجهل، فسيعان على هذا التحرير، وسيشارك فيه. وهو إذن سيحتفظ باستقلاله كاملًا موفورًا، وسيهدى إليه مع هذا الاستقلال ما يحتاج إليه من المعونة العسكرية والاقتصادية والثقافية؛ ليمضي في طريقه إلى الرقي. فإذا لم يرضه ذلك فهو مسرف على نفسه في الطمع والطموح.

    سيؤلف إذن مجلس لهذه المنطقة من مناطق الأرض التي تسمى الشرق الأدنى، وسيشترك في هذا المجلس أعضاء يمثلون البلاد الشرقية، وأعضاء آخرون يمثلون مجلس الأمن، وفي ظل هذا المجلس الموقر الخطير ستستمتع البلاد الشرقية باستقلالها فتمارس البرلمانات سلطتها التشريعية، وتمارس الحكومات سلطتها التنفيذية، وتنعم الشعوب بهذا النظام الديمقراطي البديع.

    وليس في هذا النظام عيب إلَّا أن الشعوب نفسها لم تستشر فيه، ولعلها لا تحبه ولا ترضاه، ولكنها ستستمتع به على رغمها؛ لأن المنتصرين يريدون أن يمتعوها به. ومن الذي يستطيع أن يقول لا إذا تكلم المنتصرون؟! والمنتصرون بعد ذلك لا يريدون بهذه البلاد إلَّا خيرًا، ولا يهدون إليها إلَّا كرامة، ولا يأبى الكرامة إلَّا اللئيم!

    على أن الأمر يحتاج إلى شيء من الوضوح، فقد ينبغي أن نسأل: إذا كانت الأمور ستجري على هذا النحو في الشرق الأدنى مثلًا، فما فائدة الاتفاق الذي عقد بين بريطانيا العظمى وفرنسا على شئون هذا الشرق الأدنى؟ أيمكن أن يكون هذا الاتفاق قد عقد احتياطًا للمستقبل؟ فالآن وقد اجتمعت كلمة المنتصرين العظام، فسيلغى هذا الاتفاق. أم ترى هذا الاتفاق قد عقد ليعمل به مؤقتًا، حتى إذا تم تنظيم العالم الجديد، وأنشئ مجلس الأمن، وألَّف هذا المجلس لجانه ألغى هذا الاتفاق لانتفاء الحاجة إليه؟ أم يمكن أن يكون هذا الاتفاق قد عقد ليبقى العمل به في ظل مجلس الأمن، وفي ظل لجنته المنتظرة؟ كل شيء ممكن. ولكنَّ هناك شيئًا محققًا، وهو أن شعوب الشرق الأدنى ستضيع بين هذه النظم المعقدة أشنع تعقيد، المشتبكة أشد اشتباك. فستخضع هذه الشعوب لنظمها الداخلية التي عقدتها الديمقراطية بما أنشأت فيها من برلمانات ووزارات وتشكيلات لا تحصى. وستخضع لجامعة الأمم العربية فيما تباشر من سلطة، وستخضع للجنة مجلس الأمن، وما ستنشئ هذه اللجنة من فروع عسكرية واقتصادية واجتماعية. وستتأثر هذه الشعوب بعد هذا كله بما يكون من نتائج الاتفاق الودِّي الجديد بين الإنجليز والفرنسيين. ألست ترى أن الحياة الجديدة ستكون عناءً طويلًا، وهمًّا ثقيلًا، واضطرابًا في هذه النظم التي تشبه قصور التيه؟ وما ينبغي أن نشكو من هذا، فالتعقيد دليل الرقي، والبساطة دليل الانحطاط. والدليل على ذلك أن الأمم كانت منحطة حقًّا، حين كانت حكومتها بسيطة، ينهض بها فرد مستبد، ويعاونه على ذلك جماعة من الموظفين. فأمَّا الآن فقد ارتقت الأمم، وتعقدت حياتها بحكم هذا الرقي، وتعقدت مع ذلك نظمها السياسية.

    وليس من شك في أن العالم الجديد — الذي ينشأ الآن — سيكون أرقى من العالم القديم الذي هدمته الحرب. وهو من أجل ذلك يزداد صعوبة وتعقيدًا. فتضاف فيه مجالس إلى مجالس، وهيئات إلى هيئات ولجان إلى لجان.

    فمن كان يعجبه الرقي فلينشرح صدره لهذا الفوز العظيم، ومن كان يؤثر البساطة فليحزن على العصور القديمة التي كان العالم ينعم فيها بالراحة في ظل الاستبداد. ومن كان يريد الجِد فليستيقن بأن حياة الناس واحدة، مهما تختلف العصور: قويٌّ يقهر الضعيف، وغنيٌّ يقهر الفقير، ومتعلمٌ يسيطر على الجاهل. وما دام المنتصرون هم أصحاب القوة والثروة والعلم فإليهم أمور العالم، سواء أراد العالم أم لم يرد. فإن اتفقوا خضع العالم لسلم قوية مسيطرة، وإن اختلفوا مُزِّق العالم شرَّ ممزق لما يثور بينهم من حرب. سنَّة اللَّه ولن تجد لسنَّة اللَّه تبديلًا.

  • بين الحقيقة والخيال

    بين الحقيقة والخيال

    طه حسين

    جريدة البلاغ

    ١٩ أبريل ١٩٤٥

    كَانَتْ وفاةُ الرَّئيسِ روزفلت صدمةً مفاجئةً هزَّت العالمَ كلَّه هزًّا عنيفًا، وشلَّته وقتًا ما عن أحاديث السياسة العالمية، ولعلها أن تكون قد صَرفت كثيرًا من الناس كذلك وقتًا ما عن الوقوف عند أخبار الحرب، وإنْ لم تَشْغَل الجنودَ المحاربين عن المُضِيِّ في أداء واجبهم البغيض إلى أبعد حدٍّ.

    والواقع أنَّ العالَمَ الديمقراطيَّ مَدِينٌ أعظمَ الدَّيْن للرئيس روزفلت، وأنَّ هذا العالَمَ الديمقراطيَّ كان يعقد بالرئيس الفقيد آمالًا ليسَتْ أقلَّ خطرًا من الأعمال الجليلة التي قدَّمَها.

    فالديمقراطية مدينةٌ للرئيس روزفلت بثباتها الرائع أمام الاندفاعِ الألمانيِّ العنيف، ثم بوقفها لهذا الاندفاع، ثم بتحطيمها الدفاع الألماني، ثم بوصولها الآن إلى قلب ألمانيا وتأهبها لاقتحامها برلين.

    والذين يذكرون استغاثة مسيو بول رينو بالرئيس روزفلت — وانهيار فرنسا بعد هذه الاستغاثة بقليل — يقدِّرون ما تدين به الديمقراطية لهذا الفقيد العظيم.

    فقد كان في موقف لم يُتِحْ له أن يقول لفرنسا تلك الكلمة التي كانت خليقة أن تُثبِّتها وتقوِّيها على المقاومة، ولكنه عرف كيف يستغل الكارثة لإنقاذ الديمقراطية. فهو قد هيَّأ الأمة الأمريكية لمعونة البريطانيين حين كانوا يقفون وحدهم ينتظرون الهجوم الألماني الساحق، ثم هو قد دفع الأمة الأمريكية إلى تحقيق هذه المعونة، ثم هو قد سعى سعيًا رفيقًا صارمًا منتجًا حتى أقنع الأمة الأمريكية بالخروج من عزلتها والاشتراك في الدفاع عن الحق والعدل، فلما انتظر على التردد الأمريكي كان قد كسب المرحلة الأولى من مراحل الحرب. وإذا هو يلقي بالقوة الأمريكية الهائلة في كفة الميزان، ولكن دون أن يقول كما قال عدو روما القديم، وكما قال الإمبراطور غليوم في الحرب الماضية «ويلٌ للمغلوب»، وإنما قال كلمة السلام والأمن للإنسانية جميعًا.

    ومن المحقق أن إقدام الأمريكيين — يَقُودهم روزفلت — على هذه الحرب قد أتاح للبريطانيين أن يثبتوا وأن يخرجوا من الدفاع إلى الهجوم، وأتاح للروسيين أن يقاوموا وأن يسحقوا الألمانيين سحقًا. فالانتصار الذي يظفر به الحلفاء الآن إنما هو أثر مباشر من آثار الجهود الشخصية التي بذلها هذا الرجل الفطيم، وهذه الجهود قد أثرت من غير شك في قدرته الشخصية على الصبر والجد والاحتمال، وانتهت به إلى أن مات شهيدًا من شهداء الجد في سبيل الواجب. فإذا عده الأمريكيون ضحية من ضحايا الحرب لم يخطئوا، بل يجب أن تعده كل أمة محاربة وكل أمة ستنتفع من انتصار الديمقراطية شهيدًا من شهدائها. فلم يكن روزفلت أمريكيًّا فحسب، ولكنه كان إنسانًا قد ارتقى في إنسانيته إلى أن أصبح مواطنًا في كل بلد يحب الحرية ويطمح إلى الأمن من الخوف، والجوع، والبؤس.

    ولم يكن العالم الديمقراطي ينتظر من هذا الرجل العظيم في مستقبل الأيام أقل ممَّا قدَّم إليه في أعوام الشدة والضيق، فقد كان الرئيس روزفلت قوة أساسية خطيرة لتنظيم السلم كما كان قوة أساسية خطيرة لكسب الحرب. ولكن الله يمتحن الناس كما يريد لحكمة يعلمها هو ولا يعلمها الناس؛ فهو قد حرم الناس جهود روزفلت في أشد أوقاتهم احتياجًا إلى هذه الجهود.

    وليس من شك في أن الولايات المتحدة الأمريكية ستمضي في الحرب على نهج الرئيس روزفلت حتى تنتهي بها إلى غايتها؛ وهي استسلام ألمانيا بغير قيد أو شرط.

    ولكن المسألة الخطيرة هي: هل تذهب الولايات المتحدة الأمريكية في تنظيم السلم نفس المذهب الذي كان يريده الرئيس روزفلت لا تنحرف عنه قليلًا ولا كثيرًا؟ فمن المعروف أن لشخصية رئيس الجمهورية في سياسة الولايات المتحدة أثرها العظيم، ومن المعروف أيضًا أن الرئيس الجديد يمثل الجناح المعتدل من الحزب الديمقراطي الذي فاز في الانتخاب للمرة الرابعة. ولكن من سبق الحوادث أن نتنبأ بشيء عن موقف الرئيس الجديد بإزاء مشكلات السلم، وما أكثرها! وما أشد ما تمتاز به من التعقيد!

    وقد ابْتُدِئَ عهد الرئيس الجديد بحل ظاهر لإحدى هذه المشكلات؛ فقد كانت روسيا تبدي شيئًا غير قليل من الفتور بالقياس إلى مؤتمر سان فرانسسكو، وقد كان من نتائج هذا الفتور أن عرضت للمسيو مولوتوف مشاغل حالت بينه وبين السفر إلى هذا المؤتمر. وجعل الناس يسألون عن هذه المشاغل ما عسى أن تكون، يلتمسونها في الغرب مرة وفي الشرق مرة أخرى، وفي مصاعب الحرب حينًا وفي مصاعب السلم حينًا آخر.

    ولكن المسيو مولوتوف استطاع أن يقهر هذه المشاغل، ويذلل هذه المصاعب، ويقرر السفر إلى سان فرانسسكو؛ للاشتراك في المؤتمر مع زملائه وزراء الخارجية في الدول الكبرى. بل هو قد استطاع أكثر من ذلك، استطاع أن يقرر السفر للاشتراك مع وزراء الخارجية في الدول الكبرى حين يعقدون اجتماعهم الذي يسمونه اجتماعًا تمهيديًّا للمؤتمر ونسميه نحن اجتماعًا أساسيًّا؛ لأنه سيقرر الأمور التي إن تم عليها الاتفاق فلن يكون عنها عدول ولا انحراف حين يجتمع الممثلون لنيف وأربعين دولة من دول العالَمَيْن القديم والحديث.

    وليس أدل على ذلك من أن رئيس الوزارة البريطانية كان يريد أن يتحدث إلى مجلس العموم اليوم عن شئون الحرب والسياسة؛ فأعلن يوم الثلاثاء أنه يؤثر تأجيل هذا الحديث. وواضح أنه يؤثر هذا التأجيل تحرجًا من أن يسبق المفاوضات التي ستجري في واشنجطون بين وزراء الخارجية للدول الثلاث التي اتخذت في مؤتمر القرم قرارات لم تُؤْتِ ثمرتها بَعْدُ. ومن هذه القرارات ما يتصل ببولندا التي لم تُؤلَّف فيها الحكومة المتحدة بَعْدُ، ولم تُدْعَ إلى المؤتمر، والتي لا يُعرَف كيف تُدعى إليه، ولا كيف تُمثَّل فيه. أتُدعى إليه حكومة لوبلين كما تريد روسيا أم تُدعى إليه حكومة لوندرة، أم لا تُدعى إليه أصلًا، أم تختار الدول الثلاث من يمثلها في المؤتمر كما أن دول الجامعة العربية ستختار من يمثل فلسطين في مجلس الجامعة حتى يُتاح لفلسطين أن تُباشر استقلالها الشرعي مباشرةً فعلية؟

    وهناك من غير شك مشكلات أخرى ليست أقل تعقيدًا من مشكلة بولندا ستكون موضوعًا للمفاوضة بين ممثلي الدول الثلاث. ومعنى ذلك أن مؤتمر القرم محتاج إلى أن يكون له ذيل في واشنجطون قبل أن يستقبل بقراراته ذلك المؤتمر العظيم الذي سيجتمع في سان فرانسسكو بعد أيام.

    ولسنا ندري أيستأنف ممثلو الدول الثلاث في واشنجطون حديث التصويت في مجلس الأمن أم لا يستأنفونه، ولسنا ندري أيستأنفون حديث تمثيل الأمم المتوسطة والصغيرة في مجلس الأمن أم لا يستأنفونه، ولكننا نعلم أن البرلمان البريطاني قد شُغِلَ بهذين الحديثين أثناء هذا الأسبوع. فأمَّا مجلس اللوردات فقد قال فيه ممثل الحكومة لورد كرانبورن كلامًا لا ندري أفهمناه على وجهه أم لم نفهمه! فقد يظهر أن المصريين والكتَّاب منهم خاصةً في حاجة إلى شيء من حسن الفهم للغة الساسة الإنجليز كما تقول الإجبشن غازيت؛ لأنهم لم يفهموا مقال التيمس في الأسبوع الماضي كما كان ينبغي أن يُفهَم.

    لسنا ندري أفهمنا كلام اللورد كرانبورن في مجلس اللوردات على وجهه أم لا، ولكن الذي وقع في أنفسنا منه هو أنه يرى أنه سيكون للدول الصغيرة عمل أساسي في نظام السلم الذي سيُقتَرح أو سيُقرَّر في سان فرانسيسكو؛ لأنها ستعاون على منع الحرب وعلى عقاب المعتدي، ولأن ذلك سيفرض عليها التزامات يجب أن تنهض بها إذا أرادت منع الحرب وعقاب المعتدي وحماية نفسها من أن تتعرض للعدوان. فإذا لم تُرِدْ هذه الدول الصغيرة أن تشارك في أعمال الهيئة التي ستشرف على حماية السلم فستتعرض لخطر عظيم؛ وهو أنها لن تُستشار في أمر من الأمور.

    ومعنى هذا — إن كنَّا قد فهمنا كلام الوزير البريطاني على وجهه — أن الدول الصغيرة بين اثنتين؛ فإما أن تقبل العضوية في الهيئة التي ستحمي السلم، وتقبل ما يترتب على هذه العضوية من التزامات، وتنهض بالوفاء لهذه الالتزامات كما ينبغي، وإمَّا أن تُهمَل فلا تُستشار في أمرها ولا تُستشار في أمر نفسها أحيانًا. وهذا طبيعي، فالذين يقبلون الاشتراك في هيئة من الهيئات يجب أن ينهضوا بالأعباء التي يفرضها عليهم هذا الاشتراك.

    وقد عرفنا إلى الآن واجبات الدول الصغيرة حين تشترك في هذه الهيئة، ولكننا لم نعرف حقوقها كاملة. فسيكون من حقوقها أن تُستشار في حماية السلم، وسيكون من حقوقها أن تُحمَى من العدوان، وهذا كثير فيما يظهر. ولكن أيكون من حقوقها أن تقضي في حماية السلم كما تقضي فيها الدول الكبرى؟ هذا هو الإشكال الذي لم يُوفَّق أحد إلى حلِّه بعد.

    وقد تقدَّم الأمر خطوة قصيرة؛ فصرَّح اللورد كرانبورن بأن بين الدول الصغيرة دولًا لها خطر بحكم مركزها الجغرافي أو بحكم قدرتها على الإنتاج، وهذا يقتضي أن تُمثَّل تمثيلًا حسنًا في مجلس الأمن، وقد وُضِعَ أمر هذه الدول موضع البحث. والشيء الواضح هو أن الدول الكبرى ستنهض بأقل الأعباء في حماية السلم، فيجب أن تكون كلمتها هي الأولى والأخيرة.

    أمَّا مجلس العموم، فقد رأينا فيه أعضاء لا يحبون مقترحات دمبرتون أوكس؛ لأنها لا تكفل السلم ولا تحميها، وذلك لأنها تجعل كلمة الدول الكبرى هي الأولى والأخيرة، فتقر لهذه الدول سلطانًا غير معقول، أو لأنها ستنشئ هيئة تُشغَل بالمناقشات أكثر مما تُشغَل بحماية السلم. وقد ردَّ وزير الدولة على هؤلاء الأعضاء بأنهم يسعون وراء الخيال.

    وكذلك قرر أحد الوزراء البريطانيين في مجلس اللوردات أن على الدول الصغيرة — إن أرادت الأمن والكرامة — أن تشترك في الهيئة التي ستنشأ في سان فرانسيسكو، وتقبل ما يُفرَض عليها من التزامات. وقال أحد الوزراء في مجلس العموم البريطاني المستر لو: إن الذين يطلبون أن تكون الدول الصغيرة ممثلة في مجلس الأمن تمثيلًا معقولًا يكفل لها شيئًا من المساواة يسعون وراء الخيال.

    وما نريد أن نفسر كلام أحد من الوزيرين، فهو أوضح من أن يحتاج إلى تفسير. على أن هناك حديثًا آخر ليس له من الخطر ما لحديث الوزيرين البريطانيين، ولكنه لا يخلو من مغزى يحتاج إلى شيء من الروية والتفكير. وهذا الحديث يأتينا من أمريكا، ونرجو أن نكون قد فهمناه على وجهه خيرًا مما فهمنا مقال التيمس. فقد خطب المستر سومتروبلز، فأعلن أن الحل الطبيعي لمسألة فلسطين إنما يكون بوضعها تحت وصاية دولية، وليس إلى حلها سبيل غير هذا. فأمَّا ما بين العرب واليهود من الخلاف فيُحَل بمفاوضات مباشرة في ظل هذه الوصاية.

    وقد كانت فلسطين تحت الوصاية الدولية لعصبة الأمم، وكانت بريطانيا العظمى تنوب عن عصبة الأمم في إدارة فلسطين، وفي ظل هذه الوصاية الدولية وفي ظل هذا الانتداب البريطاني وصلت مشكلة فلسطين إلى ما وصلت إليه من التعقيد. فالاقتراح الجديد لا يغيِّر شيئًا، فستكون فلسطين بمقتضى هذا الاقتراح في ظل وصاية دولية كما كانت من قبل. وكل ما في الأمر أن بريطانيا العظمى لن تستأثر بالانتداب، وإنما يصبح هذا الانتداب شائعًا في لجنة دولية تنهض بأعباء الإدارة وتجري في ظلها المفاوضات لحل ما بين العرب واليهود من الخلاف.

    ولسنا ندري ما الذي تفيده فلسطين من إبقاء الوصاية الدولية وإشاعة الانتداب بين الدول بعد أن كان محتكرًا لدولة واحدة هي بريطانيا العظمى، ولسنا ندري أفهم العالم الأوروبي والأمريكي أم لم يفهم بَعْدُ أن مسألة فلسطين — كغيرها من مسائل الشرق العربي — لا يمكن أن تُحَلَّ بالوصاية ولا بالانتداب، وإنما تُحَلُّ بشيء واحد لا ثاني له وهو الاستقلال.

    ونعيد اليوم ما كررناه غير مرة؛ وهو أن الخلاف القديم بين الشرق والغرب قد طال عهده وكثرت آثاره السيئة، وآن له أن يزول ويقوم مقامه تعاون قوامه الوفاق والمودة وتبادل الاحترام، وليس إلى هذا سبيل إلَّا إذا محا الغرب من نفسه محوًا تامًّا فكرة الوصاية والانتداب والتدخل مهما يكن شكله بالقياس إلى هذا الشرق العربي.

    وقد ترى الإجبشين جازيت أننا لم نفهم حديث الوزيرين البريطانيين ولا حديث المستر سمنر ويلز، ولكن الشيء الذي نستطيع أن نؤكده هو أن المصريين والشرقيين يفهمون عنَّا حق الفهم، ويعتقدون — غير مخطئين — أنَّا نصور لهم الرأي الأوروبي تصويرًا دقيقًا، وأنَّا نصور للأوروبيين رأيهم تصويرًا دقيقًا أيضًا.

  • بين الشرق والغرب (٢)

    بين الشرق والغرب (٢)

    طه حسين

    جريدة البلاغ

    ١٢ أبريل ١٩٤٥

    لم يفرغ الناس بعد من الحديث عمَّا قصدت إليه روسيا حين قررت ألَّا تجدد ما بينها وبين تركيا من ميثاق الصداقة والحياد؛ لأنه فيما ترى قد أصبح غير ملائم لظروف العالم الجديد، وأصبح محتاجًا إلى أن يمسَّه كثيرٌ من التعديل والتبديل.

    وقد كثر التنبؤ بما تريد روسيا أن تقترح من تعديل وتبديل، يقتصد المتنبئون مرة ويسرفون مرة أخرى؛ حتى أذاعت بعض الصحف الإنجليزية أمس أن روسيا تريد أن تطلب إلى تركيا حرية المضايق، والنزول لها عن ولايتين من ولاياتها على الحدود، وتعديل دستورها بحيث يصبح ديمقراطيًّا صحيحًا. والمرجح أن مثل هذا التنبؤ لا يخلو من غلو شديد، وهو على كل حال مناقض للتصريحات التي تصدرها روسيا بالقياس إلى الدول التي تحررها من ألمانيا. فقد أعلنت روسيا غير مرة أنها لا تريد أن تتدخل في الشئون السياسية والاجتماعية لهذه الدول، وأنها لا تريد أن تحقق لنفسها مطامع إقليمية؛ أعلنت هذا بالقياس إلى رومانيا وبلغاريا والمجر، وأعلنته أمس بالقياس إلى النمسا. فمن غير المعقول أن يكون هذا موقف روسيا من البلاد التي تحررها بقوة السلاح، وأن تقف موقفًا آخر من بلاد مستقلة محايدة لم تكن بينها وبين روسيا حرب ما، ولعل الأدنى إلى المعقول ما أُذيع منذ حين من أن روسيا تريد حرية المضايق من جهة وضمان التعاون العسكري بينها وبين تركيا — إن ظهرت الحاجة إلى ذلك — من جهة أخرى.

    ولكن المهم هو أن روسيا لم تكد تفرغ من تبليغ تركيا عدولها عن تجديد هذا الميثاق حتى خطت مثل هذه الخطوة بالقياس إلى اليابان، فأبلغتها أنها لا تريد أن تجدد ما بينهما من ميثاق الصداقة والحياد، وأبلغتها ذلك في لهجة عنيفة توشك أن تكون تحدِّيًا وإنذارًا؛ حتى تعجل المتنبئون فقالوا: إن روسيا قد تُعلن الحرب على اليابان قبل أن يبلغ الميثاق أجله. وقال قائلون آخرون: إن اليابان هي التي قد تعلن الحرب على روسيا قبل أن يبلغ الميثاق أجله. والشيء الواضح هو أن هذه الخطوة الروسية لها ما بعدها غدًا أو بعد غدٍ، وأن روسيا لم تخطها عبثًا، وأنها قد قصدت بها إلى أشياء ستكون أبعد مدًى وأعمق أثرًا مما ذهبت إليه حين ألغت ما بينها وبين تركيا من ميثاق.

    والشيء الواضح أيضًا هو أن روسيا لم تسر حلفاءها البريطانيين والأمريكيين بموقفها الجديد من تركيا، وأنها قد سرَّت هؤلاء الحلفاء في ظاهر الأمر على الأقل بموقفها الجديد من اليابان. فتركيا حليفة للبريطانيين صديقة للأمريكيين، واليابان خصم لأولئك وهؤلاء، فتشدد الروسيين مع الترك يسوء الحلفاء من غير شك، وتشددهم مع اليابان يسرُّ الحلفاء من غير شك. وإن دل هذا كله على شيء فإنما يدل على أن للروسيين سياستهم الخاصة المستقلة التي يدبرونها ويسيرونها على مناهجهم الخاصة المستقلة أيضًا. وقد كانت روسيا ضيقة بما تفرض عليها الظروف السياسية والجغرافية في المضايق والبحر الأسود، وهي تريد أن تخرج من هذا الضيق. وكانت روسيا كذلك ضيقة بما تفرضه عليها الظروف السياسية والجغرافية في الشرق الأقصى — ولا سيما بعد انتصار اليابان عليها في أول هذا القرن — فهي تريد أن تخرج من هذا الضيق أيضًا. وهي بعبارة موجزة تريد أن تحقق سياستها التقليدية منذ عهد القياصرة، وهي حرية العمل في الشرق الأوسط والبحر الأبيض من جهة، وحرية العمل في الشرق الأقصى من جهة أخرى. ولن تستريح روسيا حتى يكون لها من الحرية في هذه الأرجاء كلها مثل ما لحليفتيها العظيمتين بريطانيا العظمى وأمريكا.

    ونتيجة هذا كله أن الحرب واقعة لا محالة بين روسيا واليابان، فما ينبغي أن تنظم شئون الشرق الأقصى وتحدد فيه مناطق النفوذ وروسيا غائبة عن مؤتمر الصلح، ولا بدَّ من أن تشهد روسيا هذا المؤتمر مع البريطانيين والأمريكيين والفرنسيين والصينيين. ولا بدَّ من أن تثأر روسيا لنفسها من الحرب اليابانية الروسية التي وقعت في أول هذا القرن.

    وقد أحسَّت البيئات السياسية في بريطانية وأمريكا إحساسًا قويًّا واضحًا بهذه الاتجاهات الروسية. ولاحظ الملاحظون أن الابتهاج لم يكن شديدًا جدًّا في أمريكا — مثلًا — بهذه الخطوة التي خطتها روسيا مع اليابان، وأن الأمريكيين تساءلوا متى تعلن الحرب بين الدولتين، وكان ابتهاج البريطانيين بهذه الخطوة معتدلًا أيضًا. ولست أعلم أن هذه الخطوة ذكرت في مجلس العموم البريطاني، ولكن البريطانيين قومٌ عمليون يحسنون انتهاز الفرص، ويحسنون لقاء الحوادث والخطوب، ويحسنون الاحتياط للمستقبل وما قد يثار فيه من المصاعب والمشكلات. ومع أن الهيئات الرسمية البريطانية لم تعلن خطة ما بشأن موقف روسيا من تركيا أو موقفها من اليابان؛ فقد نشرت التيمس منذ يومين مقالًا له خطره ومغزاه بالقياس إلى بلاد الشرق الأوسط، وأكبر الظن أنها ستنشر يومًا مقالًا آخر له خطره ومغزاه بالقياس إلى مشكلات الشرق الأقصى.

    فأمَّا المقال الذي نشر منذ يومين فهو طريفٌ حقًّا عمليٌّ حقًّا؛ لأن محرر التيمس لا يطلب فيه إلَّا شيئًا يسيرًا وهو ألَّا تنفرد بريطانيا العظمى باحتمال أعباء الأمن السياسي والعسكري والاقتصادي في بلاد الشرق الأوسط كما كانت الحال أثناء هذه الحرب، وإنما ينبغي أن تشترك الدول الأربع الكبرى في هذا كله. والدول الأربع الكبرى بالطبع هي بريطانيا العظمى وفرنسا وروسيا وأمريكا. ومعنى هذا الاقتراح هو أن التيمس تريد من بريطانيا العظمى أن تفتح الباب للتعاون الروسي والأمريكي في شئون هذا الشرق. وقد كانت شئون الشرق الأدنى على الأقل محتكرة أو كالمحتكرة لبريطانيا العظمى وفرنسا، فأمَّا الآن فقد ظهر أن هذا الاحتكار غير مفيد أو غير ممكن، وظهر أن من الملائم للمنفعة الإنسانية العامة — أو من الملائم للضرورات الإنسانية العامة — أن تتعاون الدول الأربع ذات الخطر في الإشراف على شئون هذا الشرق. ولو أن للصين من البأس مثل ما لهذه الدول الأربع لدُعيت هي أيضًا إلى المشاركة في هذا الإشراف. ولكن يد الصين أقصر من أن تبلغ الشرق الأوسط، فليس لها من أساطيل البحر والجو ما يبلغها البحر الأحمر أو البحر الأبيض أو البحر الأسود، وحسبها أن تشارك في شئون الشرق الأقصى.

    وتقترح ألَّا يُلغى مركز تموين الشرق الأوسط؛ لأن التجارب قد أظهرت أنه عظيم النفع في أيام الحرب، ولأن التجارب ستظهر أنه سيكون عظيم النفع بعد إمضاء الهدنة وبعد إمضاء الصلح، ولأنه سيكون وسيلة صالحة من وسائل التعاون بين الشرق والغرب.

    وقد تسأل عن موقف بلاد الشرق الأدنى والأوسط نفسها من هذا التعاون بين الدول الكبرى كما يتصوره محرر التيمس، وكما يصوره محرر التيمس أيضًا. فموقف هذه الدول الشرقية بسيطٌ جدًّا واضح كل الوضوح، هو موقف الدول القاصرة التي تحتاج إلى الوصاية والمعونة والإرشاد حتى تبلغ أشدها في يوم من الأيام. فلا بدَّ من حماية المواقع العسكرية ذات الخطر؛ لأن التجارب قد أظهرت أن لهذا الشرق شأنه العسكري العظيم، وأن الاستيلاء عليه أمر حاسم في الحرب. وقد نهضت بريطانيا العظمى بحماية هذه المراكز العسكرية وأيَّدتها البلاد الشرقية في ذلك تأييدًا له قيمته، ولا ينبغي أن تنهض وحدها بهذا العبء منذ الآن. ولا بدَّ من الإشراف على النظام الاقتصادي لهذا الشرق؛ لأنه طريق التجارة من جهة، ولأنه مصدر خطير من مصادر الإنتاج من جهة أخرى، فلا يمكن الاستغناء عنه لا في السلم ولا في الحرب.

    وقد أنشئت الجامعة العربية، وإنشاؤها خطوة حسنة جدًّا في سبيل هذا التعاون بين الشرق والغرب.

    كل هذا صورته التيمس منذ يومين تصويرًا رائعًا مؤثرًا، ولم تنسَ أن تذكر في مقالها ذاك استقلال البلاد الشرقية والمحافظة لها على كرامتها. وأي شيء أيسر من المحافظة على الكرامة والاستقلال بعد أن تُضمن حماية المراكز العسكرية، ويُضمن الإشراف على الشئون الاقتصادية، ويُضمن تقديم المعونة والإرشاد لهذه الدولة حتى تستطيع أن تعتمد على نفسها. ولست أدري أتصور التيمس الرأي العام البريطاني في هذا المقال أم تريد التيمس أن تدعو الرأي العام البريطاني إلى أن يتصور شئون الشرق الأوسط على هذا النحو؟

    ولكن الشيء الذي لا أشك فيه هو أن الشرقيين أنفسهم لا يتصورون المستقبل القريب على هذا النحو، بل لا يتصورونه على نحو قريب من هذا النحو. فهم لا يريدون أن يخرجوا من وصاية دولة واحدة إلى وصاية دول أربع، وإنما يريدون أن يخرجوا من الوصاية كلها سواء أكانت فردية أو اجتماعية، وأن يخرجوا منها خروجًا صريحًا لا غموض فيه. وهم لا يطيقون الاحتلال مهما تكن أسبابه وأغراضه ودواعيه، وهم يريدون أن يشاركوا بأنفسهم في حماية الأمن الدولي، وأن ينهضوا بحماية المراكز العسكرية ذات الخطر، وهم لا يريدون الإشراف الاقتصادي وإنما يريدون التعاون الاقتصادي ينظِّمونه فيما بينهم من جهة، وينظِّمونه فيما بينهم وبين أوروبا وأمريكا من جهة أخرى، وينظِّمونه تنظيم الراشدين المستقلين لا تنظيم القاصرين الذين يحتاجون إلى الأوصياء.

    والشيء الذي أستطيع أن أؤكده هو أني أصوِّر الرأي العام الشرقي تصويرًا دقيقًا كل الدقة، وأن أصدقاءنا البريطانيين وغيرهم من الأوروبيين والأمريكيين يخطئون الخطأ كله إن ظنُّوا أنهم يستطيعون أن يتحدثوا إلى الشرق بهذه اللغة القديمة التي أدركها البلى وأصبح الشرق عاجزًا عن أن يفهمها أو يسيغها.

    وهذا كله يدلُّ فيما يظهر على أن مؤتمر سان فرانسيسكو ليس وحده هو الذي يشغل الرأي العام العالمي، وإنما هو شيء يسير بالقياس إلى المشكلات التي تشغل الناس ويجب أن تشغلهم. ولست أدري أي الأمرين هو الأصل، وأيهما هو الهامش، وأكاد أعتقد أن المشكلات التي تحدثت عنها هي الأصل، وأن مؤتمر سان فرانسيسكو سيجتمع وسيعمل على هامش هذه المشكلات.

    وقد أنبأنا وزير الخارجية الأمريكية في خطبة ألقاها منذ أيام بأن مهمة مؤتمر سان فرانسيسكو يسيرة جدًّا، وهي: وضع نظام الأمن الدولي، وإنشاء محكمة العدل الدولية، وإنشاء المجلس الاقتصادي الدولي. وكل هذه أمور حسنة جدًّا، ولكنها بناءٌ ينبغي أن يوضع له أساس، وأساسه لن يوضع في مؤتمر سان فرانسيسكو؛ لأن مؤتمر سان فرانسيسكو لن يكون مؤتمر صلح، ولن يقضي في استقلال الدول المطالبة بالاستقلال، ولا في استكمال الاستقلال للدول التي تريد أن تستكمل استقلالها، وإنما هو يترك هذه الأمور كلها ويضع نظامًا مثاليًّا لتحقيق السلم وحمايتها بعد أن يستكمل العالم نظمه التي تتيح له شيئًا من الاستقرار. وقد فهمت مصر فيما أعتقد أمر المؤتمر فهمًا صحيحًا قائمًا على التجربة، فهي قد ظنته هائلًا عظيم الخطر أول الأمر؛ فألَّفت له وفدًا هائلًا خطيرًا، ثم جعلت مهمة المؤتمر تتضاءل شيئًا فشيئًا، وجعل وفدنا إلى المؤتمر يتضاءل شيئًا فشيئًا حتى إذا ظهرت مهمة المؤتمر كما هي قيِّمة جدًّا ولكن يسيرة جدًّا أصبح وفدنا ملائمًا كل الملائمة لهذا المؤتمر القيم اليسير. فأعضاؤه ثلاثة لا عشرة وفي الثلاثة الكفاية كل الكفاية، ورئيسه وزير الخارجية لا رئيس الوزراء وفي وزير الخارجية الغناء كل الغناء.

    فلنتمنَّ للمؤتمر نجحًا، ولنتمنَّ لوفدنا فوزًا وتوفيقًا، ولنتمنَّ قبل هذا كله وبعد هذا كله أن تبلغ مصر حقوقها كاملة موفورة لا يشوبها احتلالٌ ولا وصايةٌ ولا إشرافٌ.