الاصلاح والعمران
طه حسين
مجلة الهداية
؟؟؟
الآن كثر القول في مسألة المرأة، فاقتحمها الكاتب والشاعر والخطيب، ولم تبقَ صحيفة من الصحف العربية إلا طرقت هذا البحث وسلكت فيه سبيلًا، وكذلك الأندية العامة ومجالس السمر، لم يبقَ منها ندي ولا مجلس إلا اتخذ هذا الحديث من شئونه وأسماره. وهذه مقدمة لازمة لكل فكرة عامة تريد أنْ تأخذ نصيبها من الوجود الكامل، وتنال قسطها من الحياة الدائمة؛ فإن الناس لا يعدلون طريفًا بتليد ولا يميلون عن قديم إلى جديد إلا إذا أهابت بهم من المصلحين أصواتٌ لها قصيف الرعد وزئير الأسد، تزلهم عما كانوا عليه وتحملهم على ما يُدعَوْن إليه.
سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلًا.
وإذا عُني الرجال في هذه الأيام بمسألة المرأة، فإنما يُعنَون بمسألتهم قبل كل شيء؛ إذ كان ما ينالهم وينال أنسالهم من هوى أو رقي نتيجة لازمة لما تكون عليه حال المرأة من صلاح أو فساد.
كيف لا، والمرأة هي قالب النوع الإنساني يفرغه الله فيه ويصوغه على مثاله؟!
تحمل وليده تسعًا وترضعه شفعًا، وتربوه طفلًا، وتُأدِّبه يانعًا، وترشده غلامًا وكهلًا.
أفلا يكون حقًّا على الرجل بعد ذلك أنْ يختص مسألة المرأة بالبحث والتمحيص، ويُصفِّي جوهرها من أخلاط الشك وأدناس الوهم، حتى تخلص من كل شائبة وتصير من قلبه إلى مكان اليقين.
بلى، إنَّ هذا حق لا شك فيه ولا مندوحة عنه؛ ولذلك لم نجد بدًّا من أنْ نلقي دلونا في الدِّلاء، ونضرب مع القائلين بسهم في مسألة المرأة؛ رغبة في تأييد الحق والذود عنه، واستجابة لهذا الدعاء المحزن الذي يصدر عن بنات النيل، وفيهن أخواتنا وأهل مودتنا الآن، ومنهن زوجاتنا وبناتنا في مستقبل الدهر ومستأنف الأيام.
ذلك الدعاء المحزن الذي يرسلن به أصواتًا فاترة على أنها تنال من نفوس الرحماء وتبلغ من قلوب الصالحين، غير أنَّ لكل كاتب في أي مسألة من المسائل حدًّا يجب أن لا يتعداه، ومدى يجب أنْ ينتهي إليه وحدنا في هذه المسألة، إنما هو دين الله الذي أنزله شفاء لأدواء الأفراد والأمم وإصلاحًا للفاسد من أمورهم؛ فعلينا أنْ نقف عنده ولا نتعدَّى حدَّه، ومن يتعدَّ حدود الله فأولئك هم الظالمون.
على هذا الأصل الصحيح، نقول: إنَّ رُقيَّ المسلمين رهين بأن يرجعوا إلى أصول دينهم الذي أهملوه، وكتابهم الذي أغفلوه، فيتمسكوا بأسبابها، ويتعلقوا بأهدابها، وعلى غير ذلك لا تقوم لهم قائمة ولا يصلح لهم جيل.
حرية المرأة
ليست مسألة المرأة منحصرة في الحجاب أو السفور، كما يظن بعض الكاتبين، وإنما ترجع في الحقيقة إلى أصلين كبيرين؛ أحدهما: تربية المرأة، والثاني: حريتها. ولسنا بقائلين في الأصل الأول شيئًا اليوم، وإنما نرجئه إلى الفصول التالية؛ لأنه يحتاج إلى كلام كثير، وسنكتب الآن في الأصل الثاني، فنقول:
الحرية المطلقة ظل الحياة المطلقة، فحيثما وُجِدت الأولى يجب أنْ تُوجَد الثانية. ومعنى ذلك أنَّ الحرية المطلقة حق فطري للذكر والأنثى من الحيوان على السواء، وليس الإنسان إلا فردًا من أفراد الحيوان، وفرعًا من فروعه؛ فالرجل والمرأة إذن قسيمان في الحرية المطلقة، والمنفعة وحدها هي التي تحد هذه الحرية العامة بحدود العقل والعادة والدين؛ فكل ما يفيد حرية الرجل من هذه الحدود يفيد حرية المرأة كذلك.
هذا شيء متفق عليه لا معنى للبحث عنه والجدال فيه، وإنما نبحث عما جعل للرجل سلطانًا على المرأة، وميَّزه عليها وقيَّدها بقيود خاصة لا ينال الرجل منها شيء، ونقول: ليس لهذه القيود مصدر إلا نظام الأسرة؛ فهو الذي اقتضى أنْ يكون للرجل قيامة على المرأة، فيكسب لها القوت ويجمع من أسباب الراحة والدعة ما يُمكِّنها من أنْ تقضِيَ حاجَ المنزل، وتقوم على تربية البنين والبنات، وليس من الممكن غير ذلك؛ لأنه مقتضى الفطرة والطبيعة، ولكن هل قيام المرأة بحاج المنزل وفروض التربية يقضي بأن تُسلَب حريتُها، وتُقصَر في القيود كما تُقصَر الأمتعة.
هذا ما لا يمكن القول به، بل يجب القول بنقيضه؛ فإن المرأة إذا لم تكن مطلقة اليد، حرة في أعمالها وأقوالها، يستحيل أنْ تقوم بما يجب عليها حق القيام.
لذلك لم يأتِ الدين الإسلامي بما يُقيِّد هذه الحرية أو يقص جناحها، وإنما جاء بما يجعل هذه الحرية صالحة نافعة يقوم بها أمر المرأة وتنتظم أحوالها.
ما الذي فرضه الإسلام على المرأة؟ وما الذي أمرها به؟
فرض عليها العفة، كما فرضها على الرجل، وأمرها بأن تتجنب سبيل الظنة، كما أمر بذلك الرجل. عرف أنَّ في المرأة وجمالها فتنة للرجل هي مظنة الفسوق؛ فنهاها عن أنْ تبدي من زينتها ما تستطيع إخفاءه وهو غير الوجه واليدين؛ فقد قال القرآن الكريم: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا)، وفهم المسلمون من هذه الزينة الظاهرة الوجهَ واليدين، فأي تكلف في هذا الأمر؟! وأي عناء ينال المرأة من اتباعه؟!
ما الذي تريده المرأة إذا أباح الله لها أنْ تظهر من زينتها مثل ما يظهره الرجل.
لم يأخذها الإسلام بحجاب ولا نقاب، ولئن سألتَ الذين ينتحلون ذلك على الإسلام من أي آية في كتاب الله، وأي حديث في سُنة نبيه أخذتم حكم الحجاب والنقاب لَينالهم الإعياء والقصور!
أباح الإسلام للمرأة أنْ تخرج من منزلها، فتغشى مجالس العلم ومساجد الصلاة، ومواضع الرياضة في غير ما فتنة ولا فسوق.
عرف الإسلام من طبيعة الرجل والمرأة أكثر مما نعرف، فحظر عليها أنْ تخلو بالأجنبي، كما حظر ذلك على الرجل، وأي مصلحة عامة أو خاصة ينالها الإنسان من خلوة الأجنبي بالأجنبية؟! ليست هناك مصلحة ما، ولكن هناك مفاسد كثيرة، إنْ لم تكن متحققة فهي مظنونة التحقق، والمظنة مبنى الأحكام في الأديان والشرائع قديمًا وحديثًا. ومن اختبر النساء وابتلى طبيعتهن عرف أنَّ المرأة مهما كانت طاهرة الذيل نقية الجيب عفيفة النفس؛ فإنها مظنة الانخداع بأماني الرجال ووعودهم، ولا سيما إذا قُرِنت إلى الثناء. ولله در «شوقي» حيث يقول:
خدعوها بقولهم حسناءوالغواني يضرهن الثناء
عرف الإسلام ضعف المرأة عن المقاومة البدنية والنفسية؛ فحظر عليها أنْ تسافر إلا مع زوج أو محرم يدفع عنها ختل الخاتل وشر الغائل، فما الذي تسمو إليه المرأة بعد ذلك؟!
وكيف يُعد هذا تقييدًا لحريتها، وهو في الحقيقة مبالغة في العناية بها؟! هل أخطأ الإسلام في أن عُنِي بأمر المرأة، ورفع من شأنها حتى جعلها لا تسافر إلا مع الحرس والمحافظين عليها؟!
من هذا كله تنتج نتيجة لازمة، وهي أنَّ الإسلام قد جاء للمرأة بأحسن نظام تسمو إليه، وسنَّ لها أقوم سُنَّة تطمع فيها، وإنها لو اتبعت ذلك النظام واستنت هذه السُّنَّة، لبلغت أقصى ما تطلبه وتطمع فيه من الرقي والكمال.
ولنُلخِّص في كلمات قليلة حكم الإسلام في المرأة وحريتها، فنقول:
لا فرق بين المرأة والرجل في الحرية، وكلاهما مأمور بمكارم الأخلاق، منهي عن مساوئها، محظور عليه أنْ يتعرض لمظان الشبه؛ فالمرأة لا تخلو بالأجنبي، ولا تسافر وحدها، ولا تتبرج تبرج الجاهلية الأولى، ولها بعد ذلك أنْ تفعل ما تشاء في غير إثم ولا لغو. لها أنْ تطرح النقاب وترفع الحجاب، وتتمتع بلذات الحياة كما يتمتع الرجل، وليس عليها إلا أنْ تقوم بما أخذت به من الواجب لنفسها وزوجها والنوع الإنساني كافة.
هذا هو حكم الإسلام في المرأة، وهو رأينا الذي لا نحيد عنه، ولا نعدل به رأيًا آخر.
Tag: Islamic reform
-
الاصلاح والعمران
-
حقيقة الدين
حقيقة الدين
— طه حسين —
مجلة الهداية
يناير ١٩١٢
زعموا والزعم في هذه الأيام كثير أن الرجل لا يكون خيراً صالحاً ولا مسلماً متورعاً ولا تقياً رشيداً إلا إذا اصطنع أموراً خاصة وانتحل نحلاً معينة وذهب مذاهب معروفة، فليس له أن يلبس إلا لبوساً خاصاً فيكبر العمامة ويرسل أردان الثوب ويطيل الأكمام ويمشي مشية المتخشع الذي يتكلف الوقار ويظهر الحرص عليه. وينبغي أن يأخذ في يده مسبحة طويلة كبيرة الحبات ويغرس في عمامته سواكاً طويل القامة ويملأ أنفه من حين إلى حين بألوان من السعوط ويطلق لسانه من آن إلى آن بأنواع من الكلام تكثر فيها القاف وغيرها من الحروف الضخمة الفخمة. فكل هذه أمور لازمة وصفات ضرورية هي مقومات العلم والدين فليس لمسلم صالح أن يحيد عنها أو يتكلف غيرها إلا إذا أراد أن يحيد عن السنة ويميل عن العقيدة الطاهرة ويذهب مذهب الملحدين.
قالوا: ولا بد من التردد على مقابر الأولياء ومشاهد الصالحين والطواف بها والوقوف عليها وإظهار الخشية والرهبة لها والتقرب إلى الله عز وجل ببركة سكانها، ومن حاد عن ذلك فقد اختار الأولى على الآخرة وآثر الباطل على الحق ورغب إلى الدنيا عن الدين.
قالوا: ولا بد مع ذلك من الاحتفاظ بعقائد السلف وعادات الأولين والابتعاد عن استحداث الأمر الصالح والسنة النافعة وعن الجهر بالرأي والتصريح بذات النفس وعن القول في العلم والدين بما لم يقله قائل ولم يذهب إليه ذاهب، فإن ذلك أدنى إلى حسن العاقبة وأخلق بمن يريد أن يلقى الله بنفس بريئة وقلب سليم.
ذلك هو القانون الذي رسموه وأوجبوا على المسلم الصالح أن يتبعه ويحرص عليه ليسلم له دينه وتصح له عقيدته ويأمن من حر النار وعذاب الجحيم، وقد رأوا أن العدول عنه والتبديل فيه نوع من الشرك وضرب من الزندقة وطائف من المروق.
بذلك انطلقت ألسنتهم وفاضت فتياهم وعليه دلت أعمالهم وبرهنت أطوارهم، فلنبحث الآن عن نصيبه من الحق وحظه من الصواب وليكن بحثنا في هذا الفصل مجملاً موجزاً لنتبعه فيما بعد بفصول ضافية متصلة نشرح فيها حقيقة العقائد الدينية لتهتدي إليها الأمة ويظهر عليها الجمهور.
لا نفهم للدين معنى يقصد إليه أكثر من هداية النفوس إلى ما يصلح أمرها في الآخرة والأولى، فإن الإنسان اجتماعي بطبعه مدني بفطرته نزاع إلى إيثار نفسه بالصالحات واختصاصها بالطيبات، وذلك مؤدٍ لا محالة إلى اختلاف الأهواء وافتراق الآراء وتباين المذاهب والأغراض، فقد تتعارض المصالح وتتنافى المنافع فيدعو ذلك إلى اضطغان الصدور وامتلاء القلوب بالموجدة والبغض، وذلك مصدر فساد في الأرض يعقبه سفك للدماء المحرمة وإهدار للنفوس المعصومة وقطع لأواصر المودة والألفة بين الناس وهدم لصروح الحضارة والعمران، فلا بد من حاكم حازم وسلطان رشيد يحكم بين الناس بالقسط ويرد عادية القوي الظالم عن الضعيف المظلوم ويصرف الأفناء والجماعات إلى العمل الصالح والرغبة في الخير والمنفعة العامة.
ثم إن مما لا شك فيه أن لكل عمل من أعمال الإنسان أثراً حسناً أو سيئاً ونتيجة محمودة أو مرذولة كما أن له مقدمة وعلة، وأقصى ما لأعمال الإنسان من النتائج والآثار هو ما يلقاه بعد الموت من خير أو شر ومن نعيم أو جحيم، وذلك كله يقتضي أن هناك مصرفاً للأمور ومسيراً للعالم ومثيباً بالحسنات ومعاقباً على السيئات ومسيطراً على النفوس ومستأثراً بالقلوب، فلا بد للإنسان من مرشد إلى هذا كله ودال عليه لأن عقله لا يستقل بالوصول إلى حقيقته، ولئن استطاع أن يعلم ظاهراً من الحياة الدنيا فإنه لن يستطيع أن يعلم قليلاً من أمر الآخرة لانقطاع الأسباب بينها وبين العقل. وقد امتن الله على الإنسان فأرشده إلى كل ذلك بمن أرسل إليه من رسل وما أنزل عليهم من كتب وما شرع لهم من دين.
فليس لأحد أن يذهب في فهم الدين غير هذا المذهب أو ينحو غير هذا النحو أو يسلك غير هذه السبيل، لا لأنا نحجر على الرأي أو نستبد في النظر بل لأن ذلك هو الحق الواضح الذي ينطق به الدين وينادي عليه: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾، ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾.
هذه آيات الكتاب ناطقة بأن الله لم ينزل كتبه ولم يشرع دينه إلا لهداية القلوب وإرشاد الناس إلى منافعهم في الدنيا والآخرة، وقد أحل لهم فيه الحلال وحرم عليهم الحرام وماز لهم الحق من الباطل والرشد من الغي والحسن من القبيح، فمن بدّل فيه أو زاد عليه فهو حريّ بالإثم خليق بسوء الجزاء.
فلنبحث الآن عن هذه الأوضاع المحدثة والأطوار المبتدعة ولننظر أين مصدرها من الدين وهل جاء بها نص ظاهر أو مؤول من سنة أو كتاب.
نعرف أن ليس في القرآن الكريم آية أو سورة أنزلت لبيان ما ينبغي أن يتخذ الناس من لبوس، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأخذنا بنوع خاص من الثياب أو شكل معين من الأزياء، وإنما ترك لنا ذلك لأنه لم يبعث ليعلمنا كيف نلبس أثوابنا أو نصور أشكالنا، وإنما بعث ليعلمنا كيف نعبد الله عز وجل وماذا ينبغي أن نتخذ إلى السعادة في الدنيا والآخرة من سبيل.
لذلك لم يقيد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنفسهم بزي خاص بل اتخذوا العمائم قبل الفتح ولبسوا القلانس بعده واستبدلوا المخيط من الثياب بالأزر والأردية واتخذوا القصور الشامخة في العراق والشام بل وفي المدينة نفسها، وقد تحلى معاوية بالذهب والفضة ولبس الديباج والحرير، ولعمري إنا لأسمح ديناً من أن نضيق بما وسع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
نعرف أن الإسلام إنما شُرع حرباً على الوثنية وماحياً لها وعدواً للباطل وقاضياً عليه، فهو أطهر وأنقى وأكرم عنصراً من أن يأمر بتعظيم القبور والأنصاب وتقديس الأحجار والأشخاص. وإنما الذي ينبغي تعظيمه ويجب تقديسه والإذعان لسلطانه هو الله الذي لا إله إلا هو قد استأثر بالعزة والسطوة وانفرد بالعظمة والجلال.
قالوا: لا نعبد هذه القبور والأشخاص ولا نقدسها وإنما نتقرب بها إلى الله ونتشفع بها لديه. ولعمري ما قالوا إلا شراً وما ذهبوا إلا إلى بدع من الأمر ومنكر من الباطل. فليس بين الناس وبين الله من سبب ولا وسيلة إلا الطاعة الخالصة والإنابة البريئة من الشرك والرياء والله عز وجل يقول: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ ويقول: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ﴾. وإنما التوسل بالأشخاص والتماثيل سبيل المشركين به الخارجين عليه الذين أنكرت عليهم عبادة الأصنام والتماثيل فقالوا: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى. ومن ذا الذي يتقرب إلى الله بشخص لا حول له ولا طول أو تمثال لا حس به ولا حياة ثم يعتقد بعد ذلك أنه صادق في دينه مخلص في إيمانه قد خلصت عقيدته من الشك وتمحضت لليقين.
نعرف أن الإسلام إنما شرع محرراً للعقول والآراء مستنقذاً للأفراد والجماعات من الرق الأدبي والمادي، وبهذه المزية أحيا الأمم ورقى الشعوب، فمن أين لهؤلاء المبتدعة القول بأن الاجتهاد في الدين غي والتصريح بالرأي إثم وإيثار المنفعة للمسلمين مروق؟ ومن قبلنا قد اجتهد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدين وجهروا بآرائهم واختاروا المصالح للناس، لم يتقيدوا إلا بالكتاب والسنة وعلى سنتهم مضى التابعون.
أفكان سلفنا الصالح مبتدعاً مارقاً؟ كلا، وإنما هو الحرص على القديم السيئ والتمادي في الباطل المهلك قد انتهى بهم إلى ما يقولون، ويا ليتهم ذهبوا في هذا الأمر إلى شيء مجمل أو قالوا فيه مقالة موجزة قابلة للتأويل، ولكنهم قد أكثروا القول وبسطوه وفصلوا الأمر ولجوا فيه، فزعموا أن دين المرء لا يصح إلا إذا قرأ عقيدة السنوسي التي يعلمها الخليل أطفال الجنة إلى غير ذلك مما لا مصدر له إلا الأوهام والأباطيل.
الآن قد أشرنا إشارة مجملة إلى حقيقة الدين وبينا أنه لا يتناول أكثر من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن زاد على ذلك فيه فقد ضل وأضل. ولنا فيما بعد فصول مبسوطة نفصل فيها القول ونبسط فيها الكلام.