Tag: Italy

  • غموض

    غموض
    كان الناس يتهامسون في الأسبوع الماضي بأن شيئًا جديدًا قد طرأ في مسألة الدين، وأداء فوائده ذهبًا أو ورقًا. وكانوا يتهامسون بألوان من الأحاديث في تفسير هذا الشيء الطارئ، وأشرنا نحن إلى هذا كله حين أخذنا الوزارة القائمة بالمواقف المريبة التي تقفها بإزاء المفاوضات والامتيازات والدين. ولم نرد أن نفصّل، ولم نرد أن نبسط القول، فقد زعموا أن من الحق على الصحف إذا عرضت لبعض المسائل السياسية الخارجية أن تصطنع الدقة وتحرص على الاحتياط، وألا تقول كل ما تعلم حتى لا تُحرج الذين يشتغلون بهذه السياسة الخارجية، ولا تُثير من المشكلات ما لا خير في أن يُثار.
    لذلك لمحنا ولم نصرّح، وأجملنا ولم نفصّل، وقدّرنا أن في هذا التلميح ما يكفي. ولكن يظهر أن «الأهرام» تريد أن تخطو خطوة أوسع من خطوتنا نحن؛ فهي تلمح أيضًا، ولكن تلميحها أقرب إلى التصريح، وهي تُجمل ولكن إجمالها أدنى إلى التفصيل.
    وهي تُحدّثنا صباح اليوم بأن مسألة الدين قد طرأ عليها تعقيد سياسي له قيمته وخطره. فالظاهر أن المندوب السامي قد ذهب إلى لندرة ليُقنع حكومته بمعونة مصر في ألا تدفع ذهبًا. وكانت حكومته قد أظهرت استعدادها لهذه المعونة، وموافقتها على وجهة النظر المصرية. والظاهر أيضًا أن إيطاليا قد أظهرت ميلًا إلى إجابة مصر إلى ما تريد. وإذن لم تبقَ إلا دولة واحدة هي التي لم تغيّر موقفها، وهذه الدولة هي فرنسا.
    والأهرام تتساءل عن الأسباب التي تدعو فرنسا إلى التشدد في موقفها هذا، وتمنعها أن تُظهر لمصر ما أظهرته دائمًا من المودة وحسن الاستعداد لتوثيق الصلات بينها وبيننا على قاعدة التعاون الصادق الخالص من الشوائب بمقدار ما تستطيع الصلات السياسية بين الأمم أن تخلص من الشوائب.
    وتحاول الأهرام أن تُجيب عن هذا السؤال، فلا تُصدّق أن فرنسا تتشدّد في موقفها لأن الفرنسيين الذين يملكون السندات المصرية كثيرون جدًّا، وتلاحظ الأهرام—ولها الحق—أن منفعة فرنسا إنما هي في حسن الصلة بينها وبين مصر، وفي المحافظة على تقاليدها في معاملة مصر، وفي الظفر بما ظفرت به دائمًا من حب المصريين لها، وإيثارهم إياها بالمودة حين يُقيمون في بلادهم، وبالزيارة حين يرحلون عنها.
    وإذن فليس هذا السبب هو الذي يضطر فرنسا إلى أن تتشدّد في موقفها بإزاء مسألة الدين، ويكون حظها من حسن الاستعداد أقل من حظ إنجلترا وإيطاليا، فيجب أن يكون هناك سبب آخر. وهذا السبب تستنتجه الأهرام بالظن والحدس، ونريد نحن أن نستنتجه بالظن والحدس أيضًا كما فعلت الأهرام، لأن الظن والحدس هما أقرب وسائل الاستنتاج وأصدقها في مثل هذه المسائل.
    وهو أن فرنسا ليست قليلة الحظ من حسن الاستعداد بالقياس إلى مصر، ولعلها شديدة الحرص جدًّا على أن تحتفظ بتقاليدها، وتؤثر حب المصريين ومودّتهم على هذه المبالغ المالية اليسيرة التي لا تُلائم حقًّا ولا عدلًا.
    ولعلها كانت تريد أن تقبل وجهة النظر المصرية، ولكنها على أن تقبلها هي، وعلى أن تُسدي هي إلى مصر هذا الصنيع، وعلى أن يشعر المصريون شعورًا واضحًا بأنها قد آثرت مودّتهم على منفعة فريق من أبنائها.
    فأما أن تغيّر موقفها لأن الإنجليز أرادوا ذلك، وأشفعوا فيه، فتخسر هي من الناحية المادية، ولا تربح شيئًا من الناحية المعنوية، ويستأثر الإنجليز بهذا الربح المعنوي، ويعتقد المصريون أن إنجلترا هي التي وضعت عنهم ثقل الدفع ذهبًا، فذلك شيء تنفر منه فرنسا ولا ترضاه، لا لكرامتها ولا لما تريده لأعمالها من حسن الموقع في نفوس المصريين.
    وتدافع الأهرام بعد ذلك عن توسط الإنجليز بما ليس يعنينا أن نقف عنده الآن. إنما الذي يعنينا هو أن تحرج فرنسا من أن تُسدي إلى مصر صنيعة بإرادة الإنجليز أو بشفاعتهم، أمر قد تحدّث فيه الناس منذ أيام، وكرهنا نحن أن نفصّل القول فيه. وما كنا لنعود إليه لولا أن استنتجته الأهرام صباح اليوم بالظن والحدس والتخمين كما تقول.
    ومن المعقول جدًّا أن تجد دولة عظيمة كفرنسا مثل هذا الحرج، ولكن من المعقول أن يتساءل الناس عن الذي اضطر فرنسا إلى هذا الحرج. فالمعروف أن الإصبع الإنجليزية لا تدع أمرًا من أمور السياسة الخارجية المصرية إلا مسته ولعبت فيه. والمعروف أن فرنسا وغيرها تعلم هذا حق العلم، وتعلمه بنوع خاص منذ سنة ١٩٠٤، وتعلمه بنوع أخص منذ أرسلت إلى الدول تبليغها بعد صدور تصريح فبراير ١٩٢٢.
    وإذن فأيّ شيء جدّ في الأمر؟ أهي حكومتنا التي لم تُحسن تصريف هذا الأمر الدقيق، ومراعاة ما يحيط به من الظروف، فاضطربت فيه اضطرابًا مريبًا، أظهرت للفرنسيين استقلالًا لم تستطع أن تحتفظ به وتمضي فيه، وأظهرت للإنجليز تهالكًا لم تستطع أن تخلّص منه أو تتراجع عنه؟ فصدقها الفرنسيون وهمّوا أن يعاملوها معاملة الحكومة المستقلة، وأسرع الإنجليز فاستغلوا تهالكها عليهم، وإسرافها في الاستعانة بهم، ونشأ عن هذا الموقف المريب ما كان موضوع حديث الناس منذ أسبوع، وما استنتجته الأهرام بالظن والحدس والتخمين صباح اليوم.
    أم هو شيء آخر لم يصل إليه حظ الأهرام من الظن والحدس والتخمين؟ قد يكون هذا وقد يكون ذاك، وكلاهما يُحزن، وكلاهما يسوء.
    ولكن وراء هذا وذاك شيئًا لا يُحزن ولا يسوء، بل يسرّ ويرضي، وهو أن موقف الأمة المصرية بإزاء مسألة الدين قد أحدث آثاره الطبيعية، فأخذت الدول تُظهر استعدادها لقبول الرأي المصري، وكلها يحرص على أن يشعر المصريون منها بحسن هذا الاستعداد.
    ووراء هذا وذاك شيء آخر، هو أن من الخير أن تتخذ الحكومة في السياسة الخارجية طريقًا واضحة، وخطة صريحة جليّة، لا يظهر فيها عوج ولا التواء. فقد يدعو فساد الظروف السياسية الداخلية للحكومة إلى أن تدور وتضطرب، فتمضي حينًا وترجع حينًا، وتمضي مرة ذات اليمين وأخرى ذات الشمال، وتسرف مرة في القوة، ومرة في الضعف، وتصانع مرة، وتصارح مرة أخرى. كل هذا يحدث—مع الأسف—وكل هذا يمكن تفسيره وتأويله في السياسة الداخلية.
    أما في السياسة الخارجية فشرّه إن حدث عظيم، لأن السياسة الخارجية لا ينبغي أن تعتمد على مداورة الأحزاب، ولا مصانعة الأصدقاء ومدافعة الخصوم.
    وسواء أصحّت كل هذه الأحاديث أم لم تصح، فإن الذي يُلاحظ دائمًا على سيرة وزارتنا القائمة في مسائل السياسة الخارجية هو أنها لا تخلو من غرابة، وإيثار للغموض والإبهام.
    والواقع أننا لم ننتظر خيرًا منذ ارتحل رئيس الوزارة إلى أوربا، فأخذ يظهر في سياحته تلك بهذه المظاهر الفخمة الضخمة التي هي أشبه شيء بالإعلان التجاري منها بالزيارات السياسية.
    لم ننتظر خيرًا من هذا الإعلان، بل توقّعنا منه شرًّا كثيرًا. فقد يكون من الحسن أن يظهر رئيس وزرائنا في إيطاليا وفرنسا مظهر رئيس الوزراء لبلاد مستقلة حقًّا، ولكن على شرط أن يجد من نفسه القوة على أن يظل كذلك، وبشرط ألا يستحيل هذا الاستقلال متى وصل رئيس الوزراء إلى جنيف، فأخذ ينتظر وزير الخارجية الإنجليزية، ويصطنع المقبول وغير المقبول من الوسائل ليظفر برؤيته والتحدّث إليه، ثم إذا عاد إلى القاهرة اتخذ المقبول وغير المقبول من الوسائل ليُظهر أنه متمتع بعطف وزير الخارجية الإنجليزية.
    هذا التناقض نفسه مريب، وهو إن كان مريبًا بالقياس إلى المصريين—مع أنهم يعلمون من أمر رئيس الوزراء ما يعلمون—فهو أكثر ريبة بالقياس إلى الأجانب الذين إن عرفوا شيئًا فقد تخفى عليهم أشياء.
    لقد زار رئيس وزرائنا روما وفرنسا، وتحدّث إلى الحكومتين الإيطالية والفرنسية في مسألة الدين حديث الوزير المستقل، ولكنه لم يلبث أن ذهب إلى جنيف فدار حول وزير الخارجية الإنجليزية دوران الوزير غير المستقل، ثم عاد إلى القاهرة وإذا الإنجليز يتوسطون عند فرنسا وإيطاليا فيما كان يُحدّثهما فيه رئيس الوزراء من غير واسطة.
    فإحدى اثنتين: إما أن يكون رئيس وزرائنا مستقلًّا فيسير سيرة المستقلين، أو تابعًا فيسير سيرة التابعين.
    أما الاضطراب بين هاتين السيرتين فهو الذي لا خير فيه، وهو الذي يُثير الريب والشكوك، ويملأ الجو بهذه الأحاديث التي أفاض الناس فيها منذ أيام، والتي استنتجتها الأهرام بالظن والحدس والتخمين صباح اليوم، والتي لا تفيد أحدًا من الأجانب ولا من المصريين.
    كوكب الشرق ٢ – ٤ – ١٩٣٣

  • مدرسة

    مدرسة

    أما ناظرها فحضرة صاحب الدولة إسماعيل صدقي باشا، وأما طلابها فينقسمون إلى ثلاثة أقسام: طلاب مرشحون، وهم هؤلاء المستوزرون من أعضاء البرلمان ومن غير أعضاء البرلمان، لا يُشترط فيهم إلا شرط واحد نعرفه جميعًا ونقرّه جميعًا، وهو ألا يكونوا من المعارضة أو من أنصار المعارضة! وإنما يظهر فيهم ظهورًا واضحًا استعدادٌ حسن لتأييد الوزارات مهما تكن، وتأييد صاحب الدولة صدقي باشا بنوع خاص.

    وطُلاب عاملون، وهم حضرات أصحاب المعالي والسعادة والعزة الذين يختارهم رئيس الوزراء بالفعل، ويعهد إليهم بتدبير أمور الدولة تحت إشرافه الباهر، وفي ظل سياسته الحكيمة.

    وطُلاب مفصولون، إما لأنهم أسرفوا في النجاح، أو لأنهم أسرفوا في الإخفاق أثناء وقت الدراسة والتمرين، وهم هؤلاء الوزراء الذين يُنقلون أو يُقالون أو يستقيلون. فمنهم من يعمل في سفارات الدولة، ومنهم من يستريح في بيته، وأولئك وهؤلاء ينتظرون أن يحتاج رئيس الوزراء إليهم، فيردّهم إلى المدرسة ليستفيدوا من كفايته، أو ليدرّبهم ويمرّنهم مرة أخرى.

    وأما هيئة التعليم في هذه المدرسة ففرد واحد، جمع اللّٰه فيه أفرادًا، وشخص واحد ألّفه اللّٰه من أشخاص، وكفاية واحدة صاغها اللّٰه من كفايات. وهذا الفرد المتحد المجتمع، وهذا الشخص المؤتلف المختلف، ذو الكفاية المحصورة المنثورة، هو حضرة صاحب الدولة رئيس الوزراء. وقد يعينه أساتذة مساعدون كما يقول الجامعيون، وقد يعينه مدرسون أيضًا. وهؤلاء الأعوان يختلفون، فبعضهم من المصريين، وبعضهم من الإنجليز، وبعضهم من الأوروبيين بوجه عام.

    وأما أمد الدراسة في هذه المدرسة فيختلف طولًا وقصرًا، ويختلف عرضًا وضيقًا باختلاف ما يستمتع به الطلاب من استعداد للنجاح والتفوق أو للإخفاق والعجز. فمنهم من يقضي في المدرسة شهرًا ثم يُنقل، ومنهم من يقضي في المدرسة عامًا ثم يُوكَل إليه عمل آخر، ومنهم من يقضي في المدرسة عامين ثم يخرج، ومنهم من يقضي شهرين ثم يستقيل. وكذلك أراد اللّٰه لمصر المستقلة أن تنشأ فيها هذه المدرسة الغريبة التي لم تسبقنا إليها أمة من الأمم إلا الأمة الإيطالية الصديقة، والتي لم يؤسسها قبل رئيس وزرائنا إلا زعيم إيطاليا العظيم السنيور موسوليني.

    فقد لاحظ الناس جميعًا، وتحدثت الصحف الأوربية المختلفة، أن الزعيم الإيطالي قد أنشأ مدرسة للحكم، يُهيّئ فيها الإيطاليين لفهم النظام الإيطالي الجديد؛ فهو يجمع الوزراء ويفرقهم، وهو يُقرّهم ويُقلقهم، وهو يريد أن يهيئ للفاشزم أجيالًا من الوزراء، إذا خلا منهم جيل خلفه جيل آخر.

    ولم يقلده في هذا النحو من التعليم إلا رئيس وزرائنا العظيم!

    أما هتلر فقد نهض بأعباء الحكم في ألمانيا، وأمامه مثلان: يستطيع أن ينظر إلى إيطاليا فينتفع، ويستطيع أن ينظر إلى مصر فيستفيد. وأكبر الظن أنه سينظر إلى البلدين جميعًا، فكلاهما خليق أن يعلّم فيُحسن التعلّم.

    ليقل الساسة والصحفيون ما يشاءون في تفسير هذا الترقيع الذي أُحدِث في الوزارة صباح أمس. ليعلّله بعضهم بنسيم يهبّ من اليمين، أو ريح تعصف من الشمال. ليلتمس بعضهم تفسيره في عناد حزب الاتحاد، أو في طمع حزب الشعب. أما أنا فلا أفسره إلا بشيء واحد: هو أن رئيس الوزراء قد أنشأ مدرسة للحكم، فهو يحكم من ناحية، ويعلّم الحكام ويُخرجهم من ناحية أخرى!

    ورئيس الوزراء لم يذهب إلى روما في الصيف عبثًا، ولم يلقَ زعيمها العظيم عبثًا، ولم يُثنِ على أساليبه في الحكم عبثًا، ولم يعد بأنه سيستفيد من هذه الأساليب عبثًا. فلم يكد يعود من أوربا ويستقر في مصر أشهرًا حتى أظهر أنه قد انتفع بلقاء الزعيم الإيطالي العظيم، فأبعد عن الوزارة وضمّ إليها. ثم لم يكد يستقر بعد ذلك شهرين حتى أقصى عن الوزارة وأدنى، رغم ما ألمّ به من مرض، وما احتمل من ألم وسقم.

    هي إذن خطة خطّها رئيس الوزراء لنفسه في تسيير سفينة الوزارة، وهذه السفينة قد يواتيها النسيم فتعتدل وتستقيم، وقد تعصف بها الريح فتترجح وتضطرب إلى أن يأذن اللّٰه لها فتستريح وتُريح.

    وقد تضيق بهذا النحو من التفسير والتأويل، وتسألني أن أذهب مذهب غيري من الكتّاب فأجدّ في الفهم والتفسير، ولكن ما رأيك في أني لا أحب هذا الجد ولا أميل إليه، ولا أستطيع أن أكره نفسي عليه؟ وكيف تريدني على أن أكتب جادًا في السياسة المصرية إذا لم تكن هذه السياسة نفسها جادة ولا محبة للجد؟ ومن ذا الذي يستطيع أن يزعم أن سياستنا جادة، وهي تقوم على إهمال الشعب وإنكاره، والإعراض عمّا يحب، والإقبال على ما يكره، والانصراف عمّا يريد، والتهالك على ما يأبى؟

    وكيف تريد أن تكون سياستنا جادة، ورئيس وزرائنا لا يتحرّج من أن يقول في كتابه الذي رفعه إلى حضرة صاحب الجلالة الملك إنه انتهى من إقرار النظام، فهو يستطيع أن يدع وزارة الداخلية إلى وزير آخر؟

    أحقٌّ إنه يترك وزارة الداخلية لأنه قد أدى مهمته وأقرّ النظام؟ أم الحق أنه يدع هذه الوزارة لأنه لا يستطيع منذ اليوم أن ينهض بأعبائها مع ما ينهض به من الأعباء الأخرى؟ وأخيرًا، كيف تريد أن تكون سياستنا جادة، وقد جمع رئيس الوزراء إليه الهيئة البرلمانية لحزبه فأبلغها أنه قرر وأنفذ تعديل الوزارة، فسمعت الهيئة وتأثرت وهنّأت، ثم انصرفت لتجدد التأثر والتهنئة والشكر في مجلس النواب؟

    لا، إنما تجد سياستنا يوم تكون أمور الشعب إلى الشعب، ويوم يُقضى في أمور الشعب جهرة، ويوم تُستشار الهيئات البرلمانية، ولا يُقتصر على تبليغها والاستماع لما تقدم من تحية وتهنئة وشكر وثناء.

    فإلى أن يأتي هذا اليوم الذي تجد فيه السياسة المصرية، فتضطرنا إلى أن نجدّ في فهمها وتفسيرها، بل في بذل ما نملك من جهد لتقويمها إن اعوجّت، وتوجيهها إن انحرفت، إلى أن يأتي هذا اليوم يحسن أن نعبث مع سياستنا العابثة.

    ستسألني: ومتى يأتي هذا اليوم؟ فمن يدري؟ لعله يكون أقرب مما تظن وأظن. فلننتظر باسمين.

    كوكب الشرق ١٤-١-١٩٣٣

  • أمثلة

    أمثلة
    حديث اليوم
    لم أكن إذا مخطئاً ولا مسرفاً حين قدرت أن رئيس وزرائنا سيستفيد من زيارته لروما ، وسيقوم من عظيم إيطاليا السنيور موسوليني مقام التلميذ النجيب من الأستاذ البارع . فرئيس الوزراء نفسه يسجل هذه التلمذة في رسالته البرقية التي يودع بها أستاذه قبل أن يفارق أرض إيطاليا الجميلة .
    رئيس الوزراء يعلن أنه معجب أشد الإعجاب بما بلغته إيطاليا من الرقي المادي (والأدبي) بهمة موسوليني وعبقريته ، وأنه وهو يمثل أمة صديقة لإيطاليا يغتبط بهذه الحقيقة ويلتمس في أعمال موسوليني أمثلة صالحة . هو إذاً معجب بموسوليني ولا جناح عليه في هذا الإعجاب ؛ وكل إنسان حر فيما يحب ويكره ، وهو إذاً يلتمس في أعمال العظيم الإيطالي أمثلة صالحة ، وهو كذلك حر لم يتجاوز حقه ولم يعد طوره ؛ فلكل إنسان أن يختار القدوة التي يريد أن يقتدي بها ، والأسوة التي يريد أن يتأسّاها . وهو يعجب بموسوليني ويتخذه قدوة لا عن نفسه وحدها ، بل عنها وعن مصر كافة ؛ فرئيس الوزراء يمثلنا جميعاً ، وهو لا يسألنا عن رأينا في هذا التمثيل ولا يعنيه أن ترضى به أو نسخط عليه . وهو صادق فيما يدعي من تمثيله إيانا وأنا أول من يشهد بصدقه ، ويؤمن بتمثيله لمصر . وآية ذلك أني إن تهمته بأنه يقول غير الحق ، أو شككت في تمثيله لمصر أو أنكرت أني أثق به وأطمئن إليه ؛ فأمر السياسة وأمري إلى من تعلم ؛ ممن لا نحب أن نراهم في غير ضرورة ماسة ؛ أو حاجة ملزمة . وليس علينا بأس من أن ندع صدقي باشا يمثلنا كما يشاء بعد أن تركناه يمثل بنا كما أحب .
    رئيس وزرائنا إذاً تلميذ لعظيم إيطاليا ؛ ومصر تلميذة معه لإيطاليا ، والأيام دول ، والخطوب تختلف . فقد كانت مصر فيما مضى من الزمان قدوة اليونان والرومان ، فأصبحت الآن تلميذة لروما . ولكن الناس لا يقرأون كلام رئيس الوزراء كما ينبغي أن يقرأ ؛ ولا يفهمونه كما ينبغي أن يفهم . وهم من أجل ذلك يتعرضون لضروب من المكروه ، وفنون من خيبة الأمل . ولو قد قرأوه كما يقرأ الأبطال ، وفهموه كما يفهم عظماء الناس ؛ لعرفوا ما تضمره لهم الأيام من خير وشر . فاستعدوا للأحداث قبل وقوعها وتأهبوا للنائبات قبل نزولها . ولكنهم يمرون بكلام الرئيس كما يمرون بأي كلام آخر يفهمونه فهماً يسيراً ناقصاً ؛ ويحققون جملته ولا يحققون تفصيله ؛ ثم يدعونه وكأنهم لم يقرأوه ؛ وما على هذا الوجه يقرأ كلام البلغاء . ورئيس وزرائنا بليغ يقول الشيء الكثير في اللفظ القليل ؛ ويؤدي المعنى الغريب في اللفظ القريب ؛ وإذا كنت في حاجة إلى أن تقام لك الأدلة على هذا ، فقف معي وقفة قصيرة عند ختام الرسالة البرقية التي أرسلها عظيم مصر إلى عظيم إيطاليا ؛ فسترى أن فيه أسراراً خطيرة ؛ ونذراً مخيفة مزعجة . وأن من الحق على المصريين لأنفسهم أن يستعدوا ويتهيأوا لما ستتكشف عنه الأيام إن مُدّت للرئيس أسباب الحكم .
    أي شيء هي هذه الأعمال التي سيلتمس فيها صدقي باشا أمثلة صالحة؟ أما دستورنا القديم فقد دفنه رئيس الوزراء ؛ وأعلن أنه لن ينشر ؛ ولن يذوق الحياة مرة أخرى ، وقد استحدث الدستور الذي يراه كافياً لمصر ، وملائماً لحاجتها . وأما الصحف فقد فرض عليها رئيس الوزراء ما شاء ، مما يحقق لها الحرية الكاملة ، ويتيح لها التعبير عما ترى بما لم يتح لغيرها من صحف البلاد المسرفة في الديموقراطية . وأما المعارضون فقد أخذهم رئيس الوزراء بالنظام الجديد في حزم وقوة ، حتى آمنوا به ، وأذعنوا له ، واطمأنت نفوسهم إليه . وأما الإدارة فقد أصلحها رئيس الوزراء حتى استقام فيها المعوج ، واستقر فيها المضطرب ، وأمن الناس معها على كل شيء ؛ وأصبحت مثالاً ستتأثره الأمم الراقية التي تطمع في أن تكون لها إدارة حسنة . وأما ثروة الدولة وثروة الشعب ، فقد بلغ بهما رئيس الوزراء أقصى ما تطمع فيه مصر من الثبات واليسر حتى أصبحنا بفضله محسودين ؛ يجوع الناس ونحن شباع ؛ ويظمأ الناس ونحن ملاء ، وتصفر أيدي الناس من كل شيء وتمتلئ أيدينا بكل شيء . إذن فماذا يريد صدقي باشا أن يتعلم من موسوليني ، وفيم يريد صدقي باشا أن تتلمذ مصر لإيطاليا؟ . ألست ترى معي أن كلام رئيس الوزراء غامض يحتاج إلى توضيح ككل كلام بليغ ؟ . بلى ولم أكتب هذا الفصل إلا لأضع أمامك بعض الأمثلة التي سيلتمسها صدقي باشا عند السنيور موسوليني .
    النظام في مصر مستقر ، ولكنه مستقر بقوة الجند ؛ وما أظن أن هذا الكلام يجعل للنيابة عليه سبيلاً . فأنا لا أذكر الجند الأجنبي الإنجليزي ، ولا أزعم أن رئيس الوزراء يستند إلى حراب الإنجليز . وإنما أقول أن النظام الذي استحدثه رئيس الوزراء مستقر بقوة الجند المصري ؛ وواضح أن الجيش والشرطة إنما أُنشِئا للدفاع عن الوطن وإقرار النظام فيه . نظام رئيس الوزراء إذن محتاج إلى أن يعتمد على قلوب الشعب ؛ لا على رماح الجند وعصي الشرطة ، وليست بلاغة رئيس الوزراء مهما يكن بليغاً ، ولا فصاحة رئيس الوزراء مهما يكن فصيحاً ، ولا سخاء رئيس الوزراء مهما يكن سخياً . ليس شيء من هذا كله يستطيع أن يكسب قلوب الشعب للنظام الجديد . وإنما أمر هذا كله كأمر القوة والبأس ، يدور كل شيء فيه على الترغيب والترهيب وكل ما يعتمد على الترغيب والترهيب ، فهو موقوت يزول بزوال الرغبة والرهبة . فلابد إذن من عماد ثابت ؛ ودعامة باقية لهذا النظام الجديد . وقد وجد السنيور موسوليني لنظامه هذه الدعامة ؛ وذاك العماد ؛ فاصطنع فناً جديداً من فنون التربية يأخذ به الجيل الناشئ أطفالاً وصبياناً وفتياناً ؛ يجندهم نوعاً من التجنيد ؛ ويعلمهم فنوناً من التعليم ، ويمرنهم ضروباً من التمرين ، وينتهي بهم من هذا كله إلى أن الفاشي وحده يجب أن يكون قوام الحياة الإيطالية . وقد أصبحت إيطاليا بفضل هذا النظام الجديد أشبه شيء بإسبرطة في التاريخ القديم . فهذا مثل قد يجتذبه رئيس الوزراء ، فيقيم التربية والتعليم عندنا على النظام الجديد ، ليكسب له قلوب الأجيال الناشئة بعد أن لم يستطع أن يكسب له إلا أجسام الأجيال التي نشأت بالفعل . وتثبيت هذا النحو من نظم التربية والتعليم يحتاج إلى أن يخلص المربون والمعلمون والأساتذة لهذا النظام الجديد . وقد عرف السنيور موسوليني كيف يكسب هؤلاء الناس لنظامه .
    فأخذهم جميعاً بالأيمان المحرجة ، يقسمونها على الإخلاص للنظام ، وعلى أن يكون تعليمهم ملائماً له ؛ وخيّرهم بين هذا القسم وبين الفصل من مناصبهم . فاختار منهم فريق بقي في مناصب الدولة ؛ وامتنع منهم فريق فُصلوا من مناصب الدولة فصلاً . ولم يقتصر هذا التغيير على المعلمين في المدارس الأولية والثانوية ؛ بل تناول أساتذة الجامعات أيضاً . فهذا مثل آخر من الأمثلة الصالحة التي قد يلتمسها رئيس الوزراء عند موسوليني .
    ولا بد لاستقرار النظام من أن يفهمه الحكام على وجهه ، ويمرنوا على جملته وتفصيله ، ويؤمنوا به إيماناً صادقاً قوياً ، ومن أن يكون هؤلاء الحكام المؤمنون بالنظام كثيرين يمكن أن يتنقل بينهم الحكم ، وقد عرف موسوليني كيف يهيئ هؤلاء الحكام لنظامه فجعل نفسه أستاذاً ؛ وجعل حكومته مدرسة ، وجعل يمرن الوزراء على الحكم ، حتى إذا أحسنوه وأتقنوه عزلهم من الوزارة عزلاً ، وادخرهم ليوم مقبل أو نقلهم من الوزارة نقلاً ، ومرنهم على فن آخر من فنون الحكم . وكذلك يغير موسوليني وزراءه من حين إلى حين ؛ لا سخطاً عليهم ، ولكن تعليماً لهم وتأديباً . فهذا مثل آخر قد يلتمسه رئيس الوزراء عند موسوليني ، ولن يكون غريباً من الأمر أن يمد الله لصدقي باشا في أسباب الحكم أن يعود إلى مصر بعد أسابيع ؛ فيمتحن وزراءه ، ويعزل منهم من أتم التعليم ، ليعلم مكانهم قوماً آخرين ، ويفصل منهم من يرى أن ليس فيه خير للنظام الجديد
    ولا بد لإقرار النظام من أن تستمتع الدولة بهذا الشعور القوي بالعزة والسلطان ، ومن أن تكره الدول الأجنبية على أن تعرف لها حرمتها وعزتها وقد عرف موسوليني كيف يبلغ هذا من خصوم إيطاليا وأصدقائها فاستعمل العنف في السياسة الدولية ولم يحفل بالمجاملات المألوفة كثيراً ، وأخذ يلقي خطبه المزعجة فتقع في أوروبا وقع الصواعق . وأنا أعلم أن من العسير على صدقي باشا أن يقتدي بموسوليني في هذه الناحية . ولكن إذا لم نستطع أن نخيف الإنجليز جهراً بالخطب والجيوش والأساطيل ، فقد نستطيع بأن نخيفهم سراً بالزيارات والمقابلات والمخالفات . فأنت ترى أن رئيس وزرائنا قد كان بليغاً حقاً في رسالته إلى عظيم إيطاليا وأن مصر لم تخطئ حين أرسلته في بعثة قصيرة إلى روما ليتعلم على الأستاذ الأعظم فن الحكم وإقرار النظام . صدقني لا ينبغي أن يقرأ كلام رئيس الوزراء كما يقرأ كلام الناس ، وإنما ينبغي أن يحلل ويمحص ويقلّب على جميع وجوهه ، فإن في نفس رئيس الوزراء من الأسرار الغامضة ما قد يضيق به وادي النيل كله . وحسبك أن الله قد جمع مصر كلها فيه .
    طه حسين
    السياسة ، ٤ أغسطس سنة ١٩٣٢ .