Tag: Islamic jurisprudence

  • الاصلاح والعمران

    الاصلاح والعمران
    طه حسين
    مجلة الهداية
    ؟؟؟
    الآن كثر القول في مسألة المرأة، فاقتحمها الكاتب والشاعر والخطيب، ولم تبقَ صحيفة من الصحف العربية إلا طرقت هذا البحث وسلكت فيه سبيلًا، وكذلك الأندية العامة ومجالس السمر، لم يبقَ منها ندي ولا مجلس إلا اتخذ هذا الحديث من شئونه وأسماره. وهذه مقدمة لازمة لكل فكرة عامة تريد أنْ تأخذ نصيبها من الوجود الكامل، وتنال قسطها من الحياة الدائمة؛ فإن الناس لا يعدلون طريفًا بتليد ولا يميلون عن قديم إلى جديد إلا إذا أهابت بهم من المصلحين أصواتٌ لها قصيف الرعد وزئير الأسد، تزلهم عما كانوا عليه وتحملهم على ما يُدعَوْن إليه.

    سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلًا.

    وإذا عُني الرجال في هذه الأيام بمسألة المرأة، فإنما يُعنَون بمسألتهم قبل كل شيء؛ إذ كان ما ينالهم وينال أنسالهم من هوى أو رقي نتيجة لازمة لما تكون عليه حال المرأة من صلاح أو فساد.

    كيف لا، والمرأة هي قالب النوع الإنساني يفرغه الله فيه ويصوغه على مثاله؟!

    تحمل وليده تسعًا وترضعه شفعًا، وتربوه طفلًا، وتُأدِّبه يانعًا، وترشده غلامًا وكهلًا.

    أفلا يكون حقًّا على الرجل بعد ذلك أنْ يختص مسألة المرأة بالبحث والتمحيص، ويُصفِّي جوهرها من أخلاط الشك وأدناس الوهم، حتى تخلص من كل شائبة وتصير من قلبه إلى مكان اليقين.

    بلى، إنَّ هذا حق لا شك فيه ولا مندوحة عنه؛ ولذلك لم نجد بدًّا من أنْ نلقي دلونا في الدِّلاء، ونضرب مع القائلين بسهم في مسألة المرأة؛ رغبة في تأييد الحق والذود عنه، واستجابة لهذا الدعاء المحزن الذي يصدر عن بنات النيل، وفيهن أخواتنا وأهل مودتنا الآن، ومنهن زوجاتنا وبناتنا في مستقبل الدهر ومستأنف الأيام.

    ذلك الدعاء المحزن الذي يرسلن به أصواتًا فاترة على أنها تنال من نفوس الرحماء وتبلغ من قلوب الصالحين، غير أنَّ لكل كاتب في أي مسألة من المسائل حدًّا يجب أن لا يتعداه، ومدى يجب أنْ ينتهي إليه وحدنا في هذه المسألة، إنما هو دين الله الذي أنزله شفاء لأدواء الأفراد والأمم وإصلاحًا للفاسد من أمورهم؛ فعلينا أنْ نقف عنده ولا نتعدَّى حدَّه، ومن يتعدَّ حدود الله فأولئك هم الظالمون.

    على هذا الأصل الصحيح، نقول: إنَّ رُقيَّ المسلمين رهين بأن يرجعوا إلى أصول دينهم الذي أهملوه، وكتابهم الذي أغفلوه، فيتمسكوا بأسبابها، ويتعلقوا بأهدابها، وعلى غير ذلك لا تقوم لهم قائمة ولا يصلح لهم جيل.

    حرية المرأة
    ليست مسألة المرأة منحصرة في الحجاب أو السفور، كما يظن بعض الكاتبين، وإنما ترجع في الحقيقة إلى أصلين كبيرين؛ أحدهما: تربية المرأة، والثاني: حريتها. ولسنا بقائلين في الأصل الأول شيئًا اليوم، وإنما نرجئه إلى الفصول التالية؛ لأنه يحتاج إلى كلام كثير، وسنكتب الآن في الأصل الثاني، فنقول:

    الحرية المطلقة ظل الحياة المطلقة، فحيثما وُجِدت الأولى يجب أنْ تُوجَد الثانية. ومعنى ذلك أنَّ الحرية المطلقة حق فطري للذكر والأنثى من الحيوان على السواء، وليس الإنسان إلا فردًا من أفراد الحيوان، وفرعًا من فروعه؛ فالرجل والمرأة إذن قسيمان في الحرية المطلقة، والمنفعة وحدها هي التي تحد هذه الحرية العامة بحدود العقل والعادة والدين؛ فكل ما يفيد حرية الرجل من هذه الحدود يفيد حرية المرأة كذلك.

    هذا شيء متفق عليه لا معنى للبحث عنه والجدال فيه، وإنما نبحث عما جعل للرجل سلطانًا على المرأة، وميَّزه عليها وقيَّدها بقيود خاصة لا ينال الرجل منها شيء، ونقول: ليس لهذه القيود مصدر إلا نظام الأسرة؛ فهو الذي اقتضى أنْ يكون للرجل قيامة على المرأة، فيكسب لها القوت ويجمع من أسباب الراحة والدعة ما يُمكِّنها من أنْ تقضِيَ حاجَ المنزل، وتقوم على تربية البنين والبنات، وليس من الممكن غير ذلك؛ لأنه مقتضى الفطرة والطبيعة، ولكن هل قيام المرأة بحاج المنزل وفروض التربية يقضي بأن تُسلَب حريتُها، وتُقصَر في القيود كما تُقصَر الأمتعة.

    هذا ما لا يمكن القول به، بل يجب القول بنقيضه؛ فإن المرأة إذا لم تكن مطلقة اليد، حرة في أعمالها وأقوالها، يستحيل أنْ تقوم بما يجب عليها حق القيام.

    لذلك لم يأتِ الدين الإسلامي بما يُقيِّد هذه الحرية أو يقص جناحها، وإنما جاء بما يجعل هذه الحرية صالحة نافعة يقوم بها أمر المرأة وتنتظم أحوالها.

    ما الذي فرضه الإسلام على المرأة؟ وما الذي أمرها به؟

    فرض عليها العفة، كما فرضها على الرجل، وأمرها بأن تتجنب سبيل الظنة، كما أمر بذلك الرجل. عرف أنَّ في المرأة وجمالها فتنة للرجل هي مظنة الفسوق؛ فنهاها عن أنْ تبدي من زينتها ما تستطيع إخفاءه وهو غير الوجه واليدين؛ فقد قال القرآن الكريم: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا)، وفهم المسلمون من هذه الزينة الظاهرة الوجهَ واليدين، فأي تكلف في هذا الأمر؟! وأي عناء ينال المرأة من اتباعه؟!

    ما الذي تريده المرأة إذا أباح الله لها أنْ تظهر من زينتها مثل ما يظهره الرجل.

    لم يأخذها الإسلام بحجاب ولا نقاب، ولئن سألتَ الذين ينتحلون ذلك على الإسلام من أي آية في كتاب الله، وأي حديث في سُنة نبيه أخذتم حكم الحجاب والنقاب لَينالهم الإعياء والقصور!

    أباح الإسلام للمرأة أنْ تخرج من منزلها، فتغشى مجالس العلم ومساجد الصلاة، ومواضع الرياضة في غير ما فتنة ولا فسوق.

    عرف الإسلام من طبيعة الرجل والمرأة أكثر مما نعرف، فحظر عليها أنْ تخلو بالأجنبي، كما حظر ذلك على الرجل، وأي مصلحة عامة أو خاصة ينالها الإنسان من خلوة الأجنبي بالأجنبية؟! ليست هناك مصلحة ما، ولكن هناك مفاسد كثيرة، إنْ لم تكن متحققة فهي مظنونة التحقق، والمظنة مبنى الأحكام في الأديان والشرائع قديمًا وحديثًا. ومن اختبر النساء وابتلى طبيعتهن عرف أنَّ المرأة مهما كانت طاهرة الذيل نقية الجيب عفيفة النفس؛ فإنها مظنة الانخداع بأماني الرجال ووعودهم، ولا سيما إذا قُرِنت إلى الثناء. ولله در «شوقي» حيث يقول:

    خدعوها بقولهم حسناءوالغواني يضرهن الثناء
    عرف الإسلام ضعف المرأة عن المقاومة البدنية والنفسية؛ فحظر عليها أنْ تسافر إلا مع زوج أو محرم يدفع عنها ختل الخاتل وشر الغائل، فما الذي تسمو إليه المرأة بعد ذلك؟!

    وكيف يُعد هذا تقييدًا لحريتها، وهو في الحقيقة مبالغة في العناية بها؟! هل أخطأ الإسلام في أن عُنِي بأمر المرأة، ورفع من شأنها حتى جعلها لا تسافر إلا مع الحرس والمحافظين عليها؟!

    من هذا كله تنتج نتيجة لازمة، وهي أنَّ الإسلام قد جاء للمرأة بأحسن نظام تسمو إليه، وسنَّ لها أقوم سُنَّة تطمع فيها، وإنها لو اتبعت ذلك النظام واستنت هذه السُّنَّة، لبلغت أقصى ما تطلبه وتطمع فيه من الرقي والكمال.

    ولنُلخِّص في كلمات قليلة حكم الإسلام في المرأة وحريتها، فنقول:

    لا فرق بين المرأة والرجل في الحرية، وكلاهما مأمور بمكارم الأخلاق، منهي عن مساوئها، محظور عليه أنْ يتعرض لمظان الشبه؛ فالمرأة لا تخلو بالأجنبي، ولا تسافر وحدها، ولا تتبرج تبرج الجاهلية الأولى، ولها بعد ذلك أنْ تفعل ما تشاء في غير إثم ولا لغو. لها أنْ تطرح النقاب وترفع الحجاب، وتتمتع بلذات الحياة كما يتمتع الرجل، وليس عليها إلا أنْ تقوم بما أخذت به من الواجب لنفسها وزوجها والنوع الإنساني كافة.

    هذا هو حكم الإسلام في المرأة، وهو رأينا الذي لا نحيد عنه، ولا نعدل به رأيًا آخر.

  • حق الخطأ (٢)

    حق الخطأ (٢)

    طه حسين

    جريدة الجمهورية

    ١٠ يوليو ١٩٥٥

    أملى الدكتور طه حسين هذا المقال القيِّم وهو في باريس، وكانت محاكمة الشيخ بخيت لم تنته بعد … والجمهورية تنشر هذا المقال اليوم حرصًا على إرضاء القُرَّاء وعُشَّاق طه حسين بخاصة، وفيما يلي المقال:

    إذا أسرف مسلم على نفسه واقترف إثمًا من الآثام التي يمقتها الله، ويحذر منها عباده المؤمنين، ويوعدهم بالعقاب الشديد والعذاب الأليم إن تورطوا فيها، فأمر هذا المسلم لا يخلو من إحدى اثنتين: إما أن يكون قد اقترف خطيئة تؤذي غيره من الناس، وتضيع بعض حقوقهم، وإما أن يكون قد اقترف خطيئة لا تؤذي أحدًا غيره، ولا تمس إلا الصلة الدينية الخالصة بينه وبين الله الذي يعلم سره وجهره، ويراقب ضميره، حين يفكر أو يشعر، وشخصه حين يحسن في العمل أو يسيء.

    فإذا كانت الأولى، فولي الأمر وحده هو المكلف أن يحاكم هذا المسلم، وأن يعاقبه على إيذائه للناس وإضاعته لحقوقهم كلها أو بعضها، وأن يقتص منه للذين آذاهم أو أصابهم ببعض ما يكرهون.

    وولي الأمر هو القائم بالحكم بين الناس، وهو مكلف أن يقيم الحدود، وأن ينصف المظلوم من الظالم، وأن يكون الضعيف عنده قويًّا حتى يظفر بحقه كاملًا، وأن يكون القوي عنده ضعيفًا حتى يُؤدِّي ما عليه من الحق كاملًا.

    وولي الأمر ينهض بهذا العبء بنفسه إن استطاع، وبوساطة القضاة الذين ينيبهم عنه في النهوض بهذا العبء حين لا يستطيع، وأداء هذا الواجب لا يعفي الخاطئ من حساب آخر أشد وأقسى وأعظم عسرًا من حساب ولي الأمر أو القاضي؛ وهو حساب الله له يوم القيامة، وعقابه له على ما قدَّم بين يديه من السيئات، والله مع ذلك يفتح لهذا الجاني أبوابًا واسعة من الأمل في عفوه ومغفرته ورحمته إن تاب وأصلح وكفَّ عن مقارفة السيئات.

    فعقاب السارق والقاتل والغاصب والمعتدي على حقوق الناس بوجه عام، عقاب هؤلاء في الدنيا لا يعفيهم من حساب الله لهم في الآخرة، والله — عز وجل — يعاقبهم بعد هذا الحساب إن شاء، ويعفو عنهم إن شاء، ويبدل سيئاتهم حسنات إن شاء. بهذا كله ينبئنا الله — عز وجل — في كتابه العزيز، وفي آيات كريمة منه كثيرًا ما أظن أني محتاج إلى إثباتها في هذا الحديث؛ لأنها تتلى على المسلمين حين يصبحون وحين يمسون، والخطأ في اقتراف هذه الآثام التي تمس حقوق الناس لا يعفي الخاطئ من التبعات في الدنيا، وإن خفف عنه ثقل هذه التبعات تخفيفًا عظيمًا.

    فمن قتل خطأ وجب على الحاكم أن يأخذه بخطئه، ويلزمه تعويض أولياء الدم عما أصابهم من جنايته، وذلك بأداء الدية إليهم، ولكن لا يجوز للحاكم أن يقتص منه ويقتله بمن قتل خطأ. فأما فيما بينه وبين الله؛ فإن الله يعفو عن الخطأ؛ لقوله — عز وجل: ( وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا )، والله قد أنبأنا بأنه قد يعفو عن الخاطئ المتعمد إن تاب وآمن وعمل صالحًا؛ فقد يبدل الله سيئاته حسنات.

    والله يقول في سورة الفرقان: ( وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) ضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ).

    وإن كانت الثانية ولم يجن الخاطئ المتورط في الإثم والكبيرة على أحد غيره من الناس، وإنما جنى على نفسه وحدها فضيع حقًّا من حقوق الله التي لا تمس حقوق الناس من قريب أو من بعيد، فأمره إلى الله وحده، وحسابه على الله وحده، وليس لأحد من الناس كائنًا من يكون أن يحاسبه أو يعاقبه، وإنما يجب على المسلمين، وعلى حكامهم وعلمائهم خاصة، أن يأمروه بالمعروف، وينهوه عن المنكر، ويدعوه إلى الخير، ويحذروه من الشر. وقد يستطيع الحاكم أن يعذره باللوم أو ببعض العقاب الذي لا يتلف نفسه ولا يضيع حقه.

    أما ما بينه وبين الله، فلسنا نعلم من أمره إلا ما أنبأنا الله به في القرآن من أنه أعد للذين يقترفون الكبائر عذابًا أليمًا، ومن أنه غفور رحيم يعفو إن شاء عن مقترف الكبيرة، إن تاب وأصلح، والله — عز وجل — يقول لنبيه ﷺ: ( وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ).

    ويقول: ( إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُولَٰئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ).

    ويجب أن تفهم الجهالة في الآيتين بمعناها العربي القديم الذي جاء في القرآن غير مرة؛ وهو التسرع عن غير روية ولا تفكر ولا أناة، فهي هنا نقيض الحلم لا نقيض العلم، كما قال الفرزدق:

    أحلامنا تزن الجبال رزانة وتخالنا جِنًّا إذا ما نجهل

    وكقول عمرو بن كلثوم:

    ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا

    فتارك الصلاة وتارك الصوم وتارك الحج، حين يجد إليه سبيلًا، من الخاطئين الذين أعد الله لهم عذابًا أليمًا، وأعد لهم الرحمة والمغفرة والعفو إن تابوا من قريب وأصلحوا.

    هذه كلها أوليات مفهومة من الدين بالضرورة، كما يقول الأزهريون، ومفهومة من الدين بنص القرآن الذي لا يقبل تأويلًا ولا تبديلًا.

    فما عسى أن يكون موقف ذلك الأستاذ الأزهري الذي قال مقالته تلك في الصوم، فأغضب الشيوخ، وأثار هذه القصة التي يظهر أنها لم تنقض بعد. إنه لم ينكر أن الصوم ركن من أركان الإسلام، ولم يُبح للناس أن يفطروا إن شاءوا بغير قيد ولا شرط، وإنما فهم نصًّا من نصوص القرآن الكريم فهمًا لا يقره عليه الشيوخ، وأعلن رأيه للناس. قرأ قول الله — عز وجل: ( وَعَلَى الَّذِين يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ )، وفهم من هذه الآية ما فهمه بعض المفسرين القدماء، ومنهم الزمخشري مثلًا، من أن الذين يجدون المشقة في الصوم يستطيعون أن يفطروا، وأن يفتدوا من ذلك بإطعام مسكين، وقرأ آيات في القرآن وفهمها على غير ما يقرأ الشيوخ: قرأ قول الله — عز وجل: ( يُرِيدُ اللهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا )، وقوله: ( يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ )، وقوله: ( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ )، ورأى النبي ﷺ يقول فيما روى البخاري: «إنما بعثتم ميسرين لا معسرين.» ويقول فيما روى البخاري أيضًا: «ألا إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق؛ فإن المنبت لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى.»

    قرأ هذا كله وقرأ نصوصًا كثيرة أخرى غيره، واعتقد أن الإسلام لا يأخذ الإنسان بالمشقة ولا بالعنف، وإنما يأخذه باللين والرفق؛ لأن الإنسان خُلق ضعيفًا. وقد علم الله المسلمين أن يسألوه ألا يحمل عليهم إصرًا كما حمل على الذين من قبلهم، وألا يكلفهم ما لا طاقة لهم به. ورأى كثيرًا من المسلمين يظهرون الصوم إن لقوا الناس أو لقوا بعض الناس، ويفطرون حين يخلون إلى أنفسهم وإلى أمثالهم من الذين يقول الله فيهم: ( يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ وَهُوَ مَعَهُمْ )، فأشار على هؤلاء بأن يفطروا إن وجدوا المشقة في الصوم، وبأن يفتدوا من هذا الإفطار بإطعام مسكين، واعتقد فيما بينه وبين نفسه، وفيما بينه وبين الله، أنه بهذه المشورة ينصح للإسلام والمسلمين؛ فينهى الناس عن النفاق، ويحثهم على الصدقة.

    والله ليس في حاجة إلى صيام الصائمين، والمساكين من الناس في حاجة أشد الحاجة إلى أن يطعمهم القادرون على إطعامهم مؤثرين للصدقة، أو مفتدين بها من الصوم.

    كذلك رأى هذا الأستاذ. ولست أقول: إنه أصاب، ولست أقول: إنه أحسن فيما صنع، ولكني أقول: إنه لم يتعمد خروجًا من الدين، ولا مخالفة عن أمر الله، ولا انحرافًا عن نصوص القرآن وما صح من الحديث، فأقصى وأقسى ما يمكن أن يقال في شأنه أنه اجتهد فأخطأ. وليس على من اجتهد حرج في أن يخطئ، وما أكثر المجتهدين الذين أخطئوا فلم يقضِ عليهم أحدٌ بالكفر، ولم يُتَّهموا بالخروج من الدين، ولم يحاول أحد أن يحاكمهم أو يعاقبهم، أو يطلب إلى القضاء أن يفرق بينهم وبين أزواجهم، وليس لأحد أن يتهمهم بشيء من ذلك أو يقدمهم إلى القضاء في شيء من ذلك، أو يحاول التفريق بينهم وبين أزواجهم لشيء من ذلك. فكل شيء من هذا القبيل اعتداء على حق المسلم في أن يجتهد في رأيه، وينصح لله والناس ما استطاع إلى ذلك سبيلًا.

    ولا ينبغي أن يقال: إن ذلك الأستاذ لم يبلغ منزلة الاجتهاد؛ فمنزلة الاجتهاد هذه شيء غامض غير محدد، ولا واضح الإعلام، ولم يستطع أحد من شيوخنا في الأزهر أن يحدد لنا منزلة الاجتهاد هذه، ولا أن يبين لنا متى يبلغها الناس ومتى يقصرون عن بلوغها، ولكن المسلم الذي يقرأ كتاب الله ويفهمه كما يستطيع الناس أن يفهموه، ويقرأ حديث النبي ﷺ ويفهمه كما يستطيع الناس أن يفهموه أيضًا، ثم يشارك فيما اتفق الناس على أن يسموه علوم الدين؛ سيأخذ بحظ من الفقه وأصوله، ومن الكلام ومذاهب الناس فيه، ويشهد له بهذا كله الأزهر الشريف الذي يعطيه إجازة مكتوبة معتمدة من الدولة تشهد بأنه عالم من علماء الدين.

    هذا المسلم ليس عليه بأس إن حاول الاجتهاد مخلصًا في اجتهاده، ناصحًا فيه للإسلام والمسلمين. وذلك الأستاذ قد ظفر بتلك الإجازة كما ظفر بها حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر وزملاؤه من أعضاء هيئة كبار العلماء، وزملاؤهم من علماء الأزهر الشريف جميعًا. وإذا كان شيوخنا الأجلاء يأبون على أنفسهم الاجتهاد ويكتفون بتقليد واحد من الأئمة الأربعة؛ خوفًا من الزلل، وإشفاقًا من الخطأ، وإيثارًا للعافية؛ فذلك حقهم لا ينازعهم فيه أحد، ولكنه لا يبيح لهم أن يأخذوا الناس بأن يكونوا مقلدين مثلهم، هم أحرار في التقليد، وغيرهم حرٌّ في الاجتهاد، والله غالب على أمرهم جميعًا. سيسأل المقلدين عن تقليدهم، وسيسأل المجتهدين عن اجتهادهم، وسيجزي كلًّا منهم بعمله جزاء لا يشك في عدله إلا الجاحدون.

    وإذن ففيم كل هذه الضجة؟ وفيم كل هذا الجدال؟ رجل اجتهد ومن حقه أن يجتهد، فإن يكن أصاب فأجره على الله، وإن يكن أخطأ فحسابه على الله وليس لأحد من الناس، لا من رجال الحكم ولا من رجال الأزهر أن يحاسبه على ذلك أو يعاقبه؛ لأنه لم يعتدِ على حق من حقوق الناس: لم يسفك دمًا حرامًا، ولم يأخذ مالًا حرامًا، ولم يؤذ أحدًا في شيء تعاقب القوانين على إيذاء الناس فيه.

    كل ما يمكن أن يقال هو أنه أخطأ في حكم من أحكام الدين؛ فمن حق العلماء أن يُبيِّنوا له خطأه، وأن يدلوه على الصواب، ويدعوه إلى أن يثوب إليه. فأما أن يحاكموه أو يعاقبوه أو يؤدبوه أو يقدموه إلى القضاء ليفرق بينه وبين أهله؛ فذلك شيء لا يبيحه لهم الإسلام، وهم إن فعلوه يعطون أنفسهم حقًّا لم يعطه الله لهم، فهم يتجاوزون حدودهم، ويظلمون هذا الأستاذ، وينتحلون لأنفسهم ما لا يملكون.

    ولست أدري إلامَ انتهت إليه هذه القصة الآن، ولست أعلم حين أملي هذا الحديث أُبرِّيءَ هذا الأستاذ أم أدين، ولكن الشيء الذي أقطع به هو أن محاكمته من أجل رأيه في الصوم إسراف وانحراف عن أصول الإسلام وسنته السمحة، ولا بد من أن يعود علماء الإسلام في الأزهر إلى قصد السبيل بعد أن جار بهم السلطان عنه، واستحب فريق منهم هذا الجور في وقت من الأوقات؛ فليس لعلماء الإسلام حق في أن يحاكموا مسلمًا أو يعاقبوه لأنه اجتهد رأيه فأخطأ أو أصاب؛ ذلك أن الإسلام لا يعرف الإكليروس، ولا يعرف هذه السلطة الدينية العليا التي يستأثر بها فريق من رجال الدين فيحكمون بإيمان هذا الرجل وكفر ذاك.

    وقد عاش المسلمون قرونًا قبل أن يوجد الأزهر الشريف فلم يعرفوا هيئة تحاكم الناس على الاجتهاد في الرأي، وهم قد كرهوا من الخليفة المهدي تتبعه للزنادقة، وإسرافه في هذا التتبع، وأخذه بعض الناس بالشبهة، وقتله بالظنة، وهم كرهوا كذلك إسراف المأمون حين أراد أن يحمل الناس على الإيمان بخلق القرآن، وحين امتحن بذلك جماعة من أخيار المسلمين.

    والأزهر نفسه قد عاش قرونًا لم يكن يملك فيها أن يحاكم أو يعاقب على الرأي، وإنما كان يملك أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويدعو إلى الخير كما أمر الله في كتابه العزيز، ولم يتح هذا الحق للأزهر إلا في آخر الزمان، وفي هذا القرن الذي نعيش فيه حين أنشئت هيئة كبار العلماء، وأعطيت ما أعطيت من الحقوق، وكان إعطاؤها الحق في محاكمة الناس ومعاقبتهم على الرأي بدعة لم يعرفها الإسلام من قبل.

    وكان من الحق على الأزهر أن يذكر، وأن يذكر الحكومة التي أعطت هيئة كبار العلماء تلك الحقوق أن في ذلك بدعة، وأن شر الأمور محدثاتها، وأن كل بدعة ضلالة، وأن كل ضلالة في النار، كما كان ابن مسعود — رحمه الله — يتحدث إلى تلاميذه في الكوفة. وقد اختلف أئمة المسلمين في أمور كثيرة: اختلفوا في الفقه، واختلفوا في الكلام، واختلفوا في السياسة، وشنع بعضهم على بعض، وأسرف بعضهم على بعض في التشنيع، ولكن أحدًا منهم لم يقدم إلى المحاكمة، ولم يفرض عليه عقاب شديد أو يسير.

    ونحن نقرأ من تشنيع بعض العلماء على بعض طرائف لا تحصى، ونقرأ في كتب ابن حزم مثلًا أن الأشعري كان قد أهدر دمه حين رأى هذا الرأي أو ذاك في الكلام، وأن أصحاب أبي حنيفة قد أهدروا نصوص القرآن وتكلفوا على النبي ما لم يقل من الحديث حين رأوا هذا الرأي أو ذاك في الفقه، ولكن هذا كله لم يعدُ أن يكون كلامًا يقال، فأما أن يحاكم فقيه أو متكلم على رأي له في الفقه أو الكلام، وأن يكون الذين يحاكمونه من الفقهاء أو المتكلمين؛ فذلك شيء لا يعرفه المسلمون إلا منذ أنشئت في مصر هيئة كبار العلماء.

    وأغرب ما في هذه القصة أن صاحب تلك المقالة في الصوم لم يبتكر شيئًا ولم يقل جديدًا، وإنما سبقه علماء من المسلمين إلى مثل هذا الرأي، وقد أشرت في أول هذا الحديث إلى أنه لم يبتكر تفسير آية الصوم التي اعتمد عليها في رأيه ذاك، وإنما سبق إليه مفسرون قدماء ذكرت منهم الزمخشري.

    وقد سبقه إلى رأيه من الفقهاء القدماء الذين لا يكفرهم الأزهريون جماعة، أذكر منهم ابن حزم، ولست أعرف أن الزمخشري حوكم على تفسيره لهذه الآية الكريمة، ولا أن ابن حزم قد حوكم على إباحة الإفطار والفدية لمن وجد المشقة في الصوم، ولكن آفة الأزهريين المعاصرين أنهم يقرءون كتبًا بعينها قد فرضتها عليهم ظروف الأزهر في بعض العصور، ولا يكادون يقرءون غيرها من الكتب التي كتبها علماء الإسلام في العصور الأولى وفي البلاد الإسلامية المختلفة. وهم من أجل ذلك يحصرون العلم والدين في حدود ضيقة جدًّا هي حدود الكتب التي يقرءونها، والعلم أوسع جدًّا من هذه الكتب، والدين أوسع جدًّا وأسمح جدًّا مما يراه الأزهريون.

    ولولا أني أحب الأزهر حبًّا متأصلًا في نفسي، وأرفق بالأزهريين كما أرفق بالصديق الحميم؛ لقلت أكثر من هذا، ولكني على كل حال أتمنى مخلصًا للأزهريين، ولعلمائهم خاصة، أن يقرءوا القرآن نفسه، وأن يقرءوا الحديث في نصه أكثر مما يقرءون كتب الفقه وكتب المفسرين المتأخرين.

    ولست أعرف شيئًا يعلم المسلم سماحة الرأي، وسماحة الخُلق، وأخذ الأمور بالرفق واللين، والحكم على الأشياء في غير تكلف ولا تعقيد كالإمعان في قراءة القرآن الكريم، والحديث الشريف، والاقتصاد في الرجوع إلى المفسرين والشراح، بحيث لا يرجع إليهم إلا عند الضرورة القصوى.

    أما بعد، فأظن أني قد بلغت بهذا الحديث ما حاولت من إثبات أن من حق ذلك الشيخ الذي قال مقالته تلك في الصوم أن يجتهد، وأن يخطئ، وأن ليس لأحد من الناس، وإن كانوا شيوخ الأزهر، وعلى رأسهم صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر، أن يحاكمه أو يعاقبه على شيء من ذلك، وأن لهم أن يجادلوه بالتي هي أحسن، وأن يأمروه بالمعروف، وينهوه عن المنكر، ويدعوه إلى الخير، لا يتجاوزون ذلك إلى أكثر منه؛ لأنهم لا يملكون أن يتجاوزوا ذلك.

    أما ما كتبه الأزهريون الذين حاولوا أن يردوا على الحديث الذي نشرته الجمهورية لي قبل سفري من مصر، فليس لي رد عليه إلا قول الله — عز وجل: ( خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ )، وقوله: ( وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا ).

  • حق الخطأ (١)

    حق الخطأ (١)

    طه حسين

    جريدة الجمهورية

    ٦ يونيو ١٩٥٥

    وكذلك تمر الأعوام في أثر الأعوام في أثر الأعوام، وتمضي الأجيال تتابعها الأجيال، وتتغير الحياة، وتتبدل الظروف، وتنتقل الأمة الإسلامية من طور إلى طور وأزهرنا الشريف — أصلحه الله — ثابت في موقفه ذلك القديم، لا يزول عنه ولا يحول. وقد كنت أظن أن قصة الأستاذ الشيخ علي عبد الرازق قد مضت وانقضت، وعفَّى آثارها كرُّ الغداة ومرُّ العشي، وأصبحت حديثًا للتاريخ يذكرها الأزهريون فيضيقون بها، ويأسون لها، ويحمدون الله على أن عهدها قد انقضى منذ زمان، وعلى أنهم قد تطوروا وأدركهم من الخير والرشد ما يعصمهم من العودة إلى أمثالها. وأعترف كذلك بأني أحسست منذ أيام غبطة لم أحس مثلها من قبلُ حين قرأت في الجمهورية أن جماعة من علمائنا الأزهريين قد اجتمعوا وأنكروا ما أذيع من أمر التحقيق مع ذلك الأستاذ الأزهري، الذي كتب في أمر الصوم ما لم يرضَ عنه الشيوخ.

    أحسست غبطة أي غبطة؛ لأني قدرت أن اجتماع هؤلاء النفر من علمائنا الأزهريين، وغضبهم للحق، وإنكارهم لمعاتبة الناس على الرأي، إن دل على شيء فإنما يدل على أن الأزهر قد استيقظ من نومه ذاك العميق، وخرج من تقليده ذاك العتيق، وأصبح يحب أن توضع الأمور في مواضعها، ويكره الإسراف على الناس فيما لا يجوز الإسراف عليهم فيه.

    فهذا الأستاذ الذي قال في صوم رمضان بما لا يرضاه الشيوخ بين اثنتين: إما أن يكون قد قال الحق، فليس لأحد عليه سبيل، وإما أن يكون قد أخطأ وحاد عن القصد، فليس لأحد عليه سبيل أيضًا، إلا أن يرد عليه خطأه، ويبين له وجه الصواب، وينصح للناس بألا يتبعوه، فأما ما فوق ذلك فلا ينبغي لأحد أن يطمع فيه؛ ذلك أن الله لم يعصم الناس من الخطأ، ولم يأخذهم به حين يتورطون فيه، وإنما قال في كتابه العزيز: ( وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَـٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ).

    والله وحده هو الذي يعلم ما تتعمد القلوب؛ لأنه عليم بذات الصدور، ولأنه رقيب على ضمائر الناس وما يضطرب في نفوسهم من الخواطر، وما يجول في رءوسهم من الآراء، وما يثور في قلوبهم من العواطف والميول والأهواء، وهو وحده الذي يملك مثوبة الناس وعقوبتهم على ذات نفوسهم؛ لأنه وحده الذي يحيط بها، ولا تخفى عليه منها خافية، فأما نحن فموكلون بما ظهر لنا من أمر الناس لا نتجاوزه إلى ما وراءه، فإن فعلنا فقد أسرفنا على أنفسنا وعلى الناس.

    والله قد علَّم المسلمين في القرآن الكريم أن يسألوه ألا يؤاخذهم إن نسوا أو أخطئوا، والنبي ﷺ يُنبئُنا في الحديث الصحيح بأن الله قد تجاوز للمسلمين عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه، والله — عز وجل — يقول لعباده الذين أسرفوا على أنفسهم: ( لَا تَقْنَطُوا مِن رَّ‌حْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ‌ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ).

    بهذا كله يؤدبنا القرآن، ورجال الدين أجدر الناس بأن يتأدبوا بأدب القرآن: فيحلوا ما أحل الله، ويحرموا ما حرَّم الله، والله لا يحل لهم العقاب على الخطأ، ولا يبيح لهم أن يحاكموا الناس إذا رأوا غير رأيهم، أو ذهبوا غير مذهبهم في مسألة من مسائل الدين.

    وكان النبي ﷺ يقول: «من قال: لا إله إلا الله؛ فقد عصم مني نفسه ودمه إلا بحقهما.» ولم نعلم أن ذلك الأستاذ الذي قال مقالته تلك في صوم رمضان قد شك في دينه، أو عدل عن قول لا إله إلا الله، أو جهر بكفر تعمده قلبه، وإنما رأى رأيًا فنشره؛ لأنه رأى في نشره نصحًا للناس، ورفقًا بهم. وقد دعينا إلى أن ننصح للناس، ونرفق بهم، وأنبأنا رسول الله ﷺ، فيما روى البخاري، بأننا بعثنا ميسرين لا معسرين، وأنبأنا الله بأنه يريد بنا اليسر ولا يريد بنا العسر، وأنبأنا بأنه لم يجعل علينا في الدين من حرج.

    فما هذه المحنة التي يُمتحن بها هذا الأستاذ لا لشيء إلا لأنه أراد الخير فأخطأ سبيله؟! ولمن يكون النصح أو بمن يكون الرفق إذا لم يكن لمثل هذا الأستاذ؟!

    كنت أفهم أن يصدر عن شيوخ الأزهر رد رفيق على هذا الأستاذ يبين مواضع الخطأ فيما قال، ويبين له الصواب الذي يجب عليه أن يثوب إليه، وينصح للناس ألا يأخذوا بما جاء في مقاله من رأي.

    وكنت أفهم كذلك أن يدعو صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر هذا الأستاذ إليه، فيسمع منه ويناقشه، ويبين له مواضع الخطأ في رأيه، ويدله على الصواب، ويأمره بالمعروف، وينهاه عن المنكر، ويرغبه في الخير، ويحذره من الشر. هذا كله حق للأستاذ الأكبر، وحق عليه؛ لأن المسلمين وعلماءهم خاصة مكلفون أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر. فأما التحقيق والمحاكمة والعقاب، فأمور أخشى أشد الخشية أن تكون مُخالِفةً لما ينبغي للمسلمين من النصح والموعظة الحسنة، والإرشاد إلى الخير. والله قد أمر نبيه أن يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، ويجادل بالتي هي أحسن.

    وإذا كانت هذه هي السبيل التي أمر الله نبيه أن يسلكها حين يدعو إلى الإسلام، وحين يجادل عنه؛ فأجدر بشيوخ الأزهر أن يسلكوا نفس هذه السبيل حين يريدون أن يردوا واحدًا منهم عن خطأ يرون أنه تورط فيه، وكان يقال: إن من اجتهد فأصاب كان له أجران؛ فإن اجتهد فأخطأ كان له أجر واحد. بذلك تحدَّث المسلمون قرونًا طوالًا، وإلى ذلك اطمأنوا قرونًا طوالًا أيضًا؛ فما بال شيوخ الأزهر يخرجون عن هذه السنة، وينحرفون عن هذه الطريق، ويقيمون أنفسهم مقام القضاة لا مقام الواعظين المرشدين، ويريدون على أن يعاقبوا على شيء لم يأذن الله للناس أن يعاقبوا عليه. وأعظم من هذا خطرًا، وأشد منه نكرًا، ما عمد إليه فريق من الشيوخ، فيما نشرت الصحف، من رفع قضية على هذا الأستاذ؛ ليُثبتوا عليه الردة أمام القضاء، وليُنكِّلوا به تنكيلًا فيفرقوا بينه وبين أهله، ويرتبوا على حكم الردة هذا ما يترتب عليه من الآثار الغلاظ.

    أين نحن؟ وفي أي عصر نعيش؟ وإلى أي محنة، بل إلى أي فتنة يريد هؤلاء السادة أن يدفعونا؟ ولمصلحة مَن يكون هذا الشر العظيم؟ وبأي حق يستبيح مسلم لنفسه أن يُكفِّر مسلمًا يشهد ألا إله إلا الله، ومحمدًا رسول الله؟!

    أجدٌّ هذا الكلام أم هزلٌ؟ ومتى أبيح الهزل في دين الله؟! أحق هذا الكلام أم خيال؟ ومتى جاز للمسلمين أن يتعلقوا بالخيال في أمور الدين؟!

    وكيف يرى صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر بوادر هذا الشر العظيم، ثم لا يكف عنه الشيوخ؟

    وهل يرى فضيلته أن الوقت الذي يعيش فيه، والظروف التي تحيط بحياتنا الداخلية والخارجية تلائم هذا النحو من إثارة الفتنة، والإيغال في الشر، وإفساد رأي المسلمين في المسلمين، وإغراء بعض المسلمين ببعض! وكيد بعضهم لبعض لا لشيء إلا لأن أستاذًا من أساتذة الأزهر أعلن رأيًا في صوم رمضان فأخطأ في إعلانه طريق الصواب.

    ليصدقني حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر أن هذه القصة كلها شرٌّ لا ينبغي الإيغال فيه، وعبثٌ أُجِلُّ الأزهر أن يُقدِم عليه في أيام الجد هذه التي نمر بها.

    كان مثل هذا الشر ممكنًا، بل كان مُيسَّرًا في عصور مضتْ كان الأزهريون يُدفعون إلى الشر فيها دفعًا، ولم أنسَ بعدُ أن قصة الأستاذ علي عبد الرازق ما كانت لتحدث لو لم يقسم صاحب القصر برأس أبيه ليُحاكمنَّ صاحب كتاب «الإسلام وأصول الحكم»، وليُخرجنَّه من زمرة العلماء، وليَعزلنَّه من مناصب القضاء.

    تلك أيام قد مضت بما كان فيها من خير وشر، ومن عرف ونكر، وما ينبغي أن تتصل ولا أن تعود؛ فقد كف عن الأزهر سلطان القصر، بل كف سلطان القصر عن المصريين جميعًا، وانقضى بذلك عصر الفتنة التي كانت تصيب الناس في أنفسهم، وفي دينهم، وفي رزقهم، وفي سمعتهم. كل ذلك قد انقضى، ويجب ألا يعود. وهذه الثورة لم تكن لاهية؛ حيث قامت لتقضي على الفساد والشر، وتَعصِم الناس من التورط فيهما، وتقيم الصلة بين المصريين على الحب والمودة، وعلى البر والمعروف، لا على الكيد، ولا على المكر، ولا على الدسيسة، ولا على الإغراء.

    من حق الإنسان أن يخطئ، وويل لأمة يعاقب الناس فيها على الخطأ. تلك أمة لا تعرف الحرية ولا تُقدِّرها، ولا تقيم أمرها على القصد والاعتدال، وإنما تقيمه على الفتنة والغرور. وأي فتنة أشد من معاقبة الناس على أنهم رأوا رأيًا لا يعجب الرؤساء؟ وأي غرور أعظم من ادعاء الوصول إلى أسرار الضمائر ودخائل القلوب؟ وأي شر أشد نكرًا من أخذ الناس بالشبهات وقد أُمِر المسلمون أن يدرءوا الحدود بالشبهات؟

    ما أجدر الأستاذ الأكبر أن يعدل عن هذه القضية التي لا خير فيها للأزهر ولا لمصر ولا للإسلام، وأن يدعو إليه هذا الأستاذ فيعظه وينصح له، ويرفق به، ويدعوه إلى التثبت والاحتياط قبل أن ينشر على الناس آراءه في أمور الدين.

    نعم، ما أجدر الأستاذ الأكبر أن يفعل هذا كله، وما أجدر الحكومة أن تتقدم إليه في ذلك؛ فليست مصر في حاجة إلى أن تفسد الصلات بين الناس في أمر دينهم. وحسب مصر ما تشغل به نفسها الآن من إصلاح الحياة الداخلية، ومقاومة العدوان الخارجي الذي يتكرر في كل يوم على الحدود، والاحتياط من كيد الاستعمار الذي يدبر لها هنا وهناك.

    كل ذلك جدير أن يشغل مصر عن هذه الفتن الصغيرة الخطيرة التي لا تنفع أحدًا، وتضر المصريين جميعًا، وربما تجاوز شرُّها مصرَ إلى المسلمين في أقطار أخرى من الأرض.

  • مؤتمر العلوم التاريخية

    مؤتمر العلوم التاريخية

    طه حسين

    جريدة السياسة

    ١٩ مايو ١٩٢٣

    عُدْنا إلى العملِ صباحَ الخميس ١٢ أبريل، فسمعت محاضرات كثيرة مختلفة لا أعرض لها؛ لأن الصحف السيارة لا تتسع لمثلها، ولكني أذكر محاضرة واحدة سمعتها في لجنة تاريخ الديانات؛ لأن الذي ألقاها صديق لكثير من المصريين، وهو الأستاذ «لويس ماسينيون» Louis Massignon ، ولأن هذه المحاضرة أثارت مناقشة طويلة حادَّة، ولأن موضوع هذه المحاضرة يمس الإسلام وهو «أثر التصوف في تكوين العقائد الدينية عند المسلمين».

    والحق أني لم أفهم الغرض الذي رمى إليه المُحاضِرُ، وإن كنتُ قد اشتركت في المناقشة، لم أفهم هذا الغرض؛ لأنه لم يكن بيِّنًا، ولأن أساس البحث الذي ذهب إليه المُحاضِرُ خطأ فيما اعتقد؛ فكثير من المستشرقين أمثال الأستاذ «لويس ماسينيون» على مهارتهم وحُسْن بلائهم في فهم اللغة العربية وخدمتها يخطئون فَهْمَ هذه اللغة أحيانًا ويقيمون على أغلاطهم نظريات طويلة عريضة عميقة، ولكنها ليست بذات غناء.

    لم أفهم الغرض الذي رمى إليه الأستاذ، وأحسب أن كثيرًا من الأعضاء لم يفهم هذا الغرض، ومع هذا فقد تناقشنا وتناقشنا كثيرًا، ولكن موضوع المناقشة لم يكن ما أراد الأستاذ أن يثبت من تأثير التصوف في تكوين العقائد الدينية عند المسلمين، فلم يحفل أحد من الأعضاء بهذه النظرية، وإنما كان موضوع المناقشة هو أن التصوف العربي أثر خالص من آثار العرب أو شيء للعرب فيه حظ، ولكن معظمه موروث عن الأمم الأخرى.

    أما الأستاذ «ماسينيون» فكان يعتقد أن هذا التصوف عربي خالص، أو يوشك أن يكون عربيًّا خالصًا، وإن ما يمكن أن تجد فيه من موافقة لما عند الأمم الأخرى لم يُؤخَذ عن هذه الأمم، وإنما هي المصادفة وتوارد الخواطر ووحدة النظام العقلي في التفكير مهما تختلف الأمم ومهما تختلف البيئات. فليس حتمًا إذا فكَّرَ العربيُّ كما فكَّرَ اليونانيُّ أن يكون العربيُّ قد أَخَذ عن اليونانيِّ، ولكن من المعقول جدًّا أن يكون اليونانيُّ والعربيُّ قد فكَّرَا بطريقة واحدة فاهتديا إلى نتيجة واحدة، وإذن فيجب ألا نغلو في القول بأن العرب قد أخذوا عن غيرهم هذه النظرية أو تلك.

    هنا اشتدت المناقشة، فمن الظاهر أن توارد الخواطر ممكن بل إنه واقع، بل إن هناك نظريات تشترك فيها أمم مختلفة دون أن تكون إحداها قد أخذت عن الأخرى، ولكن إمكان الشيء غير وجوده بالفعل وليس يستطيع التاريخ أن يكتفي بالإمكان والفرض؛ فذلك شيء قد يكتفي به الفلاسفة والمفكرون.

    فأما المؤرخون فيريدون الحقائق الواقعة ولا يلجأون إلى الافتراض إلا لتفسير هذه الحقائق تفسيرًا مؤقتًا حتى يُتاح لهم استكشاف الحقائق الواقعة التي تُفسِّر ما لديهم، فإذا رأينا عند العرب فكرة صوفية أو غير صوفية تُوافِق ما رَأَيْنا عند اليونان أو عند الفُرْس كان لنا أن نفترض توارُدَ الخواطر، وكان لنا أن نفترض أن العرب قد أخذوا عن اليونان أو الفرس، كان لنا أن نفترض الأمرين جميعًا، وأن نبحث عما يرجح هذا الفرض أو ذاك.

    وهنا تظهر قيمة المؤرخ وتظهر قيمة التاريخ، وليس يجب أن نجد النصَّ التاريخيَّ الذي لا يحتمل الشك على أن العرب قد أخذوا عن اليونان أو عن الفُرْس لِنَنْفِيَ توارُدَ الخواطر؛ فكثيرًا ما تَضِيع النصوص دون أن يكون ضياعها مصدرًا لضياع الحقيقة. وليست النصوص كلَّ شيء في التاريخ؛ فهناك الصلات التي تختلف قوة وضعفًا وتتفاوت متانة ووهنًا بين الأمم. وهذه الصلات إذا ثبتت ثبوتًا تاريخيًّا كافيًا أباحت للمؤرخ أن يرجح تأثير الأمم بعضها في بعض.

    وليس يجب أن يكون هذا التأثير ظاهرًا يعلمه الناس جميعًا، يعلمه من أثَّرَ ومن تَأثَّر؛ فأشد أنواع التأثير عملًا في الحياة الاجتماعية، بل في الحياة الدولية — إن صح هذا التعبير — هو ما كان خفيًّا يجهله مصدره كما يجهله قابله. فإذا ثبت أن اليونان مثلًا كانوا يرون هذا الرأي بعينه، وكان فلاسفتهم يشرحونه ويفسرونه ويدرسونه في المدارس المختلفة، وأن اليونان قد وصلوا إلى الشرق ونقلوا إليه علمهم وفلسفتهم وتركوا فيه عادات وضروبًا من التفكير ليس إلى إنكارها من سبيل، وإذا ثبت أن هذه الآراء أو هذا الرأي لا يلائم ما نعرف عن بداوة العرب ولا عن صدر الإسلام كان من الحق أن يرجح المؤرخ أن ظهور هذا الرأي أو هذه الآراء في الفلسفة العربية، أو في التصوف العربي بعد أن اختلط العرب بالأمم التي خضعت لتأثير اليونان، وبعد أن تعربت هذه الأمم فكتبت علمها وفلسفتها بالعربية بعد أن كانت تكتبهما باليونانية أثر من آثار الفلسفة اليونانية والعلم اليوناني لا نتيجة من نتائج الابتكار العربي.

    وقُلْ مِثْلَ هذا في الفقه؛ فنحن نعلم أن العرب لم يترجموا فقه الرومان ولم يدرسوه درسًا مُنَظَّمًا، ولكنَّا لا نشك في أن الفقه الإسلامي قد تأثر بالفقه الروماني قليلًا أو كثيرًا، سواء أعلم بذلك الفقهاء أم لم يعلموا؛ ذلك لأن البلاد الإسلامية قد خضعت لحكم الرومان وقوانينهم دهرًا، ولأن هذه القوانين قد دُرِّسَتْ درسًا مزهرًا في الشام والجزيرة ومصر؛ فيجب أن يترك حكم الرومان وقوانينهم ودرس هذه القوانين آثارًا قوية في حياة الشعوب التي خضعت لها وأن تتكوَّن من هذه الآثار الاجتماعية لهذه الشعوب.

    والعرب لم يهدموا كل شيء، وإنما صبغوا أكثر الأشياء التي وجدوها بالصبغة الإسلامية، فليس غريبًا، بل ليس من شك في أن كثيرًا من أحكام الفقه الروماني قد اصطبغت بالصبغة الإسلامية دون أن يشعر الفقهاء بذلك، فنحن نحسب هذه الأحكام إسلامية خالصة حين هي إسلامية رومانية.

    لا يَغْضَبِ العلماء؛ فأنا أذكر الفروع لا الأصول، ولعلهم لا ينكرون أن الفقهاء يعتبرون العرف في كثير من مسائل الفقه، وأن هذا العرف إنما تكوَّنَ من النظام اليوناني والروماني والفارسي. هذه النظم التي تعاقبت على الشام، ومصر، والجزيرة.

    وإذن فهناك تأثير خفي قد يكون أشد وأقوى من التأثير الواضح الذي تحدثه الأمم بعضها في بعض، ومن الإسراف أن نقطع بأن هذا الرأي، أو هذه النظرية أثر عربي خالص، أو أثر يوناني خالص، وإنما سبيل القصد في ذلك إذا لم توجد النصوص هو ترجيح تأثير الأمم بعضها في بعض حتى يظهر ما يبين خطأ هذا الترجيح.

    حول هذه النقطة دارت المناقشة ولم يستطع الأستاذ «ماسينيون» أن ينكر صحة هذا الاستدلال، ولكن الذي أعجبني في هذا كله أن خمسة أو ستة اشتركوا في هذه المناقشة غير الأستاذ «ماسينيون» وغيري وكان منهم الفرنسي والإنجليزي، وكانوا جميعًا يلمون بتاريخ الدين الإسلامي إلمامًا حسنًا يمكنهم من المناقشة والاستدلال ببعض النصوص، بل إن أحدهم كان يستدل بنصوص لا نستطيع نحن في مصر أن نستدل بها مع أنها نصوص إسلامية؛ لأنها نصوص فارسية، ولأن علماء الدين الإسلامي في مصر يكتفون بدرس شيء من الكتب العربية، وليس منهم من يتخصص بدرس تاريخ الدين الإسلامي عند الفرس أو عند الهنود وبقراءة ما كتب الفرس، أو ما كتب الهنود في الدين.

    وحسبك أن المئات من علماء الإسلام في مصر لا يعرفون إلا اللغة العربية، ولست أطالب العلماء بدرس اللغة الفرنسية أو الإنجليزية؛ فقد يكون ذلك واجبًا محتومًا، وإنما أطالبهم بشيء آخر أشد من هذا وجوبًا، وهو أن يدرسوا الدين الإسلامي كما ينبغي، والدين الإسلامي عربي، ولكن أممًا غير العربية قد اعتنقته ودرسته وكتبت فيه. وأؤكد للعلماء أن الدين الإسلامي قد أثر في هذه الأمم كثيرًا وتأثر بها كثيرًا.

    وإذن؟

    وإذن؛ فمن الحق على علماء الإسلام أن يدرسوا تاريخ الإسلام لا في مصر والشام وحدهما، بل فيهما وفي بلاد الإسلام الأخرى، ولو أني من علماء الإسلام ولو أن لي كلمة مسموعة بين علماء الإسلام لاقترحت وألححت في الاقتراح أن تُدرَّس اللغات الأجنبية الإسلامية في الأزهر الشريف، وأن تكون هناك فصول تتخصص في درس الفارسية وأخرى في درس التركية وأخرى في درس اللغات الإسلامية التي ليست تركية ولا فارسية. فمن المؤلم ومن المخزي أن تُدرَّس كتب الدين التي كُتِبَتْ بالفارسية أو بالتركية، أو بلغة أخرى من لغات الهند مثلًا في فرنسا وإنجلترا وألمانيا وأمريكا، وأن يجهلها علماء الإسلام في الأزهر الشريف. والأزهر الشريف يُعَدُّ هو الجامعة الإسلامية الكبرى!

    هلمُّوا أيها السادة العلماء، طالبوا بأن تُدرَّس اللغات الإسلامية في جامعتكم الإسلامية درسًا مفصلًا نافعًا، فإنكم إن لم تفعلوا أضعتم على الأزهر حقَّه في أن يكون الجامعة الإسلامية الكبرى، وليس ينبغي أن تكون مدرسة اللغات الشرقية في باريس أنفع من الأزهر الشريف.

    أليست المطالبة بهذا والإلحاح فيه أوفق بعلماء الدين وأجدى عليهم وعلى الدين من مطالبة من كان يطالب بأن تكون المعاهد الدينية فوق الدستور؟

    أما مساء الخميس فقد كان لذيذًا، قضينا شطرًا منه نستمتع بلذة الموسيقى، وقضينا الشطر الآخر في بيت وزير المعارف. اجتمعنا الساعة الثانية في كنيسة أثرية كبرى في بروكسل هي كنيسة «سانت جودول» وكنا قد دُعِينا إلى هذا الاجتماع لا للصلاة ولا للتقديس، ولكن للدرس والتاريخ في لذة ومنفعة.

    هنا خطبنا قسيسٌ فلم يتحدث إلينا في دين المسيح، ولم يُفسِّر لنا إصحاحًا من الإنجيل أو آية من التوراة، وإنما تحدَّثَ إلينا في الفن وتحدَّثَ إلينا في الآثار؛ ذلك أن هذه الكنيسة قديمة بعيدة العهد بالتاريخ بُدِئَ في إنشائها في القرن الثاني عشر، واختلفت عليها أطوار الفن والعمارة إلى آخر القرن السابع عشر، فخطبنا هذا القسيسُ ساعةً وبعضَ ساعة مبيِّنًا لنا هذه الأطوار المختلفة التي مرَّتْ بها الكنيسة، مقارنًا بين هذه الكنيسة وبين ما يشبهها من كنائس فرنسا وألمانيا من الوجهة الفنية الخالصة، مناقشًا آراء بعض الفنيين والأثريين من الألمان والفرنسيين؛ لأن هذه الكنيسة لا تزال تشغل الباحثين إلى اليوم وإلى الغد.

    أعترف بأني لم أكن أفهم شيئًا كثيرًا من خطبة القسيس؛ لأني لست أثريًّا ولا فنيًّا ولا أكاد أتصوَّر فن العمارة، ولكن مع هذا كنت أُعْجَب بهذا القسيس إعجابًا شديدًا لا يعدله إلا إعجابي بقسيس آخر خَطَبَنا في المؤتمر خطبة ليس بينها وبين الدين صلة؛ لأنها كانت تتناول نسخة قديمة يختلف العلماء في تحديد العصر الذي نُسِخَتْ فيه، فيرى بعضهم أنها نُسِخَتْ في القرن العاشر وبعضهم قبل ذلك وبعضهم بعد ذلك، ويحكم القسيس بين هؤلاء العلماء المختلفين.

    كنت إذن أُعْجَبُ بهذين القسيسَيْن، ولعل مصدر إعجابي بهما لا يخفى على السادة العلماء، وأنا أعتذر إلى السادة العلماء، فلست أريد أن أغضبهم وما أبغي بهذا الحديث إلا الخير لهم ولنا؛ ذلك لأن علماءنا لا يستبدون بملك أنفسهم، فلنا عليهم بعض الحقوق؛ لأننا نريد أن يكون علماء الدين فينا أئمةً وفخرًا في وقت واحد.

    ويؤلمني جدًّا أن أقارن بينهم وبين رجال الدين في أوربا؛ لأن هذه المقارنة لا تسرهم ولا ترضيهم كما أنها لا تسرنا ولا ترضينا، وكما أنها تدل على أن الفرق عظيم جدًّا بين علماء الدين اليوم وبينهم منذ قرون.

    هذا قسيس قد درس دينه فأتقنه وهو يؤدي واجبه الديني، وأؤكد لك أن الواجب الديني الذي يؤديه القسيس أشق وأعسر وأشد استغراقًا للوقت من الواجب الديني الذي يؤديه العالم المسلم؛ لأن الإسلام دين هين لين سهل لا كلفة فيه ولا تعقيد، وحسبك أن صلاة المسلم تستغرق دقائق، وأن صلاة القسيس المسيحي لا تُقاس بالدقائق، وحسبك أن العالم الديني عندنا إذا صلى وأدى واجباته الدينية الشخصية، وألقى درسه أو درسيه فهو حُرٌّ، وأن القسيس ليس له من الحرية مثل هذا المقدار العظيم.

    ومع ذلك، فالقسس في أوروبا لا يكتفون بدرس الدين وأداء واجباتهم الدينية، وإنما كثير منهم رجال دين ورجال علم، وكثير منهم رجال دين ورجال فن، وكثير منهم يستطيع أن يناهض العلماء والفنيين الذين اختصوا بالعلم والفن فينهضهم ويتفوق عليهم. وهذان القسيسان اللذان ذكرتهما قد اختص أحدهما بفن العمارة واختص الآخر بعلم من علوم التاريخ.

    وأؤكد لك أن لجنة من لجان المؤتمر لم تكن تخلو من قسيس، وأن اللجنة التي كنت فيها كان يرأسها قسيس، وأنه أَظْهَرَ عنايةً شديدةً بصبح الأعشى، وما يشتمل عليه صبح الأعشى. وأؤكد لك شيئًا آخر، وهو أن الفلاسفة إذا ائتمروا فسيشترك معهم القسيسون، وأن علماء الكيمياء إذا ائتمروا فسيشترك معهم، وقُلْ مِثْلَ ذلك في الأطباء، وقُلْ مِثْلَ ذلك في علماء الحياة، وقُلْ مِثْلَ ذلك في علماء الرياضة. وما لي أذهب بعيدًا وفي مصر مدارس اليسوعيين ومدارس الفرير، وفي فرنسا جامعات تقوم على رجال الدين، ويدرس فيها أبناء الأرستقراطية المحافظة، فإذا تقدموا إلى الامتحانات العامة في الجامعات الحكومية لم يكونوا أقل نجاحًا من غيرهم، وربما كانوا أكثر منهم فوزًا؟!

    فأحب الآن أن تُحَدِّثني عن علمائنا في مصر. مع من يستطيعون أن يأتمروا؟ أمع المؤرخين وهم يجهلون جهلًا تامًّا تاريخ أوروبا وأمريكا، بل تاريخ الشرق، بل تاريخ اليونان والرومان، وأستحيي أن أذكر تاريخ الإسلام؟!

    أمع الجغرافيين أم مع الرياضيين أم مع علماء الحياة؟

    سينعقد في مصر مؤتمر جغرافي بعد سنتين، فهل يشترك فيه علماء الدين؟ ذلك لأني لقيت في بروكسل أسقفًا فرنسيًّا سألني عن جمعيتنا الجغرافية الملكية، وعلمت منه أنه سيشترك في مؤتمرنا الجغرافي، وثق بأنه لن يكون الوحيد من رجال الدين المسيحي في هذا المؤتمر.

    أليس يحسن؟! أليس يجب على علماء الإسلام في مصر أن يبذلوا ما يملكون من جهد وقوة ليكونوا كغيرهم من رجال الدين؟! ليكون منهم المؤرخ والجغرافي وعالم الكيمياء وعالم الطبيعة والفلكي (وإنما أريد الفلكي الحديث)، كما أريد إذا ذكرت المشتغل بالطبيعة من لا يكتفي بدرسها في إشارات ابن سينا.

    أيشعر علماء الدين عندنا بهذا البون الذي يباعد بينهم وبين علماء الدين في أوروبا؟ أيشعرون بأنهم يُحْسِنون إلى أنفسهم إن أزالوا هذا البُعد ويحسنون إلى أمتهم أيضًا؛ لأنها تستطيع يومئذ أن تعتز بهم حقًّا، وأن تأتمَّ بهم حقًّا في دينها ودنياها؟

    سمعنا خطبة القسيس، ثم سمعنا بعدها ضروبًا من الموسيقى الدينية القديمة التي أَحْدَثُها يرجع إلى القرن الخامس عشر، وأشهد إني أُعْجِبْتُ بهذه الموسيقى وأشهد إني طربت لهذا الغناء اللاتيني الجميل، ولكني لا أطالب بأن أسمع موسيقى أو غناء في مساجدنا، فأنا أعلم أن مساجدنا إنما أُنْشِئَتْ لذكر الله، ولذكر الله في سذاجة وسهولة. لا أطلب ذلك ولا أفكر فيه، وحسبي أن التذكر في المسجد بترتيل القرآن الكريم، وإنما أطالب بشيء وألح فيه الإلحاح كله، أطالب بأن يكون من بين علمائنا مَنْ يستطيع أن يُحدِّثنا عن تاريخ الأزهر الشريف، وجامع قلاوون، وجامع برقوق، من الوجهة الفنية كما استطاع قسيس بروكسل أن يحدثنا عن كنيسة «سانت جودول».

    سمعنا الموسيقى وطربنا لها، ثم أردنا أن ننصرف فإذا إكليل من الزهر ضخم بديع قد وُضِع ناحية في الكنيسة، وإذا قوم من جماعة المؤرخين قد تقدَّمُوا فحملوه، ومضوا فتبعهم المؤتمرون في وقار وإجلال، وما هي إلا دقائق حتى وصلنا إلى قبر الجندي المجهول، فإذا هذا الإكليل يُمثِّل تحية مؤتمر العلوم التاريخية لأبناء بلجيكا الذين قضوا في الدفاع عن وطنهم.

    أما ليلتنا عند وزير المعارف فلا أحدثك عنها إلا بشيء واحد، وهو أن جميع المؤتمرين كانوا في قصر الوزير، وكان معهم سفراؤهم أو وزراؤهم المفوضون إلا مصر، فلم يكن لها سفير ولم يكن لها وزير مفوض، ولم يكن لحكومتها مندوب، وإنما كان هناك طربوش حائر بين هذه الجماعات! ولولا أن وزير المعارف كان قد أُنْبِئَ بمكان هذا الطربوش لما شعر به أحد، ولكن الوزير أقبل ومعه رئيس مكتبه؛ فحيَّاني تحية حسنة، ودعاني مندوب مصر فلم أصلح خطأه.

    ثم لقيت أثناء السهرة مؤرخًا شابًّا بولونيًّا تعرَّفَ إليَّ لأن زوجه تعرَّفَتْ إلى زوجي ودعاها إلى هذا التعرُّفِ الطربوشُ، وكان هذا العالم البولوني الشاب مندوبَ عصبة الأمم في مؤتمر العلوم التاريخية؛ لأن عصبة الأمم قد مثلت نفسها في مؤتمر العلوم التاريخية. وكيف لا تفعل، وقد أنشأت لجنة علمية سمتها لجنة التعاون العلمي؟!

    صافَحَني هذا الشابُّ، وقال: «هناك مسألة تُحيِّرني، ولعلَّك تُجِيبني عليها. ما بال مصر لم تُمثَّل في عصبة الأمم؟! ومتى تطلب هذا التمثيل هنا؟»

    أعترف أيها القارئ بأني قد كذبت ولم يكن مصدر الكذب إلا الحياء؛ ذلك لأني أجبتُ سائلِي على الفور: «ستطلب مصرُ الانضمامَ إلى عصبة الأمم في هذه السنة!» قال صاحبي: إذن فسيُرَدُّ طلبها قبل انعقاد الجمعية العمومية؟ قلتُ: أعتقد ذلك.

    فهل لرئيس الوزراء أن يعفيني من خزي هذه الكذبة التي لم يضطرني إليها إلا تقصير حكومتنا وتفريطها في الاستمتاع بما لنا من حق؟

  • المروق

    المروق
    طه حسين
    جريدة الجريدة
    ٢٨ يونيو ١٩١٠

    أيسر شيء على بعض النَّاس في هذا البلد أنْ يُرمى الرَّجُلُ بالإلحاد في دينه، والمروق من إيمانه، إنْ أَنْكَرَ بدْعَة معروفة أو جحد خُرافة مألوفة، كأنَّما مَفَاتِيح الجِنَان في يدِ فُلانٍ يُدْخِل فيها من يشاء ويذود عنها من يشاء.

    كذلك من الميسور إباحة المحظور، والتماس الحيلة في كل مستغلق من الأمر، كأنما الدِّينُ إطار مَرِن يستطيع أن يُحيط بكل شيء حتى المتناقضات.

    كل هذا يسير لا بأس به ولا بدع فيه، وإنما القصد في الدين والاعتدال في الإباحة والخطر؛ هما الأمران اللذان قد بلغا من العُسر أقصاه، ومن الحرج مُنتهاه حتى ضاق بهما التأويل، ولم يسعهما النص والدليل، فاللهم هيئ لنا من أمرنا رشدًا.

    ليس الإيمان مِلْكًا لأحدٍ مِنَ النَّاسِ إنْ شَاءَ وَهبني إيَّاهُ، وإنْ شَاءَ استرده مني، وإنما هو سبيل واضحة إلى رضى الله، قد مهدت للناس كافة يسلكها منهم القاصدون ويصدف عنها الجائرون؛ فمن يهدي الله فما له من مُضل ومن يُضلل الله فما له من هادٍ.

    لا يعرف الإسلام لأحدٍ من الناس حق السيطرة على العقيدة والهيمنة على القلوب، وإنَّما ذلك حق الله وحده يستطيع أنْ يجزي الناس بما يُضمرون من خير وشرٍّ، فيُثيب المُحسن ويُعاقب المسيء. (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (البقرة: ٢٥٦).

    الدين الذي ينطق بهذه الآية الكريمة لا ينبغي أنْ يُرْغَمَ عليه الناسُ إرغامًا، وأن يُذادوا عنه كارهين، كما أنَّه لا يَصِحُّ أن يحال بينهم وبينه بأسوار من الوهم والخُرافات، بل يجبُ أنْ يَظَلَّ كعهده أيام النبي لا زيغ فيه ولا عوج، فما بال فريق من أولئك الذين سُدَّت عليهم مَصَادِرُ الحيلة في هذه الحياة وأعياهم طلب الرزق قد رَكبوا رِقَابَ النَّاسِ باسم الدِّين، واستلانوا كواهلهم أكثر مما استلان شيطان الأساطير كاهل السندباد البحري في أقاصيص ألف ليلة وليلة. ما بالهم يصرفون الناس إلى كل منكر، ويوقعونهم في كل محظور ويفتحون في وجوههم من أبواب الحيلة والرياء في الدين شيئًا كثيرًا.

    بُعدًا لذلك اليوم الذي يُصبِح فيه الدين مَصدرًا للنضار وحبالة للدينار وأُلعوبة في يد الماكرين.

    ماذا يقول القُرَّاء لو علموا أنَّ الذي بعثني على أنْ أكتُب هذه الكلمة إنَّما هي قضية شَرْعِيَّة ذات شأن؛ ما أظن مُسلمًا يسمعها إلا ويذوب قلبه أسفًا، ويتقطع حسرة ولهفًا على هذا الدين الذي أصبح على الناس هينًا يسيرًا.

    كرهت فلانة زوجها وأظلمت في عينها سُبُل الحيلة للنجاة من عِشرته؛ فلجأت إلى تُجَّار الدين تسألهم مَذْهبًا في أمرها فباعوا دين الله بثمن بخس دراهم معدودة، وكانوا فيه من الزَّاهدين.

    أغروها بالردة فمرقت من دينها وبقيت على مُروقها ليالٍ وأيامًا، ثم عادت إلى الإسلام، واتخذت لها قرينًا آخر لم يلبث بعد حين أن خاصمها إلى القاضي الشرعي؛ لأنَّها قد نشزت عن طاعته وخرجت عليه.

    وما هي إلا أن سمع القاضي دعوى القرين ودعوى القرينة، ثم أصدر حكمه بفسخ العقد الأول؛ لأنَّ الرِّدَّة فسخٌ في الحال لا يحتاج إلى القضاء.

    قضية مُدهشة وقضاءٌ غريب ليس بينه وبين الدعوى سبب ولا اتصال.

    أي سبب بين نشوز المرأة عن طاعة زوجها، وبين عقد قد كان لها مع زوج قديم، يا لله وللإسلام تُؤمر المرأة بالمروق من دينها لتنجو من قرينها، ويقضي القاضي بحكم بينه وبين الدعوى بُعد ما بين السماء والأرض.

    أتى اليوم الذي يجهد فيه المرسلون من أبناء النَّصرانية أنفسهم ليُدخلوا الناس في دينهم راضين أو رَاغمين، يعمل رجال الإسلام لإخراج المُسلمين من دينهم طوعًا مرة وكرهًا أخرى.

    أتى اليوم الذي تكثر فيه المطاعن على هذا الدين الحنيف، ينهض قضاتنا الشرعيون لتأييد تلك المطاعن بالأدلة والبراهين. كلا إنَّ الإسلام لبريء مما يعملون.

    اتضح أمر القضية لنظارة الحقَّانية؛ فحاسبت القاضي حسابًا يسيرًا، وجعلت حساب الوكيلين المُحتالين إلى مجلس تأديب من قُضاة كلية الجيزة؛ فليثأر هؤلاء القضاة لدين الله، وليعلموا أنَّ مِثل هذه الحادثة هي التي تظهر فيها الكفاءة الحقيقية، وليعدلوا إنَّا لعدلهم مُنتظرون.