إقبال – شاعر فرض نفسه على الدنيا والزمان
طه حسين
؟؟؟
؟؟؟؟
شاعران إسلاميان رفعا مجد الآداب الإسلامية إلى الذروة، وفرضا هذا المجد الأدبي الإسلامي على الزمان؛ أحدهما: إقبال شاعر الهند والباكستان، وثانيهما: أبو العلاء شاعر العرب.
شاعران يتقاربان كأشد ما يكون التقارب، ثم يتباعدان كأعظم ما يكون التباعد. كلاهما شاعر أولًا وكلاهما فيلسوف وكلاهما أخضع الفلسفة للشعر، وأخضع الشعر للفلسفة. وما أصعب التوفيق بين هذيْن الفنَّيْنِ الخطيريْن! وكلاهما تصوَّفَ حتى بلغ الغاية من التصوُّفِ، وكلاهما — بعد ذلك — خرج على التصوف التقليدي المعروف، واتخذ لنفسه سبيلًا خاصًّا في التصوف لا يكاد يشاركه فيه أحد غيره. وكلاهما أثبت شخصيته كأقوى ما يكون إثبات الشخصية، ودعا الإنسانَ إلى أن يعرف نفسه حقَّ معرفتها، وإلى أن يفرضَ نفسه على الدنيا، ويفرضها على الزمان، ولا يفنيها في أحد غيره مهما يكن. ولكنهما بعد ذلك يختلفان ويفترقان أشد الافتراق، أحدهما — وهو أبو العلاء — كان في أيامه ينظر إلى الهند ويطيل النظر إليها والأخذ عنها والتأثر بها، حتى التزم في حياته حياة المتنسكين من البراهمة.
والآخر — وهو إقبال — كان ينظر إلى العرب ويشيد بهم، ويُثني عليهم، ويتخذَهم المثل الأعلى للإنسانية الجديرة بالوجود والحياة والبقاء.
كلاهما آمن بشخصيته، ودعا الناس إلى أن يؤمنوا بأنفسهم. ولكن أحدهما — وهو أبو العلاء — آمن بشخصيته إيمانًا انتهى به إلى اليأس والسلب، وانتهى به إلى اعتزال الناس، وإن أحبهم كما لم يحبهم أحد قبله.
والآخر آمن بنفسه والتمس مَثَلَهُ عند العرب ولم يلتمسه قريبًا منه في الهند. ثم لم يعتزل وإنما كره العُزلة. ولم يرفض الحياة وطيِّباتها، وإنما أخذ منها بحظٍّ معقولٍ. ولم يلغِ غرائزه كما فعل أبو العلاء، وإنما دبَّر وسيطر وحكَّمَ عقله فيها.
وكذلك يتفق هذان الرجلان العظيمان أعظم الاتفاق وأقواه. ثم يختلفان أبعد الاختلاف وأنهاه.
كان أبو العلاء لا يزدري الناس كما ازدراهم إلا لفكرةٍ واحدةٍ. كان يزدريهم أشد الازدراء؛ لأنهم يفنون أنفسهم في السادة، ويفنون أنفسهم في الرؤساء، ويستعبدون أنفسهم للملوك والأمراء. وكان حريصًا أشد الحرص على أن يشعر الناس بأنهم يجب أن يكونوا أكرم على أنفسهم من هذا، ويجب أن يتوحدوا كما توحد ربهم:
توحَّدْ فإنَّ اللهَ ربَّكَ واحدٌولا ترغبْن في عِشْرَة الرُّؤساء
كان أبو العلاء إذن يريد أن يشعر الناس بأنفسهم، ويعرفوا حقهم، ويفرضوا شخصيَّتهم على الدنيا، وأن يرفعوا أنفسهم عن الخضوع والفناء. وكان يعيب الأمراء ويعيب الملوك ويراهم ظَلمةً مجرمين:
مُلَّ المُقامُ فكم أُعاشِرُ أُمَّةًأمرَتْ بغير صلاحها أُمراؤها!ظلموا الرعيَّة واستجازوا كيدهاوعدَوْا مصالحَها وهم أُجراؤها
ولكن هذا كله لم يهون على أبي العلاء أن يحيا مع الناس كما كانوا يحيون. رأى أن الحياة الاجتماعية في عصره لا تستقيم له إلا إذا أنكر نفسه وأصبح خادمًا كغيره من هؤلاء الخدم الكثيرين الذين كانوا يسودون ويذلون في الوقت نفسه للملوك والرؤساء، فنفى نفسه من الأرض ولزم داره وأقام فيها لا يخرج منها خمسين عامًا أو نحو خمسين عامًا.
أمَّا إقبال فإنه آمن بشخصيته أشد الإيمان كما آمن بها أبو العلاء، ولكنه لم يكتفِ بأن يؤمن بنفسه، ثم يكتفي بهذا الإيمان قانعًا بنفسه زاهدًا في إحياء هذه الشخصية في الناس جميعًا. وإنما كان إيجابيًّا؛ كان حريصًا أشد الحرص على أن يؤمن بنفسه، وأن يحمل الناس على أن يؤمنوا به. أن يؤمن بشخصيته ويحمل الناس، لا في الباكستان والهند وحدهما، ولا في العالم الإسلامي وحده؛ بل في العالم الإنساني كله. كان حريصًا على أن تكون حياة الإنسان قائمةً على إيمان الفرد بنفسه، وعلى أن يفرض الفرد نفسه على الحياة، لا أن يخضعَ لها، ويفنى في هذا المظهر أو ذاك من مظاهرها. وكان في الوقت نفسه منطقيًّا مع هذا الرأي الفلسفي الخطير. كان اجتماعيًّا كأشد ما يكون الإنسان إخلاصًا للجماعة، وإن أفنى حياته كلها مرشدًا مُعلمًا ناصحًا داعيًا للعالم الإسلامي وللإنسان إلى أن يكرم على نفسه ليكرم على الناس وليكرم على الحياة. ولكنه في الوقت نفسه كان يرى أن هذه الحياة التي يخلص الإنسان فيها للإنسان، وينصح الإنسان فيها للإنسان، ويعين الإنسان فيها الإنسان، لا تستقيم ولا تصلح ولا تُؤتي ثمرتها إلا إذا انفصل الإنسان عن الإنسان وآمن بأن له وجوده الفردي الخاص. وبأن هذا الخير الذي يذيعه في الناس والذي يريد أن يملأ به الأرض يجب أن يصدر عنه هو من حيث إنه فردٌ مستقلٌّ كائنٌ خاص ممتاز عن غيره، يريد الخير ويصدره عن نفسه مريدًا عامدًا لا كما يصدر الضوء عن السراج دون أن تكون للسراج فيه إرادة، بل كما يصدر الضوء والنور عن الله؛ لأن الله يريد أن يملأ الأرض وأن يملأ العالم ضوءًا ونورًا.
والذي كان يريده إقبالٌ للفرد كان يريد مثله للجماعات، حين يتاح لها أن تأتلف وأن توحد بينها هذه المقومات التي تكون منها أمة مشتركة المنافع مشتركة الآمال والغايات والآلام والحاجات.
وهو من أجلها لم يدعُ إلى شيء كما دعا إلى أن يكون المسلمون في هذه القارة التي نسميها قارة الهند، لم يكن يدعو إلى شيءٍ كما كان يدعو إلى أن يمتاز المسلمون ما دامت بينهم هذه الخصائص التي تجمع، ولهم هذه الآمال وهذه الآلام وهذه الغايات العليا التي يشتركون فيها جميعًا وتخالط قلوبهم وضمائرهم جميعًا. فيجب أن يمتازوا وأن يكون لهم وجودهم السياسي والاجتماعي الخاص وأن يصدروا فيما يكون بينهم وبين غيرهم من أهل الهند، وفيما يكون بينهم وبين غيرهم من الناس جميعًا، عن إرادة للخير وإرادة للنصح وإرادة للتعاون والتضامن في ترقية الحضارة ونفع الإنسان، والخروج به من هذه الحياة الشريرة المظلمة التي يحياها إلى حياةٍ أخرى خير منها.
كان إذن حريصًا على أن يتوحد الفرد في وجوده، وعلى أن تتوحد الأمة في وجودها. وعلى أن يكون هذا التوحيد وسيلةً إلى التضامن الذي يصدر عن الإرادة ولا يصدر عن الغريزة، يصدر عن القلب وعن العقل وعن التفكير، بحيث يكون الإنسان — كما قال أرسطاطاليس — حيوانًا اجتماعيًّا، ولكن حيوانًا اجتماعيًّا في إرادته، وعن رأيه وعقله، لا بغريزته كما تكون النحل أو كما تكون النمل. فالإنسان هو خير ما في هذه الأرض من الكائنات التي أتيحت لها الحياة، فيجب أن يمتاز في الأرض ويجب أن يمتاز أفراده، وأن تمتاز أممه، وأن يتحقق بين الناس هذا الامتياز الذي يتيح لكل فرد منها استقلاله، وهذا التضامن الذي يتيح لهم جميعًا أن يتعاونوا على البر والتقوى وألا يتعاونوا على الإثم والعدوان.
ومن أجل هذا، ومن أجل حرص إقبال على هذه الشخصية، وعلى أن يحرص الإنسان أشد الحرص على أن يتوحد كما توحد الله، وعلى أن يمتاز كما امتاز الله، وعلى أن يسود الأرض التي سخرها الله له، ويُخضع الطبيعة التي سخرها الله له؛ من أجل هذا كله ظن بعض الأوروبيين الذين قرءوا فلسفة إقبالٍ وشعره عندما ترجمه نيكلسون إلى الإنجليزية، ظنوا أنه متأثر بنتشه، ومتأثر بنتشه في مذهبه في الإنسان الممتاز أو «السوبر مان». ولكن إقبالًا نفسه رد على هؤلاء الناس فقال أنه عندما جهر بمذاهبه هذه لم يكن يعرف نتشه، ولم يكن يعرف أن في الأرض إنسانًا يُسمَّى بهذا الاسم، وأنه إنما عرف الغرب وفلاسفة الغرب بأخرة بعد أن أنشأ فلسفته وآدابه، وبعد أن تقدم بهذه الفلسفة وبهذا الأدب شوطًا بعيدًا.
ومهما يكن من شيء، فهذان الشاعران العظيمان لم يعرف الإسلام مثلهما قبل أبي العلاء، ونرجو أن يعرف الإسلام مثلهما بعد إقبال. ولكن الشيء الذي ليس فيه شك هو أن الإسلام لم يعرف مثل هذين الشاعرين لا قبل أبي العلاء ولا بين أبي العلاء وبين إقبال.
احتاج المسلمون إلى نحو عشرة قرونٍ ليوجد بينهم ثانٍ لأبي العلاء. ولكن إقبالًا كان أحسن حظًّا من صاحبه؛ فهو قد عاش في عصرٍ غير العصر الذي عاش فيه صاحبه. عاش أبو العلاء في عصرٍ كان المسلمون قد أخذوا يضعفون وينحطون فيه. وأخذ العنصر الأعجمي والعنصر التركي بنوعٍ خاص يتسلط فيه على المسلمين. وأخذت أوروبا تتحفز لغزو الشرق في غزواتها الصليبية المعروفة، فكان ساخطًا على الحياة مهيبًا بالمسلمين أن يغيروا من أمر أنفسهم ليُغيِّر اللهُ من أمرهم.
وعاش إقبالٌ في عصرٍ آخر، عصرٍ كان المسلمون فيه، كما نراهم الآن، متفرقين ومن حقهم أن يأتلفوا، ضعافًا ومن حقهم أن يقووا، وفي الوقت نفسه فيهم استعداد وتحفز للنهضة والقوة والحياة والتضامن. ولكنَّ لهم أعداء خطيرين يدبرون لهم الكيد ويضمرون لهم المكروه، وهم هؤلاء المستعمرون في الغرب. فالعصران يتشابهان من جهة ويختلفان أشد الاختلاف من جهةٍ أخرى. فلم يعرف أبو العلاء هذا العلم الكثير الذي أتيح لإقبالٍ أن يعرفه. ولم يعرف هذه الفلسفة الكثيرة التي أتيح لإقبالٍ أن يعرفها. ولم يعرف هذه الحضارة المادية الهائلة التي استطاع إقبالٌ أن يعرفها، وأن يقبل منها أقلها ويرفض أكثرها.
ودعوة الرجلين واحدة: كلاهما يدعو العالم الإسلامي أولًا والإنسان ثانيًا إلى أن يعرف نفسه وحقه ويفرضهما فرضًا. ولا يفنى في أحدٍ مهما يكن، ولا يفنى حتى في الله نفسه.
وأشد ما ينكره إقبالٌ، وأشد ما ينكره أبو العلاء على المتصوفة فكرة الفناء هذه. فأبو العلاء ناقش المتصوفة أشد المناقشة، ولم يكره من مذهبهم شيئًا كما كره منهم هذا الفناء في الذات الإلهية الذي يقولون به. كما كره منهم العبث بعقول الناس. وإقبالٌ متصوفٌ متقشفٌ مدركٌ للفلسفةِ العليا وللمثل العليا في أروع صورها وأجملها. ولكنه لا يريد مطلقًا أن يفنى في هذا النور الإلهي الخطير العظيم؛ بل إنما يجب أن يحتفظ بشخصيته وأن ينظر إلى هذا النور ويطالعه ويخاطب ربه خطاب العالِم به المريد أن يخاطبه وأن يسمع منه، لا لأن يفنى فيه وينكر وجوده وينكر نفسه ويصبح ضائعًا في هذه القوة الإلهية العليا. لا يريد أن يضيع، ولا يريد لأحدٍ من الناس أن يضيع، ولا يريد للإنسان أن يفنى في الإنسان، ولا أن يفنى في الله. إنما يريد للإنسان أن يعين الإنسان، وأن يتضامن معه على الخير، وأن يعبد الله عالمًا به مكبرًا له، ولكن معترفًا بنفسه ومؤمنًا بها. ذلك لأن الله عندما أمر الناس بعبادته لم يأمرهم بأن يفنوا أنفسهم فيه، وإنما أمرهم بأن يعيشوا أحرارًا مؤمنين بشخصيتهم مستقلين. ولولا هذا لما كلفهم هذه التكاليف التي فرضها عليهم؛ فإن الله لم يكن ليكلف نفسًا أن يصلي ويصوم ويؤدي الزكاة ويحج … إلى آخر هذه التكاليف التي فرضها على الإنسان. فنفس هذه التكاليف التي فُرضت على الإنسان إنما فُرضت عليه ليكون فردًا مستقلًّا، مستقلًّا ثابتًا أمام ربه، يعبده عن إرادة لهذه العبادة، ويذعن له عن إرادة لهذا الإذعان.
والغريب أن الرجلين اشتركا أيضًا في هذا التفكير المتصل بالملأ الأعلى. وكلاهما فكر في هذه المعجزة التي جاءت في القرآن، وهي معجزة الإسراء. فكر في هذا كلاهما، وحاول كلاهما أن يسري كما أسري بالنبي.
فأبو العلاء فكر في الجنة وفكر في النار وحرص على أن يسيح في الجنة والنار، وأن يكون متفرجًا، وأن يتحدث إلى الناس عن الجنة والنار، وعما يكون في الجنة والنار؛ فألَّف «رسالة الغفران».
وصاحبنا الذي نذكره اليوم مكبرين له مجلين له أبى هو أيضًا إلا أن يعرج في السماء كما عرج محمد ﷺ.
ولكن كلا الرجلين عرجا إلى السماء في خيالهما. وإقبال يزور السموات ويتخذ له من هذه الزيارة دليلًا من المتصوفة هو جلال الدين الرومي، فيزور القمر ويزور المريخ ويزور كواكب كثيرة. صاحبه هذا يدله كما كان «دانتي» في القرون الوسطى يطوف بالجنة والنار والأعراف ومعه الشاعر اللاتيني القديم «فرجيل» يهديه في هذا التطواف. كذلك فعل إقبال، وأكبر الظن أنه لم يعرف دانتي إلا في العصر الأخير من حياته.
مهما يكن من شيءٍ فقد طوف إقبال في السموات كما طوف فيها أبو العلاء. ولكن النتيجة لهاتين الزيارتيْن متناقضة عند الرجليْن أعظم التناقض. فأما أبو العلاء فعاد من زيارته للجنان والنار ساخرًا منكرًا يوشك أن يخرج على الدين. وأما إقبال فعاد من زيارته مؤمنًا متعظًا معتبرًا يريد أن يملأ الدنيا موعظةً وعبرةً بعد هذه الزيارة إلى هذه السموات.
أفنى الأستاذ الصديق عبد الوهاب عزام وقتًا كبيرًا وبذل جهدًا عظيمًا وقدم إلينا حياة إقبال وطائفة من شعر إقبالٍ. وهو ماضٍ في ترجمة ما بقي من شعره. فنحن مدينون له بكل ما نعرفه عن إقبالٍ باللغة العربية، وسيزداد هذا الديْنُ شيئًا فشيئًا كلما أضاف إلى تراجمه التي بين أيدينا ترجمةً أخرى. وأحب أن نكون أوفياء وأن نكون كرامًا على أنفسنا. وأول حقوق الكرامة هو أن نعرف الحق لأهله، وأن نذكر إقبال أداءً لما له علينا جميعًا من ديْنٍ. فهو الذي دعانا إلى الخير وأشاع فينا هذا الأمر بأن نعرف أنفسنا وحقوقنا ونجاهد في سبيل الحق والخير والجمال.
وإذا ذكرنا إقبالًا وأكبرناه وتمنينا أن تنفعَ كلماته هذه الخالدة، وأن يصبح المسلمون جميعًا متأثرين بهذه المذاهب العليا، إذا ذكرنا اليوم إقبالًا وأكبرناه، فأظن من أيسر الحق علينا أن نذكر ونشكر الأستاذ عبد الوهاب عزام؛ فهو الذي كان صلةً بيننا وبين إقبالٍ.
Tag: Islamic philosophy
-
إخوان الصفا – مقدمة تاريخية تحليلية
إخوان الصفا – مقدمة تاريخية تحليلية
طه حسين
جريدة السياسة الأسبوعية
٢٤ نوفمبر ١٩٢٨
١
لم يعرف المسلمون عصرًا كالقرن الرابع للهجرة، تناقضت فيه حياتهم العامة أشد التناقض، فكانت سيئة أشد السوء مجدبة أقبح الإجداب من ناحية، وكانت حسنة قيمة خصبة منتجة من ناحية أخرى، فسدت فيه حياتهم السياسية فسادًا ظاهرًا، فانحل سلطان الخلافة في بغداد، وأصبح أمر الخلفاء إلى المسيطرين عليهم من رجال القصر ونسائه يعبثون بهم، ويحتكمون فيهم، ويكلفونهم صروف الذلة والهوان، واضطربت الدولة كلها فاستقلت عنها الأطراف البعيدة استقلالًا تامًّا، وطمحت الأقاليم القريبة إلى شيء من الاستقلال الداخلي، يختلف قوة وضعفًا باختلاف ما لهذه الأقاليم من حظٍّ في حياتها الاقتصادية والاجتماعية، وباختلاف من ينجم فيها من الزعماء وأصحاب المطامع، بحيث أصبح العالم الإسلامي في هذا العصر ميدانًا للتنافس وازدحام الأهواء والشهوات والاستباق إلى مظاهر الفوضى والاضطراب. وصلحت فيه من ناحية أخرى حياتهم العقلية صلاحًا لم يعرفوا له مثيلًا من قبل، فأزهر الشعر والنثر، ونضج العلم والفلسفة، وتمت علوم اللغة وفنونها، ونهض التاريخ والجغرافيا، بحيث إنك تنظر إلى هاتين الناحيتين من نواحي الحياة الإسلامية في هذا العصر، فلا تكاد تستريح إلى أنهما تمثلان أمة واحدة، هي الأمة الإسلامية متأثرة بحضارة واحدة هي الحضارة الإسلامية، وخاضعة لسلطان واحد هو سلطان الإسلام.
ذلك أنَّ هذه الأمة لم تكن في حقيقة الأمر أمة واحدة، وإنما كانت أممًا مختلفة أشد الاختلاف، متباينة أشد التباين، جمعها الإسلام تحت لواء واحد في أمد قصير من الدهر، وحاول أنْ يمزجها، ويلغي ما بينها من الفروق فَوفِّق إلى ذلك أحيانًا، ولم يوفَّق إليه أحيانًا أخرى.
وبينما كان يُخيَّل إلى من ينظر إلى الأمة الإسلامية إبان قوة الأمويين أو العباسيين، أنْ ستكون من كل هذه الشعوب وحدة قوية، قد مونتها وحدة اللغة والدين والنظام، كانت هناك مؤثرات أخرى تحول بين وحدة الدين واللغة والنظام، وبين نتائجها الطبيعية المنتظرة، وكان أهم هذه المؤثرات بعض الجنسيات القوية، التي لم يستطع النظام الجديد أنْ يهضمها، ولا أنْ يمحوها، بل لم يستطع أنْ يغير طموحها إلى الحياة القوية، ويضعف ميلها إلى الاستقلال والسلطان.
فقد أسلم الفرس جميعًا، وتعلَّم كثير منهم العربية أو استعربوا، ولكن الأمة الفارسية في جملتها ظلت فارسية، إنْ لم تحتفظ بدينها القديم، فقد احتفظت بلغتها وأدبها وعاداتها، وكثير من نظمها الاجتماعية، بل هي لم تكتفِ بهذا، وإنما جدت في إخضاع الغالبين إلى حد ما لما احتفظت به من لغة فإعادة ونظام، ثم اتصلت بالسياسة العربية الإسلامية، وأثرت فيها أشد التأثير، وانتهزت فرصة الخلاف بين الأمويين والهاشميين، فانحازت إلى هؤلاء الآخرين ومنحتهم القوة، وأجلست زعماءهم على عرش الخلافة، ثم أحاطت بهذا العرش تذود عنه وتحميه، وتحتكره في حقيقة الأمر، وتستأثر به وتقصي عنه العرب شيئًا فشيئًا، وما هي إلا أنْ يمضي القرن الثاني وينتصف القرن الثالث حتى تنقطع الصلة، أو تكاد تنقطع بين هذا العرش وبين الأمة العربية، وإذا العرب قد ارتدوا إلى أوطانهم الأولى، وإذا الخلفاء قد أصبحوا أسرى للعناصر الأجنبية المغلوبة في الدولة، وإذا هذه العناصر قد أخذت ترفع رءوسها، وتمد أيديها إلى السلطان فتأخذ منه — كما قدمنا — بحظوظ مختلفة من القوة والبأس ومن السيادة والاستقلال.
وكانت الأمة الفارسية أسبق الأمم إلى اقتطاع حظها من هذا السلطان، وكانت أعظمها منه حظًّا وأوفرها منه نصيبًا، ولا سيما في هذا القرن الرابع للهجرة.
٢
ولكن هذه الحركة العنيفة التي بعثها الإسلام في العالم القديم كله، أنتجت ما لم يكن بد من إنتاجه، فقد اختلطت كل هذه الأمم، وائتلفت كل هذه الشعوب، وعرف بعضها بعضًا، وأحب أنْ يتزيد من هذه المعرفة، فانكشفت للعرب نفوس الفرس والروم والساميين والقبط والبربر والإسبانيين، وانكشفت لهؤلاء جميعًا نفوس العرب، وكانت بينهم إلى هذه الصلات السياسية، التي أحدثها الفتح والدين صلات عقلية أشبه شيء بما حدث في العالم القديم، حين أغار الإسكندر على الشرق، وحين بسطت روما سلطانها على الشرق والغرب معًا.
أصبحت اللغة العربية لغة رسمية لهذه الشعوب، تترجم ما بينهم من صلات سياسية ودينية، وتترجم ما بينهم من صلات نفسية وعقلية، وأخذ كل شعب من هذه الشعوب يحرص على أنْ يكون له فيها أثر ظاهر، وأخذ العرب أنفسهم يحرصون على أنْ يكون في لغتهم مثال صادق لخير ما انتهت إليه حضارات هذه الشعوب وحياتها من أدب وفن ومن علم وفلسفة؛ فكانت الترجمة من الفارسية والهندية والسريانية واليونانية، وكثرت هذه الترجمة، وكثر درسها وشرحها وتفسيرها، وتأثرت بهذا كله حياة المسلمين العقلية منذ عهد بعيد، فظهرت آثارها في فلسفتهم وكلامهم وعلومهم وآدابهم.
ولكن هذا كله لم يسغه العقل الإسلامي الجديد، ولم يحسن هضمه إلا بعد أنْ انقضى القرن الثالث، وأظل المسلمين هذا القرن الرابع. في هذا القرن والقرن الذي بعده أخذت تظهر للمسلمين حياة عقلية جديدة مصطبغة بالصبغة الإسلامية الخالصة، وأخذ يظهر في العالم الإسلامي مفكرون مسلمون لا يصطبغ تفكيرهم بصبغة الدين ولا بالصبغة الفلسفية الأجنبية، كما كان ذلك شأن المتكلمين إبان القرنين الثاني والثالث، وإنما هم مفكرون مستقلون يحاولون أنْ يصبغوا ما انتهى إلى المسلمين من آثار الأمم الأخرى صبغة إسلامية صرفة مستقلة، وكان من زعماء هؤلاء جماعة كالفارابي وابن سينا وغيرهم من الفلاسفة الذين ظهروا في هذا العصر. وكان لنضج هذه العلوم والفنون والفلسفة في نفوس المسلمين أثرها في الفن والأدب أيضًا؛ فليس شعر المتنبي وأبي العلاء كشعر البحتري وأبي تمام، أو كشعر أبي نواس ومسلم، أو كشعر الفرزدق وجرير، وليس نثر الصابي وابن العميد كنثر الجاحظ، أو كنثر ابن المقفع، أو كما يُرْوى من النثر لكُتَّاب الأمويين وخطبائهم، وإنما هذا كله شيء جديد لا هو بالبدوي أو القريب من البدوي، ولا هو بالأجنبي أو القريب من الأجنبي، وإنما هو فن عربي قوي الأسر متمكن في عربيته الجديدة أشد التمكين.
٣
من خضوع المسلمين في هذا العصر لهاتين الظاهرتين المتناقضتين؛ ظاهرة الانحطاط السياسي والرقي العقلي، بقيت لنا آثار مختلفة كثيرة، لعل أظهرها وأقواها وأشدها تشخيصًا لهذا العصر هذا الكتاب الذي أقدمه إلى القُرَّاء وهو «رسائل إخوان الصفا»؛ فهذا الكتاب يمثل أصدق تمثيل وأقواه هاتين الظاهرتين المتناقضتين، يمثل من جهة فساد الحياة السياسية الإسلامية في ذلك الوقت؛ لأن الذين كتبوه جماعة لا نكاد نعرف منهم أحدًا؛ لأنهم كانوا يعملون من وراء ستار، وكانوا يعملون لغرض سياسي قبل كل شيء. فهم كانوا خصومًا للنظام السياسي القائم في بغداد، كما لم يكونوا أنصارًا مخلصين للنظام السياسي القائم في القاهرة، لم يكونوا يرتاحون إلى خلافة العباسيين، ولم يكونوا يحبون خلافة الفاطميين، وإنما كانت لهم أغراض سياسية متطرفة مسرفة في التطرف، فهم من غلاة الشيعة ولعلهم من الإسماعيليين، والقول كثير في أغراض الإسماعيليين ووسائلهم السياسية ونفورهم من الفاطميين وبغضهم لدولة بني العباس.
كان هؤلاء الناس إذن يعملون من وراء ستار ويؤلفون جماعة سرية، وكان قوام جماعتهم هذه — فيما يظهر — سياسي وعقلي، فهم يريدون قلب النظام السياسي المسيطر على العالم الإسلامي يومئذ، وهم يتوسلون إلى ذلك بقلب النظام العقلي المسيطر على حياة المسلمين أيضًا، وهم يسلكون في ذلك مسلك جماعات سبقتهم في العالم القديم؛ أظهرها جماعة الفيثاغوريين في المستعمرات اليونانية الإيطالية، فقد كانت هذه الجماعة مبغضة للنظام السياسي اليوناني المألوف، وكانت تريد قلبه وتغييره، وكانت تتوسل إلى ذلك بوسائل أهمها تغيير النظام العقلي، وإنشاء فلسفة جديدة تكون الحياة العقلية والعلمية للفرد والجماعة تكوينًا جديدًا، يلائم بينها وبين السياسة الجديدة، ويمكِّن هذه الجماعة من السيطرة على الأمور العامة، وقد وُفقت هذه الجماعة الفيثاغورية بعض التوفيق، وحاول أفلاطون شيئًا من ذلك فوُفق من الجهة العقلية، وتخيل نظامًا سياسيًّا بسطه في كتاب الجمهورية وكتاب القوانين، وأقامه على الفلسفة الأفلاطونية كلها، كما أقام الفيثاغوريون نظامهم على الفلسفة الفيثاغورية. ولكن أفلاطون لم يوفق في الحياة العملية إلى شيء، وظلت سياسته خيالًا ليس غير، وفلاسفة اليونان جميعًا متفقون على أنَّ النظام السياسي كائنًا ما كان لا قيمة له، إذا لم يعتمد على نظام من نظم التربية يلائمه ويهيئ الأفراد والجماعات لتأييده والذود عنه. فالتربية أهم ما يعنى به أفلاطون في الجمهورية، وهي أهم ما يعنى به أرستطاليس في كتاب السياسة، وكلاهما يبين أحسن تبيين الصلة بين أنواع التربية والتعليم المختلفة، وبين ما يوجد أو يتخيل من نظم الحكم والسياسة.
فجماعتنا السرية هذه متأثرة من غير شك بما كان في العالم اليوناني من محاولات تشبه محاولتها السياسية، متأثرة بمحاولة الفيثاغوريين، متأثرة بمحاولة أفلاطون. وقد كان حظها من التوفيق كحظ الفيثاغوريين، فقد وفق الإسماعيليون إلى وجود نظام سياسي مكَّن لهم في بعض الأرض، ونشر الرعب في العالم الإسلامي حينًا.
وليس أدل على فساد الحياة السياسية من قيام هذه الجماعات السرية التي تعمل لهدمها وتقويضها جادة ملحة، فكما كانت فلسفة الفيثاغوريين والأفلاطونيين دليلًا على فساد الحياة السياسية اليونانية؛ ففلسفة إخوان الصفا دليل على فساد الحياة السياسية الإسلامية في ذلك العصر، وقد احتاط هؤلاء الناس في التستر والاستخفاء، فلم نكد نعرف منهم أحدًا — كما قلنا — وإنما سميت أسماء لا تتجاوز الخمسة، ولا تخلو أنْ يحيطها الشك، وكل ما نستطيع أنْ نعرفه من أمر هذه الجماعة أنها نشأت في البصرة في منتصف القرن الرابع، وعُرف لها فروع في بغداد، وليس عندي شك في أنَّ أبا العلاء قد اتصل بهذا الفرع البغدادي حين ارتحل إلى بغداد آخر هذا القرن، وكان يحضر اجتماعه يوم الجمعة من كل أسبوع، نرى ذلك في سقط الزند، بل نرى بعض أسماء الذين كانوا يحضرون جلسات هذا الفرع، ونكاد نعرف المكان الذي كانوا يجتمعون فيه يوم الجمعة من كل أسبوع، ونكاد نلمح في هذه الاجتماعات شيئًا من اللهو المعتدل الذي لا بدَّ منه — فيما يظهر — لتستقيم فلسفة الفلاسفة، وقد أشرت إلى شيء من ذلك في «ذكرى أبي العلاء» على أني أشد استيقانًا به الآن، وأعتقد أنا نجد في رسائل إخوان الصفا أحسن تفسير لكثير من غوامض اللزوميات.
٤
و«رسائل إخوان الصفا» هذه تمثل الحياة العقلية في ذلك العصر، كما تمثل الحياة السياسية، أو هي أقوى من تمثيلها للحياة السياسية، فهي مرآة تنعكس فيها الحياة العقلية انعكاسًا مباشرًا. ونحن نرى فيها هذه الحياة واضحة جلية، نرى أنَّ العقل الإسلامي في القرن الرابع كان قد وعى ما نُقل إليه من فلسفة اليونان، وحكمة الهند، وآداب الفرس والآداب العربية، والإسلام وغيره من الديانات السماوية وغير السماوية، وجمع ذلك كله ورتبه ولاءم بينه، وحاول أنْ يكِّون منه مزاجًا واحدًا مؤتلفًا، هو خلاصة الثقافة التي يجب على الرجل المستنير حقًّا أنْ يظفر بها ويأخذ منها بالحظ الموفور.
ونلاحظ ونحن نقرأ «رسائل إخوان الصفا» ما نلاحظ ونحن نقرأ اللزوميات ورسالة الغفران؛ من أنَّ الصلات كانت في ذلك العصر، قد كثرت واستوثقت بين المسلمين في العراق وبين الهند، فانتقلت إلى أهل العراق مذاهب الهند الفلسفية وأساطيرها الشعبية، واختلط هذا كله بمجموعة العلم المحصلة يومئذ عند المسلمين، فأثر فيه أثرًا ظاهرًا، ولعل مذهب التناسخ لم يكثر التحدث به ومحاولة شرحه وتأييده وتصويره في الصور المختلفة، كما كثر ذلك في هذا العصر.
ولسنا نقول شيئًا جديدًا حين نقول: إنَّ «رسائل إخوان الصفا» هذه أشبه شيء بدائرة معارف فلسفية علمية، جمعت كل ما لم يكن بد من تحصيله للرجل المثقف حقًّا في ذلك العصر، ولكنها جمعت ذلك كله على شيء من النظام، يمثله الفهرست الذي قدَّم بين يديها، وهذا النظام يجب أنْ ينظر إليه من وجهين، أحدهما الوجه الفلسفي الصرف، وهو من هذه الناحية متأثر بما عرف المسلمون عن فلسفة الفيثاغوريين والأفلاطونيين القدماء والمحدثين وأرستطاليس متأثر بهذا كله، فهو يقسم الكتاب إلى أجزاء أربعة، أولها في أربع عشرة رسالة في الرياضة على اختلافها، في العدد والهندسة والفلك، ثم في الفنون العملية، ثم في المنطق، وهذا الجزء فيثاغوري أفلاطوني في أوله، وهو في آخره متأثر بأرستطاليس، إذ منطقه هو منطق أرستطاليس بترتيبه وأسمائه. والجزء الثاني أرستطاليسي الصبغة، يتناول الطبيعيات كلها على النحو الذي تناولها عليه أرستطاليس، يبدأ بالهيولي والصورة والزمان والمكان والحركة، وينتقل إلى الآثار العلوية، ثم ما يزال يتدرج حتى يصل إلى المعادن، ثم إلى النبات، ثم إلى الحيوان، ثم إلى الإنسان، ويختم بعلم النفس. والجزء الثالث عشر رسائل فيما بعد الطبيعة، وهو ظاهر التأثر بهذه الضروب الثلاثة من الفلسفة اليونانية، ففيه من الفيثاغوريين، وفيه من أفلاطون، وفيه من الأفلاطونية الحديثة، وفيه من أرستطاليس، فإذا كان الجزء الرابع فهو يتناول الإلهيات وما يتصل بالديانات والشرائع والتصوف، وهو المزاج الذي التأمت فيه كل العناصر المؤثرة في الفلسفة الإسلامية، سواء منها الشرقي والغربي والفلسفي والعلمي والديني والأدبي والفني والخرافي أيضًا. وهذه الأجزاء الأربعة كلها ورسائلها التي تبلغ اثنتين وخمسين رسالة، ليست في حقيقة الأمر إلا مقدمة ومدخلًا إلى رسالة جامعة هي خلاصة العلم وغاية الغايات التي كانت تنتهي إليها الجماعة، لا ينبغي أنْ تُعرض على أحد حتى يكون قد أخذ بحظه من كل هذه الرسائل. والجماعة تشبه نفسها برجل حكيم جواد كريم له بستان فيه من كل لذة ما فيه بهجة لا تعدلها بهجة، ولكنه لا يدخل الناس في هذا البستان حتى يعرض عليهم نماذج بما فيه، فهم ينظرون إليها ويدنون منها، فيذوقون ويشمون ويلمسون حتى إذا أنسوا واطمأنوا، ثم رغبوا واشتهوا أُدخلوا في هذا البستان، وهم يشبهون رسالتهم الجامعة هذه بالدواء الذي يشفي إنْ كان الجسم متهيئًا لقبوله، ويقتل إنْ كان الجسم لم يتهيأ له. ولكن هذه الرسالة الجامعة لم تصل إلينا، ولو قد وصلت لعرفنا كنه هذه الجماعة وأغراضها ووسائلها معرفة واضحة قاطعة.
٥
درس هذه الرسائل مفيد للذين يريدون أنْ يدرسوا تاريخ الفلسفة الإسلامية؛ لأنه — كما رأيت — يمثل عصرًا من أنضر العصور الفلسفية في الإسلام. ومن يدري؛ لعل قراءة هذا الكتاب في عناية وتحقيق تكشف عن أشياء لم تظهر بعد، فهل يبعد أنْ يكون رجل كالغزالي قد تأثر إلى حد قريب أو بعيد بفلسفة هذه الجماعة، ولا سيما حين نلاحظ أنه نشأ فيلسوفًا وانتهى صوفيًّا، وأنَّ إخوان الصفا يستخلصون التصوف والغلو فيه من الفلسفة الخالصة؟ وهذا الدرس يفيد الذين يدرسون التاريخ السياسي للمسلمين، فهو يكشف لهم عن أشياء قد لا يظفرون بها في كتب التاريخ السياسي؛ لأن التاريخ السياسي قد كُتب — كما يعلم كل إنسان — متأثرًا بطائفة من المؤثرات حالت بينه وبين الإنصاف في كثير من الأحيان، وكثير من الذين كتبوا هذا التاريخ السياسي لم يكونوا ينظرون إلا إلى ظواهر الأمور وأغراض الحياة العامة؟ ومن يدري؛ لعل هذه الرسائل لو قرأها المؤرخون في عناية وتحقيق تكشف عن أسرار تاريخية لا نقدِّرها، بل لا نفترضها نحن الآن.
وهذا الدرس يفيد الذين يريدون أنْ يتثقفوا، وأنْ يأخذوا بحظ من قديمنا العربي، فالفكرة العامة الآن عند الذين ينصرون القديم ويتعصبون له أنَّ هذا القديم ينحصر أو يكاد ينحصر في الشعر والنثر، وما يتصل بهما من علوم اللغة وفنون الأدب، وهم لا يكادون يحفلون بالفلسفة والعلم؛ لأنهم يحسون في وضوح وجلاء تفوق الفلسفة الحديثة والعلم الحديث على ما كان للقدماء من فلسفة وعلم، وهم في ذلك نفعيون يتأثرون منافعهم القريبة، خاضعون لعقول هي أرقى من أذواقهم، يقدرون رقي العلم والفلسفة في هذا العصر، فيزدرون ما للعصور القديمة من علم وفلسفة، ولا يقدرون رقي الآداب لفتور أذواقهم فيحفلون الأدب القديم ويسرفون في تقديمه، ولو قد أنصفوا أنفسهم، ولو قد لاءم الله بين عقولهم وأذواقهم لقدروا الأدب القديم والعلم القديم والفلسفة القديمة كلها على سواء، وفي شيء من العدل والإنصاف، فليس أدب القدماء أشد لذة وإمتاعًا للنفوس من علم القدماء وفلسفتهم، وإذا كان علم القدماء وفلسفتهم لا يلائمان عقولنا الآن فأدب القدماء يجب ألا يلائم أذواقنا الآن، إلا أنْ يكون الله قد مسخ هذه النفوس فضمم عقولها ومحا أذواقها أو كاد.
فالذين ينشرون القديم ويتعصبون له، والذين يريدون أنْ يكونوا لأنفسهم ثقافة قديمة صالحة، والذين يريدون أنْ يعرفوا القديم على وجهه ليستطيعوا أنْ يعرفوا الحديث حق معرفته، كل هؤلاء خليقون أنْ يقرءوا الفلسفة القديمة، كما يقرءون الأدب القديم، وليس كل الناس، بل ليس كل المثقفين، يستطيع أنْ يتصرف في فلسفة الفارابي وابن سينا، وإنما هذه الفلسفة وقف على الإخصائيين؛ لأنها كُتبت للإخصائيين، في حين كُتبت رسائل إخوان الصفا لعامة المثقفين، وقصد بها إلى إيجاد الثقافة الفلسفية الصالحة، فهي أدنى إلى العقول وأيسر على النفوس، وهي مقدمة صالحة لدرس الفلاسفة الإخصائيين.
على أنَّ من الحق أنْ نلفت الناس إلى أنَّ هذه الرسائل لم تقصد بها الفلسفة من حيث هي، ولا العلم من حيث هو، وإنما أريد بها تكوين ثقافة معينة تهيئ لنحو من السياسة معين، ففيها من التأويل والدوران، وفيها من الحيل والخيال ما يحسن الالتفات إليه والاحتياط منه، وقد كان إخوان الصفا أنفسهم مخلصين، فقدَّروا ذلك ولفتوا إليه ودعوا وألحوا في الدعاء إلى ألا تعطى هذه الرسائل للناس إلا بمقدار. وقد كان ذلك ميسورًا في العصر القديم حين كان العلم لا يؤخذ إلا في المدارس وعن العلماء، وحين كان تحصيل الكتب واقتناؤها لا يأتيان إلا بعد مشقة وجهد. فأما الآن وقد وجدت المطبعة، وأصبحت الكتب تعرض نفسها على الناس، وتلح في العرض والإغراء، فنحن بين أمرين، إما أنْ نحظر نشر الكتب إلا بمقدار وبعد امتحان وفتنة واختبار وتمحيص، وإذن فهو الجهل والجمود والضعف عن اجتماع الجهود في سبيل الحياة، وإما أنْ نذيع الكتب وننشرها ولا نقيد حرية المطبعة إلا بما لا بدَّ منه لحماية الأخلاق وحياطة النظام الاجتماعي، وهذا هو الوجه وهو الطريق التي سلكتها الأمم إلى الآن، والتي نسلكها نحن راضين أو كارهين، وكل ما يجب علينا لأنفسنا ولشبابنا إنما هو التنبيه واللفت إلى ما يجب من الاحتياط والحذر حين تعرض عليه كتب بعينها حتى لا تُقرأ على علاتها، ولا تؤخذ في غير حذق وفطنة، فيكون شرها أكثر من خيرها، وخيرها أكثر من نفعها.
لرسائل إخوان الصفا قيمة أخرى لم أشر إليها بعد، وهي قيمتها الفنية الخالصة، فهي من حيث إنها تتجه إلى جمهرة الناس للتعليم والتثقيف، قد عدل فيها عن العسر الفلسفي إلى اليسر الأدبي، وعني كُتابها بألفاظها وأساليبها عناية أدبية خاصة، ففيها خيال كثير، وفيها تشبيه متقن، وفيها ألفاظ متخيرة ومعانٍ ميسرة، وليس من الغلو أنْ يقال: إنها قاربت المثل الأعلى في تذليل اللغة العربية وتيسيرها لقبول ألوان العلم على اختلافها. ولو أنَّ لدينا من الذين يعنون بالدرس الأدبي جماعة تتوفر على «رسائل إخوان الصفا» درسًا وتحليلًا ونقدًا؛ لكان من الممكن أنْ نتبين ما فيها من الشخصيات الفنية المتفاوتة، بل لكان من الممكن أنْ نستكشف بعض هذه الشخصيات، ومن يدري؛ لعل منها شخصيات معروفة كتبت في الأدب والفلسفة والعلم وعُرفت كتبها، واشتركت في هذه الرسائل سرًّا ولم يعرف اشتراكها إلى الآن.
وجملة القول أنَّ هذه الرسائل كنز لم يقدر بعد؛ لأنه لم يُعرف بعد، وهو إذا عُرف قد يجلو قطعة من حياة الأمة الإسلامية في عصر من أهم عصورها وأجلها خطرًا، وعسى أنْ يكون في نشر هذه الرسائل وتيسير الحصول عليها ما يدني من هذه الغاية ويقرب من هذا المثل الأعلى. -
مؤتمر العلوم التاريخية
مؤتمر العلوم التاريخية
طه حسين
جريدة السياسة
١٩ مايو ١٩٢٣
عُدْنا إلى العملِ صباحَ الخميس ١٢ أبريل، فسمعت محاضرات كثيرة مختلفة لا أعرض لها؛ لأن الصحف السيارة لا تتسع لمثلها، ولكني أذكر محاضرة واحدة سمعتها في لجنة تاريخ الديانات؛ لأن الذي ألقاها صديق لكثير من المصريين، وهو الأستاذ «لويس ماسينيون» Louis Massignon ، ولأن هذه المحاضرة أثارت مناقشة طويلة حادَّة، ولأن موضوع هذه المحاضرة يمس الإسلام وهو «أثر التصوف في تكوين العقائد الدينية عند المسلمين».
والحق أني لم أفهم الغرض الذي رمى إليه المُحاضِرُ، وإن كنتُ قد اشتركت في المناقشة، لم أفهم هذا الغرض؛ لأنه لم يكن بيِّنًا، ولأن أساس البحث الذي ذهب إليه المُحاضِرُ خطأ فيما اعتقد؛ فكثير من المستشرقين أمثال الأستاذ «لويس ماسينيون» على مهارتهم وحُسْن بلائهم في فهم اللغة العربية وخدمتها يخطئون فَهْمَ هذه اللغة أحيانًا ويقيمون على أغلاطهم نظريات طويلة عريضة عميقة، ولكنها ليست بذات غناء.
لم أفهم الغرض الذي رمى إليه الأستاذ، وأحسب أن كثيرًا من الأعضاء لم يفهم هذا الغرض، ومع هذا فقد تناقشنا وتناقشنا كثيرًا، ولكن موضوع المناقشة لم يكن ما أراد الأستاذ أن يثبت من تأثير التصوف في تكوين العقائد الدينية عند المسلمين، فلم يحفل أحد من الأعضاء بهذه النظرية، وإنما كان موضوع المناقشة هو أن التصوف العربي أثر خالص من آثار العرب أو شيء للعرب فيه حظ، ولكن معظمه موروث عن الأمم الأخرى.
أما الأستاذ «ماسينيون» فكان يعتقد أن هذا التصوف عربي خالص، أو يوشك أن يكون عربيًّا خالصًا، وإن ما يمكن أن تجد فيه من موافقة لما عند الأمم الأخرى لم يُؤخَذ عن هذه الأمم، وإنما هي المصادفة وتوارد الخواطر ووحدة النظام العقلي في التفكير مهما تختلف الأمم ومهما تختلف البيئات. فليس حتمًا إذا فكَّرَ العربيُّ كما فكَّرَ اليونانيُّ أن يكون العربيُّ قد أَخَذ عن اليونانيِّ، ولكن من المعقول جدًّا أن يكون اليونانيُّ والعربيُّ قد فكَّرَا بطريقة واحدة فاهتديا إلى نتيجة واحدة، وإذن فيجب ألا نغلو في القول بأن العرب قد أخذوا عن غيرهم هذه النظرية أو تلك.
هنا اشتدت المناقشة، فمن الظاهر أن توارد الخواطر ممكن بل إنه واقع، بل إن هناك نظريات تشترك فيها أمم مختلفة دون أن تكون إحداها قد أخذت عن الأخرى، ولكن إمكان الشيء غير وجوده بالفعل وليس يستطيع التاريخ أن يكتفي بالإمكان والفرض؛ فذلك شيء قد يكتفي به الفلاسفة والمفكرون.
فأما المؤرخون فيريدون الحقائق الواقعة ولا يلجأون إلى الافتراض إلا لتفسير هذه الحقائق تفسيرًا مؤقتًا حتى يُتاح لهم استكشاف الحقائق الواقعة التي تُفسِّر ما لديهم، فإذا رأينا عند العرب فكرة صوفية أو غير صوفية تُوافِق ما رَأَيْنا عند اليونان أو عند الفُرْس كان لنا أن نفترض توارُدَ الخواطر، وكان لنا أن نفترض أن العرب قد أخذوا عن اليونان أو الفرس، كان لنا أن نفترض الأمرين جميعًا، وأن نبحث عما يرجح هذا الفرض أو ذاك.
وهنا تظهر قيمة المؤرخ وتظهر قيمة التاريخ، وليس يجب أن نجد النصَّ التاريخيَّ الذي لا يحتمل الشك على أن العرب قد أخذوا عن اليونان أو عن الفُرْس لِنَنْفِيَ توارُدَ الخواطر؛ فكثيرًا ما تَضِيع النصوص دون أن يكون ضياعها مصدرًا لضياع الحقيقة. وليست النصوص كلَّ شيء في التاريخ؛ فهناك الصلات التي تختلف قوة وضعفًا وتتفاوت متانة ووهنًا بين الأمم. وهذه الصلات إذا ثبتت ثبوتًا تاريخيًّا كافيًا أباحت للمؤرخ أن يرجح تأثير الأمم بعضها في بعض.
وليس يجب أن يكون هذا التأثير ظاهرًا يعلمه الناس جميعًا، يعلمه من أثَّرَ ومن تَأثَّر؛ فأشد أنواع التأثير عملًا في الحياة الاجتماعية، بل في الحياة الدولية — إن صح هذا التعبير — هو ما كان خفيًّا يجهله مصدره كما يجهله قابله. فإذا ثبت أن اليونان مثلًا كانوا يرون هذا الرأي بعينه، وكان فلاسفتهم يشرحونه ويفسرونه ويدرسونه في المدارس المختلفة، وأن اليونان قد وصلوا إلى الشرق ونقلوا إليه علمهم وفلسفتهم وتركوا فيه عادات وضروبًا من التفكير ليس إلى إنكارها من سبيل، وإذا ثبت أن هذه الآراء أو هذا الرأي لا يلائم ما نعرف عن بداوة العرب ولا عن صدر الإسلام كان من الحق أن يرجح المؤرخ أن ظهور هذا الرأي أو هذه الآراء في الفلسفة العربية، أو في التصوف العربي بعد أن اختلط العرب بالأمم التي خضعت لتأثير اليونان، وبعد أن تعربت هذه الأمم فكتبت علمها وفلسفتها بالعربية بعد أن كانت تكتبهما باليونانية أثر من آثار الفلسفة اليونانية والعلم اليوناني لا نتيجة من نتائج الابتكار العربي.
وقُلْ مِثْلَ هذا في الفقه؛ فنحن نعلم أن العرب لم يترجموا فقه الرومان ولم يدرسوه درسًا مُنَظَّمًا، ولكنَّا لا نشك في أن الفقه الإسلامي قد تأثر بالفقه الروماني قليلًا أو كثيرًا، سواء أعلم بذلك الفقهاء أم لم يعلموا؛ ذلك لأن البلاد الإسلامية قد خضعت لحكم الرومان وقوانينهم دهرًا، ولأن هذه القوانين قد دُرِّسَتْ درسًا مزهرًا في الشام والجزيرة ومصر؛ فيجب أن يترك حكم الرومان وقوانينهم ودرس هذه القوانين آثارًا قوية في حياة الشعوب التي خضعت لها وأن تتكوَّن من هذه الآثار الاجتماعية لهذه الشعوب.
والعرب لم يهدموا كل شيء، وإنما صبغوا أكثر الأشياء التي وجدوها بالصبغة الإسلامية، فليس غريبًا، بل ليس من شك في أن كثيرًا من أحكام الفقه الروماني قد اصطبغت بالصبغة الإسلامية دون أن يشعر الفقهاء بذلك، فنحن نحسب هذه الأحكام إسلامية خالصة حين هي إسلامية رومانية.
لا يَغْضَبِ العلماء؛ فأنا أذكر الفروع لا الأصول، ولعلهم لا ينكرون أن الفقهاء يعتبرون العرف في كثير من مسائل الفقه، وأن هذا العرف إنما تكوَّنَ من النظام اليوناني والروماني والفارسي. هذه النظم التي تعاقبت على الشام، ومصر، والجزيرة.
وإذن فهناك تأثير خفي قد يكون أشد وأقوى من التأثير الواضح الذي تحدثه الأمم بعضها في بعض، ومن الإسراف أن نقطع بأن هذا الرأي، أو هذه النظرية أثر عربي خالص، أو أثر يوناني خالص، وإنما سبيل القصد في ذلك إذا لم توجد النصوص هو ترجيح تأثير الأمم بعضها في بعض حتى يظهر ما يبين خطأ هذا الترجيح.
حول هذه النقطة دارت المناقشة ولم يستطع الأستاذ «ماسينيون» أن ينكر صحة هذا الاستدلال، ولكن الذي أعجبني في هذا كله أن خمسة أو ستة اشتركوا في هذه المناقشة غير الأستاذ «ماسينيون» وغيري وكان منهم الفرنسي والإنجليزي، وكانوا جميعًا يلمون بتاريخ الدين الإسلامي إلمامًا حسنًا يمكنهم من المناقشة والاستدلال ببعض النصوص، بل إن أحدهم كان يستدل بنصوص لا نستطيع نحن في مصر أن نستدل بها مع أنها نصوص إسلامية؛ لأنها نصوص فارسية، ولأن علماء الدين الإسلامي في مصر يكتفون بدرس شيء من الكتب العربية، وليس منهم من يتخصص بدرس تاريخ الدين الإسلامي عند الفرس أو عند الهنود وبقراءة ما كتب الفرس، أو ما كتب الهنود في الدين.
وحسبك أن المئات من علماء الإسلام في مصر لا يعرفون إلا اللغة العربية، ولست أطالب العلماء بدرس اللغة الفرنسية أو الإنجليزية؛ فقد يكون ذلك واجبًا محتومًا، وإنما أطالبهم بشيء آخر أشد من هذا وجوبًا، وهو أن يدرسوا الدين الإسلامي كما ينبغي، والدين الإسلامي عربي، ولكن أممًا غير العربية قد اعتنقته ودرسته وكتبت فيه. وأؤكد للعلماء أن الدين الإسلامي قد أثر في هذه الأمم كثيرًا وتأثر بها كثيرًا.
وإذن؟
وإذن؛ فمن الحق على علماء الإسلام أن يدرسوا تاريخ الإسلام لا في مصر والشام وحدهما، بل فيهما وفي بلاد الإسلام الأخرى، ولو أني من علماء الإسلام ولو أن لي كلمة مسموعة بين علماء الإسلام لاقترحت وألححت في الاقتراح أن تُدرَّس اللغات الأجنبية الإسلامية في الأزهر الشريف، وأن تكون هناك فصول تتخصص في درس الفارسية وأخرى في درس التركية وأخرى في درس اللغات الإسلامية التي ليست تركية ولا فارسية. فمن المؤلم ومن المخزي أن تُدرَّس كتب الدين التي كُتِبَتْ بالفارسية أو بالتركية، أو بلغة أخرى من لغات الهند مثلًا في فرنسا وإنجلترا وألمانيا وأمريكا، وأن يجهلها علماء الإسلام في الأزهر الشريف. والأزهر الشريف يُعَدُّ هو الجامعة الإسلامية الكبرى!
هلمُّوا أيها السادة العلماء، طالبوا بأن تُدرَّس اللغات الإسلامية في جامعتكم الإسلامية درسًا مفصلًا نافعًا، فإنكم إن لم تفعلوا أضعتم على الأزهر حقَّه في أن يكون الجامعة الإسلامية الكبرى، وليس ينبغي أن تكون مدرسة اللغات الشرقية في باريس أنفع من الأزهر الشريف.
أليست المطالبة بهذا والإلحاح فيه أوفق بعلماء الدين وأجدى عليهم وعلى الدين من مطالبة من كان يطالب بأن تكون المعاهد الدينية فوق الدستور؟
أما مساء الخميس فقد كان لذيذًا، قضينا شطرًا منه نستمتع بلذة الموسيقى، وقضينا الشطر الآخر في بيت وزير المعارف. اجتمعنا الساعة الثانية في كنيسة أثرية كبرى في بروكسل هي كنيسة «سانت جودول» وكنا قد دُعِينا إلى هذا الاجتماع لا للصلاة ولا للتقديس، ولكن للدرس والتاريخ في لذة ومنفعة.
هنا خطبنا قسيسٌ فلم يتحدث إلينا في دين المسيح، ولم يُفسِّر لنا إصحاحًا من الإنجيل أو آية من التوراة، وإنما تحدَّثَ إلينا في الفن وتحدَّثَ إلينا في الآثار؛ ذلك أن هذه الكنيسة قديمة بعيدة العهد بالتاريخ بُدِئَ في إنشائها في القرن الثاني عشر، واختلفت عليها أطوار الفن والعمارة إلى آخر القرن السابع عشر، فخطبنا هذا القسيسُ ساعةً وبعضَ ساعة مبيِّنًا لنا هذه الأطوار المختلفة التي مرَّتْ بها الكنيسة، مقارنًا بين هذه الكنيسة وبين ما يشبهها من كنائس فرنسا وألمانيا من الوجهة الفنية الخالصة، مناقشًا آراء بعض الفنيين والأثريين من الألمان والفرنسيين؛ لأن هذه الكنيسة لا تزال تشغل الباحثين إلى اليوم وإلى الغد.
أعترف بأني لم أكن أفهم شيئًا كثيرًا من خطبة القسيس؛ لأني لست أثريًّا ولا فنيًّا ولا أكاد أتصوَّر فن العمارة، ولكن مع هذا كنت أُعْجَب بهذا القسيس إعجابًا شديدًا لا يعدله إلا إعجابي بقسيس آخر خَطَبَنا في المؤتمر خطبة ليس بينها وبين الدين صلة؛ لأنها كانت تتناول نسخة قديمة يختلف العلماء في تحديد العصر الذي نُسِخَتْ فيه، فيرى بعضهم أنها نُسِخَتْ في القرن العاشر وبعضهم قبل ذلك وبعضهم بعد ذلك، ويحكم القسيس بين هؤلاء العلماء المختلفين.
كنت إذن أُعْجَبُ بهذين القسيسَيْن، ولعل مصدر إعجابي بهما لا يخفى على السادة العلماء، وأنا أعتذر إلى السادة العلماء، فلست أريد أن أغضبهم وما أبغي بهذا الحديث إلا الخير لهم ولنا؛ ذلك لأن علماءنا لا يستبدون بملك أنفسهم، فلنا عليهم بعض الحقوق؛ لأننا نريد أن يكون علماء الدين فينا أئمةً وفخرًا في وقت واحد.
ويؤلمني جدًّا أن أقارن بينهم وبين رجال الدين في أوربا؛ لأن هذه المقارنة لا تسرهم ولا ترضيهم كما أنها لا تسرنا ولا ترضينا، وكما أنها تدل على أن الفرق عظيم جدًّا بين علماء الدين اليوم وبينهم منذ قرون.
هذا قسيس قد درس دينه فأتقنه وهو يؤدي واجبه الديني، وأؤكد لك أن الواجب الديني الذي يؤديه القسيس أشق وأعسر وأشد استغراقًا للوقت من الواجب الديني الذي يؤديه العالم المسلم؛ لأن الإسلام دين هين لين سهل لا كلفة فيه ولا تعقيد، وحسبك أن صلاة المسلم تستغرق دقائق، وأن صلاة القسيس المسيحي لا تُقاس بالدقائق، وحسبك أن العالم الديني عندنا إذا صلى وأدى واجباته الدينية الشخصية، وألقى درسه أو درسيه فهو حُرٌّ، وأن القسيس ليس له من الحرية مثل هذا المقدار العظيم.
ومع ذلك، فالقسس في أوروبا لا يكتفون بدرس الدين وأداء واجباتهم الدينية، وإنما كثير منهم رجال دين ورجال علم، وكثير منهم رجال دين ورجال فن، وكثير منهم يستطيع أن يناهض العلماء والفنيين الذين اختصوا بالعلم والفن فينهضهم ويتفوق عليهم. وهذان القسيسان اللذان ذكرتهما قد اختص أحدهما بفن العمارة واختص الآخر بعلم من علوم التاريخ.
وأؤكد لك أن لجنة من لجان المؤتمر لم تكن تخلو من قسيس، وأن اللجنة التي كنت فيها كان يرأسها قسيس، وأنه أَظْهَرَ عنايةً شديدةً بصبح الأعشى، وما يشتمل عليه صبح الأعشى. وأؤكد لك شيئًا آخر، وهو أن الفلاسفة إذا ائتمروا فسيشترك معهم القسيسون، وأن علماء الكيمياء إذا ائتمروا فسيشترك معهم، وقُلْ مِثْلَ ذلك في الأطباء، وقُلْ مِثْلَ ذلك في علماء الحياة، وقُلْ مِثْلَ ذلك في علماء الرياضة. وما لي أذهب بعيدًا وفي مصر مدارس اليسوعيين ومدارس الفرير، وفي فرنسا جامعات تقوم على رجال الدين، ويدرس فيها أبناء الأرستقراطية المحافظة، فإذا تقدموا إلى الامتحانات العامة في الجامعات الحكومية لم يكونوا أقل نجاحًا من غيرهم، وربما كانوا أكثر منهم فوزًا؟!
فأحب الآن أن تُحَدِّثني عن علمائنا في مصر. مع من يستطيعون أن يأتمروا؟ أمع المؤرخين وهم يجهلون جهلًا تامًّا تاريخ أوروبا وأمريكا، بل تاريخ الشرق، بل تاريخ اليونان والرومان، وأستحيي أن أذكر تاريخ الإسلام؟!
أمع الجغرافيين أم مع الرياضيين أم مع علماء الحياة؟
سينعقد في مصر مؤتمر جغرافي بعد سنتين، فهل يشترك فيه علماء الدين؟ ذلك لأني لقيت في بروكسل أسقفًا فرنسيًّا سألني عن جمعيتنا الجغرافية الملكية، وعلمت منه أنه سيشترك في مؤتمرنا الجغرافي، وثق بأنه لن يكون الوحيد من رجال الدين المسيحي في هذا المؤتمر.
أليس يحسن؟! أليس يجب على علماء الإسلام في مصر أن يبذلوا ما يملكون من جهد وقوة ليكونوا كغيرهم من رجال الدين؟! ليكون منهم المؤرخ والجغرافي وعالم الكيمياء وعالم الطبيعة والفلكي (وإنما أريد الفلكي الحديث)، كما أريد إذا ذكرت المشتغل بالطبيعة من لا يكتفي بدرسها في إشارات ابن سينا.
أيشعر علماء الدين عندنا بهذا البون الذي يباعد بينهم وبين علماء الدين في أوروبا؟ أيشعرون بأنهم يُحْسِنون إلى أنفسهم إن أزالوا هذا البُعد ويحسنون إلى أمتهم أيضًا؛ لأنها تستطيع يومئذ أن تعتز بهم حقًّا، وأن تأتمَّ بهم حقًّا في دينها ودنياها؟
سمعنا خطبة القسيس، ثم سمعنا بعدها ضروبًا من الموسيقى الدينية القديمة التي أَحْدَثُها يرجع إلى القرن الخامس عشر، وأشهد إني أُعْجِبْتُ بهذه الموسيقى وأشهد إني طربت لهذا الغناء اللاتيني الجميل، ولكني لا أطالب بأن أسمع موسيقى أو غناء في مساجدنا، فأنا أعلم أن مساجدنا إنما أُنْشِئَتْ لذكر الله، ولذكر الله في سذاجة وسهولة. لا أطلب ذلك ولا أفكر فيه، وحسبي أن التذكر في المسجد بترتيل القرآن الكريم، وإنما أطالب بشيء وألح فيه الإلحاح كله، أطالب بأن يكون من بين علمائنا مَنْ يستطيع أن يُحدِّثنا عن تاريخ الأزهر الشريف، وجامع قلاوون، وجامع برقوق، من الوجهة الفنية كما استطاع قسيس بروكسل أن يحدثنا عن كنيسة «سانت جودول».
سمعنا الموسيقى وطربنا لها، ثم أردنا أن ننصرف فإذا إكليل من الزهر ضخم بديع قد وُضِع ناحية في الكنيسة، وإذا قوم من جماعة المؤرخين قد تقدَّمُوا فحملوه، ومضوا فتبعهم المؤتمرون في وقار وإجلال، وما هي إلا دقائق حتى وصلنا إلى قبر الجندي المجهول، فإذا هذا الإكليل يُمثِّل تحية مؤتمر العلوم التاريخية لأبناء بلجيكا الذين قضوا في الدفاع عن وطنهم.
أما ليلتنا عند وزير المعارف فلا أحدثك عنها إلا بشيء واحد، وهو أن جميع المؤتمرين كانوا في قصر الوزير، وكان معهم سفراؤهم أو وزراؤهم المفوضون إلا مصر، فلم يكن لها سفير ولم يكن لها وزير مفوض، ولم يكن لحكومتها مندوب، وإنما كان هناك طربوش حائر بين هذه الجماعات! ولولا أن وزير المعارف كان قد أُنْبِئَ بمكان هذا الطربوش لما شعر به أحد، ولكن الوزير أقبل ومعه رئيس مكتبه؛ فحيَّاني تحية حسنة، ودعاني مندوب مصر فلم أصلح خطأه.
ثم لقيت أثناء السهرة مؤرخًا شابًّا بولونيًّا تعرَّفَ إليَّ لأن زوجه تعرَّفَتْ إلى زوجي ودعاها إلى هذا التعرُّفِ الطربوشُ، وكان هذا العالم البولوني الشاب مندوبَ عصبة الأمم في مؤتمر العلوم التاريخية؛ لأن عصبة الأمم قد مثلت نفسها في مؤتمر العلوم التاريخية. وكيف لا تفعل، وقد أنشأت لجنة علمية سمتها لجنة التعاون العلمي؟!
صافَحَني هذا الشابُّ، وقال: «هناك مسألة تُحيِّرني، ولعلَّك تُجِيبني عليها. ما بال مصر لم تُمثَّل في عصبة الأمم؟! ومتى تطلب هذا التمثيل هنا؟»
أعترف أيها القارئ بأني قد كذبت ولم يكن مصدر الكذب إلا الحياء؛ ذلك لأني أجبتُ سائلِي على الفور: «ستطلب مصرُ الانضمامَ إلى عصبة الأمم في هذه السنة!» قال صاحبي: إذن فسيُرَدُّ طلبها قبل انعقاد الجمعية العمومية؟ قلتُ: أعتقد ذلك.
فهل لرئيس الوزراء أن يعفيني من خزي هذه الكذبة التي لم يضطرني إليها إلا تقصير حكومتنا وتفريطها في الاستمتاع بما لنا من حق؟