Tag: John Milton

  • أثر الثقافة الإنجليزية في ثقافة العالم

    أثر الثقافة الإنجليزية في ثقافة العالم
    طه حسين
    زهرة الشرق
    ٧ أبريل ١٩٤١

    من الموضوعات التي يتناولها الناس بالمحاضرات ما لا يمكن التعمق فيه؛ لأنه أوسع وأخطر من أن يتناوله المحاضر في ساعة أو ساعات.

    والثقافة البريطانية الحديثة في هذا العصر الحديث هي مجموعة ما أنتجه العقل الإنجليزي في القرون الأربعة الأخيرة.

    ولقد تأثرت الثقافة الإنجليزية في عهد النهضة الأدبية في أوروبا بالثقافة اليونانية واللاتينية.

    وفي هذا العصر — القرن السادس عشر — كانت النهضة الثقافية مقسمة بين أمتين؛ هما الأمة الفرنسية والأمة الإنجليزية. وأخصُّ ما امتازت به هذه الثقافة في ذلك العهد شيءٌ من الرجوع إلى الحياة اليونانية القديمة، وما كان يميز هذه الحياة اليونانية القديمة من طموح إلى المثل العليا في الفن والأدب والفلسفة. ومعنى هذا أن النهضة قد تأثرت بما كانت تنزع إليه من حرية وثنية؛ لذلك اشتد الصراع بين هذه النزعة وأصول الحضارة في العصور الوسطى، وراحت الحكومات تعمل على مقاومتها، حتى كان من العسير أن ينشر المؤلفون كتبهم دون حاجة إلى من يحميهم من بطش الدولة وسطوة رجال الدين.

    كان الفرنسيون والإنجليز يتنازعون هذه الثقافة، وكانت طبيعة العقل الفرنسي تميل إلى الاتزان والتقيد بأصول محدودة في القول والعمل، على حين تختلف الطبيعة الإنجليزية إلى الحرية التي لا تعرف قيدًا ولا قانونًا.

    والفرنسي يميل إلى التأثر بالحياة الاجتماعية، على حين تميل الطبيعة الإنجليزية إلى الحرص على حرية الشخص، على أن تكون حياته ملائمة للحياة الاجتماعية، ولو في ظاهرها على الأقل.

    ومن هذا الخلاف بين طبيعة الأمتين ظهر الخلاف بين ما أنتجه هؤلاء وهؤلاء في الأدب.

    فبينما كانت المؤلفات الفرنسية حريصةً على ألا تخالف المألوف إلَّا بمقدار، كان ما ينتجه الأدباء الإنجليز ثائرًا على المألوف. ومن هنا كانت الآداب التي أنتجها الإنجليز أشدَّ تأثرًا من ناحية الحرية وأقلَّ تأثرًا من ناحية المزاج؛ أي إنها كانت متأثرة بالثقافة اليونانية وبالجموح البريطاني. والحرية في العصر الحديث ربما كانت نتيجة للحياة والثقافة الإنجليزية في ذلك العهد.

    ومن أروع الأشياء أن نتتبع حياة الحرية العقلية عند الإنجليز. والناس يعلمون أن إنجلترا موطن البرلمان وموطن الديمقراطية، ولكن ربما كان علمهم محتاجًا لأن يكون أكثر تعمقًا.

    ولقد ثار الإنجليز على الفلسفة القديمة، وخرجوا بالعقل من حدود التقيد بالقواعد التقليدية، وعملوا على تحريره من مختلف القيود، بحيث يفكر المرء كما يحب هو لا كما يريد أرسطوطاليس، ولا كما تريد الدولة والدين. ومن هنا نشأت حرية التفكير وحرية التعبير.

    وربما كان الشاعر الإنجليزي العظيم ملتون بطلًا عظيمًا من أبطال حرية العقل وحرية التفكير والتعبير، فقد جاهد في تحقيق هذه الحرية جهادًا عنيفًا، وأنفق حياته كلها في هذا الجهاد. وملتون هو الذي قال معرِّضًا بالأساقفة: «إنهم قومٌ عجزوا عن أن يصعدوا بأنفسهم إلى السماء، فأنزلوا الله إلى الأرض ليكون معهم.» ومن هذه الملاحظات — وليست إلَّا شيئًا يسيرًا مما كنت أحب أن أتحدث به إليكم — يستنتج أن الإنجليز بمزاجهم الخاص من جهة، وبتأثرهم بالثقافات القديمة، وباتصالهم بالأمم الأخرى؛ قد استطاعوا أن يكوِّنوا لأنفسهم ثقافة خاصة، وأخص طابع لها هو طابع الحرية الذي حدثتكم عنه. هذه الحرية التي حببت الأوروبيين في الثقافة الإنجليزية في القرون اﻟ ١٧ و١٨ و١٩، ولقد دفعت هذه الحرية الإنجليز أن يقرروا التجربة على أنها أصل من أصول العلم؛ ولذلك كانت إنجلترا أسبق الأمم إلى إقامة التجربة العلمية.

    وأظن أيها السادة أننا لو اختصرنا واجتزأنا في تشخيص الثقافة الإنجليزية؛ لقلنا عنها: إنها أعطت الثقافة الأوروبية حرية العقل التي أنتجت حرية التفكير والتعبير والتجربة، وأحدثت ما أحدثت من الثورة الديمقراطية في أوروبا.

    ولقلنا: إن الثقافة الإنجليزية وهبت العقل الأوروبي الحديث الحرية التي كان محتاجًا إليها. وبذلك لا نظلم الثقافة الإنجليزية؛ إذ نكون قد وصفناها بأحسن وصف يحرص عليه الإنجليز أنفسهم.